في عالم الاقتصاد السياسي المعاصر، يبرز ديفيد هارفي كواحد من أبرز المفكرين النقديين وهو منظر اجتماعي وجغرافي ماركسي من أصل بريطاني، يُعد من أبرز الجغرافيين في العالم. يعمل أستاذًا لعلم الإنسان في مركز الدراسات العليا بجامعة مدينة نيويورك. تتميز أعماله بتناول قضايا العدالة الاجتماعية، ومنطق الرأسمالية في إطار البيئة الحضرية، وله إسهامات كبيرة في تحليل الأزمات الرأسمالية وانتقاد الليبرالية الجديدة. اشتهر أيضًا بشرحه لكتاب “رأس المال” لماركس وتطويره لمفهوم “التراكم عن طريق التجريد من الملكية”، ويعد من أبرز المنظرين في مجال الدراسات الحضرية والجغرافيا الاقتصادية الذين قضوا أكثر من أربعة عقود في تفكيك آليات الرأسمالية بأسلوب حاد وثاقب. كتابه “لغز الرأسمال والأزمات الرأسمالية”، الصادر عن دار نشر جامعة أكسفورد عام 2010، يأتي كمساهمة عميقة مستوحاة مباشرة من الأزمة المالية العالمية لعام 2008، التي كشفت عن هشاشة النظام الرأسمالي. يقدم هارفي، من منظور ماركسي تاريخي مادي، تحليلًا حماسيًا يركز على “تدفق الرأس المال” كقوة حيوية تشبه الدم المتدفق في جسم المجتمعات الرأسمالية، حيث يغذي الحياة اليومية من سلع أساسية إلى خدمات متعددة، ويعزز قوة الدول عبر الضرائب، بينما يؤدي أي انقطاع فيه إلى أزمات مدمرة تكشف عن التناقضات الجوهرية للنظام.
يستعرض هارفي ميزتين أساسيتين للرأسمالية: أولاً، التدفق المستمر والمتسارع لرأس المال حول العالم بحثًا عن التراكم، الذي يصل إلى كل زاوية مأهولة ويؤثر على كل فرد ومؤسسة؛ وثانيًا، دور الإطارات المؤسسية التي تجمع بين الأنشطة العملية والمفاهيم الذهنية، مع تركيز متزايد على هيمنة القطاع المالي الذي يتجاوز الإنتاج الحقيقي في توليد الأرباح. ينتقد الكتاب الابتعاد الحديث عن الفهم النقدي لهذا التدفق، حيث غرقت النظريات التقليدية في نماذج رياضية وتحليلات جزئية، متجاهلة “المخاطر النظامية” التي أدت إلى الأزمة، كما يتجلى في عدم تنبؤ الاقتصاديين بها رغم سؤال الملكة إليزابيث الثانية عن المخاطر النظامية بشكل مباشر.
ويتكون الكتاب من ثمانية فصول متدفقة: يبدأ بتشريح الأزمة في “الانقطاع”، ثم يستعرض التجربة التاريخية للرأسمالية في الفصول الثلاثة التالية، قبل أن ينتقل إلى مجالات خبرة هارفي البارزة مثل التطور المؤسسي (“تطور الرأسمال”)، الدور الجغرافي (“جغرافيا كل ذلك”)، والتدمير الإبداعي على الأرض. منذ السبعينيات، يشرح هارفي كيف دفع ضغط الربحية الطبقة الرأسمالية نحو التحولات المالية والخصخصة، مما أضعف العمالة وأدى إلى توسع الائتمان كحل وهمي لنقص الطلب، مستندًا إلى مفهوم “الرأسمال الخيالي” من كتابه السابق “حدود الرأسمال” (2006). في النهاية، يضع هارفي الأزمة في سياق تاريخي واسع، محذرًا من أنها ليست نهاية بل فرصة للمعارضة، حيث تتصارع قوى إعادة بناء النظام القديم مع تلك التي تسعى لعدالة اجتماعية حقيقية، مما يجعل الكتاب تصحيحًا نقديًا حاسمًا للروايات التقليدية حول الأزمات الرأسمالية. وعليه يسعي هذا الاستعراض الى عرض كل فصل بتحليل يبرز جوهره النظري، مع التركيز على التناقضات التي يكشفها والروابط التي يبنيها مع السياقات التاريخية والاجتماعية، لنفهم كيف يساهم في بناء حجة هارفي الشاملة ضد الهيمنة النيو ليبرالية.
