Cairo

قراءة تحليلية في خطاب بنيامين نتنياهو ضمن فعالية “خمسون ولاية – إسرائيل واحدة”

قائمة المحتويات

باحث مساعد في العلاقات الدولية بمركز ترو للدراسات والتدريب

مقدمة:

تشهد منطقة الشرق الأوسط في المرحلة الراهنة تصاعدًا غير مسبوقٍ في التوترات السياسية والأمنية، نتيجة استمرار الهجمات العسكرية الإسرائيلية على قطاع غزة وتوسّع نطاق العمليات لتشمل أهدافًا في دول إقليمية. وقد انعكس هذا التصعيد بصورة مباشرة ليس فقط على توازنات الإقليم والحراك الدبلوماسي إقليميًا ودوليًا، بل كذلك على مستقبل مفهومي الحرب التقليدية والدولة القومية الحديثة، حيث بدا أن أنماط القوة والشرعية لم تعد محكومة بالتصورات الكلاسيكية السائدة.

وقد مثّل هذا المشهد الدافع المباشر لانعقاد حدثين متزامنين متباينين في الغاية: فمن جانب برزت القمة العربية-الإسلامية الطارئة، التي هدفت إلى بلورة موقف جماعي إزاء الانتهاكات الإسرائيلية والتأكيد على مركزية القضية الفلسطينية باعتبارها البوصلة السياسية والأخلاقية للعالمين العربي والإسلامي[1]. وفي المقابل، شهدت القدس استقبال الحكومة الإسرائيلية لأكبر وفد من أعضاء الكونغرس الأمريكي في تاريخها، بمشاركة وزير الخارجية الأميركي، في إشارة واضحة إلى عمق الدعم السياسي –التنفيذي والتشريعي– الذي تحظى به حكومة نتنياهو رغم تصاعد الانتقادات الدولية[2].

إن هذه التفاعلات تضعنا أمام ما يمكن توصيفه وفق الأدبيات السياسية بـ “البجعة السوداء”[3]: أحداث نادرة وغير متوقعة تحمل آثارًا بنيوية عميقة وتعيد صياغة أولويات السياسات الإقليمية والدولية. فهجوم 7 أكتوبر وما تلاه من حرب مفتوحة، أعادا صياغة الحسابات الأمنية والسياسية لإسرائيل، وكرّسا مجددًا مركزية الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني في النظامين الإقليمي والدولي بعد محاولات طويلة لتهميشه.

وفي خضم هذا السياق، برزت فعالية “خمسون ولاية – إسرائيل واحدة” كأحد أبرز المنابر التي استثمرها نتنياهو لترويج رؤيته السياسية في واقع ما بعد السابع من أكتوبر، حيث عمل من خلالها على إعادة ترسيخ قيم سياسية مركزية في صلب مشروعه الفكري، وفي إطار أوسع يتصل بالتصور الصهيوني التصحيحي.

يسعى هذا التحليل للخطاب السياسي إلى إبراز أهم ما تم تناوله في خطاب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، في فعالية “خمسون ولاية – إسرائيل واحدة” التي انعقدت في مقر وزارة الخارجية الإسرائيلية في القدس، بحضور وفد موسّع من أعضاء الكونغرس الأمريكي إلى جانب وزير الخارجية الأمريكي ومسؤولين إسرائيليين رفيعي المستوى، باعتباره خطابًا سياسيًا كاشفًا يتيح الاقتراب من منطلقاته الفكرية، عبر تحليل كمي وكيفي يبرز أهم مضامينه، يبرز مدى اتساق الخطاب مع جوهر المشروع الفكري لبنيامين نتنياهو، ويبرز الدلالات السياسية المستنبطة من هذا الخطاب.

أولًا: أبرز ما تم تناوله في خطاب بنيامين نتنياهو ضمن فعالية “خمسون ولاية – إسرائيل واحدة”:

          يُعد خطاب بنيامين نتنياهو في هذه الفعالية[4] خطابًا كاشفًا بدرجة استثنائية، رغم أن القاعدة العامة في الدراسات السياسية تفيد بأن الخطابات الأكثر تعبيرًا عن المنطلقات الفكرية والسياسية للقادة لا تكون عادة في أوقات الحرب أو التصعيد العسكري[5]، حيث يغلب عليها الطابع التعبوي والآني. غير أن نتنياهو يُمثل حالة مغايرة، إذ إن المتأمل في كتاباته وخطاباته في فترات متفرقة من مسيرته السياسية، يلحظ أن لحظات الحرب والأزمات الكبرى هي الأكثر تجليًا لمشروعه الفكري، لا العكس.

          فعلى سبيل المثال، في فترته الثانية (2009–2013)، التي اتسمت نسبيًا بهدوء أمني مقارنةً بفترات ولاياته الأخرى، لم يُقدِّم نتنياهو مواقف فكرية كاشفة بذات القدر، بل انشغل بخطاب اقتصادي–اجتماعي داخلي وبملفات متعلقة بالصورة الدولية لإسرائيل. بينما في أوقات الأزمات الممتدة، سواء خلال الانتفاضة الثانية (2000–2005) أو حرب غزة 2014 أو حتى أحداث السابع من أكتوبر 2023 وما تلاها، كان خطابه أكثر وضوحًا في الكشف عن جوهر ما يمكن تسميته بـ”المشروع الفكري لبنيامين نتنياهو”. من هنا، يمكن القول إن خطاب “خمسون ولاية – إسرائيل واحدة” يأتي امتدادًا لهذا النسق، حيث استغل نتنياهو لحظة الحرب وما تحمله من زخم تعبوي ودبلوماسي لتجديد روايته الفكرية والسياسية، ولترسيخ عناصر مشروعه الأيديولوجي أمام جمهور مزدوج: الداخل الإسرائيلي من جهة، والداعم الأميركي من جهة أخرى.

