Cairo

زيارة الشرع للبيت الأبيض: المخرجات والتداعيات الداخلية والإقليمية للزيارة

قائمة المحتويات

باحث مساعد في النظم والنظرية السياسية بمركز ترو للدراسات والتدريب

   تمثّل زيارة الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع إلى البيت الأبيض في العاشر من نوفمبر 2025 حدثًا هامًا في تاريخ العلاقات السورية – الأمريكية، إذ تُعدّ الأولى من نوعها منذ عام 1946، أي منذ سياق تأسيس الدولة السورية الحديثة بعد الاستقلال، ولهذا قد وصفت صحفيًا بالزيارة “التاريخية”،[1] بالإضافة إلى أنها تعبر عن اللقاء الثالث بين الرئيسين الشرع وترامب منذ أن رأس الشرع سوريا انتقاليًا. جاءت هذه الزيارة في ظرف إقليمي شديد التعقيد، أعقب عقدًا من التحولات القوية في بنية النظام السياسي السوري وما رافقه من إعادة تشكّل لموازين القوى في الشرق الأوسط. وقد حظيت الزيارة بأهمية استثنائية؛ لأنها عبرت عن تقارب – نسبي – في الرؤى بين رئيس سوري يمثل مرحلة ما بعد النظام البعثي، ورئيس أمريكي يسعى إلى إعادة صياغة الدور الأمريكي في الإقليم على أسس براجماتية واقعية.

    شملت الزيارة لقاءً مغلقًا بين الرئيسين في المكتب البيضاوي، إلى جانب مشاورات مع قيادات في الكونغرس وممثلين عن قطاع الأعمال الأمريكي. وقد ركّزت المباحثات على قضايا متعددة، أبرزها: الانضمام السوري إلى التحالف الدولي لمحاربة تنظيم داعش، وتجميد العقوبات المفروضة على سوريا بموجب قانون قيصر، كذلك التمهيد لفتح القنوات الدبلوماسية بين الطرفين عبر إلغاء القيود على البعثة الدبلوماسية السورية في واشنطن، بالإضافة إلى بحث فرص التعاون الاقتصادي وإعادة الإعمار في سوريا ضمن أُطر تضمن توازن المصالح بين واشنطن ودمشق.[2]

   تكمن أهمية هذا الحدث في دلالاته الرمزية والسياسية؛ فهو يؤشر على تحوّل في مقاربة واشنطن تجاه دمشق بعد سنوات من القطيعة والعقوبات، كما يعكس رغبة النظام السوري الجديد في كسر العزلة الدبلوماسية والانفتاح على النظام الدولي من بوابة البيت الأبيض. ومن ثمّ، تفتح هذه الزيارة الباب أمام تتبع حدود هذا التقارب، وإمكاناته الواقعية، وتداعياته على المشهد الإقليمي ومستقبل إعادة بناء الدولة السورية. تسعى هذه المقالة إلى تحليل مخرجات الزيارة وإلقاء الضوء على تداعيتها على الداخل السوري، والدور السوري الإقليمي وأدوار الفواعل الإقليمية.

أولا: أهمية الزيارة وسياقها:

   تُمثّل زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع إلى البيت الأبيض حدثاً غير مسبوق في تاريخ العلاقات السورية – الأمريكية، إذ إنها أول زيارة لرئيس سوري إلى واشنطن منذ نشأة الدولة السورية الحديثة. يعود ذلك إلى طبيعة العلاقة المتوترة بين البلدين في سياق الحرب الباردة، حيث اتسمت هذه العلاقة بالتعارض الجيوسياسي العميق الناتج عن اصطفاف سوريا في المعسكر السوفييتي من جهة، ودعم الولايات المتحدة اللامحدود لإسرائيل من جهة أخرى، وارتباط سوريا لاحقًا بالمحور الروسي الإيراني الذي يشكل ركيزة أساسية للهيمنة الأمريكية في النظام الدولي[3]. وقد أفرز هذا التناقض البنيوي حالة من الانقطاع الدبلوماسي الطويل، جعلت فكرة استقبال رئيس سوري في البيت الأبيض خارج نطاق الفعل السياسي الممكن طوال عقود.

   وعلى الرغم من تعدد محطات الحوار غير المباشر بين دمشق وواشنطن، لا سيما خلال مفاوضات السلام في التسعينيات، فإن هذه اللقاءات لم ترتقِ إلى مستوى زيارة رئاسية. فالرئيسان حافظ الأسد وبشار الأسد لم يقوما بأي زيارة رسمية إلى الولايات المتحدة، بل جرت الاجتماعات رفيعة المستوى،[4] حينما كانت تحدث، في جنيف أو مدريد أو عبر وسطاء دوليين، بما يجسد محدودية الانفتاح الأمريكي على القيادة السورية. كما قيّدت حزم العقوبات المتلاحقة التي فرضتها واشنطن منذ عام 2004، وتحديداً بعد 2011، أي إمكانية للتواصل السياسي المباشر، إذ كانت الأطر القانونية الأمريكية تمنع عمليًا استضافة مسؤولين رفيعي المستوى من دمشق، فضلاً عن انعدام الثقة السياسية التي باتت تتصاعد بعد الأحداث في سوريا عام 2011.

   وتأتي زيارة الشرع في سياق تحوّل سياسي داخل سوريا أتاح إعادة صياغة العلاقات الخارجية للدولة، وكانت بوصلة التوجه للولايات المتحدة الأمريكية واضحة منذ البداية. فاستضافة البيت الأبيض لرئيس سوري تحمل دلالة رمزية وسياسية كبرى؛ لأنها تكسر نمطًا تاريخيًا من القطيعة وتعبّر عن إعادة ضبط واسعة في آليات التعاطي الأمريكي مع الملف السوري.

   ومما لا شك فيه أن تلك الزيارة تحمل جانب كبير من الأهمية، إذ أنها تعبر عن مرحلة للانتقال بين الدولتين من الفتور والقطيعة إلى الرغبة في تعميق التنسيق الاستراتيجي، فتلك الزيارة الرئاسيةأ تجسد أعلى درجات التواصل الدبلوماسي بين الطرفين، وهي ما لم تشهده العلاقة بينهما منذ استقلال سوريا.[5] غير أن أهميتها لا تنبع فقط من بعدها الدبلوماسي أو الرمزي، بل من كونها تشكّل انعكاسًا لتحول جذري في البناء السياسي السوري وأيديولوجيته، وفي مقاربة الولايات المتحدة الأمريكية لعلاقاته مع دول الشرق الأوسط، وبالأخص المشرق العربي. فهذه الزيارة جاءت تتويجًا لمسار معقّد من التحولات التي أعقبت سقوط النظام البعثي السابق في دمشق أواخر عام 2024، وتشكّل حكومة انتقالية غير شرعية برئاسة الشرع، سعت إلى إعادة ترتيب المعادلة السياسية السورية الداخلية، وكذلك موقع سوريا في النظامين الإقليمي والدولي بعد سنوات طويلة من العزلة والصراع.[6]

   تمثّل الزيارة إعلانًا رمزيًا عن المحاولة لاستعادة الدولة السورية إلى داخل النظام السياسي الدولي، بعد أن ظلت لسنوات رهينة للصراعات الداخلية، والتحالفات الضيقة إقليميًا والعقوبات الدولية غربيًا. فالرئيس الشرع، القادم من خلفية تشكلت عبر التحولات من التنقل عبر جماعات صُنفت دوليًا على كونها جماعات “إرهاببة” كتنظيم القاعدة ونشاطه في العراق، إلى تكوين جبهة النصرة بدعمٍ من القاعدة، ثم الخروج من مظلتها وتكوين هيئة تحرير الشام، يحاول أن يبرز نفسه للمجتمع الدولي باعتباره نموذجًا للتحوّل من الفصائلية إلى مؤسسات الدولة السورية، ومن خطاب المقاومة الداخلية والصدام الخارجي، إلى خطاب الانفتاح الدبلوماسي على الغرب.

   وبذلك، أراد من زيارته لواشنطن أن يقدّم نفسه ممثلًا لـ”سوريا الجديدة”؛ سوريا تسعى للاندماج في المنظومة الدولية لا لمواجهتها.[7] في المقابل، مثّلت الزيارة بالنسبة للولايات المتحدة اختبارًا لمستقبل حضورها في المنطقة، ورغبتها في إعادة تشكيل خرائط النفوذ من خلال أدوات الحوار والصفقة السياسية بدلًا من التدخل العسكري المباشر. وقد انعكست تلك التحولات في مشاهد رمزية، فبعد أن كان الرئيس الشرع من ضمن قائمة الإرهابيين المطلوبين من قبل واشنطن، حتى وضعت مكافأة بقدر 10 ملايين دولار لمن يُدلي  بمعلومات عنه، إلى رئيس يُصافح الرئيس الأمريكي ويُداعبه الآخر برش العطر، كذلك إلى رجل يُشارك القادة العسكريين الأمريكيين – اللذان شاركا في التدخل الأمريكي في أفغانستان والعراق وكذلك العمليات العسكرية ضد داعش – اهتمامهم بلعب كرة السلة، وهي اللعبة ذات الشعبية الجارفة في الثقافة الأمريكية.[8]

   لقد عكست المباحثات بين الشرع وترامب تحوّلًا في طريقة تفكير الطرفين حيال العلاقة المستقبلية بين دمشق وواشنطن. فمن جانب الإدارة الأمريكية، كانت الزيارة فرصة لإعادة سوريا إلى دائرة التأثير الغربي والأمريكي، وتحجيم نفوذ كل من إيران وروسيا داخلها، وذلك عبر تقديم حوافز اقتصادية مشروطة مثل تعليق جزئي للعقوبات وإتاحة فرص استثمار محدودة في البنية التحتية والطاقة، والإدماج ضمن منظومة التحالفات الأمنية.[9] ومن جانب دمشق، كانت الزيارة محاولة لانتزاع اعتراف دولي بشرعية النظام الجديد، وفتح الباب أمام مرحلة تطبيع اقتصادي يمكن أن يساهم في إعادة بناء ما دمّرته الحرب، ويكون ملحق بتطبيع سياسي يفتح منابر التواصل الدبلوماسي والتعاون بين واشنطن ودمشق، ومن ثمّ القوى الغربية الأخرى سواء دول أو مؤسسات.[10] لذلك، يمكن اعتبار اللقاء بين الشرع وترامب معبرًا عن تقاطع بين مصالح الطرفين، فهو يدعم مصالح واشنطن في إيجاد ترتيبات أمنية وسياسية أكثر مرونة في المشرق العربي، ومصالح دمشق في اعتراف دولي يخفف من وطأة العقوبات ويعيدها إلى المجال الدبلوماسي العالمي، سواء على مستواه السياسي أو الاقتصادي.

