Cairo

الذكاء الاصطناعي وسوق العمل: بين مخاطر البطالة وفرص التوظيف الجديدة

قائمة المحتويات

باحث اقتصاد مشارك من الخارج بمركز ترو للدراسات والتدريب

تعود جذور الذكاء الاصطناعي إلى بداية أربعينيات القرن الماضي حين اقترح بعض العلماء نموذجاً للخلايا العصبية الاصطناعية، وقد برز مفهوم الذكاء الاصطناعي بصفة كبيرة في بداية الخمسينيات من القرن الماضي،عندما أثار العالم البريطاني آلان تورنج (Alan Turing) تساؤلاً حول قدرة الآلة على التفكير. ومنذ ذلك الوقت شهد الذكاء الاصطناعي موجات من الازدهار والركود أو ما يُسمى (بشتاء الذكاء الاصطناعي) إلى أن وصل إلى الانتشار الواسع الذي نشهده اليوم في شتى المجالات ([1]).

يشهد العالم تحولًا تكنولوجيًا غير مسبوق بفضل الانتشار السريع لتقنيات الذكاء الاصطناعي، التي أصبحت جزءًا أساسيًا من مختلف العمليات الاقتصادية والإدارية والخدمية. فقد امتدت تطبيقاتها إلى مجالات متعددة، بدءًا من الصناعة والإنتاج، مرورًا بـالخدمات المالية والتجارية، وصولًا إلى التعليم والرعاية الصحية والنقل. ورغم المكاسب الكبيرة المتوقعة من حيث رفع الكفاءة الإنتاجية، وخفض التكاليف التشغيلية، وتحسين جودة الخدمات، إلا أن هذا التطور يثير في الوقت ذاته مخاوف متزايدة تتعلق بتأثيراته على سوق العمل، خصوصًا ما يرتبط بارتفاع معدلات البطالة التكنولوجية نتيجة إحلال الآلات والأنظمة الذكية محل العنصر البشري في العديد من الوظائف التقليدية.

وتكمن أهمية هذا الموضوع في كونه يمس أحد التحديات الجوهرية التي تواجه الاقتصادات المعاصرة، والمتمثلة في تحقيق التوازن بين تبني التكنولوجيا المتقدمة وتعزيز النمو الاقتصادي من جهة، والحفاظ على استقرار سوق العمل والحد من الفجوات الاجتماعية من جهة أخرى. فالذكاء الاصطناعي لا يمثل مجرد ثورة تقنية، بل هو عامل محوري يعيد تشكيل البنية الاقتصادية والاجتماعية على حد سواء.

وانطلاقًا من هذه الاعتبارات، تهدف هذه الورقة إلى تحليل تأثير الذكاء الاصطناعي على فرص العمل من خلال استعراض عدد من القطاعات المعرّضة للمخاطر،مع الإشارة إلي مصر ، إلى جانب مناقشة الفرص الجديدة التي يمكن أن تنشأ نتيجة إدماج هذه التكنولوجيا. كما تتناول الورقة السياسات الممكنة للحد من التداعيات السلبية، من خلال برامج إعادة التأهيل والتدريب المهني، ودعم الابتكار وريادة الأعمال، وتطوير التشريعات ذات الصلة، بما يضمن تحقيق أقصى استفادة من الذكاء الاصطناعي مع تقليل آثاره السلبية على التوظيف.

أولاً – الذكاء الاصطناعي وإعادة تشكيل بيئة الأعمال الحديثة([2])؟

لقد تجاوزت تقنيات الذكاء الاصطناعي مرحلة التبني المبكر وأصبحت اليوم سائدة في العديد من تطبيقات الأعمال. في الوقت الذي يمكن فيه للتكنولوجيا أن ترفع مستويات الإنتاجية والدخل، فإنها قد تؤدي أيضًا إلى تغييرات هيكلية، تتمثل في خلق وظائف وقطاعات جديدة، غير أنّ ذلك قد يقترن بتراجع أو إزاحة قطاعات أخرى، فضلًا عن تداعيات كبيرة على بعض شرائح السكان، ولا سيما العمال ذوي المهارات المنخفضة ([3]) .

وفقًا لمعهد ماكينزي العالمي، وبناءً على متوسط مستوى التبنّي والاستيعاب العالمي والتقدّم في مجال الذكاء الاصطناعي الذي تُظهره عمليات المحاكاة، فإن لهذه التقنية تأثيرًا عميقًا يتمثل في تحقيق نشاط اقتصادي عالمي إضافي يُقدَّر بحوالي 13 تريليون دولار في المستقبل المنظور وبحلول عام 2030، أي ما يعادل زيادة في الناتج المحلي الإجمالي التراكمي بنسبة تقارب 16% مقارنة بالوضع الحالي.

كما يشير تقرير صادر عن بنك الاستثمار جولدمان ساكس إلى أن الذكاء الاصطناعي قد يحل محل ربع مهام العمل في الولايات المتحدة وأوروبا، غير أنّه قد يسهم في الوقت نفسه في خلق وظائف جديدة وتحقيق طفرة في الإنتاجية، بما يؤدي في نهاية المطاف إلى زيادة إجمالي القيمة السنوية للسلع والخدمات المنتَجة عالميًا بنسبة تصل إلى 7%. ويتوقع التقرير أيضًا أن ثلثي الوظائف في الولايات المتحدة وأوروبا “معرضة لقدر من أتمتة الذكاء الاصطناعي”، بينما يمكن أن تُدار نحو ربع الوظائف بشكل كامل بواسطة هذه التقنية.

وفي دراسة مشتركة أجراها باحثون من جامعة بنسلفانيا وشركة AI Open، تبيّن أن بعض الموظفين الذين تصل رواتبهم إلى 80 ألف دولار سنويًا هم الأكثر عرضة للتأثر بأتمتة القوى العاملة. وتؤكد فوربس أنه وفقًا لتقرير صادر عن معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا وجامعة بوسطن، فإن الذكاء الاصطناعي قد يؤدي إلى إحلال ما يصل إلى مليوني عامل في قطاع التصنيع بحلول عام 2025. وتشير دراسة أخرى صادرة عن معهد ماكينزي العالمي إلى أنه بحلول عام 2030، قد يحل الذكاء الاصطناعي محل ربع مهام العمل في الولايات المتحدة وأوروبا، مع ما يصاحب ذلك من فرص لخلق وظائف جديدة وتحقيق نمو في الإنتاجية. ([4]).