الفصل الأول: الانقطاع (The Disruption) يفتتح هارفي بصورة حية أزمة 2008، متتبعًا مسارها من فقاعة الرهون العقارية في الولايات المتحدة إلى انهيار عالمي، حيث يبرز التناقض بين خصخصة الأرباح واجتماعية الخسائر عبر الإنقاذات الحكومية. التحليل هنا يتجاوز السرد الوصفي ليكشف عن الطبقية المتأصلة في النظام، مع الحاجة إلى نمو سنوي بنسبة 3% لامتصاص الفوائض، مما يعكس هشاشة الرأسمالية أمام الركود. هذا الفصل ليس مجرد مقدمة تاريخية، بل يضع الأساس لنقد هارفي للنيوليبرالية كأيديولوجيا تُعيد إنتاج الفجوات الاجتماعية، محفزًا القارئ على رؤية الأزمات كنتائج بنيوية وليست حوادث عرضية.
الفصل الثاني: تجميع الرأس المال (Capital Assembled) هنا يغوص هارفي في دورة رأس المال الأساسية، من تحويل المال إلى سلع ثم إلى ربح أكبر، مع التركيز على الحواجز مثل نقص الموارد أو “التناقض الثاني” الذي يستنزف الطبيعة. يستخدم أمثلة مثل الوقود الحيوي ليوضح كيف يولد الاستغلال تناقضات بيئية، مع مفهوم “التدمير الإبداعي” كآلية للابتكار الذي يهلك الأصول القديمة. التحليل يبرز الديناميكية الثورية للرأسمالية، حيث يربط هارفي بين الدورات الاقتصادية مثل كونفدراليي والحاجة إلى تدمير مستمر للنمو، مما يفضح الرأسمالية كقوة غير مستقرة تتغذى على أزماتها الذاتية، ويمهد لاستكشاف كيف تؤجل هذه الدورات الانهيار النهائي.
الفصل الثالث: تدفقات رأس المال (Capital Flows) يحلل هارفي مشكلة امتصاص الفائض الرأسمالي، حيث يضطر الرأسماليون إلى إعادة الاستثمار تحت ضغط المنافسة، مما يتطلب نموًا لا متناهيًا. يرفض التفسيرات الأحادية للأزمات، مثل انخفاض الربح أو نقص الاستهلاك، ويحدد حواجز مثل المقاومة العمالية أو نقص الطلب. في التحليل، يُظهر كيف تطهّر الأزمات النظام من الفوائض غير الفعالة، مع توسيع الجيش الاحتياطي من العمال، لكنها تفتح أبواب المعارضة السياسية. هذا الفصل يعمق نقد هارفي للعولمة والائتمان كوسائل مؤقتة لتأجيل التناقضات، مما يجعله جسرًا نحو فهم الأزمات كعناصر بنيوية ضرورية لاستمرارية الرأسمالية، مع إشارات تاريخية تعزز الرؤية الديالكتيكية.
الفصل الرابع: رأس المال يذهب إلى السوق (Capital Goes to Market) يركز على تحدي تحقيق القيمة من خلال بيع السلع، حيث يجب تحويل الإنتاج الخاص إلى طلب عام فعال. ويناقش كيف يخلق الرأسماليون أسواقًا جديدة عبر التلاعب بالرغبات، لكن قمع الأجور يعيق القدرة الشرائية. ويستعرض التحليل حلولًا تاريخية مثل الاستعمار أو الكينزية، مع تحذير من أن الديون تخلق فقاعات كتلك التي حدثت في 2008. هارفي يبرز هنا دور الائتمان كتعويض وهمي لنقص الطلب، مما يعزز حجته بأن الرأسمالية تعتمد على آليات غير مستدامة، ويربط ذلك بالتناقضات الاجتماعية، محولًا الفصل إلى نقد للاستهلاكية كأداة للهيمنة الرأسمالية.