يمكن القول أن بنيامين نتنياهو قد سعى من خلال خطابه إلى التحرك على ثلاثة محاور رئيسية، عبّر كل منها عن فئة مستهدفة وأفكار محورية:

  1. محور استهداف الرأي العام: حيث استخدم جملًا وشعارات مُكثّفة الهدف منها مخاطبة الجمهور العريض حول العالم الغربي، أولئك الذين بدأوا يتجهون نحو دعم القضية الفلسطينية، ومناهضة العنف الإسرائيلي، بغية تعبئته خلف سرديته السياسية وإعادة تأكيد مركزية إسرائيل كقضية رأي عام عالمي.
  2. محور ترسيخ شبكة التحالفات: وفيه حرص نتنياهو على تسليط الضوء على متانة التحالف مع الولايات المتحدة ودعمها غير المسبوق، من خلال استدعاء رمزيات، وتعزيز قيم مشتركة، وترسيخ التعاون بين الدولتين، وتأكيد تماهي الدعم الأميركي بين السلطتين التنفيذية والتشريعية.
  3. محور تحديد العدو: إذ ركّز على إعادة صياغة صورة الخصوم الإقليميين والدوليين لإسرائيل، وفي مقدمتهم إيران وحلفاؤها الإقليميون، بما يعيد تبرير استمرار العمليات العسكرية ويمنحها غطاءً فكريًا وأخلاقيًا.

المحور الأول: محور استهداف الرأي العام العالمي:

لم يقتصر خطاب بنيامين نتنياهو على مخاطبة الجمهور المحلي أو الحضور الأمريكي فحسب، بل انطلق بوضوح لاحتلال فضاء الرأي العام العالمي. لقد وظّف سردية إعلامية وتاريخية مدروسة تهدف إلى خلق مقابلٍ للسردية المناهضة لإسرائيل، فجعل من حدث السابع من أكتوبر لحظة تأسيسية جديدة تُعيد كتابة قواعد الشرعية الأخلاقية والسياسية في الصراع.

من خلال استدعائه التاريخي والسياسي لأحداث سابقة -كالإشارة إلى أن إسرائيل “تعرّضت لهجوم من وحوش حماس دون أي استفزاز” وأن المهاجمين “قتلوا 1200 من المواطنين، وأحرقوا أطفالًا أحياء، واغتصبوا ثم قتلوا نساء، وقطعوا رؤوس رجال، وأخذوا نحو 250 رهينة“- سعى الخطاب إلى رسم صورةٍ صادمة في مخيلة الرأي العام الدولي تُعيد تموضع إسرائيل كضحية أمام فعل همجي لا إنساني. هذه اللغة لا تكتفي بإدانة الخصم بل تعمل على نزع إنسانيته، عبر توصيفه بسمات حيوانية، الأمر الذي يتيح –على المستوى الرمزي– أمرين متلازمين:

أولًا، تسمح نزع الإنسانية عن الفاعل/المقاوم بخلق هامشٍ أخلاقي أوسع للردّ المسلح غير الإنساني.

ثانيًا، تُلغي أية رواية أو سردية مضادة تُبرّر أفعال مقاوِمة بدحضها مفهوم المعاناة البشرية؛ لأن الخصم قد تم تقديمه كمخلوق غير إنساني يفقد بموجبه شرعيته الأخلاقية والسياسية في ممارسة العنف أو المقاومة.

بجانب هذا البُعد، اعتمد نتنياهو بقوة على التجذير التاريخي لتأصيل شرعية الوجود أي الربط المتكرر بين اللحظة الراهنة وامتداد الشعب اليهودي لثلاثة آلاف وخمسمائة عام. هذا الامتداد يهدف إلى تحويل سؤال الوجود والسيادة من قضية سياسية عابرة إلى مسألة حضارية وتاريخية إذ أنه بهذا التحويل يصبح الحديث عن الدولة والمقاومة والحدود أمراً أقل ارتباطًا باللحظة الراهنة وأكثر ارتباطًا بحقوق تاريخية متجذرة، مما يصعّب على الرأي العام الدولي قراءة الأحداث بوصفها نزاعًا عابرًا أو نتيجة احتلال/استعمار بل يقدّمها كاستمرارية لحقوق شعبية وتاريخية.

وعليه، يعمل التركيب الخطابي المكون من نزع الإنسانية عن الخصم، والتجذير التاريخي كآلية مزدوجة لإعادة تعريف مفاهيم الشرعية في وعي الجماهير العالمية. من جهة يمنح الحرب غطاءً أخلاقيًا وتاريخيًا يتجاوز مجرد مصلحة وقتية، ومن جهة أخرى يعيد تشكيل مرآة الرأي العام بحيث يرى الصراع بعيون نتنياهو؛ عيون تضع إسرائيل ككيان تاريخي معرَّض للانقراض أمام قوى همجية تستهدف وجوده وذاته.