وبالتالي، ورغم التوقعات بفقدان ملايين الوظائف، تشير تقارير مثل تقرير جولدمان ساكس إلى إمكانية خلق فرص عمل جديدة في قطاعات التكنولوجيا، والبيانات الضخمة، والذكاء الاصطناعي، والرعاية الصحية. ومن ثمّ، فإن الطفرة الإنتاجية قد تسهم في نشوء أسواق وفرص عمل جديدة، على غرار ما حدث عقب الثورة الرقمية في تسعينيات القرن الماضي. وهنا يكمن التحدي الحقيقي ليس في فقدان الوظائف بحد ذاته، وإنما في فجوة المهارات، أي في قدرة القوى العاملة الحالية على مواكبة هذه التحولات عبر التدريب وإعادة التأهيل. وفي الوقت الراهن، تستفيد الشركات بالفعل من فوائد ملموسة وقابلة للقياس نتيجة دمج تقنيات الذكاء الاصطناعي في عملياتها الأساسية. ومن أبرز هذه المزايا:

– المزايا بالنسبة للشركات :

1- عزيز الكفاءة والإنتاجية:

يتم ذلك من خلال أتمتة المهام الروتينية وتبسيط العمليات، مما يتيح تحرير الموارد البشرية للتركيز على الأنشطة الاستراتيجية والابتكار. كما يسهم في تحسين دقة العمل وتقليل الأخطاء البشرية، مثل إدخال البيانات أو تحديث الأنظمة تلقائيًا، إضافةً إلى دمج السجلات الرقمية والمكتوبة بخط اليد، كما في أنظمة السجلات الصحية الإلكترونية.

2- دعم القرارات المعتمدة على البيانات:

يتم ذلك من خلال تحليل كميات ضخمة من البيانات المنظمة وغير المنظمة، ورصد الاتجاهات، والتنبؤ بسلوك العملاء، إضافةً إلى تحسين العمليات الداخلية، وتعزيز التخطيط الاستراتيجي، وتقييم المخاطر.

3- رفع الكفاءة التشغيلية:                          
يسهم الذكاء الاصطناعي في رفع الكفاءة التشغيلية داخل المؤسسات من خلال أتمتة العمليات المعقدة التي تتطلب وقتًا طويلًا وجهدًا بشريًا مضاعفًا، فضلًا عن إجرائه تحليلات حسابية دقيقة بسرعة وفاعلية. كما يحدّ من الأخطاء المتكررة ويزيد من دقة المعاملات الحسابية، مما يعزز جودة النتائج. وإلى جانب ذلك، يساهم الذكاء الاصطناعي في تطوير قدرات الكشف المبكر عن حالات الاحتيال والمخالفات والانتهاكات الأمنية، الأمر الذي يقلل من حجم الخسائر المحتملة ويحافظ على استقرار الأنشطة المؤسسية.

كما يعزّز الذكاء الاصطناعي كفاءة مجموعة واسعة من العمليات التجارية. فعلى سبيل المثال، يُعد إدخال البيانات عملية مستهلكة للوقت ولا تمثل الاستغلال الأمثل لوقت المختص الماهر، فضلًا عن كونها عرضة للأخطاء البشرية عند تنفيذها يدويًا. وتستطيع الأدوات المدعومة بالذكاء الاصطناعي استقبال إشعارات عند تغيير البيانات في أحد الأنظمة، وتحديثها تلقائيًا في الأنظمة المرتبطة بها. ([5])

4- تعزيز التعاون بين القوى العاملة:

يمتد دور الذكاء الاصطناعي إلى تعزيز التعاون بين أعضاء القوى العاملة، إذ يوفّر وصولًا أسرع إلى المعلومات ذات الصلة، بما يساعد الموظفين على اتخاذ قرارات جماعية أكثر دقة وموضوعية. كما تسهم أدوات التعاون المدعومة بالذكاء الاصطناعي في تسهيل عمليات التواصل وتبادل المعرفة بين الفرق والإدارات والمواقع الجغرافية المختلفة، الأمر الذي يعزز مناخ الابتكار ويرفع مستوى التنسيق والإنتاجية داخل بيئة العمل.

– المزايا بالنسبة للجمهور والعملاء:

  1. تحسين  تجربة العملاء:
    أحدث الذكاء الاصطناعي نقلة نوعية في طريقة تفاعل الشركات مع عملائها، إذ أتاح تقديم دعم فوري وشخصي عبر روبوتات الدردشة والمساعدين الافتراضيين على مدار الساعة. وقد ساهم ذلك في توفير تجربة سلسة متعددة القنوات، تقلّل من وقت الاستجابة وتعزّز سرعة الخدمة، إلى جانب الحد من الأخطاء البشرية في التعاملات اليومية. وقد انعكست هذه المزايا بشكل مباشر على رفع مستوى رضا العملاء وبناء علاقات ثقة طويلة الأمد بين الجمهور والمؤسسات
  2. الوصول إلى خدمات أفضل:
    يساعد الذكاء الاصطناعي على تحسين نوعية الخدمات المقدَّمة للجمهور، إذ أصبح من الممكن تصميم منتجات وخدمات مخصَّصة لكل عميل وفقًا لاحتياجاته الفردية. كما أتاح توفير معلومات دقيقة وسريعة حول المنتجات أو الخدمات، فضلًا عن تطوير حلول متقدمة في قطاعات الصحة والمالية والتعليم، بجودة أعلى وكفاءة أكبر.
  3. تخفيض التكاليف وتحسين القيمة:
    لى جانب تحسين الجودة، يسهم الذكاء الاصطناعي في خفض تكاليف التشغيل داخل الشركات، وهو ما ينعكس غالبًا على الأسعار المقدَّمة للعملاء. كما يوفّر بدائل رقمية أقل تكلفة وأكثر سهولة من الخدمات التقليدية، الأمر الذي يمنح الجمهور قيمة أفضل مقابل ما يدفعه.

4- زيادة الأمان والشفافية:
تعمل أنظمة الذكاء الاصطناعي على تعزيز الحماية الرقمية بفضل قدرتها على اكتشاف محاولات الاحتيال أو الاختراقات في وقت مبكر، مما يضمن أمان مختلف التعاملات. ويسهم ذلك في تعزيز ثقة الجمهور بالمعاملات الرقمية، ولا سيما في مجالات مثل المدفوعات الإلكترونية والخدمات المصرفية عبر الإنترنت.