   أما المستوى الإقليمي، جاءت الزيارة في لحظة تشهد فيها المنطقة إعادة تموضع للقوى الكبرى. فبعد أكثر من عقد من الصراع في سوريا، وبروز فواعل من غير الدول مؤثرين دوليًا كالميليشيات والفصائل التي لعبت دورًا غاية في التأثير في تعقد الأزمة السورية، والتي كانت منها هيئة تحرير الشام التي كان يقودها الشرع ضد النظام السوري وحليفته روسيا من جانب، وقوات سوريا الديمقراطية وداعش من جانب آخر. باتت واشنطن تدرك أن استمرار عزل دمشق يفتح المجال أمام تمدّد النفوذ الروسي والإيراني، وترك المجال لهذه الفصائل التي تجلب التدخلات الإقليمية وتُزيد من تعقيد المشهد.

    وجاءت الزيارة كمحطة أساسية في مسار محاولة إعادة هندسة موازين القوى في الشرق الأوسط، بدأت من دمشق ولكنها تمتد إلى كل من أنقرة التي باتت ضابطًا أساسيًا للإيقاع الداخلي في دمشق، وطهران التي فقدت جزءًا أساسيًا من نفوذها الإقليمي بسقوط نظامًا حليفًا في سوريا، كذلك تل أبيب التي عززت من احتلالها للأراضي السورية بعد سقوط النظام السوري السابق، وتحاول أن تضمن تأمين سيطرتها على الجزء الشمالي الشرقي من حدودها في الأراضي السورية عبر المحاولة للتوصل إلى اتفاق أمني مع الحكومة الجديدة يُكرس الأمر الواقع الذي يخدم الجانب الإسرائيلي.[11]

   ومن هنا، جاء الانفتاح الأمريكي على حكومة الشرع كخيار واقعي لإعادة ضبط التوازن إقليميًا، خصوصًا أن الإدارة الأمريكية باتت تميل إلى مقاربة براجماتية لا تقوم على تغيير الأنظمة ولا أيديولوجيتها بل على إعادة توظيفها ضمن منظومة مصالحها الأمنية والاقتصادية، فخلفية الرئيس الشرع السابقة ومحدداتها الأيديولوجية لا تعني واشنطن بقدر ما يعنيها ما ستقدمه الحكومة السورية الانتقالية من منافع اقتصادية وأمنية للولايات المتحدة. هذا التحوّل في الموقف الأمريكي ينسجم مع سياسة الرئيس ترامب الجديدة في الشرق الأوسط القائمة على إعادة تعريف الأدوار الأمريكية في ضوء المنافع الاقتصادية والاتفاقيات مع إسرائيل.[12]

   أما على مستوى البعد الدولي، فتقع الزيارة في سياق أوسع من إعادة توزيع مراكز القوة بعد عقد من صعود قوى بديلة مثل روسيا والصين. إذ تسعى واشنطن من خلال الانفتاح على دمشق إلى إحياء نفوذها في المشرق عبر بوابة “سوريا الجديدة”، وإلى قطع الطريق على موسكو وبكين في تنامي دورهما في ملفات التنمية الاقتصادية، والطاقة، بالإضافة إلى إعادة الإعمار في الداخل السوري. في المقابل، يدرك الرئيس الشرع أن التقارب مع واشنطن يمنحه موقعًا تفاوضيًا أقوى تجاه كل من موسكو وطهران، اللتين كانتا راعيتين للحكومة السابقة، كما يمنحه هامشًا أوسع للمناورة في كسر نفوذهما على المحيط السوري، وإصباغ الشرعية الدولية على حكومته الوليدة.

   ومن الأهمية بما كان عند الحديث عن أهمية الزيارة أن نستعرض رؤية المبعوث الأمريكي السابق لسوريا “جيمس جيفري” للزيارة، حيث أنه يمتلك خبرة كبيرة في مجريات الأمور في سوريا والتفاعل الأمريكي معها. يرى جيفري أن الزيارة في غاية الأهمية لأن بموجبها سيستغل الرئيس ترامب نفوذه في مجلس الشيوخ الأمريكي لتمرير رفع عقوبات قانون قيصر، كذلك المُضي قدمًا في تنفيذ اتفاق مارس 2025 بين الأكراد والحكومة السورية الانتقالية. وهذا من المرجح أن يكون مقابله دفع الرئيس السوري إلى الشروع في إتمام اتفاقية أمنية مع إسرائيل، حتى ولو كانت مؤقتة. كما عكس خطاب جيفري عن أهمية الزيارة أن دمشق أصبحت تلعب دورًا مركزيًا وموثوقًا لدى واشنطن وأصدقائها بالمنطقة في تعزيز تحقيق الاستقرار ضد الجماعات المتطرفة كداعش، والدول غير الصديقة للغرب كإيران.[13]

   إن أهمية الزيارة تتجاوز بعدها الثنائي لتعبّر عن محاولة إعادة دمج للدولة السورية ذاتها في المحيط الدولي. فسعي دمشق بفتح قنوات مباشرة مع واشنطن يعني قبولها بالعودة إلى منظومة العلاقات الدولية وفق منطق المشروطية السياسية، أي الانفتاح مقابل ضمانات بالالتزامات الأمنية والاقتصادية والدبلوماسية. كما أن واشنطن، عبر استقبالها للرئيس الشرع، أرسلت إشارة واضحة إلى استعدادها للتعامل مع واقع ما بعد الحرب بعيدًا عن الاعتبارات الأيديولوجية التي حكمت موقفها من النظام السابق. ومن ثمّ، فإن اللقاء بين الرئيسين يكشف عن رؤيتين متقاربتين لمستقبل النظام الإقليمي، رؤية أمريكية تسعى لتثبيت حضورها عبر التسويات، ورؤية سورية تحاول استعادة موقعها من خلال التكيّف مع قواعد اللعبة الجديدة بعيدًا عن إرث النظام البائد، سواء الذي كان للدولة، أو لشخص حاكم المرحلة الانتقالية الحالية الذي كان يعتبر أحد نتائجه.

   ثانيا: مخرجات الزيارة:

   تمخض عن تلك الزيارة مجموعة من المخرجات الأساسية التي تُعبر عن مرحلة جديدة في مسار العلاقة بين سوريا والولايات المتحدة الأمريكية، وما سيعقب تلك المرحلة من تغيرات على الدولة السورية سواء في التفاعلات الداخلية أو التحركات الإقليمية والدولية لسوريا.

1 – انضمام سوريا إلى التحالف الدولي لمحاربة داعش: التحوّل الأمني والاعتراف الضمني:

   أعلنت دمشق توقيع ما أُطلق عليه “إعلان التعاون السياسي” مع التحالف الدولي لهزيمة تنظيم داعش، وذلك على هامش زيارة الرئيس الشرع للبيت الأبيض، لتصبح بموجبه سوريا العضو رقم 90 في التحالف. وأكد وزير الإعلام السوري “حمزة المصطفى” أن هذا الاتفاق ذو طبيعة سياسية بحتة ولا يشمل حتى الآن أي مشاركة عسكرية لسوريا ضمن غرفة العمليات التابعة للتحالف، ما يؤكد أن الانضمام في هذه المرحلة يعتبر انضمامًا سياسيًا بشكل أولي وليس عسكريًا.[14] فمستوى التنسيق بين التحالف وسوريا قد يشمل تبادل المعلومات أو الدعم اللوجستي في بعض المسارات، رغم غياب المشاركة العسكرية السورية الرسمية. كما أفادت القيادة المركزية الأمريكية بأن سوريا أصبحت عضواً سياسياً في التحالف.

   تعتبر خطوة انضمام سوريا إلى التحالف الدولي ضد تنظيم داعش أحد أهم مخرجات الزيارة، إذ يُمثل هذا الانضمام تحولًا استراتيجيًا في العلاقة بين دمشق وواشنطن بعد سنوات طويلة من العداء وعدم الثقة. ويمكن فهم هذه الخطوة على أنها اعترافًا – ضمنيًا – بشرعية الحكومة السورية الانتقالية الجديدة بقيادة الرئيس أحمد الشرع في المجال الأمني، إذ يمنحها هذا الاتفاق مسؤولية مباشرة عن استقرار المناطق الشمالية والشرقية من سوريا، وهو ما يشير إلى رغبة واشنطن في بناء شراكة تعتمد على مصلحة مشتركة في منع عودة التنظيمات الإرهابية، عوضًا عن الاقتصار على العقوبات أو الضغوط العسكرية.

   كما أنه يترتب على هذا الانخراط السوري مجموعة من التداعيات الاستراتيجية الهامة. أولًا، يفرض هذا الدخول على دمشق الالتزام بدقة وشفافية تبادل المعلومات، وتكثيف العمليات الداخلية ضد الجماعات الإرهابية، وأي إخلال في الالتزام سيكون له أثر فوري على الثقة بين الطرفين، وهذا ما ستلتزم به سوريا التي أظهرت رغبة جادة في مواجهة تنظيم داعش قبيل الإعلان عن الانضمام للتحالف بأيام قليلة، حيث أعلنت وزارة الداخلية السورية أنها تُجري حملة أمنية ضد داعش في عدة محافظات، وغرضها هو القضاء على التنظيم ومكافحة الإرهاب،[15] وتوقيت هذه الحملة يُعطي رسالة طمأنة لواشنطن بضمان جدية التزام سوريا بالعمل على ملف التصدي للإرهاب داخليًا.

   وثانياً، يمثل هذا التعاون اختبارًا عمليًا لتوازن القوى الداخلي في سوريا، خصوصًا فيما يتعلق بالفصائل الكردية وقوات سوريا الديمقراطية، التي باتت تحتاج إلى تنسيق مستمر مع الحكومة المركزية لتجنب أي اصطدامات محتملة، بالإضافة إلى أن مثل هذه الخطوات تؤشر على صعود الأهمية النسبية للحكومة السورية عند الولايات المتحدة على حساب أطراف كانت تدعمها الأخيرة مثل قوات سوريا الديمقراطية التي حظيت بالدعم التقليدي من واشنطن لمواجهة تنظيم داعش، لكن أصبحت عند واشنطن رغبة الآن في دمجها في صفوف الجيش العربي السوري في ضوء إطار دعمها لعملية توحيد المؤسسات والتعامل مع الحكومة المركزية التي انضمت بالفعل للتحالف الدولي لمحاربة داعش وحملت هي على عاتقها مهمة القضاء على التنظيم.[16]

   أما ثالثًا، فيعكس هذا الانخراط السوري تزايد قدرة الولايات المتحدة على فرض آليات رقابية مباشرة على الأمن الداخلي السوري، وربما إمكانية حدوث تواجد عسكري أمريكي في سوريا تحت دعاوى المشاركة في القضاء على الإرهاب أو أي ملفات أمنية محلية أو إقليمية أخرى، وهو ما سيعزز النفوذ الأمريكي في المشرق العربي.