المحور الثاني: محور ترسيخ شبكة التحالفات:

حرص بنيامين نتنياهو في خطابه الأخير على أن يرسّخ صورة إسرائيل ليس كحليف سياسي عابر للولايات المتحدة، بل كجزء عضوي من بنيتها الحضارية والرمزية. فقد قدّم العلاقة بين الطرفين في إطار صيغة مباشرة: نحن أنتم، وهي صيغة تلغي أي مسافة بين الكيانين، لتجعل من إسرائيل مرآة للذات الأميركية، كما تجعل من الأخيرة مصدر الشرعية الذي يعكس وجود إسرائيل ويبرره. بهذا المنطق، لم يعد التحالف مجرد أداة لتحقيق مصالح حالية أو حماية أمنية وقتية، بل تحوّل إلى وحدة مصير تجعل التهديدات التي تواجه إسرائيل هي ذاتها التي تستهدف الولايات المتحدة، والعكس صحيح.

لتعزيز هذا التصور، لجأ نتنياهو إلى استدعاء الرمزيات الدينية المشتركة بين اليهودية والمسيحية. فقد ربط وجود إسرائيل ليس فقط بالمصالح الاستراتيجية الغربية، بل أيضًا بجذور توراتية وإنجيلية تجعل من الدولة العبرية امتدادًا طبيعيًا للتراث الديني المسيحي الغربي. هذه المقاربة تحوّل الدفاع عن إسرائيل من مجرد خيار سياسي إلى واجب ديني وأخلاقي بالنسبة للغرب المسيحي، وتجعل من أي تهديد ضدها اعتداءً على الأساس الروحي والثقافي للحضارة الغربية نفسها. وهكذا، يعيد نتنياهو إنتاج إسرائيل كجسر ديني–حضاري بين “أورشليم المقدسة” و”واشنطن الملهمة” أو كما يطلق عليها “أرض الأحلام[6]، لتصبح حمايتها مرتبطة بعمق العقيدة المسيحية بقدر ما ترتبط بمصالح القوة الأميركية.

وفي سياق متصل، يحرص نتنياهو على تقديم إسرائيل كدولة تفيد ولا تستهلك، باعتبارها حليفًا ذكيًا وفاعلًا منتجًا للمعرفة، لا عبئًا على شركائه. فهو يذكّر مرارًا بأن إسرائيل تقف في “خط المواجهة الأمامي” عن أميركا في الشرق الأوسط، لكنها في الوقت ذاته تمنح العالم ابتكارات علمية وطبية وتكنولوجية تسهم في رفاهية البشرية كلها فالهواتف المحمولة والأدوية والخضروات المعدلة جينيًا هي منجزات إسرائيلية بحسب خطابه. فالمعادلة التي يسعى لترسيخها تقوم على أن إسرائيل لا تطلب الحماية من الغرب باعتبارها “الضعيف” المستجدي دائمًا، بل تفرض حضورها كقوة متقدمة تكنولوجيًا وأمنيًا، قادرة على حماية ذاتها وحماية غيرها، بل وتمنح لحلفائها قيمة مضافة لا غنى عنها. ومن هنا، يصبح التحالف معها ليس فقط واجبًا أخلاقيًا ودينيًا، بل أيضًا مكسبًا عمليًا واستراتيجيًا للولايات المتحدة وحلفائها.

ولمزيد من شرعنة هذا المنطق، لجأ نتنياهو إلى التشبيهات التاريخية الأميركية، فشبّه هجوم 7 أكتوبر على إسرائيل بهجمات 11 سبتمبر على أميركا. هذا الربط يعيد صياغة معاناة إسرائيل بلغة أميركية داخلية، بحيث تصبح الحرب الإسرائيلية انعكاسًا مباشرًا لتجربة عاشها الشعب الأميركي نفسه. والنتيجة أن سردية نتنياهو لا تكتفي بالتماهي الرمزي بين إسرائيل وأميركا، بل تترجم هذا التماهي إلى معادل تاريخي وديني وأخلاقي يجعل الدفاع عن إسرائيل مرادفًا للدفاع عن الذات الأميركية، والحفاظ على التحالف معها مرادفًا للحفاظ على هوية الحضارة الغربية بأسرها.

المحور الثالث: محور تعريف العدو:

لم يكتفِ بنيامين نتنياهو في خطابه بتسليط الضوء على السردية التاريخية لإسرائيل أو على متانة شبكة تحالفاتها، بل حرص أيضًا على صياغة صورة محددة للعدو تعطي للحرب معناها وشرعيتها. فقد قدّم حركة حماس باعتبارها التجسيد الأكثر فظاعة للإرهاب المتوحش، مستدعيًا أحداث السابع من أكتوبر لتثبيت هذه الصورة. لكن نتنياهو لم يحصر تعريف العدو في حماس وحدها؛ بل عمد إلى توسيع الدائرة لتشمل إيران (وهو العدو الرئيسي) ومحورها الإقليمي، معتبرًا أن الهجوم على إسرائيل ليس فعلًا منفصلًا، بل حلقة في مشروع أكبر يستهدف الحضارة الغربية ذاتها. ومن هنا، ربط بين الهتافات الإيرانية “الموت لأمريكا” و”الموت لإسرائيل”. هذا التوسيع في تعريف الخصم يرفع الحرب الإسرائيلية من كونها نزاعًا محليًا مع فصيل فلسطيني، إلى مواجهة عالمية بين “معسكر النور” أو “محور الخير” و”معسكر الظلام” أو “محور الشر” على حد تعبيره.