  • أكثر الأمثلة شيوعًا على استخدام الذكاء الاصطناعي في الأعمال([6]):

أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي (Generative AI): تستخدم هذه الأدوات خوارزميات التعلّم الآلي مثل معالجة اللغة الطبيعية وتوليدها (NLP/NLG) لإنشاء محتوى جديد، سواء كان نصوصًا أو صورًا أو موسيقى، استنادًا إلى مدخلات المستخدم. ويُطبَّق الذكاء الاصطناعي التوليدي في العديد من الصناعات، مثل إنشاء المحتوى، وتطوير وتصميم المنتجات، والتسويق المخصَّص. غير أنّ استخدام هذه الأدوات يثير إشكالية قانونية تتعلق بمدى تعارض مخرجاتها مع قوانين حماية الملكية الفكرية. فعلى سبيل المثال، قد يُنتَج المحتوى الجديد بالاعتماد على بيانات أو أعمال أصلية محمية بحقوق النشر دون الحصول على إذن مسبق، مما يثير تساؤلًا حول مَن يملك حقوق الملكية: هل هو مطوّر النظام؟ أم المستخدم الذي أدخل البيانات؟ أم أن العمل لا يُمنح أي حماية باعتباره مُنتَجًا بواسطة آلة؟.

 ويزداد التعقيد مع احتمال انتهاك العلامات التجارية أو براءات الاختراع عند توليد تصاميم أو ابتكارات مشابهة لأعمال محمية. وبناءً على ذلك، فإن التوسع في تطبيق الذكاء الاصطناعي التوليدي يستدعي إعادة النظر في الأطر القانونية للملكية الفكرية، بما يضمن التوازن بين تشجيع الابتكار وحماية الحقوق.

منصات ذكاء الأعمال (Business Intelligence): تعتمد أدوات ذكاء الأعمال على الذكاء الاصطناعي لتحليل كميات ضخمة من البيانات وتقديم رؤى قابلة للتنفيذ. وتساعد هذه المنصات الشركات على اتخاذ قرارات مبنية على البيانات من خلال تحديد الاتجاهات، والتنبؤ بالنتائج المستقبلية، وتحسين العمليات عبر التحليلات المتقدمة.

  1. أدوات التطوير مثل مولدات الأكواد التلقائية: تدعم هذه الأدوات المطوّرين من خلال توليد مقاطع برمجية تلقائيًا، واقتراح تحسينات، بل وإنشاء تطبيقات كاملة استنادًا إلى معايير محددة مسبقًا. وهي تسهم في تعزيز الإنتاجية وتقليل وقت التطوير.
  2. منصات التحليلات: تعالج منصات التحليلات المدعومة بالذكاء الاصطناعي كميات هائلة من البيانات لاكتشاف أنماط ورؤى يصعب الكشف عنها يدويًا. وهي تدعم التحليلات التنبؤية، وتحليل سلوك العملاء، وتتبع الأداء.
  3. تعزيز الأمن السيبراني (Cyber Security): يساهم الذكاء الاصطناعي في تعزيز الأمن السيبراني عبر تحديد التهديدات المحتملة، ومراقبة نشاط الشبكات، والاستجابة للاختراقات الأمنية في الوقت الفعلي. كما يمكن لخوارزميات التعلّم الآلي اكتشاف الثغرات والتنبؤ بالهجمات قبل وقوعها.
  4. أبحاث السوق وتقسيم الجمهور المستهدف: تقوم أدوات الذكاء الاصطناعي بتحليل بيانات المستهلكين لتقديم رؤى معمّقة حول اتجاهات السوق وتفضيلات وسلوكيات العملاء. وهي تساعد الشركات على تقسيم جمهورها المستهدف بشكل أكثر فاعلية، مما يتيح وضع استراتيجيات تسويقية مخصَّصة ويعزز تفاعل العملاء

نظرًا للمزايا الكبيرة التي توفرها أدوات الذكاء الاصطناعي، تُعَدّ الشركات الكبرى ــ ولا سيما شركات التكنولوجيا متعددة الجنسيات ــ المستفيد الأول والأسرع من هذه الأدوات، بفضل قدرتها على الاستثمار الضخم والتوسع عالميًا. وفي المقابل، تستفيد الدول المتقدمة على المدى الطويل عندما تنجح في دمج الذكاء الاصطناعي في سياساتها العامة، مثل التعليم، والصحة، والأمن، والاقتصاد. أما الدول النامية، فهي في موقف حرج: فإما أن تكون مجرد سوق استهلاكي لهذه التقنيات بما يعزز تبعيتها، أو أن تستثمر بذكاء لبناء قدرات وطنية في مجال الذكاء الاصطناعي، فتغتنم الفرصة لتقليص الفجوة مع الدول المتقدمة.

  •  دور الذكاء الاصطناعي في دعم عملية اتخاذ القرارات الاستراتيجية لدى رواد الأعمال والمستثمرين.

قليديًا، كان اتخاذ القرارات الاستراتيجية مسعىً بشريًا بحتًا يعتمد على خبرة الاستراتيجيين وحدسهم وقدراتهم المعرفية. غير أنّ التطورات السريعة في الذكاء الاصطناعي بدأت تُحدي هذا النموذج، إذ حقق الذكاء الاصطناعي تقدمًا تدريجيًا في مجالات من صنع القرار كانت تُعَدّ في السابق حكرًا على البشر. فبدءًا من إتقانه ألعاب الاستراتيجية المعقدة مثل جو وستار كرافت وديبلوماسي، ([7]) أصبحت عملية اتخاذ القرارات المدعَّمة بالذكاء الاصطناعي أسرع وأكثر ذكاءً، من خلال توفير البيانات التي يحتاجها قادة الأعمال على الفور.

على سبيل المثال، إذا أراد مُسوّق معرفة ما إذا كان سيواصل حملةً تسويقيةً ما، فيمكن للذكاء الاصطناعي أن يوضّح بسرعة أداء الحملة حتى الآن، كما يمكنه أيضًا أن يشير إلى تقلبات السوق الحالية وعوامل أخرى قد تؤثّر في نجاح الحملة. وبذلك يتمكن قادة التسويق من الوصول إلى هذه الرؤى بسرعة واتخاذ قرارات واثقة، استنادًا إلى بيانات دقيقة.

 كما يشمل اتخاذ القرارات الاستراتيجية تحديدَ واختيارَ مسارات عمل طويلة الأجل ترسم ملامح أداء الشركة. ويُعَدّ اتخاذ القرارات الاستراتيجية تحديًا بطبيعته نظرًا لارتفاع مستوى المخاطر المرتبطة به، وتعقيده، وغموضه، وما يرافقه من ردود أفعال متأخرة أو مشوشة، إضافةً إلى احتمالية إنهاك الموارد المعرفية المحدودة للمديرين.([8]).