   وتسعى سوريا من هذا الانضمام إلى ترسيخ سردية “سوريا الجديدة”، ذلك من خلال محاولة التأكيد أن سوريا التي كانت مصدرًا للإرهاب والنزاعات، تدخل الآن مرحلة جديدة تؤكد من خلالها أنها أصبحت أحد الأطراف الفاعلة في مكافحة الإرهاب، والسعي نحو السلم، والاستقرار، والتنمية والبناء، وتحاول أن تقدم نفسها بوصفها شريكًا أمنيًا موثوقًا يمكن لواشنطن أن تعتمد عليها في ملف مكافحة الإرهاب. كذلك يمكن أن تكون هناك بعض المكتسبات العسكرية لسوريا التي قد يمدها بها التحالف على مستوى المساعدة في بناء وتوحيد الجيش السوري وتطوير إمكاناته العسكرية.

   وعلى مستوى شخص الرئيس السوري نفسه، يعبر هذا الانضمام عن رسالة رمزية لمحاولة إبراز التحول الذي طرأ على شخصية الرئيس أحمد الشرع من مسيرة حافلة بالانتماء إلى جماعات كانت تُصنف دوليًا على كونها جماعات إرهابية كالقاعدة، وجبهة النصرة وهيئة تحرير الشام، إلى رئيس لدولة تسعى لمحاربة الإرهاب، وهذا بلا شك ضمن إطار المحاولة في طمس الماضي المتطرف للرئيس الشرع، وهو الذي يخلق العديد من الجدل بين مؤيديه ومعارضيه. فقد أزالت واشنطن اسم الرئيس من قوائم الإرهاب قبل يوم واحد فقط من زيارته للبيت الأبيض،[17] ومن المعلوم أنه كان من ضمن الإرهابيين المطلوبين من قبل الولايات المتحدة، حتى أن واشنطن قد وضعت مسبقًا مكافأة قدرها 10 ملايين دولار لمن يُدلي بأي معلومات عنه.

   أما على المستوى الدولي، يمثل انضمام سوريا للتحالف مؤشرًا على إعادة دمج دمشق تدريجيًا في مسارات التعاون الدولي. فهذه الخطوة تتيح التمهيد لمفاوضات لاحقة تشمل مشاريع إعادة الإعمار والمبادرات الاقتصادية، بحيث يكون الالتزام الأمني والاستقرار الداخلي شروطًا أساسية قبل توسيع التعاون مع المنظمات الدولية والقوى الأخرى. وهذا ما كان مدعومًا بالفعل في سياق زيارة الرئيس الشرع للبيت الأبيض، حيث قبل إعلان انضمام سوريا الرسمي للتحالف الدولي لمحاربة داعش بيوم، التقى الرئيس الشرع بمديرة صندوق النقد الدولي “كريستالينا جورجيفا” لبحث أُطر التعاون بين الطرفين وتعزيز الإصلاح الاقتصادي وسُبل التنمية والتطوير في سوريا.[18]

2 – تعليق العقوبات المفروضة بموجب قانون قيصر: التحوّل الاقتصادي المشروط:

   كما تزامنت هذه الزيارة مع إعلان الجانب الأمريكي تعليقًا جزئيًا للعقوبات المفروضة على سوريا بموجب قانون قيصر (Caesar Syria Civilian Protection Act) لمدة 180 يومًا، وهو القانون الذي أقرّه الكونجرس الأمريكي عام 2019 وفرض بموحبه قيودًا واسعة على الحكومة السورية وحلفائها بسبب انتهاكات حقوق الإنسان واستخدام الأسلحة الكيميائية. وأشار البيان الرسمي الصادر عن وزارة التجارة الأمريكية / مكتب مراقبة الأصول الأجنبية إلى أن التعليق شمل معظم العقوبات الاقتصادية والمالية المقرّة بموجب القانون، مع استثناء العقوبات المرتبطة بروسيا وإيران، وذلك مفهوم في ضوء محاولة واشنطن تجنب أي استغلال محتمل من تلك الأطراف يضر بمصالحها، أو التعامل مع أشخاص وكيانات مرتبطة بانتهاكات جسيمة أو بالإرهاب.[19]

   وبموجب هذا التعليق، أصبح بالإمكان البدء في فتح المجال أمام الاستثمارات الأجنبية والمشاريع التنموية في سوريا، بما يتيح للسلطة السورية إعادة إدماج نفسها في النظام الاقتصادي الدولي ضمن شروط محددة. كما أنه خلال الزيارة، تناول الرئيس الشرع موضوع تعليق العقوبات كمقدمة لتدفق الاستثمارات الأمريكية ودورها في إعادة إعمار سوريا، إلى جانب تعزيز التعاون السياسي والاقتصادي مع واشنطن.[20]

   لكن يجب التنبيه أن هذا التعليق لا يُعد إلغاءً دائمًا لقانون قيصر، إذ أن أي إلغاء كامل يتطلب تصويتًا من الكونجرس الأمريكي، ولا يزال بإمكان الولايات المتحدة إعادة فرض العقوبات إذا ما تغيّرت الظروف أو خالفت سوريا المعايير المقررة. كما أن العقوبات الموجهة ضد ما وصفته الولايات المتحدة بـ”الأسوأ من الأسوأ”، وهذا ما تشير به إلى انتهاكات حقوق الإنسان الخطيرة أو ارتباط بعض الأشخاص بالإرهاب أو الاتجار بالمخدرات، لم تشملها إجراءات التعليق، كذلك الأمر مع المعاملات المرتبطة بروسيا، وإيران والنظام السوري السابق،[21] مما يؤكد أن التدابير الأمريكية الاحترازية لم تُلغَ بالكامل.

   وشكّل تعليق العقوبات الأمريكية المفروضة على سوريا – جزئياً ومؤقتاً – خطوة اقتصادية مهمة تعكس التحول في موقف واشنطن من الضغط على الحكومة السابقة، إلى تهيئة بيئة سياسية واقتصادية تسمح بالتعاون المشروط مع الحكومة الانتقالية الحالية. ويمكن اعتبار الهدف من تلك الخطوة هو منح سوريا هامشًا محدودًا لإعادة ترتيب أولوياتها الاقتصادية وإدارة مشاريع البنية التحتية والطاقة بشكل مسؤول، مع ضمان عدم تحويل الموارد لدعم جماعات مسلحة أو تعزيز النفوذ الإقليمي لموسكو على حساب واشنطن، خاصة وأن زيارة الرئيس الشرع للبيت الأبيض قد سبقتها زيارة لموسكو في أكتوبر 2025، كانت أحد أهم أهدافها إعادة صياغة العلاقة مع موسكو بشكل عبّر عن رغبة الحكومة الانتقالية السورية في عدم إحداث قطيعة مع روسيا، بل محاولة الاستفادة منها كفاعل يمكن أن يلعب دورًا إيجابيًا يقوم على المنافع المتبادلة في عدة ملفات تنموية وأمنية في الداخل السوري.[22]

   ويتضح من سلوك واشنطن أن هذا التجميد المؤقت يمثل آلية اختبار لالتزام دمشق بالمعايير الدولية، حيث تعمل الولايات المتحدة على متابعة مدى التزام الحكومة الجديدة بالشروط قبل اتخاذ أي خطوة أكثر جرأة نحو رفع العقوبات بشكل دائم. وتُظهر هذه الخطوة أن الولايات المتحدة تتبع أسلوبًا براجماتيًا متدرجًا في التعامل مع النظام السوري الجديد، إذ يوازن بين منح هامشًا اقتصاديًا محدودًا وبين الحفاظ على أدوات الضغط السياسي والقانوني الذي يضمن لواشنطن استمرار استغلال تلك الورقة في حال تبدل موقف الحكومة الانتقالية تجاه محددات توافقها الإقليمي مع البيت الأبيض، فعلى سبيل المثال كانت من أحد أهم شروط واشنطن لرفع العقوبات عن سوريا في شهر مايو 2025 هو الدخول ضمن الاتفاقيات الإبراهيمية والتطبيع مع إسرائيل،[23] فربما إذا ما تعثر هذا الاتفاق بين سوريا وإسرائيل، تلوح الولايات المتحدة بتلك الورقة في وجه الحكومة السورية الانتقالية.  

   أما على الصعيد الداخلي، يمنح التجميد الحكومة الجديدة فرصة لتعزيز السيطرة على الموارد الاقتصادية الأساسية، وتقديم مشاريع إنسانية ومدنية تؤثر بشكل مباشر على استقرار المجتمع السوري، مما يعزز من شرعية الحكومة الانتقالية السورية ويجعلها تكتسب رضا قطاعات أوسع من الشعب السوري الذي يطمح إلى الاستقرار وتحسين الأوضاع الاقتصادية والمعيشية بعد أكثر من عقد من الصراع الذي دمر المجتمع السوري. كما يعكس هذا الإجراء أهمية الشفافية في إدارة الموارد، إذ يجب على دمشق الالتزام بمراقبة دقيقة لضمان عدم استغلال هذه الموارد لأهداف سياسية ضيقة أو لصالح مجموعات محلية أو خارجية.

   ومن الناحية الاستراتيجية، يتيح تعليق العقوبات فرصة لإعادة ترتيب العلاقات الاقتصادية مع الفاعلين الإقليميين والدوليين، ويضع الحكومة السورية الجديدة تحت رقابة مستمرة تضمن الالتزام بمعايير حقوق الإنسان ومكافحة الإرهاب، مما يرسخ نهجًا متدرجًا وآمنًا لإعادة إدماج سوريا في الاقتصاد الدولي، فإن هذه الخطوة الاقتصادية، رغم كونها مؤقتة، تمثل عنصر استقرار داخلي واستراتيجية طويلة المدى لإعادة سوريا إلى الاقتصاد الدولي بصورة تدريجية.