كما اتجه نتنياهو إلى شيطنة بعض الفاعلين الدوليين، سواء عبر اتهام قطر بأنها راعٍ مباشر يحتضن الإرهاب، أو عبر التحذير من قوى دولية أخرى كالصين والتي تسعى، بحسب رؤيته، إلى إضعاف إسرائيل سياسيًا وإعلاميًا. بهذه الاستراتيجية، يعيد رسم خريطة العدو بحيث لا تقتصر على التنظيمات المسلحة، بل تمتد لتشمل دولًا وأنظمة، بل وحتى أصوات داخل المجتمع الدولي يُقدَّم موقفها النقدي كجزء من التواطؤ مع الإرهاب.

ثانيًا: التحليل الكمي لمفردات خطاب بنيامين نتنياهو:

إلى جانب التحليل الكيفي الذي أبرز المضامين الرئيسية لخطاب نتنياهو، يمكن رصد البنية الداخلية للخطاب عبر تحليل كمي للمفردات الأكثر تكرارًا. فاختيار الكلمات ليس أمرًا عفويًا، بل يعكس الاستراتيجية الخطابية التي يسعى من خلالها نتنياهو إلى توجيه الرأي العام وبناء شرعية سياسية وأخلاقية. ويُظهر الرسم البياني التالي توزيع أبرز المفردات المستخدمة، بما يكشف عن تركيزه:

1

          يكشف التحليل الكمي للمفردات في خطاب بنيامين نتنياهو عن تركيز واضح على الذات الإسرائيلية باعتبارها الفاعل المركزي في السرد السياسي. فقد احتلت إسرائيل مكانة بارزة، ما يعكس محاولة الخطاب ترسيخ مركزية الدولة ودورها المحوري في الصراع الراهن. يتبعها الحديث عن الموت وحماس، ما يشير إلى اعتماد الخطاب على ثنائية وجودية بين الحياة والموت في مواجهة خصم محدد، ما يضفي على الخطاب طابعًا تصاعديًا واستراتيجيًا في الوقت ذاته. أما المفردات المرتبطة بالحلفاء والدعم الدولي، فقد سجلت حضورًا مهمًا، ما يعكس حرصًا على إبراز التحالفات الاستراتيجية، ولا سيما مع الولايات المتحدة، كعنصر يضفي الشرعية السياسية والعسكرية على الإجراءات الإسرائيلية.

          وفي المقابل، يبرز الخطاب دور القوى الإقليمية المنافسة مثل إيران، وكذلك عدد من الدول الفاعلة الأخرى مثل غزة وسوريا، إلى جانب إشارات إلى حزب الله والإسلاميين والأسلحة النووية، مما يشير إلى إعادة إنتاج خريطة تهديد إقليمية محددة. هذا الاستخدام يساهم في تشكيل تصور جماعي للعدو المتعدد الأبعاد، ويعزز السردية التي تصوره كخطر دائم على الأمن الإسرائيلي.

ثالثًا: مدى اتساق الخطاب الأخير لبنيامين نتنياهو مع جوهر مشروعه الفكري:

        إن القراءة المتأنية لخطاب بنيامين نتنياهو في فعالية خمسون ولاية – إسرائيل واحدة، والمُلقى في القدس أمام أكبر وفد من أعضاء الكونغرس الأميركي، تكشف عن اتساق دلالي عميق بين خطابه السياسي الراهن ومنظومته الفكرية الممتدة التي صاغها عبر نصوصه وكتاباته منذ تسعينيات القرن الماضي. فالخطاب لم يكن مجرد استجابة ظرفية لحظة حرب أو محاولة للتعبئة السياسية اللحظية، بل بدا كأنه تكثيف مكثّف لمقولات تأسيسية ظلّ نتنياهو يكررها في مشروعه الفكري، كما سنجد: رؤى حول التاريخ، والهوية، والدين، والقوة العسكرية.

         ومن هذا المنظور، يغدو الخطاب الأخير بمثابة جسر بين النص والفعل، يعيد إنتاج البنية الأيديولوجية التي قام عليها مشروع نتنياهو الفكري، داخل خطاب متغيرات ما بعد السابع من أكتوبر 2023. أي أننا أمام خطاب يعبّر في ظاهره عن سردية حرب، لكنه في عمقه يمثل تجسيدًا عمليًا للمشروع الصهيوني التصحيحي بقراءته الجابوتنسكية[7]، والذي يركز على ضرورة تعزيز القوة العسكرية كوسيلة لضمان أمن إسرائيل واستقرارها، مع التأكيد على أن القوة هي التي تفرض السلام وتضمن الوجود اليهودي في فلسطين، حيث تُعاد صياغة الشرعية التاريخية لليهود، ويُعاد تعريف الحليف والعدو، ويُستثمر الدين كأداة مادية للتعبئة، وتُقدَّم القوة العسكرية باعتبارها حجر الزاوية الذي يضمن بقاء إسرائيل وتحالفاتها معًا.

        وبذلك، يمكن القول إن خطاب نتنياهو الأخير لا يقف على أرض جديدة، بل يرسّخ –بجرأة أكبر– الركائز ذاتها التي ظل يدافع عنها طوال مسيرته الفكرية والسياسية. ويمكن إبراز هذا الاتساق في أربعة موضوعات رئيسة:

  1. أحقية الشعب اليهودي في أرضه التاريخية.
  2. التوظيف السياسي للدين (الدين كأداة سياسية).
  3. ثنائية الحليف والعدو والتماهي مع أميركا.
  4. العقيدة الجابوتنسكية العسكرية[8].