لكن على الرغم من هذه المزايا، تظل هناك مخاطر رئيسية مرتبطة بالتحيز والمساءلة والرقابة، فضلًا عن خطر سرقة البيانات أو تسريبها إلى الشركات المنافسة. يعتمد الذكاء الاصطناعي على بيانات حساسة، وإذا لم تُتَّخذ تدابير أمان صارمة، فقد تتعرض هذه البيانات للاختراق أو الاستخدام غير المشروع، مما يؤدي إلى فقدان الميزة التنافسية للشركة، وتهديد استراتيجياتها التجارية، بل وربما التسبب في أضرار مالية والإضرار بسمعتها.

كما أن تحديد المسؤولية عن القرارات المعتمدة على الذكاء الاصطناعي يُعَدّ أمرًا معقدًا، سواء بالنسبة للمطورين أو لمستخدمي النظام أو للإدارة العليا. لذلك، يتطلب دمج الذكاء الاصطناعي في عملية اتخاذ القرار وضع آليات واضحة للمساءلة، وتوفير إشراف بشري، وضمان الشفافية في العمليات. وتُعَدّ الرقابة المستمرة ضرورية لضمان توافق القرارات مع أهداف المؤسسة وقيمها الأخلاقية، من خلال مراجعة البيانات والخوارزميات والنتائج بشكل دوري.

إن هذا الدمج بين قوة التحليل الآلي والحكم البشري، مع تأمين صارم للبيانات، يعزز قدرة الشركات على اتخاذ قرارات استراتيجية سليمة ومستدامة، مع حماية المعلومات الحساسة والحفاظ على ميزتها التنافسية.

ثانياً – تأثير الذكاء الاصطناعي على مستقبل الوظائف:

فيما يتعلق بأثر التكنولوجيا الحديثة، وخصوصًا تطبيقات الذكاء الاصطناعي، على سوق العمل، يُصنِّف كلاوس شواب في كتابه الثورة الصناعية الرابعة التوجّهات المرتبطة بالتكنولوجيا الناشئة إلى معسكرين[9]:

فيما يتعلق بأثر التكنولوجيا الحديثة، وخصوصًا تطبيقات الذكاء الاصطناعي، على سوق العمل، يُصنِّف كلاوس شواب في كتابه الثورة الصناعية الرابعة التوجّهات المرتبطة بالتكنولوجيا الناشئة إلى معسكرين:

  • المتفائلون: يرون أن التكنولوجيا ستفتح عصرًا جديدًا من الرخاء الجماعي الواسع.
  • المتشائمون: يرون أن التطورات التكنولوجية قد تؤدي إلى حالة من الفوضى والخراب، مدفوعة بالبطالة الجماعية وانعدام الفرص التقليدية.

وقد اخترنا الولايات المتحدة الأمريكية مثالًا لتوضيح أثر الذكاء الاصطناعي على سوق العمل، لكونها رائدة عالميًا في قطاع التكنولوجيا، إذ تضم أكبر الشركات التكنولوجية والابتكارات في مجال الذكاء الاصطناعي. كما أن البيانات والإحصاءات المتعلقة بسوق العمل الأمريكي متاحة وموثوقة، مما يسهّل دراسة أثر التقنيات الناشئة بدقة.

يوضح الشكل التالي حصة التوظيف في قطاع التكنولوجيا في الولايات المتحدة ومدى تأثرها بتقنيات الذكاء الاصطناعي، مما يتيح فهمًا واضحًا للتغيرات المحتملة في توزيع الوظائف وفرص العمل المستقبلية.

شكل رقم (1)

حصة التوظيف في قطاع التكنولوجيا انخفضت إلى ما دون الاتجاه العام.

1

فقًا للشكل السابق، يتضح حتى الآن أن العاملين الأصغر سنًا في مجال التكنولوجيا متأثرون بشكل ملحوظ، إذ ارتفعت نسبة البطالة بين الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 20 و30 عامًا في المهن المرتبطة بالتكنولوجيا بنحو 3 نقاط مئوية منذ بداية عام 2025، وهي نسبة أعلى بكثير من نظرائهم في الفئة العمرية نفسها العاملين في مجالات أخرى، وكذلك بالنسبة للعاملين في قطاع التكنولوجيا بوجه عام. ويؤكد ذلك التقارير غير الرسمية التي تشير إلى أن الذكاء الاصطناعي التوليدي يُسهم في صعوبات التوظيف التي يواجهها خريجو الجامعات الجدد في مجالات التكنولوجيا ( [10]) ، ورغم أن قطاع التكنولوجيا كان محركًا رئيسيًا لخلق الوظائف خلال العقد الماضي، فإن حصته من التوظيف الكلي بدأت تتراجع منذ عام 2022، وهو ما يعكس تباطؤ النمو وربما تأثيرات الأتمتة والذكاء الاصطناعي التي حسّنت الكفاءة لكنها قلّلت الحاجة إلى مزيد من التوظيف. التكنولوجيا لا تلغي الوظائف تمامًا، لكنها تعيد توزيعها من القطاعات التقليدية إلى القطاعات الحديثة.

تشير الأدلة المبكرة من تطبيقات الذكاء الاصطناعي، التي أسهمت في تحقيق مكاسب على صعيد الإنتاجية، إلى أن الحد الأقصى لنسبة الوظائف المعرّضة حاليًا لخطر الأتمتة لا يتجاوز 2.5% فقط.