3 – إعادة التمثيل الدبلوماسي وإمكانية الوجود العسكري الأمريكي في سوريا:

   شكلت مناقشة إعادة فتح البعثات الدبلوماسية الأمريكية في سوريا، مع البحث في إمكانية وجود عسكري محدود، أحد أبرز المخرجات الدبلوماسية والأمنية للزيارة. حيث أعلن وزير الخارجية السوري “أسعد الشيباني” أنه قد تسلم من نظيره الأمريكي قرارًا موقعًا من واشنطن “يقضي برفع جميع الإجراءات القانونية المفروضة سابقًا على البعثة السورية وسفارة الجمهورية السورية من قبل الولايات المتحدة الأمريكية”.[24] وبموجب هذا القرار، يُسمح لسوريا أن تبدأ عملها الدبلوماسي في واشنطن وقتما رغبت، وهي إشارة قوية على تحسن العلاقات الثنائية بين البلدين، للدرجة التي تجعل واشنطن راغبة في فتح قنوات تواصل مباشرة مع الحكومة الانتقالية السورية.

   ومن الواضح أن هذا القرار الأمريكي يعلن اعترافًا أمريكيًا ضمنيًا بسيادة سوريا التي تمثلها الحكومة الانتقالية، مما يمكنها من التحرك كفاعل سياسي شرعي على الساحة الدولية، كما أن القرار يدعم مسار تعزيز إجراء الاتصالات المباشرة بين الطرفين، والعمل على توقيع الاتفاقات الدولية وتسريع جذب الاستثمارات الأمريكية. كما أنه يعبر عن إدراكًا أمريكيًا بأن التعاون مع سوريا – وفقًا لمعطيات المؤشرات الحالية – يتطلب تنسيقًا دبلوماسيًا؛ لأنه من المتوقع أن تشهد العلاقة بين البلدين تطورًا عاليًا في التعاون في الفترة المقبلة على المستويات السياسية، والاقتصادية والأمنية. وربما تكون هذه الخطوة هي عتبة تمهيدية لاستعادة التمثيل الدبلوماسي الكامل أو الجزئي بين البلدين بعد ما يقارب 12 عام من توقفه.[25]

   أما فيما يتعلق بإمكانية إنشاء قاعدة أمريكية في سوريا، فقد نقلت وكالة رويترز عن ستة مصادر مطلعة أن الولايات المتحدة الأمريكية تستعد لإرساء وجود عسكري جديد لها في سوريا عبر السعي نحو إنشاء قاعدة جوية بالقرب من الجنوب السوري، ومن المتوقع – وفقًا لتلك المصادر – أن تكون تلك القاعدة بمثابة منطقة منزوعة السلاح، في إطار اتفاقية أمنية بين دمشق وتل أبيب تتوسط فيها واشنطن.[26] ومن الجدير بالذكر أن الرئيس ترامب لم يخفِ رغبته في مقابلته مع الرئيس الشرع في توصل سوريا إلى اتفاق أمني مع إسرائيل، كجزء من الرؤية الأمريكية للأمن الإقليمي والاستقرار في الشرق الأوسط في ضوء التصور الإبراهيمي الأمريكي المزعوم.[27]

   لكن على الوجه المقابل، نفى مصدر مسؤول في وزارة الخارجية السورية ما تم تداوله حول إمكانية إنشاء قاعدة أمريكية في سوريا، وكان خطابه حول هذا الأمر يسير في اتجاهين،[28] الأول يُبرز التحول في الموقف الأمريكي حول الحكومة السورية والذي تمثل في الرغبة الأمريكية في التعامل مع الحكومة السورية المركزية مباشرة، ودعمها لجهود التوحيد السوري. أما الاتجاه الثاني هو ترسيخ سردية “سوريا الجديدة”، فالبلاد حسب خطابه “ماضية بثبات نحو ترسيخ الاستقرار، وتعزيز التعاون القائم على السيادة الوطنية والاحترام المتبادل”. فربما تكون القاعدة الأمريكية كانت أحد الأمور التي نوقشت في الجلسة المغلقة بين الرئيسين، ولم يتم التوصل لاتفاق بشأنها، ربما تكون رغبة أمريكية مؤجلة أيضًا لحين المضي بشكل أعمق في الاتفاق الأمني المتعثر بين سوريا وإسرائيل.

4 – إعلان الاتحاد الأوروبي رفع تجميد أصول الرئيس السوري ووزير داخليته:

   أعلن الاتحاد الأوروبي إيقافه لقرار تجميد أصول الرئيس أحمد الشرع ووزير داخليته أنس خطاب.[29] ويشكّل هذا القرار، والقرارات السابقة عليه بالتخفيف التدريجي للعقوبات الأوربية على دمشق، محطة عاكسة في مسار التعاطي الغربي مع السلطة السورية الجديدة، ويعكس استجابة مباشرة للزخم السياسي الذي أحدثته زيارة الرئيس الشرع للبيت الأبيض. فالقرار يُعد إشارة سياسية تؤكد انتقال القيادة السورية من وضع الفاعل المشبوه، غير الشرعي، الذي خرج من رحم خلفيات متطرفة وصراعات مسلحة، إلى وضع الشريك القابل للاندماج في البنية القانونية والاقتصادية الأوروبية. ويعكس هذا التحرّر من القيود المالية، لا سيما المتعلقة بتجميد الأصول، الخطوة الأولى لإعادة بناء الثقة مع المؤسسات المالية الدولية، وتمهيد الطريق أمام الدول الأوروبية لصياغة علاقة طبيعية مع القيادة السورية والنخبة المحيطة بها من دون الاصطدام بقيود قانونية تحول دون الاستثمار أو التعاون المؤسسي.

   وعلى المستوى السياسي، يمثّل القرار، والقرارات السابقة بالتخفيف، إشارة واضحة إلى تجاوب الاتحاد الأوروبي مع التغيير في ميزان العلاقات السورية – الغربية، ويمنح شرعية أولية للسلطة السورية الجديدة في المحيط الأوروبي، ذلك  باعتبارها قادرة على الانخراط في ترتيبات أمنية ودبلوماسية تتقاطع مع أولويات أوروبا، مثل مكافحة الإرهاب خاصة بعد الانضمام للتحالف الدولي لمحاربة داعش، وضبط الحدود، وتخفيف موجات اللجوء. كما يعكس استعدادًا أوروبيًا لإعادة تموضع سوريا ضمن حسابات الأمن الإقليمي وإعادة الإعمار بعد موجات سابقة من تخفيف العقوبات،[30] وذلك استنادًا إلى القراءة الأوروبية التي ترى في زيارة الشرع للبيت الأبيض محطة تسمح باختبار مدى أهلية النظام الجديد للانخراط في منظومة علاقات مستقرة، وتأكيد قدرة الاتحاد الأوروبي على صياغة دور موازن للولايات المتحدة في الملف السوري، دون ترك المجال لانفراد واشنطن بالملف.

   بينما على الجانب الاقتصادي، يُتيح القرار للقيادة السورية الجديدة الوصول إلى موارد مالية كانت مجمّدة لسنوات، ويجعل رفع العقوبات الأخرى رهن خطوات لاحقة قابلة للقياس والمراجعة. كما يمنح الاتحاد الأوروبي فرصة اختبار جدية الحكومة السورية في تنفيذ التزاماتها المرتبطة بالحكم الرشيد، وضبط الأجهزة الأمنية، والامتثال للترتيبات الأمنية الجديدة التي جرى تبنيها خلال الزيارة.

   وفي البعد الإقليمي، يرتبط القرار بإعادة ترتيب خطوط التنافس بين الفاعلين الإقليميين؛ إذ يُنظر إلى الانفتاح الأوروبي على دمشق كخطوة تقلص اعتماد سوريا على موسكو وطهران، وتفتح هامشًا أوسع لتحركات أوروبية في الشرق الأوسط. كما يحمل القرار رسائل لدول الجوار مثل تركيا والأردن والعراق ومصر إلى استعداد أوروبا لإعادة دمج سوريا في منظومتها الاقتصادية، بما قد يعيد توجيه شبكات التجارة والاستثمار والطاقة مستقبلًا لمصلحة دمشق، ويفتح الباب أمام مرحلة تنافس اقتصادي – سياسي بين العواصم الغربية والمحور الداعم التقليدي لسوريا، في وقت تتغير فيه بنية السلطة السورية نفسها.

   وبناء على ذلك، يصبح قرار الاتحاد الأوروبي برفع تجميد الأصول أحد مخرجات زيارة الرئيس الشرع للبيت الأبيض، لحظة هامة في الانتقال من مرحلة العقوبات الشاملة إلى مرحلة التطبيع المشروط، حيث يصبح الاندماج الدولي مشروطًا بسلوك سياسي وأمني، ويغدو الاستقرار الداخلي السوري رهنًا باستجابة النظام لآليات المراقبة والمتابعة التي يفرضها الاتحاد الأوروبي عبر مؤسساته المالية والتنظيمية. ويبقى تأثير الخطوة مرهونًا بقدرة القيادة السورية على تحويل الانفتاح المالي إلى إصلاحات داخلية، وليس مجرد تعزيز مركز السلطة.

   تُشكل تلك المخرجات الأربعة لزيارة الرئيس أحمد الشرع للبيت الأبيض مجتمعة تحولات استراتيجية واقتصادية ودبلوماسية في العلاقة بين الولايات المتحدة وسوريا، والاتحاد الأوروبي من جانب آخر، لكنها جميعها مشروطة ومؤقتة في طبيعتها، وهي تعكس أربعة تحولات هامة يمكن أن نختم بها هذا المحور، وهم:

  • التحول الأمني من خلال انضمام سوريا للتحالف الدولي لمحاربة داعش، وهذا ما يُعيد دمشق كلاعب رئيسي في الاستقرار الإقليمي ويضع الحكومة الجديدة في ثلاثية القبول والاعتراف الضمني والمراقبة المباشرة.
  •  التحول الاقتصادي المشروط عبر تعليق جزئي للعقوبات المفروضة بموجب قانون قيصر، وهو ما يُتيح للحكومة الانتقالية إدارة موارد محدودة لدعم الاستقرار الداخلي وإعادة ترتيب الأولويات الاقتصادية، مع ضمان الالتزام بالمعايير الدولية.
  • التطبيع الدبلوماسي التدريجي مع إمكانية وجود عسكري محدود مستقبليًا مرتبط باتفاق أمني سوري – إسرائيلي، يتيح للولايات المتحدة النفوذ الأمني والسياسي دون الانخراط الكامل، مع ضبط الأولويات الأمنية المشتركة.
  • حملت الزيارة بعض المشاهد التي دلت بشكل رمزي على أن ما يمكن اعتباره اعترافًا أمريكيًا ضمنيًا بالحكومة الانتقالية السورية لا يزال اعترافًا على استحياء وغير مكتمل الأركان. فبالرغم من أن الرئيس ترامب قد أثنى على نظيره الشرع أثناء الزيارة قائلًا عنه أنه “قائد قوي للغاية، قادم من بيئة صعبة للغاية، وهو رجل حازم، أنا معجب به، وأتفق معه … وسنبذل قصارى جهدنا لإنجاح سوريا”،[31] وقد قال عنه مسبقًا أثناء لقائهما في المملكة العربية السعودية أنه “رائع، وشاب جذاب وقوي البنية له ماضٍ قوي”.[32] إلا أن هناك مشهدان في الزيارة الأخيرة يعكران صفو هذا الخطاب الحميمي، المشهد الأول هو استقبال الرئيس الشرع من بوابة جانبية دون إقامة مراسم احتفال الاستقبالات الرسمية التي تُقام عبر البوابة الرئيسية للرؤساء الزوار، والمشهد الثاني هو جلوس الرئيس الشرع وبجواره وزير خارجيته أمام الرئيس ترامب في مشهد كما لو كان يعكس فصلًا مدرسيًا يجلس فيه التلاميذ أمام معلمهم، وهذا على عكس اللقاءات البروتوكولية الثنائية للرؤساء الذي يكونان فيها متجاوران تحت أعلام بلادهما.