أولًا: أحقية الشعب اليهودي في أرضه التاريخية:

        يحتلّ موضوع “الحق التاريخي” مكانة محورية في المشروع الفكري لبنيامين نتنياهو[9]، وقد أفرده في كتاباته –وخاصة في كتابه مكان بين الأمم- بوصفه الأساس الذي تُبنى عليه كل الحقائق الأخرى. فنتنياهو يرى أن الشعب اليهودي، على امتداد 3500 عام، ظلّ متمسكًا بأرضه وهويته رغم الشتات، وأن هذا الثبات المعجزي هو بذاته برهان على الأحقية. وقد اعتبر أن أي نفي لهذا الحق لا يعدو كونه استمرارًا لتاريخ طويل من محاولات إنكار الوجود اليهودي أو طمسه.

        هذا التصور لم يكن غائبًا عن خطابه الأخير في سبتمبر 2025، بل كان في قلبه. فقد أعاد نتنياهو صياغة مأساة السابع من أكتوبر في إطار سردية تاريخية ممتدة، حين قال إن الهجوم لم يكن فقط على إسرائيل المعاصرة بل على “قصة الشعب اليهودي الممتدة لثلاثة آلاف وخمسمائة عام”. هذه الجملة وحدها تختزل المشروع بأكمله: تحويل حدث عسكري راهن إلى محطة في مسار تاريخي طويل، بحيث يغدو الدفاع عن إسرائيل ليس مجرد رد فعل سياسي، بل حفاظًا على استمرارية “المعجزة اليهودية”.

        ومن هنا، يمكن ملاحظة كيف يزاوج نتنياهو بين التاريخ والقداسة. فبينما يقدّم نفسه في خطابه السياسي كزعيم واقعي يتعامل مع التهديدات الأمنية المباشرة، فإنه في العمق يضفي على تلك التهديدات بعدًا يتجاوز السياسة، لتصبح معركة بين البقاء والفناء، بين الماضي والحاضر.

        الأمر اللافت هنا أن نتنياهو لا يكتفي بالحديث عن أحقية اليهود في الأرض من منظور تاريخي مجرد، بل يُدخل هذا الحق في دائرة الصراع الراهن عبر ثنائية الضحية والجاني: فاليهود ضحايا النفي والتشريد والقتل على مدار التاريخ، أما الآخر –سواء كان عربيًا أو إيرانيًا أو أوروبيًا مناهضًا– فهو امتداد لتلك السلسلة التاريخية من أعداء الوجود اليهودي. ومن خلال هذه الصياغة، يُحوَّل الخطاب من مجرد دفاع سياسي إلى مطالبة أخلاقية، حيث يصبح الوقوف إلى جانب إسرائيل واجبًا أخلاقيًا على المجتمع الدولي لأنه دفاع عن الحق في الوجود والحياة.

ثانيًا: التوظيف السياسي للدين (الدين كأداة سياسية):

        يُعد الدين في فكر بنيامين نتنياهو عنصرًا مركزيًا، لكن حضوره ليس ثابتًا أو بريئًا، بل يخضع لتوظيف أداتي يحقق غايات سياسية محددة[10]. ففي خطاباته يظهر نتنياهو واعيًا بمسافة فاصلة بين البعد اللاهوتي للدين والبعد السياسي للدولة. فهو لا يقدم نفسه زعيمًا دينيًا، وإنما رجل دولة براغماتي، ومع ذلك لا يتردد في استدعاء الرموز والشخصيات الدينية متى كان ذلك يخدم غرضًا سياسيًا أو تعبويًا. بهذا، يصبح الدين عنده أداة مزدوجة: من جهة مصدر شرعية تاريخية، ومن جهة أخرى وسيلة تحشيد واستقطاب.

        في خطابه أمام وفد الكونغرس في سبتمبر 2025، برز هذا التوظيف بوضوح. إذ لم يقتصر على الحديث عن الهجوم كاعتداء سياسي أو أمني، بل ألبسه طابعًا دينيًا حين استحضر الآيات الخلاصية التي ذًكرت بلسان موسى النبي في سفرالخروج التوراتي وهي: “لاَ تَخَافُوا. قِفُوا وَانْظُرُوا خَلاَصَ الرَّبِّ الَّذِي يَصْنَعُهُ لَكُمُ الْيَوْمَ. فَإِنَّهُ كَمَا رَأَيْتُمُ الْمِصْرِيِّينَ الْيَوْمَ، لاَ تَعُودُونَ تَرَوْنَهُمْ أَيْضًا إِلَى الأَبَدِ[11]“. والتي لم يذكرها صراحةً مكتفيًا بذكر موضعها في الكتاب المقدس، وبهذا الاستدعاء، يتحول الدفاع عن إسرائيل إلى دفاع عن وعد إلهي وتجسيد لقداسة الشعب اليهودي. كما أضفى على المعركة مع حماس وإيران بعدًا وجوديًا، ليس فقط باعتبارها معركة ضد “الإرهاب”، بل كجزء من صراع أبدي بين قوى الخير والشر، بين “شعب الله” و”أعداء الحضارة”.

        هذا الاستخدام يتسق مع تصور نتنياهو كيف يوظف الدين بصورة متحركة: ففي فترات السلام النسبي، قد يتراجع حضوره المباشر في خطاباته لصالح لغة قومية-مدنية، لكن في لحظات الحرب والأزمات، يتكثف الحضور الديني، بل ويتحول إلى عدسة تفسر كل شيء. ومن هنا، يمكن القول إن الدين في خطابات نتنياهو ليس مجرد إطار ثقافي، بل أداة وظيفية لإنتاج الشرعية وإعادة تعريف الصراع.