الفصل الخامس: تطور رأس المال (Capital Evolves) يحدد سبعة مجالات مترابطة تشكل تطور الرأسمالية، من التقنيات إلى العلاقات الاجتماعية والعلاقات مع الطبيعة. يجادل بأن التغيير يتطلب تحولات متداخلة، منتقدًا “فتشية التقنية” التي تتجاهل الحلول الاجتماعية. في التحليل، يستعرض صعود الرأسمالية من الإقطاع عبر العنف، مشددًا على التطور المشترك دون سبب مهيمن، مما يفسر الأزمات كعدم توافق بين هذه المجالات. هذا الفصل يعكس خبرة هارفي كمفكر متعدد التخصصات، حيث يحول النظرية الماركسية إلى إطار تحليلي حيوي، يمهد للأبعاد الجغرافية التالية بتأكيد على الترابط الديالكتيك.
الفصل السادس: جغرافيا كل ذلك (The Geography of It All) كجغرافي متمرس، يؤكد هارفي أن الرأسمال يتشكل في الفضاء والزمن، مخلقًا جغرافيات غير متكافئة عبر التكتلات والتحضر. يبرز التوتر بين التركيز واللامركزية، مع دمج إيجار الأرض كعنصر أساسي. التحليل يشرح انتشار الأزمة من محلي إلى عالمي بسبب التطور غير المتكافئ، حيث يتقاطع المنطق الرأسمالي مع الإمبريالية والقوى الإقليمية. هذا الفصل يثري حجة هارفي ببعد مكاني، محولًا الرأسمالية من مفهوم مجرد إلى قوة تشكل المناظر الطبيعية، ويفتح أبواب النقد للعولمة كعملية استعمارية مستمرة.
الفصل السابع: التدمير الإبداعي على الأرض (Creative Destruction on the Land) يبني على الجغرافيا ليستكشف “التدمير الإبداعي” كعملية عنيفة تعيد تنظيم الأرض أثناء الأزمات، محطمة المناظر القائمة لامتصاص الفوائض. يربط ذلك بنظريات إيجار الأرض، مؤكدًا أنها مركزية في التحليل، مع روابط بيئية حيث تؤجل التحولات الجغرافية التناقضات. يبرز التحليل تقاطع الإمبريالية مع هذه التدميرات، وسط تنافس الدول على الموارد، مع تحديات نظرية في التعامل مع الصدف والتعقيدات. ويستخدم هارفي هذا ليؤكد على الرأسمالية كقوة مدمرة إبداعية، مما يجعل الفصل ذروة نقده البيئي-فضائي.
الفصل الثامن: ماذا يجب فعله؟ ومن سيقوم بذلك؟ (What Is to Be Done? And Who Is Going to Do It?) يختتم هارفي باستراتيجيات للنضال المضاد، مستخدمًا المجالات السبعة ليجادل بتحولات ديالكتيكية متكاملة. يدعو إلى كشف “اللغز” وبناء تحالفات لاستبدال التراكم بعدالة، منتقدًا التنظيمية. كما يري التحليل الأزمات كفرص متناقضة، مع الحاجة إلى ديمقراطية واسعة لإدارة المشتركات. هذا الفصل يحول الكتاب من تحليل إلى دعوة عملية، محفزًا على إعادة بناء اليسار كقوة قادرة على مواجهة الرأسمالية، ويربط كل الخيوط السابقة في رؤية ثورية متفائلة.
رؤية نقدية
يُعد كتاب ديفيد هارفي “لغز الرأسمال والأزمات الرأسمالية” (2010) مساهمة بارزة في تفكيك الديناميكيات الرأسمالية، خاصة في أعقاب أزمة 2008، حيث يقدم تحليلًا يربط بين التدفق الرأسمالي كقوة حيوية والهشاشة النظامية التي تؤدي إلى الأزمات. ومع ذلك، تثير الرؤى النقدية للكتاب جدلًا واسعًا، حيث يُمدح لوصوليته وابتكاره في دمج الأبعاد الجغرافية، بينما يُنتقد لرفضه بعض المفاهيم الماركسية الأساسية وغموضه في نظرية الأزمات، مما يجعله أقرب إلى وصف تاريخي من تفسير جذري متماسك. سأقدم هنا رؤية نقدية متوازنة، مستندة إلى مراجعات أكاديمية متنوعة، مع التركيز على القوى والضعف النظري.