ثالثا: التداعيات الداخلية والإقليمية للزيارة:

   لا شك أن مخرجات تلك الزيارة ستشكل مجموعة من التداعيات السياسية، والاقتصادية والأمنية على مستوى الداخل السوري والمستوى الإقليمي، ويسعى هذا المحور إلى تحليل تلك التداعيات للكشف عن أهمية الزيارة وما ستخلفه من إمكانية إحداث تغيرات في مسار القضية السورية والدور الإقليمي السوري وتفاعلاته.

1 – تداعيات الزيارة الداخلية:

   أولًا، على الصعيد السياسي، يمثل لقاء الرئيس الشرع مع الرئيس الأمريكي وأعلى المسؤولين في واشنطن اعترافًا دوليًا رمزيًا بالسلطة الحالية في دمشق بعد سنوات من العزلة، ويعكس تقاربًا غير مسبوقًا بين البلدين، ويمنح الحكومة السورية شرعية دولية.[33] هذا الاعتراف يعزز شرعية الحكومة السورية داخليًا أمام مؤسسات الدولة، والفصائل السياسية والأهم من هذا وذاك أمام الشعب السوري. ذلك ما يزيد من قدرتها على فرض سياسات، وإجراءات إصلاحية أو انتقالية، تعزز من قدرتها على إدارة المرحلة بشكل يسمح بإمكانية بناء أركان الدولة السورية المهشمة.

   كما أن مخرجات تلك الزيارة يمكنها أن تغيّر موازين القوى الداخلية، فهي أوضحت رغبة الولايات المتحدة في التواصل مع الحكومة المركزية السورية، وفي نفس الوقت أكدت دعمها لدمج قوات “قسد” في الجيش العربي السوري، وهو ما يتيح للحكومة السورية الضغط من أجل العمل سريعًا على تطبيق اتفاق 10 مارس المُوقع بين قوات قسد والحكومة الانتقالية بغرض دمج المؤسسات العسكرية، والاقتصادية، والمدنية التابعة لقسد في الدولة السورية. كما أن الزيارة نتج عنها حدوث تسريع في وتيرة المباحثات بين الحكومة الانتقالية وقسد بعدما أبدت واشنطن رغبة واضحة لعملية الدمج،[34] وهو ما يمكن أن يكون مقدمة أساسية تؤشر على فقدان قسد للدعم الأمريكي لفقدانها لوظيفة الدعم التي أصبحت أحد مهام الحكومة الانتقالية، ألا وهي محاربة داعش، لكن على الوجه المقابل، يمكن لواشنطن أن تجعل دمج قسد ورقة ضغط على الحكومة السورية تساومها بها على التطبيع مع إسرائيل أو أي قضايا أخرى متعلقة بمصالح واشنطن.

   وقد دعا الرئيس الشرع إلى وجود إشراف أمريكي عسكري على دمج قسد في الجيش السوري واعتبره حلًا مناسبًا،[35] كما أشار إلى أن تأخر عملية دمج قسد هو ما يتيح لداعش بيئة عمل مناسبة،[36] وهذا ما يعبر عن رغبة الحكومة الانتقالية في التخلص من داعش وقسد تارة واحدة عبر مساندة واشنطن، وذلك عبر ضمان استمرار ضغط واشنطن على قسد لتسريع اندماجها في الدولة السورية، والاستعانة بالولايات المتحدة لضمان القضاء على داعش، وهما إذا ما تما؛ سيزيدان من إمكانات الحكومة الانتقالية السورية في تعزيز قوتها داخليًا وبسط نفوذها على مناطق أكبر في الداخل السوري، ذلك ما يضعها في اختبار تسريع ممارسة أعمالها كحكومة انتقالية تريد أن تُحدث سلامًا، واستقرارًا وتنمية كما تروج في خطابها دائمًا.

   ثانيًا، على الصعيد الاقتصادي، يُتيح التجميد المؤقت للعقوبات الأمريكية على سوريا وفتح القنوات الدبلوماسية بين البلدين فرصًا لإعادة الإعمار ودخول الاستثمارات الأجنبية، خاصة في مجالات البنية التحتية والطاقة والمرافق العامة، ناهيك عن توفر فرصة الاستفادة من البرامج التمويلية الخاصة بالمؤسسات المالية الدولية سواء كانت الفنية أو النقدية.[37] وهو ما قد يؤدي إلى تحريك عجلة الاقتصاد السوري، وتقليل البطالة، وتحسين الخدمات على المستوى الداخلي، ذلك ما ينعكس إيجابًا على المواطنين والاستقرار في المجتمع السوري. وهو ما قد يكون بمثابة رسائل طمأنة للمغتربين السوريين الذين سيسعون للعودة للاستثمار والعمل في بلادهم. مع ذلك، فإن استمرار بعض قيود قانون قيصر يعني أن الوصول الكامل للأسواق الدولية والتمويل الخارجي لا يزال محدودًا، ومؤقتًا ومشروطًا، ما يستدعي من الحكومة السورية موازنة الفرص الاقتصادية الجديدة مع إدارة توقعات الداخل بشكل دقيق، خاصة وأن القانون يفرض على دمشق التبعية الغربية الاقتصادية والسياسية؛ لأنه يستثني روسيا من التجميد.

   ثالثًا، على الصعيد الأمني، يشير التعاون الأمني والاستخباراتي مع الولايات المتحدة إلى تعزيز قدرة الحكومة السورية على مواجهة الخلايا الإرهابية والفصائل المسلحة المتبقية، ما يُسهم في تحسين الأمن العام وفرض قوة الحكومة السورية، وهو ما سينعكس بدوره بشكل إيجابي على تعزيز فرص التحسن الاقتصادي والتنمية الداخلية، وبالتالي إمكانية تعميق شرعية الحكومة.

2 – التداعيات على الدور السوري إقليميًا:

   أتاح الانفتاح الدبلوماسي مع واشنطن بدء مرحلة جديدة من إعادة إدماج سوريا في المعادلات السياسية للمنطقة، حيث أن استعادتها للدور الدبلوماسي الدولي يُعيد تلقائيًا إدراجها في حسابات القوى الإقليمية الفاعلة. هذا التحول يمنح دمشق وزنًا سياسيًا أكبر في الملفات الحدودية، ومكافحة الإرهاب وفي قضايا اللاجئين، خاصة بعد انضمامها للتحالف الدولي لمحاربة داعش، وهي التي تتسم بعدد كبير من المهاجرين على ضوء خلفية الأحداث فيها منذ 2011، وكذلك ملف الطاقة، وبالأخص بعد التجميد الأمريكي المؤقت لعقوبات قانون قيصر. هذا ما يُخرجها تدريجيًا من موقع الدولة المعزولة إلى موقع الدولة القادرة على التفاعل الإقليمي، ولكن ضمن حدود محدودة.[38]

   أدت الزيارة إلى توسيع هامش المناورة السوري بين القوى الإقليمية والدولية، خاصة إيران وروسيا، إذ يمنح الانفتاح الأمريكي دمشق قدرة أكبر على موازنة نفوذ حلفائها القدامى، وتعديل شروط التعاون الأمني والاقتصادي معهم. وهذا التوازن الجديد يرفع من قيمة سوريا الإقليمية لأنها يجعلها أمام فرصة للخروج من التبعية للمحور الإيراني- الروسي. لكن على المستوى الواقعي، لابد أن تضمن لنفسها مساحة للتنوع في التحرك، وذلك كي لا تستبدل التبعية السابقة لهذا المحور بالتبعية الجديدة للمحور التركي – الأمريكي، وأعتقد هذا ما حاولت سوريا أن تفعله بعدما أبدت درجة معينة من الانفتاح على روسيا بعد زيارة الرئيس الشرع للكرملين في أكتوبر 2025.[39] وفي السياق ذاته، يفتح التقارب مع واشنطن الباب أمام إعادة بناء العلاقات مع دول الخليج، خصوصًا أن الانخراط الأمريكي يُخفّف الكلفة السياسية لتحرك العواصم الخليجية نحو دمشق، ويتيح تجميد العقوبات فرصة لعودة الاستثمارات في مشاريع الطاقة والإعمار والربط الإقليمي، بما يعزز ربط سوريا بالمحيط الخليجي، بالأخص المملكة العربية السعودية وقطر.

   يكتسب الموقع السوري أيضًا أهمية جديدة ضمن معادلات الصراع العربي – الإسرائيلي، إذ أن واشنطن تستمر في الضغط على الحكومة السورية لتوصل لاتفاق أمني مع إسرائيل والدخول معها في تطبيع ضمن الاتفاقيات الإبراهيمية التي تراعها واشنطن. والجانب السوري من حيث المبدأ لا يمانع التوصل إلى اتفاق أمني مع إسرائيل، لكن الجانب الإسرائيلي يريد أن يجعل الاتفاق مكرسًا لوضع ما بعد سقوط نظام الأسد الذي احتلت إسرائيل فيه أجزاء من سوريا كانت أهمها منطقة جبل الشيخ، هذا ما يجعل الاتفاق على هذا الأساس في صالحه[40]. لذلك، فسوريا لابد أن تُدير ضغط حليفتها واشنطن بشكل لا يجعلها تُقدم تنازلًا إقليميًا لإسرائيل.