        الأمر اللافت أن نتنياهو، وهو ابن المدرسة الجابوتنسكية علمانية النزعة، لا يستخدم الدين لفرض ثيوقراطية أو لإضفاء طابع لاهوتي على الدولة، وإنما لشرعنة العقيدة الأمنية التي يقوم عليها مشروعه السياسي. فاستدعاء الرموز التوراتية –من ملوك وأنبياء وأبطال– يتداخل مع مفردات القوة العسكرية الحديثة، ليُنتج سردية هجينة: إسرائيل كأمة مقدسة من جهة، وقوة عسكرية متفوقة من جهة أخرى.

ثالثًا: ثنائية الحليف والعدو:

        شكّل خطاب بنيامين نتنياهو أمام وفد الكونغرس الأميركي تجسيدًا واضحًا لثنائية الحليف والعدو التي لطالما رافقت مشروعه الفكري. فالولايات المتحدة ليست في خطابه مجرد حليف استراتيجي، بل مرجعية حضارية وقيمية تجعل من إسرائيل “نحن” و”أنتم” في آنٍ واحد، أو بتعبير آخر إسرائيل هي أمريكا الشرق الأوسط. بهذا الطرح، لا تكون العلاقة علاقة سياسية ظرفية، بل تماهيًا هوياتيًا يجعل من بقاء إسرائيل قوية شرطًا لبقاء أمريكا آمنة.

        غير أن هذه الثنائية تنكشف في جانبها الآخر عبر طبيعة “العدو”. فالعدو، في خطاب نتنياهو، ليس كيانًا محددًا بذاته، بل هو كل من يرفض الانضواء تحت معسكر إسرائيل وحلفائها. أي أن “من ليس معنا فهو ضدنا”. هذا التعريف الحدّي يُفرغ مفهوم “الآخر” من أي مرونة، ويحوّله إلى مظلة واسعة تشمل: إيران باعتبارها الرأس المدبّر لمحور الشر، حماس وحزب الله كأذرع إقليمية، قطر والصين كفاعلين دوليين ينازعون إسرائيل في السردية العالمية، وحتى قطاعات واسعة من الرأي العام الغربي التي تنتقد ممارساتها.

        هذا التوسيع المتعمد لدائرة الآخر يهدف إلى تحقيق نتيجتين متلازمتين:

  1. إضفاء الطابع الكوني على الحرب، بحيث لا تكون مجرد صراع محلي على أرض محتلة، بل معركة حضارية.
  2. حشد الحليف الأميركي عبر إقناعه أن الهجوم على إسرائيل هو هجوم عليه بالضرورة، وأن إسرائيل تمثل خط الدفاع الأول عن الحضارة الغربية.

        لكن خلف هذه الصياغة الحدّية يطلّ هاجس عميق تكشفه قراءة متعمقة في كتابه مكان بين الأمم: إدراك نتنياهو أن التحالف مع الولايات المتحدة ليس مضمونًا إلى الأبد. فهو يرى أن واشنطن، رغم كونها الداعم الأبرز، تبقى دولة براغماتية في النهاية قد تعيد ترتيب مصالحها إذا اقتضت الضرورة، تمامًا كما فعلت بريطانيا حين تراجعت عن وعد بلفور. ولتفادي هذا السيناريو، يعمد نتنياهو إلى تقديم إسرائيل لا كحليف محتاج، بل كفاعل مفيد للبشرية جمعاء: دولة قوية، ذكية، رائدة في مجالات الأمن والتكنولوجيا، تستحق البقاء والتحالف لأنها تضيف قيمة نوعية لحليفها الأميركي وللغرب عامة.

        هكذا يتضح أن ثنائية الحليف والعدو الحدي عند نتنياهو ليست أداة تعبئة ظرفية، إنما آلية أيديولوجية تعكس خوفه البنيوي من فقدان الحليف الأميركي، ورغبته المستمرة في ترسيخ صورة إسرائيل كقوة لا غنى عنها للعالم الغربي.

رابعًا: العقيدة الجابوتنسكية العسكرية:

        من بين الثوابت التي يتكرر حضورها في فكر بنيامين نتنياهو هي تلك العقيدة الجابوتنسكية التي ورثها عن والده بن تسيون نتنياهو، والتي تشكّل أساسًا لقراءته للواقع السياسي والأمني. هذه العقيدة تقوم على تصور جوهري مفاده أن إسرائيل لا تستطيع أن تضمن بقاءها إلا عبر امتلاك قوة رادعة تفوق أعداءها، وأن أي تصور عن سلام حقيقي أو تسوية دائمة ليس إلا وهماً يُعجّل بزوال الدولة.

        تجلّى هذا التصور بوضوح في خطابه، فبينما قدّم نفسه بوصفه المدافع عن قيم الحضارة الغربية، ظل جوهر حديثه يتمحور حول القوة: قوة الردع، قوة الجيش، قوة الدولة التي لا تنهار رغم المذابح إذ كان حديثه عن “الهجوم الوحشي” في 7 أكتوبر متبوعًا مباشرة بتأكيد أن إسرائيل، رغم الخسائر الفادحة، لم تسقط ولن تسقط، لأنها تستند إلى قدرة عسكرية متفوقة وجيش لا يلين.