شكل رقم (2)

الحد الأقصى لنسبة الوظائف المعرّضة لخطر الأتمتة بالولايات المتحدة الأمريكية لعام2025

2
Source: Haver Analytics, data compiled by Goldman Sachs Research

على الرغم من الأدلة الواضحة على تأثير الذكاء الاصطناعي في التوظيف، فإن نطاق الوظائف المتأثرة لا يزال محدودًا. وفي حال توسيع نطاق استخدام الذكاء الاصطناعي في مختلف قطاعات الاقتصاد، تُقدّر شركة جولدمان ساكس للأبحاث أن نحو 2.5% فقط من الوظائف في الولايات المتحدة ستكون مُعرّضة لخطر الفقدان. وبذلك، فإن الأثر الفعلي للذكاء الاصطناعي على التوظيف ما زال في مراحله الأولى، ويبدو أنه يتركّز على نوعية الوظائف أكثر من عددها الكلي. ويتمثّل التحدي الأساسي في تأثيراته غير المتكافئة على الشرائح العمرية والقطاعات المختلفة، ولا سيما بين الشباب في قطاع التكنولوجيا. وهذا يستدعي وضع سياسات فعّالة للتدريب وإعادة التأهيل، تواكب إعادة هيكلة سوق العمل بدلًا من الاكتفاء بمراقبة معدلات البطالة الكلية.أفاد تقرير أصدرته شركة خدمات التوظيف “تشالنجر جراي آند كريسماس” ، بتسريح ما يقرب من 65 ألف شخص من وظائفهم في شركات مقرها الولايات المتحدة في أبريل 2024، مع استمرار التخفيضات في قطاع التكنولوجيا، وتسريح عدد كبير من الموظفين في شركة “تسلا”، واستبدال الوظائف بالذكاء الاصطناعي، وهو ما يعد السبب الرئيسي وراء ذلك.

يشهد قطاع التكنولوجيا موجة متواصلة من عمليات تسريح الموظفين خلال عام 2025، حيث أعلنت شركات كبرى مثل مايكروسوفت وسيلزفورس وأوراكل عن إلغاء آلاف الوظائف. ويرتبط السبب الرئيسي وراء هذه التخفيضات بالنمو السريع لتقنيات الذكاء الاصطناعي، التي تعيد هيكلة الشركات بهدف خفض التكاليف وزيادة الكفاءة.

أبرز الشركات المتأثرة: بالنسبة للعديد من الشركات، أصبح استخدام الذكاء الاصطناعي خيارًا بديهيًا، إذ لا يوفّر فقط خفضًا كبيرًا في التكاليف في وقتٍ تُثقل فيه معدلات التضخم المتصاعدة كاهل الأرباح، بل يُسهم أيضًا في تعزيز الإنتاجية بشكل ملحوظ. ويتجلّى ذلك في أن الشركات الأكثر إنتاجية هي تلك التي توظّف الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع. ومن ذلك على سبيل المثال:

.1 مايكروسوفت:

كانت من أكثر الشركات جرأة، إذ سرّحت أكثر من 15,000 موظف منذ مايو 2025، في خطوة استراتيجية تهدف إلى تركيز استثماراتها في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي.

2. سيلزفورس وأوراكل:

أعلنت الشركتان عن تسريح مئات الموظفين في الولايات المتحدة، وربطت سيلزفورس هذه التخفيضات بإطلاق منصتها الجديدة “Agentforce” المدعومة بالذكاء الاصطناعي، والتي أدّت إلى أتمتة خدمات دعم العملاء وتقليل الحاجة إلى المهندسين البشريين.

. 3تاتا للخدمات الاستشارية (TCS):

امتدت عمليات التسريح إلى الهند، حيث قامت الشركة بإلغاء حوالي 12,000 وظيفة (ما يعادل 2% من قوتها العاملة) للاستعداد لـ”مؤسسة جاهزة للمستقبل”.

4. شركة آي بي إم :

سرّحت شركة آي بي إم نحو 8,000 موظف، وتشير التقارير إلى أن معظم هذه التسريحات جاءت من قسم الموارد البشرية بالشركة. وتأتي هذه الخطوة بعد أيام قليلة من استبدال الشركة نحو 200 وظيفة في قسم الموارد البشرية بموظفين مدعومين بالذكاء الاصطناعي، في إطار جهودها لتوسيع نطاق الأتمتة. وفي الواقع، مع قيام الذكاء الاصطناعي اليوم بأداء مهام كان يتولاها البشر سابقًا، يجري التخلص تدريجيًا من العديد من الوظائف.

5 . شركة تسلا :

يتسق ذلك مع إعلان شركة تسلا عن نيتها تسريح ما يقرب من 14,000 موظف، أي نحو 10% من قوتها العاملة، مما جعل قطاع السيارات أحد أكثر القطاعات تضررًا من موجات التسريح. فقد ألغت شركات صناعة السيارات أكثر من 20,000 وظيفة في عام 2024، أي ضعف عدد الوظائف التي جرى تسريحها حتى أبريل 2023.

6. شركات أخرى:

تشهد شركات كبرى أخرى مثل إنتل، وميتا، وجوجل، وأمازون أيضًا تخفيضات في عدد الموظفين، مع إعادة تركيز الموارد على مبادرات الذكاء الاصطناعي([11]).

ويظل قطاع التكنولوجيا القطاع الأكثر تضررًا من عمليات تسريح الوظائف هذا العام، حيث بلغ عدد الوظائف التي جرى الاستغناء عنها 47,436 وظيفة. ومن بين عمليات التسريح في مختلف القطاعات، أُلقي باللوم على الذكاء الاصطناعي في فقدان نحو 800 وظيفة، وهو أعلى عدد من حالات التسريح المنسوبة لهذا السبب منذ مايو 2023([12]).كما فقد أكثر من 83 ألف عامل في مجال التكنولوجيا وظائفهم حتى الآن خلال عام 2025. ورغم أن كل شركة تُبرر قراراتها بأنها جزء من إعادة هيكلة أو سعي نحو تعزيز الكفاءة، فإن القاسم المشترك بين جميع هذه العمليات يتمثل في تصاعد استخدام الآلات والبرمجيات المدعومة بالذكاء الاصطناعي. ([13]).

في المقابل، لم يعد الذكاء الاصطناعي (AI) مجرد وسيلة لأتمتة الأعمال وتقليص بعض الوظائف التقليدية، بل أصبح أيضًا محركًا قويًا لخلق وظائف جديدة ومتنوعة، ومنها على سبيل المثال ([14]):