    وبموازاة ذلك، يعزز التعاون الأمني والاستخباراتي الذي تم التفاهم عليه خلال الزيارة مكانة سوريا بوصفها فاعلًا مركزيًا في عمليات مكافحة الإرهاب شرق الفرات وفي البادية، ما يهمّش دور الفواعل من دون الدول، ويعيد دمج سوريا في المنظومة الأمنية الإقليمية. ويسهم هذا المناخ الجديد في تقليص نفوذ الميليشيات والقوى المحلية المسلحة داخل سوريا، لأن توسع الغطاء السياسي الدولي للدولة السورية يمنحها قدرة أكبر على فرض ترتيبات أمنية مركزية، وهو تحول له آثار إقليمية واضحة بسبب تداخل شبكات نفوذ تلك الفواعل عبر سوريا، ولبنان والعراق.

3 – تداعيات الزيارة على أدوار الفواعل الإقليميين:

أ – الدور الروسي وضرورة تقديم تنازلات لصالح المعادلة الجديدة:

   يمثل سقوط نظام الأسد نقطة انعطاف حاسمة في طبيعة العلاقة بين دمشق وموسكو، بالنظر إلى أن روسيا كانت، تاريخيًا، الحليف الرئيسي للنظام السوري السابق. فمنذ تدخلها العسكري عام 2015 رسّخت موسكو حضورها في سوريا عبر قاعدة طرطوس البحرية وعدد من القواعد الجوية في حلب ودمشق، وأسهمت بصورة مباشرة في إبقاء بشار الأسد في السلطة ودعمه حتى اللحظة الأخيرة من وجوده على رأس السلطة،[41] الأمر الذي منحها قدرة عالية على صياغة القرار السوري في المجالات العسكرية والسياسية. وقد مكّن هذا النفوذ روسيا من التصرّف بوصفها الضامن الأول لبقاء الدولة السورية، الذي لن يتم إلا عبر البقاء في محورها الاستراتيجي، مستفيدة من رغبة النظام السابق في استمرار دعمها.

   غير أن السياق العام لزيارة الرئيس الشرع إلى واشنطن يعكس تحوّلًا استراتيجيًا عميقًا، إذ لم تعد سوريا، في عهد القيادة الجديدة، مضطرة إلى الارتباط الحصري بروسيا. فالحكومة الجديدة، التي تقدم نفسها كممثلة لمرحلة إعادة الإعمار ورفع العقوبات، باتت ترى أن هذا المسار لا يمكن تحقيقه دون فتح قنوات سياسية واقتصادية مع الولايات المتحدة والقوى الغربية، وهو ما قد تجسّد بالفعل من خلال اللقاءات الرسمية بين الرئيسين الشرع وترامب. وفتح هذه القناة السياسية المباشرة بين دمشق وواشنطن تُكوّن معادلة جديدة تُعيد صياغة موقع سوريا في التوازنات الإقليمية والدولية، وتمنح الحكومة الانتقالية السورية شرعية دولية خارج المظلّة الروسية،[42] بما يقلّص من قدرة موسكو على التحكم في مسار القرار السوري كما كان الحال في عهد الأسد.

   هذا الانفتاح الأمريكي يفرض على روسيا إعادة ترتيب أولوياتها واستراتيجياتها في سوريا، وذلك بعد أن فقدت احتكارها للعلاقة الثنائية التي كانت مغلقة إلى حدّ بعيد. فمع دخول الولايات المتحدة كلاعبًا مباشرًا في صياغة مستقبل سوريا، تجد موسكو نفسها مضطرة إلى إظهار مرونة أكبر وتقديم تنازلات في قطاعات اقتصادية حيوية مثل البنية التحتية والطاقة، إضافة إلى إعادة النظر في استثماراتها العسكرية والسياسية. وذلك من أجل المحافظة على قواعدها العسكرية في سوريا.[43] وقد يدفعها ذلك إلى البحث عن صيغ تعاون جديدة – سواء أمنية أو اقتصادية – لضمان استمرار نفوذها الاستراتيجي في ظل مشهد بات أكثر تنافسًا وتعقيدًا. وهذه المعادلة الجديدة تُحوّل روسيا من راعٍ استراتيجي إلى شريك ينافس على النفوذ.

   وفي هذا الإطار، يمكن القول إن روسيا ستظل لاعبًا مهمًا في المشهد السوري، لكنها لم تعد اللاعب المهيمن الذي يفرض سياسات داخلية أو يحدد مسار العلاقات الخارجية كما كان في السابق. فمخرجات زيارة الشرع للبيت الأبيض مثلت محطة هامة في تحولات شهدها المشهد السوري أعاد ضبط ميزان القوى على نحو أدى إلى تقليص الهيمنة الروسية على دمشق، ذلك ما جعل من موسكو شريكًا ينافس على النفوذ بدلًا من كونها راعيًا أوحد. وهكذا، تبرز الزيارة بوصفها مؤشراً على اقتراب سوريا من الغرب، وتأسيس مرحلة جديدة في علاقاتها الدولية تتسم بتعددية أكبر في الشراكات وتراجع ملموس في قدرة روسيا على فرض نفوذها على المحيط السوري.

ب – الدور الإيراني وتراجع مشروع الهلال الشيعي:

   لطالما كانت إيران شريكًا استراتيجيًا للنظام السوري السابق، حيث لعبت دورًا محوريًا في تمكين النظام السابق اقتصاديًا وعسكريًا. وقد وفّر هذا الدعم المتعاظم نفوذًا كبيرًا لطهران ومقدرة على التأثير في القرار السوري، سواء على الصعيد العسكري أو السياسي، بما عزز حضورها الإقليمي وآمن لها خطوط اتصال حيوية ضمن مشروعها الاستراتيجي المعروف بـ”الهلال الشيعي”.[44]

   لكن مع سقوط النظام السوري السابق، وما نتج عنه من التحولات التي لحقت زيارة الرئيس الشرع إلى البيت الأبيض، والتي كان أبرزها سقوط حكم الطائفة العلوية الشيعية، وسيطرة نخبة جديدة من خلفية سنية تميل إلى السلفية، وكذلك التوجه السوري نحو الولايات المتحدة، بدأ النفوذ الإيراني في سوريا يتراجع إلى أقل حد ممكن. فقد قلل التقارب السوري مع واشنطن من قدرة إيران على التحرك بحرية في المجال العسكري في المنطقة، خصوصًا فيما يتعلق بملفات التسليح والتموضع العسكري للميليشيات الموالية لها، كما أعاد تشكيل البيئة السياسية الإقليمية في منطقة الهلال الخصيب التي كانت أجزاء كبيرة منها تحت سيطرة طهران بشكل ما أو آخر.

   على الصعيد الاقتصادي، من المرجح أن مشاركة الولايات المتحدة والدول الغربية في إعادة إعمار سوريا، وإمكانية بروز دور فعال لبعض القوى الخليجية الإقليمية أيضًا كالمملكة العربية السعودية، ستضع إيران أمام إما ضرورة التنافس على فرص الاستثمار أو تقبل دور ثانوي مقارنة بعقود البناء الغربية – الخليجية.[45] هذا التحدي الاقتصادي يستدعي من إيران إعادة تقييم استراتيجياتها التقليدية بشكل مقارب للمسار الذي تُقدم موسكو على المضي فيه.

   علاوة على ذلك، فإن هذا التقارب السوري – الأمريكي يشكل تهديدًا أساسيًا لاستراتيجية “الهلال الشيعي”، إذ أنه يُضعف مشروع إيران الإقليمي في ربط طهران بالبحر المتوسط، ويحرم طهران من التواصل البري مع حليفها الأساسي في لبنان، ألا وهو حزب الله. وبناءً على ذلك، يمكن القول إن زيارة الشرع تُمثل ذروة مسار يُضعف النفوذ الإقليمي لطهران، ويفرض عليها بقوة ضرورة تبني سياسات أكثر براجماتية تجاه سوريا، مع المحاولة في إعادة صياغة علاقتها معها بشكل مُدرك لطبيعة القيود الجديدة على محددات العلاقة بين الطرفين على صعيد التوازنات السياسية والاقتصادية والأمنية الجديدة في المنطقة.

ج – الدور الإسرائيلي والخشية من التقارب بين واشنطن ودمشق:

   أحدث سياق زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع إلى البيت الأبيض تحوّلاً ملموساً في البيئة الاستراتيجية التي تتحرك فيها إسرائيل إقليميًا، إذ أعادت فتح القناة الأمريكية – السورية بعد سنوات من القطيعة، وهو ما مزّق جزءُا مهمًا من المعادلة التي استفادت منها إسرائيل طويلًا في إدارة الملف السوري. فطوال العقد الماضي اعتمدت إسرائيل على هندسة ردع قائمة على التفوق الجوي والضربات الدقيقة واحتواء النفوذ الإيراني في سوريا دون الحاجة لانخراط سياسي مباشر مع دمشق، لكن انفتاح الولايات المتحدة على الحكومة الانتقالية السورية دفع إلى إعادة توزيع أدوار اللاعبين في المشرق العربي، وقلّص القدرة الإسرائيلية على العمل منفردة في هذا المسرح. ومع صعود حكومة سورية تُعيد بناء شراكاتها الدولية برعاية أمريكية، تتراجع هامش الحركة لإسرائيل في مناطق حساسة مثل الجنوب السوري، ويمكن أن تظهر طبقة جديدة من القيود عليها مرتبطة بالتحولات في طبيعة العلاقة بين واشنطن ودمشق.

   يتجلى جانب آخر من التداعيات في بروز تباين واضح بين أولويات إسرائيل والولايات المتحدة. ففي حين تسعى إسرائيل إلى إدامة إضعاف الحكومة الانتقالية في سوريا وهذا ما ظهر منذ اللحظة الأولى لسقوط النظام السابق عندما دمرت إسرائيل قدرات الجيش السوري واستمرت لاحقًا في غاراتها الجوية في الداخل السوري،[46] تتعامل واشنطن مع انضمام الشرع إلى الائتلاف الدولي ضد داعش بوصفه محورًا لإعادة هندسة الاستقرار، وتحتاج بالتالي إلى علاقة أكثر توازنًا مع دمشق، بما يجعل أي دعم أمريكي غير مشروط للعمليات الإسرائيلية داخل الأراضي السورية أقل احتمالًا. هذه الموازنة التي تفرضها واشنطن تؤشر إلى أن الضربات الإسرائيلية المتكررة على دمشق قد تواجه سقوفًا سياسية جديدة، خصوصًا إذا رأت الإدارة الأمريكية أن استقرار سوريا شرطًا لنجاح استراتيجيتها الأمنية الإقليمية. وهذا ما يُترجم بشكل أساسي في ضغط واشنطن على الطرفين حتى يتوصلا إلى اتفاقية أمنية تساعد على تعزيز الاستقرار في المنطقة – من وجهة نظر البيت الأبيض -.