   هذا الربط بين التاريخ العسكري والديني من جهة، والعقيدة الأمنية من جهة أخرى، يعكس استمرارية واضحة مع المشروع الفكري لبنيامين نتنياهو. في كتاباته شدّد نتنياهو على أن العالم لا يحترم إلا القوي[12]، وأن الولايات المتحدة نفسها تدعم الطرف الأقوى الذي يمكن أن يكون انعكاسًا لها في الشرق الأوسط. وبالتالي، فإن الحفاظ على التحالف الأميركي يستلزم أولًا وقبل كل شيء أن تظل إسرائيل قوية بما يكفي كي تُقدَّم للغرب كركيزة استقرار لا كعبء.

        العقيدة الجابوتنسكية العسكرية تتجلى في:

  1. رفض التنازلات: إذ يرى أن أي تنازل للأعداء يُقرأ ضعفًا ويُشجّع على مزيد من المطالب.
  2. القوة كوسيلة للشرعية: إسرائيل تُشرعن وجودها أمام العالم عبر قوتها العسكرية والتكنولوجية، لا عبر اتفاقيات السلام أو التسويات السياسية.
  3. المعادلة الصفرية: بقاء إسرائيل مشروط بانكسار الآخر، أي أن الصراع لا يقبل حلولًا وسطية.

        وفي ضوء هذا، يمكن القول إن خطاب “خمسون ولاية – إسرائيل واحدة” شكل تجسيدًا حيًّا للعقيدة الجابوتنسكية التي ترى في السلاح والردع حجر الزاوية لبقاء الدولة اليهودية. فحتى عندما يتحدث نتنياهو عن الحضارة المشتركة مع أمربكا، أو عن الجذور الدينية للشعب اليهودي، فإن هذه العناصر تظل محكومة بمنطق القوة: التاريخ والدين والتحالفات كلها أدوات تصب في هدف واحد وهو ترسيخ إسرائيل كقوة عسكرية قادرة على البقاء.

رابعًا: الدلالات السياسية المستنبطة من الخطاب:

        يكشف خطاب بنيامين نتنياهو في فعالية “خمسون ولاية – إسرائيل واحدة” عن مجموعة من الدلالات السياسية العميقة التي تتجاوز الطابع الخطابي المباشر، لتعكس تحولات جوهرية في مسار الصراع الراهن وفي إعادة تشكيل التحالفات والخصومات على المستويين الإقليمي والدولي.

        أول هذه الدلالات هو المباركة الأميركية الصريحة للمسار الإسرائيلي في غزة. إذ جاء خطاب نتنياهو أمام أكبر وفد من الكونغرس الأميركي بحضور وزير الخارجية الأميركي، ليُجسّد عمليًا توافقًا سياسيًا بين السلطتين التشريعية والتنفيذية في واشنطن على دعم إسرائيل دون شروط. ويكتسب هذا البُعد أهميته في ضوء تصريح نتنياهو “قلنا سنغير وجه الشرق الأوسط، وهذا ما فعلناه“، الذي بدا وكأنه رسالة مشتركة أميركية–إسرائيلية تعلن القبول الضمني بالاجتياح البري السابق لأراضٍ متفرقة لإسرائيلة وقبول ضمني لاجتياح لاحق يجرى تنفيذه لغزة وما يحمله من تبعات إنسانية وأمنية.

        ثانيًا، يتجاوز الخطاب حدوده المباشرة إلى ما يمكن اعتباره إعلان حرب على الأقليات الإسلامية الكبيرة في أوروبا. فمن خلال شيطنة “الإسلاميين” وتوصيفهم كقوى تهديد حضاري، يفتح نتنياهو الباب أمام إعادة صياغة الوعي الأوروبي، خصوصًا لدى التيارات اليمينية الصاعدة، على أساس عداء بنيوي تجاه المسلمين. بهذا، يتحول الخطاب من كونه دفاعًا عن إسرائيل إلى كونه استراتيجية لتحريض الغرب على الإسلام ككل، بما يخدم هدفين متلازمين: تقليص التعاطف مع الفلسطينيين داخل المجتمعات الأوروبية، وتعزيز التحالف السياسي مع الحكومات اليمينية التي تبني نفوذها على خطاب الخوف من “الخطر الإسلامي”.

        ثالثًا، يُبرز الخطاب اتساع دائرة العداء لتشمل قوى كبرى كالصين. فنتنياهو لم يتردد في وضع كل من يتبنى سردية مناهضة للرواية الإسرائيلية في خانة “العدو”، حتى وإن كان فاعلًا دوليًا صاعدًا بحجم بكين. هذا التوجّه يعكس انتقال إسرائيل من خطاب “التحالفات المرنة” إلى خطاب أكثر حدية، يقوم على مبدأ أن الشرعية السياسية لا تُمنح إلا لمن يتبنى السردية الإسرائيلية بالكامل. وهو ما يعكس –في أحد أبعاده– إدراكًا لدى نتنياهو بأن الحرب الدائرة ليست فقط عسكرية أو إقليمية، بل هي حرب سرديات على المستوى العالمي، وأن التفوق السياسي مرهون بقدرة إسرائيل على نزع الشرعية عن أي خطاب بديل.