  1. مهندس تعلم آلي (Machine Learning Engineer): يبني ويطور نماذج التعلم الآلي ويحولها إلى حلول عملية قابلة للتنفيذ.
  2. مدير منتجات الذكاء الاصطناعي (AI Product Manager): يربط بين الفرق التقنية والأهداف التجارية ويضع استراتيجيات المنتجات المدعومة بالذكاء الاصطناعي.
  3. عالم بيانات لتطبيقات الذكاء الاصطناعي (Data Scientist – AI Applications): يستخدم التحليلات التنبؤية والنماذج الإحصائية والذكاء الاصطناعي لاتخاذ قرارات قائمة على البيانات.
  4. مهندس التوجيه (Prompt Engineer): يختص بتحسين التفاعل مع نماذج اللغة الكبيرة (LLMs) والذكاء الاصطناعي التوليدي عبر صياغة تعليمات دقيقة وفعالة.
  5. باحث في الذكاء الاصطناعي (AI Researcher): يطور خوارزميات جديدة ويبتكر تقنيات متقدمة لدفع حدود قدرات الذكاء الاصطناعي.
  6. مهندس الرؤية الحاسوبية (Computer Vision Engineer): يطور أنظمة لفهم الصور والفيديو، مهمة في السيارات ذاتية القيادة والتشخيص الطبي والأمن.
  7. مهندس معالجة اللغة الطبيعية (NLP Engineer): يبني أنظمة لفهم وتوليد اللغة البشرية، مثل المساعدات الافتراضية والترجمة الآلية.
  8. مختص/استشاري أخلاقيات الذكاء الاصطناعي (AI Ethics Specialist/Consultant): يضمن استخدامًا مسؤولًا وعادلاً للذكاء الاصطناعي، مع تركيز على الشفافية، الخصوصية، ومكافحة التحيز.

ثالثاً – تأثير الذكاء الاصطناعي على سوق العمل في مصر :

تتبنّى مصر استراتيجية قومية للذكاء الاصطناعي تهدف إلى الاستفادة من هذه التقنية في تحسين الخدمات الحكومية وتنمية القطاع الرقمي. وتضع هذه الاستراتيجية الذكاء الاصطناعي كأداة للتنمية، لكنها تبرز في الوقت ذاته الحاجة إلى تعزيز الحوكمة وبناء المهارات. ([15]) ووفقًا لأحدث البيانات الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاءانخفض معدل البطالة في مصر إلى 6.6% في عام 2024، من 7.0% في عام 2023، مما يعكس تحسنًا قدره 0.4 نقطة مئوية، ([16])، فيما استمر معدل البطالة في التراجع في مصر خلال الربع الثاني من عام 2025 إلى مستوى 6.1% من إجمالي قوة العمل.[17] مما يشير إلى تحسّن مرونة سوق العمل وزيادة قدرة الاقتصاد على استيعاب الداخلين الجدد إلى قوة العمل. ومن المتوقّع أن يُسهم الذكاء الاصطناعي في إعادة تشكيل خريطة الوظائف عبر خلق فرص جديدة في مجالات التحليل الرقمي، والأمن السيبراني، وتطوير البرمجيات، والخدمات الحكومية الذكية. وفي المقابل، قد يُهدّد بعض الوظائف التقليدية التي تعتمد على الأعمال الروتينية، خاصةً في مجالات الخدمات الإدارية والمكتبية.

تتأثر مصر بعدة عوامل اقتصادية وهيكلية متعدّدة. فلا يزال توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي محدودًا، حيث يتركّز أساسًا على تطوير الخدمات الحكومية وتعزيز القطاع الرقمي، دون أن يصل بعد إلى مستوى واسع يُغيّر أنماط التشغيل القائمة. كما يعتمد سوق العمل المصري بدرجة كبيرة على قطاعات تقليدية مثل الزراعة والبناء والخدمات منخفضة المهارة، وهي أنشطة تبعد نسبيًا عن مخاطر الأتمتة الشاملة. وإضافة إلى ذلك، ساهم النمو الملحوظ في القطاعات كثيفة العمالة، وعلى رأسها البناء والخدمات، في استيعاب شريحة واسعة من القوة العاملة، مما خفّف من أي انعكاسات سلبية محتملة لفقدان الوظائف نتيجة الرقمنة.

إضافة إلى ذلك، فإن ضعف البنية التكنولوجية وتواضع الاستثمارات الموجّهة نحو الذكاء الاصطناعي جعلا أثره محدودًا ومؤجّلًا. ومن ثم، يمكن القول إن الذكاء الاصطناعي في مصر يؤدي حتى الآن دورًا مساندًا في تحسين الكفاءة والإنتاجية، لا دورًا مُزيحًا للعمالة. ومع استمرار تطوير الاستراتيجية القومية للذكاء الاصطناعي، ستظل التحديات المستقبلية مرتبطة بقدرة الدولة على تحقيق التوازن بين التحوّل الرقمي والحفاظ على استقرار سوق العمل.

الوظائف المعرضة للمخاطر:

يشهد سوق العمل، سواء في مصر أو على الصعيد العالمي، إعادة تشكيل عميقة بفعل تقنيات الذكاء الاصطناعي، حيث تتباين مستويات التأثير بين القطاعات المختلفة. ففي حين تواجه بعض القطاعات تهديدًا مباشرًا بفقدان الوظائف نتيجة الأتمتة، تبقى قطاعات أخرى أقل عرضة للتأثر بفضل اعتمادها على المهارات الإنسانية المعقدة والإبداعية، ومنها على سبيل المثال:

1- القطاعات الأكثر تأثرًا:

  • قطاع التصنيع والصناعات التحويلية:
    يعتمد بشكل كبير على الروبوتات والأنظمة الذكية في خطوط الإنتاج، خصوصًا الصناعات كثيفة العمالة مثل المنسوجات، الأغذية، والمنتجات البلاستيكية.
  • قطاع النقل والخدمات اللوجستية:
    التطورات في المركبات ذاتية القيادة وأنظمة إدارة النقل الذكية تجعل العاملين في النقل البري والبحري والجوي أكثر عرضة للاستبدال.
  • القطاع المالي والمصرفي:
    تطبيقات الذكاء الاصطناعي مثل الخدمات المصرفية الرقمية، الروبوتات الاستشارية، وأنظمة الائتمان الآلي تقلل الحاجة إلى الموظفين في الوظائف التقليدية داخل البنوك وشركات التمويل.
  • قطاع تجارة التجزئة:
    الانتشار المتزايد للتجارة الإلكترونية والاعتماد على أنظمة الدفع الذكية والخدمات الآلية يهدد وظائف العاملين في المتاجر التقليدية.
  • قطاع الخدمات الإدارية والمكتبية:
    أتمتة الأعمال الروتينية عبر برامج الذكاء الاصطناعي (مثل تحليل البيانات، خدمة العملاء الافتراضية، وإدارة الملفات) قد يؤدي إلى تقليص الحاجة للموظفين الإداريين.