   وعلى مستوى أوسع، تفرض هذه الزيارة إعادة توزيع داخل محور الحلفاء التقليديين للولايات المتحدة في الشرق الأوسط. فعودة واشنطن إلى الملف السوري تمنح دولاً عربية مثل مصر والسعودية فرصًا لزيادة التعاون والتنسيق مع دمشق عبر قنوات دبلوماسية واقتصادية لا تملك إسرائيل تأثيرًا مباشرًا عليها، ما يحدّ من الدور الإسرائيلي الذي كان مركزيًا خلال السنوات الماضية في صياغة الموقف الأمريكي من سوريا. كما أن إعادة تدوير النظام السياسي السوري في الفضاء الدولي، ولو بشكل تدريجي، يفتح احتمال بناء ترتيبات إقليمية جديدة قد تُستخدم لاحقًا في مقاربات تتعلق بالأمن الجماعي أو بملفات الطاقة في شرق المتوسط أو بحدود الصراع مع لبنان، وهي ترتيبات قد تجد إسرائيل نفسها جزءًا منها لا صانعة لها.

د – الدور التركي وتوسيع مجالات الحركة الإقليمية لأنقرة:

   تفتح زيارة الرئيس الشرع للبيت الأبيض مجالًا مناسبًا لفهم تحوّل الدور الإقليمي التركي، لأن أنقرة عُدت أحد المهندسين الرئيسيين لمرحلة ما بعد نظام الأسد، ثم المستفيدين والمقيّدين في آنٍ واحد بهذه الزيارة. منذ سقوط النظام السابق واعتراف تركيا المبكر بالسلطات الجديدة في دمشق، تحرّكت أنقرة من موقع الطرف في الصراع السوري إلى موقع الضامن والشريك في هندسة النظام الإقليمي المحيط بسوريا. فاللقاءات المتكررة بين الرئيسين الشرع وأردوغان في أنقرة وإسطنبول، وما تبعها من رفع تركي وأوروبي – تدريجي- للعقوبات عن سوريا وقياداتها الجديدة،[47] أسّست لمسار تقارب إقليمي، مهد لانفتاح واشنطن على دمشق، وقد أرست زيارة الرئيس الشرع للبيت الأبيض إلى البداية الفعلية لإرساء شبكة ثلاثية مكوَّنة من الولايات المتحدة، وتركيا وسوريا ما بعد نظام الأسد، لا شك أنها ستُعيد ترتيب المشهد الإقليمي.

   هذه الشبكة الثلاثية كانت أنقرة هي العامل المركزي في تكوينها. فالطريق الذي سلكه الشرع إلى البيت الأبيض مرّ عمليًا عبر أنقرة؛ زياراته المبكرة لتركيا، ومشاركته في منتدى أنطاليا الدبلوماسي،[48] وتمدّد العلاقات الاقتصادية والأمنية بين البلدين، كلّها جعلت من تركيا بوابة النظام السوري الجديد أمام العواصم الغربية، وبالأخص واشنطن. وإن كانت أنقرة ملاحقة بُتّهمة دعم فصائل متطرفة، صار بإمكانها الآن تسويق هذا الإرث نفسه كخبرة وقدرة على ترويض هذه الشبكات وتطويعها لصالح نظام دولة متماسك، يدعم الاستقرار ويحارب الإرهاب برعاية الولايات المتحدة. فالزيارة إلى واشنطن، وما تبعها من تعليق واسع للعقوبات الأمريكية على سوريا، تُظهِر أن أنقرة نجحت في تبرير موقفها، وأن دعمها التدريجي لتحوّل هيئة تحرير الشام، ثم انتقالها إلى إطار الدولة بقيادة الرئيس الشرع، كان استثمارًا استراتيجيًا. وبذلك، تكسب تركيا من الزيارة ورقة إضافية في الحوار مع واشنطن والاتحاد الأوروبي من دونها، لا يمكن ضبط سوريا الجديدة ولا استثمارها في ترتيبات الأمن الإقليمي.

   كما أن التحوّل الأعمق يطال ملف الأكراد والأمن الحدودي، وهو تقاطع حرج بين تركيا والولايات المتحدة وسوريا معًا. دخول دمشق الجديدة رسميًا في التحالف الدولي لمحاربة داعش، وترويج الرئيس الشرع لنفسه كشريك أمني لواشنطن، ترافق مع مسار تفاوضي لدمج قوات سوريا الديمقراطية في الجيش السوري، مع تراجع ملحوظ في قوة ورقة الأكراد تجاه الأمريكيين بعد أن باتت واشنطن تملك بديلًا سُنّيًا – حكوميًا تمثل في حكومة دمشق الانتقالية نفسها.[49] هنا تحديدًا تظهر مكاسب أنقرة من زيارة البيت الأبيض، فكلما تعزّز الاعتراف الأمريكي بالشرع كشريك أمني، ازدادت قدرة تركيا على دفع واشنطن للقبول بصيغة تُضعِف استقلالية الكيان الكردي في الشمال الشرقي، وذلك عبر دمج تدريجي في مؤسسات الدولة السورية بضمانات تركية – أمريكية مشتركة. اجتماع إسطنبول في مايو، الذي ناقش تفكيك وحدات YPG وإعادة تركيبها داخل هياكل الدولة، يندرج في هذا السياق، والزيارة إلى واشنطن تمنح الشرع غطاءً دوليًّا لهذه الترتيبات، وتُحوّل تركيا إلى الوسيط الفاعل بين ثلاثية دمشق، واشنطن، والفاعلين الأكراد.

   على المستوى الاقتصادي، تمنح الزيارة أنقرة فرصة لترسيخ نفسها كبوابة الشمال في ملف إعادة إعمار سوريا. قبل اللقاء مع الرئيس ترامب، كانت تركيا قد أعلنت خططًا لربط الشبكة الكهربائية السورية بالشبكة التركية، وتطوير خطوط الغاز والبنية التحتية في الشمال والداخل السوري،[50] بما يحوّلها إلى ممرٍّ إلزامي للطاقة وإعادة الإعمار بين الخليج وأوروبا عبر سوريا. حين تضيف إلى ذلك رفع العقوبات الغربية المؤقّت عن دمشق، يصبح لرأس المال التركي أفضلية تنافسية في دخول السوق السورية، خاصة في المناطق الحدودية والشمالية التي تقع ضمن مجال النفوذ التركي المباشر.

   وبالتشابك مع الفرص الاقتصادية التي أتاحتها الزيارة، تُعمّق نلك الفرص – على المستوى السياسي – ترسيخ محور دعم تركي – خليجي لسوريا الشرع سواء سياسيًا أو اقتصاديًا في ملف إعادة الإعمار، وذلك في مواجهة إيران وبتوتر خفي مع إسرائيل. فأنقرة ترى في سوريا الجديدة فرصة لتصفية إرث التحالف السوري – الإيراني، وتثبيت نموذج نظام سُنّي قريب منها ومن قطر.

ختامًا، يمكن القول إن زيارة الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع إلى البيت الأبيض في نوفمبر 2025 تُشير إلى بداية مرحلة جديدة في مسار العلاقات السورية – الأمريكية، وإلى تحوّل تدريجي في موقع سوريا ضمن التوازنات الإقليمية والدولية. فقد أظهرت مخرجات الزيارة – سواء ما تعلق بالتنسيق الأمني عبر الانضمام للتحالف الدولي لمحاربة داعش، أو التعليق الجزئي للعقوبات، أو رفع القيود عن البعثة الدبلوماسية، أو حتى رفع الاتحاد الأوروبي لتجميد أصول الرئيس الشرع ووزير داخليته – أن واشنطن والاتحاد الأوروبي  يتجهون نحو إعادة بناء قنوات التعاون مع دمشق وفق مقاربة متدرجة ومشروطة، تراعي اعتبارات الأمن الإقليمي من جهة، وحاجة سوريا إلى إعادة الانخراط الدولي من جهة أخرى.

   وعلى المستوى الداخلي، فتحت الزيارة فرصة للحكومة الانتقالية لتعزيز شرعيتها وترتيب علاقاتها مع الفواعل المحلية، ولا سيما في ملفات دمج “قسد”، والقضاء على داعش، وتعزيز الأمن وإدارة الموارد الاقتصادية. ومع أن نتائج هذه الخطوات لا تزال مرهونة بالسياق السياسي والأمني، فإنها تمثل مدخلًا لإعادة تنظيم المشهد الداخلي بصورة تضمن للحكومة الانتقالية العمل في بيئة أكثر استقرارًا.

   أما إقليميًا، فقد أوجدت الزيارة، التي عبرت عن دعم واشنطن لدمشق، مساحة أوسع لتحرك سوريا بين القوى الفاعلة، ووفرت لها مجالًا أوسع لإعادة تعريف علاقاتها مع كل من روسيا وإيران من جانب، وبعض القوى الخليجية كالسعودية وقطر من جانب آخر. كما فرضت على إسرائيل معادلة أكثر تعقيدًا في ضوء انفتاح واشنطن على دمشق، بما قد ينعكس على طبيعة الترتيبات الأمنية في الجنوب السوري. بالإضافة إلى أنها عززت من الدور التركي في المجال السوري.

   وبصورة عامة، يمكن القول إن الزيارة لم تُشكّل تحولًا نهائيًا بقدر ما أرست مجموعة من المسارات المفتوحة التي قد تُسهم في إعادة إدماج سوريا تدريجيًا في محيطها الدولي والإقليمي، مع بقاء نتائجها مرهونة بقدرة الحكومة الانتقالية على إدارة تحديات المرحلة، وبمدى استمرار الدعم الأمريكي لسوريا خلال الفترة المقبلة.