        في ضوء هذه الدلالات، يمكن القول إن خطاب “خمسون ولاية – إسرائيل واحدة” كان لحظة سياسية كاشفة تترجم التحالف الأميركي–الإسرائيلي إلى خطاب رسمي موجَّه للعالم، وتعلن عن انتقال إسرائيل من مرحلة إدارة الصراع إلى مرحلة إعادة هندسة البيئة الإقليمية والدولية وفق تصورها الأحادي للشرعية.

خاتمة:

        يُظهر تحليل خطاب بنيامين نتنياهو في فعالية “خمسون ولاية – إسرائيل واحدة” أن ما قد يبدو مجرد خطاب تعبوي في لحظة حرب، يتجاوز في جوهره البعد الحالي ليغدو تكثيفًا لمشروع فكري ممتد. فقد أعاد نتنياهو إنتاج مرتكزاته الأيديولوجية الكبرى ضمن خطاب متسق مع مشروعه الفكري مبرزًا ثبات نسقه الفكري رغم تغير السياقات السياسية.

        كما أن الدلالات السياسية للخطاب تكشف عن إعادة تعريف موقع إسرائيل داخل النظام الدولي: فهي لم تعد تقدم نفسها كدولة تبحث عن شرعية أو حماية، بل كفاعل محوري يملك من القوة والرمزية ما يجعل وجوده شرطًا لبقاء التحالفات الغربية واستمرار الهيمنة الحضارية. غير أن هذا الخطاب، وإن منح إسرائيل غطاءً سياسيًا وأخلاقيًا لدى الحليف الأميركي وبعض الدوائر الغربية، فإنه في المقابل عمّق من صورة الانقسام الحضاري وأعاد إنتاج ثنائية “النور والظلام” بما يهدد بتوسيع دائرة الصراع لا تضييقها.

        وعليه، فإن خطاب نتنياهو الأخير لا يمكن قراءته فقط كاستجابة لحدث 7 أكتوبر أو كجزء من الحرب على غزة، بل باعتباره حلقة في مسار أوسع يسعى إلى إعادة هندسة الوعي الدولي بما يتماهى مع السردية الإسرائيلية وحدها. وهذا ما يجعل من دراسته ضرورة لفهم ليس فقط مستقبل الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، بل أيضًا تحولات الشرعية في النظام العالمي الراهن.


[1] Bachega, Hugo. Qatar hosts Arab-Islamic emergency summit over Israeli strike on Doha. BBC News, September 15, 2025. https://www.bbc.com/news/articles/c4gk8nx5nw3o .

[2] Stein, Amichai. Bipartisan U.S. Support Reminds Israel That True Friends Stand by Us, Official Tells ‘Post.’ The Jerusalem Post, September 15, 2025. https://www.jpost.com/israel-news/article-867559.

[3] وحيد عبدالمجيد، بجعات سود تتكاثر وحرب عالمية تلوحالتقرير الاستراتيجي العربي، القاهرة: مؤسسة الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، 2024، ص.9-10.

[4] Netanyahu, Benjamin. “Remarks at the ‘Fifty States – One Israel’ Event.” Speech, Ministry of Foreign Affairs, Jerusalem, September 15, 2025. YouTube video, https://www.youtube.com/watch?v=VDJXgdNu2QA.

[5] Noble, Benjamin S. Fighting Words: How Presidents Go Public in War and Peace, Benjamin Noble, p.p.1-50.

[6] Netanyahu, Benjamin. BIBI: MY STORY. Threshold editions. PDF File. p.15.

[7] Government of Israel, “PM Netanyahu’s Statement at the Press Conference with Defense Minister,” November 2023. https://www.gov.il/en/pages/spoke-joint181123.

[8] Jabotinsky, Ze’ev. 1923. The Iron Wall. Jabotinsky Institute. https://en.jabotinsky.org/media/9747/the-iron-wall.pdf.

[9] بنيامين نتنياهو، مكان بين الأمم: إسرائيل والعالم، ترجمة: الدويري، محمد عودة. الأهلية للنشر، الطبعة الثانية، الأردن، 1996، ص.46.

[10] تم التوصل إلى هذه النتيجة بحسب دراسة غير منشورة للباحث، يمكن الاطلاع على بعض الخطابات كالآتي:

– Netanyahu, Benjamin. “PM Netanyahu’s Speech @ ‘Christians United for Israel’ Conference.” YouTube. Posted by IsraeliPM, 2012. https://www.youtube.com/watch?v=HqgDKbGUdT0.

–  Ruiz Mantilla, Jesús. “Yuval Noah Harari: ‘Netanyahu built a coalition of messianic zealots and shameless opportunists’.” El País, January 17, 2024. https://english.elpais.com/culture/2024-01-17/yuval-noah-harari-netanyahu-built-a-coalition-of-messianic-zealots-and-shameless-opportunists.html.

[11] سفر الخروج، الكتاب المقدس، العهد القديم، الأصحاح 14، الآية 13.

[12] مرجع سبق ذكره، بنيامين نتنياهو، ص. 410.

باحث مساعد في العلاقات الدولية بمركز ترو للدراسات والتدريب

image
سيناريوهات التدخل الإسرائيلي لتغيير النظام في إيران
فنزويلا بين الإرث الإمبريالي الأمريكي وتحولات مبدأ مونرو في القرن الحادي والعشرين
من فنزويلا إلى القطب الشمالي: غرينلاند وإعادة تشكيل أولويات النفوذ في الاستراتيجية الأمنية الأمريكية
تجدد الصراع التايلاندي الكمبودي: هشاشة اتفاقيات السلام وتحديات الاستقرار الإقليمي
Scroll to Top