من الناحية الإيجابية، يبرز هارفي قدرته على تقديم نظرة تاريخية شاملة وسهلة الوصول، حيث يربط الأزمة الحالية بتحولات ما بعد السبعينيات مثل قمع العمالة، الخصخصة، والاعتماد على الائتمان لتعويض نقص الطلب، مما يجعل الكتاب دليلًا فعالًا لفهم “مشكلة امتصاص الفائض الرأسمالي” كمحرك أساسي للأزمات. كما يُثنى على إطاره الديالكتيكي الذي يحدد سبعة مجالات مترابطة (مثل التقنيات والعلاقات الاجتماعية) لتفسير تطور الرأسمالية، مما يفتح آفاقًا لاستراتيجيات “ثورية مشتركة” تتجاوز التركيز على مجال واحد. في مراجعة أخرى حيث يتم الثناء علي الكتاب كتشريح للأزمات كآليات “عقلانية غير عقلانية” لتجديد النظام، من خلال تدمير الفوائض وتوسيع الجيش الاحتياطي العمالي، مع دمج الأبعاد الجغرافية مثل “الإصلاح المكاني” لتفسير انتشار الأزمات عالميًا. هذه العناصر تجعل الكتاب أداة قيمة للقراء غير المتخصصين، كما يلاحظ أحد النقاد، الذي يصف أسلوبه بأنه “واضح ومشوق” رغم تعقيد الموضوع.
ومع ذلك تكشف الرؤى النقدية عن نقاط ضعف جوهرية، خاصة في رفض هارفي لـ”ميل معدل الربح إلى الانخفاض” (TRPF) كمفهوم “غير ذي صلة” بسبب الاتجاهات المضادة، مما يترك نظريته بدون آلية واضحة لتفسير الانهيارات الدورية، ويعتمد بدلاً من ذلك على “التراكم الزائد” كحالة مزمنة غير قادرة على شرح الدورات الاقتصادية. يُنتقد هذا الرفض كجزء من “ماركسية السبعينيات” التي تتجنب الجدل التقليدي حول TRPF، مما يؤدي إلى “ماركسية” سطحية تحافظ على جوهر ماركس دون منطقه، كما في تعريف التراكم الزائد الذي يشرح الكثير دون آلية دورية حقيقية. كذلك، يُلاحظ النقاد غموضًا في ربط حواجز التدفق الرأسمالي بالأزمات، حيث يبدو التحليل أكثر وصفًا جغرافيًا من تفسيرًا بنيويًا، مع إغفال دور العمل كمصدر للقيمة والاستغلال، وهو غياب غريب في نص ماركسي. أما الفصل الأخير فيُنتقد اقتراحات هارفي للنضال المضاد كغامضة ومتفائلة بشكل مفرط، مع تعريف الاشتراكية كرأسمالية منظمة بالضرائب، وهو أقرب إلى الديمقراطية الاجتماعية من الثورة الحقيقية، مما يضعف دعوته لتغيير جذري. كما يُشير نقد آخر إلى عدم واقعية توقعات هارفي بانهيار سريع للرأسمالية، نظرًا لنمو اقتصادات مثل الصين والهند، التي توفر فرصًا جديدة لامتصاص الفوائض، مما يؤخر أي “حفر قبور” نهائي[1].
بشكل عام، يظل الكتاب تحفيزيًا للنقاش، لكنه يعكس توترًا بين الطموح النظري والثغرات المنهجية، حيث ينجح في كشف هشاشة النيو ليبرالية لكنه يفشل في تقديم نظرية أزمات متماسكة تمامًا، مما يدعو إلى إعادة قراءة ماركس الأساسية لسد الفراغات[2].
[1] Review of David Harvey’s The Enigma of Capital | ed rooksby
Review of David Harvey’s The Enigma of Capital
[2] The Enigma of Capital, and the crises of capitalism, By David Harvey | The Independent | The Independent
The Enigma of Capital, and the crises of capitalism, By David Harvey
باحث مشارك من الخارج