[1] Steve Holland and Matt Spetalnick, “Trump vows to do everything he can to help Syria after landmark talks with Sharaa”, Reuters, 11 November 2025, last access in: 12 November 2025:

[2] Andrew Roth, “US declares partial suspension of sanctions on Syria after historic meeting”, The Guardian, 11 November 2025, last access in: 12 November 2025:

[3] طارق علي، “العلاقات الأميركية – السورية عبر التاريخ: مد وجزر وتشابك مصالح”، Independent عربية، 25 سبتمبر 2025، آخر وصول في: 15 نوفمبر 2025:

[4] المصدر السابق

[5] Helen Sallon, “Ahmed al-Sharaa, the first Syrian president ever invited to the White House”, Le Monde,  5 November 2025, last access in: 12 November 2025:

[6] Loveday Morris, “Syria announces a new transitional government”, The Washington Post, 29 March 2025, last access in: 12 November 2025:

[7] أحمد زكريا، “الشرع في واشنطن: عودة سوريا إلى المشهد الدولي من جديد”، سوريا 24، 11 نوفمبر 2025، آخر وصول في: 13 نوفمبر 2025: https://www.sy-24.com/168390/?utm_source

[8]أحمد الشرع يلعب كرة السلة مع ضباط أمريكيين.. فيديو يثير الجدل”، قناة الجزيرة، يوتيوب، 9 نوفمبر 2025، آخر وصول في: 15 نوفمبر 2025: https://youtu.be/TcMatd00ezc?si=nOIDZS3I5dYKJwx9

[9] Jihan Abdalla, “Trump hosts Al Shara at White House as US temporarily waives Caesar Act sanctions”, The National, 10 November 2025, last access in: 13 November 2025:

[10] شام السبسي، “مخرجات اللقاء التاريخي بين الشرع وترامب في البيت الأبيض”, الجزيرة نت، 11 نوفمبر 2025، آخر وصول في: 13 نوفمبر 2025:

[11] Sinem Adar, Muriel Asseburg, Hamidreza Azizi, Margarete Klein and Guido Steinberg, “The Fall of the Assad Regime: Regional and International Power Shifts”, SWP, 25 February 2025, last access in: 13 November 2025:

[12] Towhid Bin Shafi, “Trump’s de-globalisation: a businessman’s approach to international relations”, THE BUSINESS STANDARD, 11 March 2025, last access in: 8 November 2025:

[13]مسؤول أمريكي سابق ل”الحدث”: زيارة الرئيس السوري إلى أمريكا “في غاية الأهمية”“، الحدث، يوتيوب، 8 نوفمبر 2025، آخر وصول في: 15 نوفمبر 2025: https://youtu.be/weQeWWJoiho?si=UCEBuhrCNQQWfUdG

[14]Syria signs up to US-led coalition against ISIL”, ALJAZEERA, 11 November 2025, last access in: 13 November 2025:

[15]الداخلية السورية تعلن عن حملة أمنية ضد داعش في عدة محافظات“، العربية، 9 نوفمبر 2025، آخر وصول في: 13 نوفمبر 2025:

[16]ترامب والشرع.. تفاهمات تمهد لعهد سوري جديد”، Sky newsعربية، 12 نوفمبر 2025، آخر وصول في: 13 نوفمبر 2025: https://www.skynewsarabia.com/middle-east/1833358

[17]في زيارة تاريخية… الرئيس السوري أحمد الشرع يصل إلى الولايات المتحدة“، France 24، 9 نوفمبر 2025، آخر وصول في: 13 نوفمبر 2025:

[18]الشرع يلتقي مديرة صندوق النقد الدولي في واشنطن“، الجزيرة نت، 10 نوفمبر 2025، آخر وصول في: 13 نوفمبر 2025:

[19]الخزانة الأميركية: تعليق العقوبات على سوريا بموجب قانون قيصر جزئيا ل 180 يوما باستثناء المعاملات المرتبطة بروسيا وإيران”، الوكالة الوطنية للإعلام، 10 نوفمبر 2025، آخر وصول في: 13 نوفمبر 2025:

[20]الشرع في لقاء مع غرفة التجارة الأمريكية: سوريا تفتح أبوابها للشراكات الاقتصادية المستدامة”، RT،، 11 نوفمبر 2025، آخر وصول في: 13 نوفمبر 2025:

[21] الخزانة الأميركية: تعليق العقوبات على سوريا بموجب قانون قيصر جزئيا ل 180 يوما باستثناء المعاملات المرتبطة بروسيا وإيران” مصدر سبق ذكره.

[22] يارا خالد، “زيارة الرئيس السوري إلى روسيا: الأبعاد الجيوسياسية والاقتصادية للزيارة”، مركز ترو للدراسات والتدريب، 24 أكتوبر 2025: https://truestudies.org/3085/

[23] جينفر هولايس، “رفع العقوبات عن سورياـ شروط أمريكية وتحديات وفرص أمام دمشق“، DW، 17 مايو 2025، آخر وصول في: 14 نوفمبر 2025:

[24] علا الحاذق، “ترامب والشرع.. عهد سوري جديد بعد عقود من العزلة”، الهيئة الوطنية للإعلام، 12 نوفمبر 2025، آخر وصول في: 14 نوفمبر 2025:

[25]سفارة سوريا في أمريكا تعود لممارسة أعمالها بعد توقفها 12 عاماً“، الخليج، 11 نوفمبر 2025، آخر وصول في: 14 نوفمبر 2025: 

[26] Suleiman Al-Khalidi and Timour Azhari, “Exclusive-US military to establish presence at Damascus airbase, sources say”, AL-MONITOR, 6 November 2025, last access in: 14 November 2025:

[27] شام السبسي، “مخرجات اللقاء التاريخي بين الشرع وترامب في البيت الأبيض”، مصدر سبق ذكره.

[28]سوريا.. الخارجية ترد على تقارير “إنشاء قاعدة عسكرية أمريكية في دمشق“”، CNN بالعربية، 6 نوفمبر 2025، آخر وصول في: 14 نوفمبر 2025:

[29]الاتحاد الأوروبي ينهي قرار تجميد أصول الرئيس أحمد الشرع ووزير الداخلية أنس خطاب”، تليفزيون سوريا، فيسبوك، 14 نوفمبر 2025، آخر وصول في: 25 نوفمبر 2025:

[30] Kerry B. Contini, Ben Smith, Terence Gilory, Alexandre Lamy, Michael Amberg and Sophie Delhoulle, “Syria Sanctions Relaxed:  The Latest from the US, EU, and UK, Global Sanctions and Export Controls Blog”, 26 May 2025, last access in: 15 November 2025:

[31]ترامب يشيد بأحمد الشرع خلال زيارته للبيت الأبيض: “قائد قوي وأُعجبت به””، CNN بالعربية، 11 نوفمبر 2025، آخر وصول في: 14 نوفمبر 2025:

[32] “”جذاب وقوي البنية”.. ترامب يشيد بالرئيس السوري أحمد الشرع على متن الطائرة الرئاسية متجها نحو قطر”، CNN بالعربية، 14 مايو 2025، آخر وصول في: 14 نوفمبر 2025:

[33] Arwa Damon and Omer Ozkizilcik, “Two views on the Syrian president’s visit to the White House—and what’s next, Atlantic Council”, 11 November 2025:

[34]تفاهمات الشرع في واشنطن تسرّع مباحثات دمشق و”قسد””، العربي الجديد، 13 نوفمبر 2025، آخر وصول في: 14 نوفمبر 2025:

[35]الشرع يدعو إلى إشراف القوات الأمريكية على دمج “قسد” في الجيش السوري“، RT، 12 نوفمبر 2025، آخر وصول في: 14 نوفمبر 2025:

[36]تفاهمات الشرع في واشنطن تسرّع مباحثات دمشق و”قسد””، مصدر سبق ذكره.

[37] شام السبسبي، “هل يسهم تعليق قانون قيصر في تعافي الاقتصاد السوري؟“، الجزيرة نت، 23 سبتمبر 2025، آخر وصول في: 14 نوفمبر 2025:

[38] عامر المثقال، “من رفع العقوبات عن الشرع إلى لقاء البيت الأبيض: قراءة في تحوّلات الموقف الغربي من سوريا الجديدة”، مركز الحوار السوري، 14 نوفمبر 2025:

[39] Ahmed Asmar, “Al-Sharaa’s Moscow visit marks a new era of balanced diplomacy for Syria”, Middle East Monitor, 16 October 2025, last access in: 14 November 2025:

[40] Arwa Damon and Omer Ozkizilcik, “Two views on the Syrian president’s visit to the White House—and what’s next, Atlantic Council” Op.cit.

[41]Kremlin says it still supports Syria’s Assad and will see what help is needed”, Reuters, 2 December 2024, last access in: 14 November 2025:

[42] Arwa Damon and Omer Ozkizilcik, “Two views on the Syrian president’s visit to the White House—and what’s next, Atlantic Council” Op.cit.

[43] Antonio Amir Bhardwaj, “Ahmed Al Sharaa’s Historic U.S. Visit: Key Discussions, Achievements, and Strategic Implications”, Foreign Affairs Forum, 10 November 2025, last access in: 14 November 2025:

[44] DIANA RAHIMA, “SYRIA’S COLLAPSE: STRATEGIC IMPLICATIONS FOR IRAN”, American Foreign Policy Council, No. 15, 2025:

[45] Antonio Amir Bhardwaj, “Ahmed Al Sharaa’s Historic U.S. Visit: Key Discussions, Achievements, and Strategic Implications”, Op.cit.

[46]إسرائيل: دمرنا نحو 80% من القدرات العسكرية السورية“، الجزيرة نت، 10 ديسمبر 2024، آخر وصول في: 15 نوفمبر 2025:

[47]Turkey lifts asset freeze on Syrian president, minister following UN decision”, Turkish Minute, 8 November 2025, last access in: 15 November 2025:

[48]Al-Sharaa attends 4th Antalya Diplomacy Forum”, Enab Baladi, 11 April 2025, last access in: 15 November 2025:

[49] Ahmad Sharawi ,”U.S. DIPLOMACY KEY IN BRIDGING SDF-SYRIAN GOVERNMENT GAPS”, Foundation For Defense of Democracies, 14 November 2025, last access in: 15 November 2025:

[50]Turkey aims to provide power to Syria, collaborate on oil, gas, newspaper says”, Reuters, 27 December 2024, last access in: 15 November 2025:

باحث مساعد في النظم والنظرية السياسية بمركز ترو للدراسات والتدريب

image
فنزويلا بين الإرث الإمبريالي الأمريكي وتحولات مبدأ مونرو في القرن الحادي والعشرين
عسكرة الموارد المائية في غزة بعد 7 أكتوبر: المياه كسلاح حرب
من فنزويلا إلى القطب الشمالي: غرينلاند وإعادة تشكيل أولويات النفوذ في الاستراتيجية الأمنية الأمريكية
تجدد الصراع التايلاندي الكمبودي: هشاشة اتفاقيات السلام وتحديات الاستقرار الإقليمي
Scroll to Top