2- القطاعات الأقل تأثرًا:

  • قطاع الإعلام والصحافة الإبداعي:
    على الرغم من استخدام الذكاء الاصطناعي في إنتاج الأخبار، الترجمة، والتحرير الآلي، تظل الوظائف التي تتطلب الإبداع والتحليل العميق والتفكير النقدي أقل تأثرًا على المدى القصير.
  • القطاعات القائمة على المهارات البشرية المعقدة والتفاعل الاجتماعي المباشر:
    مثل التعليم، الرعاية الصحية، والاستشارات المتخصصة، حيث لا يمكن للأنظمة الذكية استبدال القدرة البشرية على التفكير الإبداعي وحل المشكلات والتواصل الشخصي.

حتى الآن، لا يبدو أن الذكاء الاصطناعي قد أثّر بشكل مباشر على مستوى التوظيف أو مشكلة البطالة في مصر، ويُعزى ذلك إلى أن نطاق استخدامه ما زال محدودًا كما ذُكر سابقًا. ومع ذلك، يتطور الذكاء الاصطناعي بوتيرة متسارعة ويدخل في شتى المجالات على مستوى العالم، وهذا لا يعني أنه لن يؤثر على البطالة في مصر مستقبلًا. بل على العكس، فمن المرجح مع مرور الوقت أن يتزايد استخدامه، وهو ما يستوجب على صانعي القرار في مصر الانتباه لهذه التحولات وتوجيه استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي نحو مجالات لا تؤدي إلى تفاقم مشكلة البطالة، فضلًا عن ضرورة العمل على نشر الوعي بأهمية هذه التطبيقات وكيفية توظيفها بشكل يُحقق التنمية المستدامة.

رابعاً – سياسات وتقنيات الحد من البطالة التكنولوجية الناتجة عن الذكاء الاصطناعي:

مع إعادة تشكيل الذكاء الاصطناعي لسوق العمل، تتعارض المخاوف من انتشار البطالة مع التفاؤل بتحقيق مكاسب في الإنتاجية، مما يزيد الحاجة إلى سياسات استباقية لدعم العمال المتضررين، ومنها:

  1. الإصلاح التشريعي والتنظيمي من خلال:
  2. تحديث قوانين العمل لتوفير حماية أكبر للعمال المتضررين من الأتمتة.
  3. وضع أطر قانونية واضحة لاستخدام الذكاء الاصطناعي في بيئة العمل، لضمان حماية حقوق العاملين التوازن بين مصالح أصحاب العمل والنمو الاقتصادي تعزيز العدالة الاجتماعية.
  4. الحلول الوقائية لتجنب فقدان الوظائف، من خلال:
  5. تشجيع الابتكار التكنولوجي الذي يكمل العمل البشري بدلًا من استبداله، كما أشار إليه أسيموغلو وجونسون في كتابهما “القوة والتقدم”.
  6. إعادة توزيع الموظفين المعرضين للبطالة التكنولوجية على وظائف أخرى داخل نفس المنظمة.

توجيه الطلاب والخريجين لدراسة مجالات مرتبطة بالذكاء الاصطناعي، بما في ذلك: تطوير البرمجيات، تحليل البيانات، الذكاء الاصطناعي، الأمن السيبراني، الروبوتات، والأتمتة، وذلك لإعدادهم لسوق العمل المستقبلي وزيادة فرص توظيفهم في القطاعات الناشئة.

3) سياسات دعم العمال عند فقدان الوظيفة:

– تقديم دعم الدخل عبر تأمين البطالة أو غيره من برامج الحماية الاجتماعية.

– تطوير وتنفيذ برامج إعادة تأهيل وتطوير المهارات للعمال لمهن جديدة في الاقتصاد الرقمي و الاقتصاد الأخضر.

  • دعم الاستثمارات العامة والخاصة في هذه القطاعات لتعزيز فرص العمل وتقليل الآثار السلبية للبطالة التكنولوجية.

ومن خلال ما سبق عرضه، يتضح أن الذكاء الاصطناعي يمثل قوةً محورية لإعادة تشكيل سوق العمل ومستقبل الاقتصاد العالمي. ورغم إمكانياته الضخمة في زيادة الإنتاجية وتحقيق مكاسب اقتصادية تصل إلى تريليونات الدولارات، فإنه يحمل في طياته مخاطر متنامية على العمالة والدخل. ومن ثم، يكمن التحدي الأساسي في قدرة الدول والمؤسسات على إدارة الانتقال التكنولوجي من خلال الاستثمار في رأس المال البشري وتبني سياسات اقتصادية واجتماعية استباقية.

ورغم أن نسبة الوظائف المعرضة للأتمتة محدودة نسبيًا في الوقت الحالي، إلا أن التأثير غير المتكافئ بين القطاعات والفئات الاجتماعية يفرض تحديات حقيقية على صانعي السياسات والمجتمعات. فالقطاعات كثيفة العمالة والمهام الروتينية هي الأكثر عرضة لتراجع الطلب على القوى العاملة، بينما القطاعات الإبداعية والمعتمدة على المهارات البشرية المعقدة والتفاعل الاجتماعي المباشر تبقى أقل تأثرًا على المدى القصير.

إن قدرة المجتمعات على الاستثمار في رأس المال البشري من خلال التعليم والتدريب المهني، إلى جانب تبني سياسات استباقية وداعمة للعمال، ستكون العامل الحاسم في تحويل التحديات التكنولوجية إلى فرص للنمو الاقتصادي الشامل. ويشمل ذلك إعادة تأهيل القوى العاملة، وتوجيه الطلاب لدراسة مجالات مرتبطة بالذكاء الاصطناعي، ودعم الابتكار الذي يكمل العمل البشري بدلًا من استبداله.

يمكن النظر إلى الذكاء الاصطناعي على أنه فرصة تاريخية لتعزيز الإنتاجية والنمو الاقتصادي وخلق وظائف جديدة، شرط أن تتبنى المجتمعات استراتيجيات متكاملة تجمع بين التعليم، والتدريب، والابتكار، والحماية الاجتماعية. وإلا، فقد يتحول هذا التحول التكنولوجي إلى تهديد للاستقرار الاجتماعي وزيادة الفجوات الاقتصادية والاجتماعية.

المراجع:


[1]   الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي ، الذكاء الاصطناعي، متاح علي الرابط التالي:

https://sdaia.gov.sa/ar/SDAIA/about/Pages/AboutAI.aspx

[2] الموقع الرسمي لشركة  SAP ،  ما هو الذكاء الاصطناعي؟، متاح علي الرابط التالي:

https://www.sap.com/mena-ar/products/artificial-intelligence/what-is-artificial-intelligence.html

[3] خالد كاظم، مستقبل الوظائف في ظل الطفرة التكنولوجية، مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار، مجلس الوزراء، متاح علي الرابط التالي :

https://idsc.gov.eg/upload/DocumentLibrary/AttachmentA/8850/%D9%85%D8%B3%D8%AA%D9%82%D8%A8%D9%84%20%D8%A7%D9%84%D9%88%D8%B8%D8%A7%D8%A6%D9%81%20%D9%81%D9%8A%20%D8%B8%D9%84%20%D8%A7%D9%84%D8%B7%D9%81%D8%B1%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%83%D9%86%D9%88%D9%84%D9%88%D8%AC%D9%8A%D8%A9.pdf

[4] Mark Talmage-Rostron  , How will Artificial Intelligence Will Change the World, available At:

https://www.nexford.edu/insights/how-will-ai-affect-jobs

[5] University of Cincinnati online, 7 Benefits of Artificial Intelligence (AI) for Business, Available at : https://online.uc.edu/blog/business-benefits-artificial-intelligence-ai/

[6] University of Cincinnati online, 7 Benefits of Artificial Intelligence (AI) for Business, Available at : https://online.uc.edu/blog/business-benefits-artificial-intelligence-ai/

[7] Risi S, Preuss M (2020) From chess and Atari to StarCraft and beyond: How game AI is driving the world of AI. KI—Künstliche Intelligenz 34(1):7–17.

[8] Csaszar FA, Hinrichs N, Heshmati M (2024) External representations in strategic decision making: Understanding strategy’s reliance on visuals. Strategic Management J. 45(11):2191–2226.

[9]  منظمة العمل الدولية ، الثورة الصناعية الرابعة والذكاء الاصطناعي ومستقبل العمل في مصر، يوليو 2021، ص13.

[10]  كيف سيؤثر الذكاء الاصطناعي على القوى العاملة العالمية؟، مقال 2025 متاح علي الرابط التالي :

https://www.goldmansachs.com/insights/articles/how-will-ai-affect-the-global-workforce

[11]  اليوم السايع ، موجة تسريح تضرب موظفى شركات التكنولوجيا فى 2025.. مايكروسوفت الأبرز ، متاح علي الرابط التالي:

https://www.youm7.com/story/2025/9/12/%D9%85%D9%88%D8%AC%D8%A9-%D8%AA%D8%B3%D8%B1%D9%8A%D8%AD-%D8%AA%D8%B6%D8%B1%D8%A8-%D9%85%D9%88%D8%B8%D9%81%D9%89-%D8%B4%D8%B1%D9%83%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%83%D9%86%D9%88%D9%84%D9%88%D8%AC%D9%8A%D8%A7-%D9%81%D9%89-2025-%D9%85%D8%A7%D9%8A%D9%83%D8%B1%D9%88%D8%B3%D9%88%D9%81%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%A8%D8%B1%D8%B2/7114723#google_vignette

[12] Mary Whitfill Roeloffs, Almost 65,000 Job Cuts Were Announced In April—And AI Was Blamed For The Most Losses Ever, Forbes, available at:  

https://www.forbes.com/sites/maryroeloffs/2024/05/02/almost-65000-job-cuts-were-announced-in-april-and-ai-was-blamed-for-the-most-losses-ever/

[13]  جريدة اليوم السابع ، موجة تسريح تضرب موظفى شركات التكنولوجيا فى 2025.. مايكروسوفت الأبرز، متاح علي الرابط التالي:

https://www.youm7.com/story/2025/9/12/%D9%85%D9%88%D8%AC%D8%A9-%D8%AA%D8%B3%D8%B1%D9%8A%D8%AD-%D8%AA%D8%B6%D8%B1%D8%A8-%D9%85%D9%88%D8%B8%D9%81%D9%89-%D8%B4%D8%B1%D9%83%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%83%D9%86%D9%88%D9%84%D9%88%D8%AC%D9%8A%D8%A7-%D9%81%D9%89-2025-%D9%85%D8%A7%D9%8A%D9%83%D8%B1%D9%88%D8%B3%D9%88%D9%81%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%A8%D8%B1%D8%B2/7114723

[14]  Ryan Tweedy, The Rise of AI Roles: Top In-Demand Job Titles and What They Mean for Hiring Managers and Candidates, Available at:

https://www.dewintergroup.com/top-in-demand-ai-job-titles-and-what-they-mean-for-hiring-managers-and-candidates?utm_source=chatgpt.com

[15] Egypt National AI Strategy,the national council for Artificial Intelligence , available at :  

https://ai.gov.eg/Egypt%20National%20AI%20Strategy-%20English.pdf?utm_source=chatgpt.com

[16]  الموقع الرسمي للهيئة العامة للاستعلامات، معدل البطالة في مصر ينخفض ​​إلى 6.6% في عام 2024، متاح علي الرابط التالي:

https://www.sis.gov.eg/Story/208369/Egypt%E2%80%99s-Unemployment-Rate-Drops-to-6.6-Percent-in-2024?lang=en-us.&utm_source=chatgpt.com

[17] موقع  cnbc العربية  ، مقال بعنوان جهاز الإحصاء في مصر: انخفاض معدل البطالة خلال الربع الثاني إلى 6.1%، متاح علي الرابط التالي:

https://www.cnbcarabia.com/141633/2025/15/08/%D8%AC%D9%87%D8%A7%D8%B2-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AD%D8%B5%D8%A7%D8%A1-%D9%81%D9%8A-%D9%85%D8%B5%D8%B1:-%D8%A7%D9%86%D8%AE%D9%81%D8%A7%D8%B6-%D9%85%D8%B9%D8%AF%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B7%D8%A7%D9%84%D8%A9-%D8%AE%D9%84%D8%A7%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D8%A8%D8%B9-%D8%A7%D9%84%D8%AB%D8%A7%D9%86%D9%8A-%D8%A5%D9%84%D9%89-6.1-

باحث اقتصاد مشارك من الخارج بمركز ترو للدراسات والتدريب

image
من فنزويلا إلى القطب الشمالي: غرينلاند وإعادة تشكيل أولويات النفوذ في الاستراتيجية الأمنية الأمريكية
اتفاقية السلام في غزة مسار المرحلة الأولى ومستقبل المرحلة الثانية
زيارة بوتين للهند 2025 الشراكة الهندية الروسية في سياق تحولات النظام الدولي
رؤية تحليلية لوثيقة إستراتيجية الأمن القومي الأمريكي 2025
Scroll to Top