Cairo

سياسة الهجرة في ألمانيا: من نهج الترحيب إلى الأبواب المغلقة

قائمة المحتويات

باحث مشارك من الخارج

تشهد أوروبا موجةً مكثفةً من الخطاب المناهض للهجرة على نطاق واسع، ليس فقط في أوروبا الشرقية، بل أيضًا في الكتلة الغربية، بما في ذلك ألمانيا. وفي أعقاب توافد المهاجرين عام 2015 (وهو ما يُعرف بأزمة الهجرة الأوروبية)، استقبل الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك النرويج وسويسرا، عددًا كبيرًا من المهاجرين وطالبي اللجوء. ووفقًا لمركز “Pew Research center” للأبحاث، قام نحو  1.3 مليون مهاجر، معظمهم من دول الجنوب، بالسعي للحصول على اللجوء؛ حيث لاذ هؤلاء المهاجرون بالفرار من بلدانهم الأصلية لأسباب تتعلق بالصراعات السياسية والاضطرابات والخوف من الاضطهاد، وانطلقوا في رحلاتٍ محفوفة بالمخاطر، سواءً براً أو بحراً، مرورًا بتركيا وألبانيا.

وقد أدى هذا الرقم القياسي المرتفع للمهاجرين الوافدين إلى أوروبا، والذي تم تسجيله لأول مرة، إلى ظهور مواقف سياسية متباينة من مختلف الدول الأوروبية، خاصةً وأن عدد طلبات اللجوء لم يكن موزعًا بشكل متكافئ بين دول الاتحاد الأوروبي. وبالنسبة لألمانيا، فقد تسلمت نحو 442 ألف طلب لجوء في عام 2015 فقط، مما جعلها أكبر دولة في الاتحاد الأوروبي تستقبل طلبات لجوء.

بعد أن كانت ألمانيا من أوائل الدول المستجيبة لأزمة اللاجئين في عام 2015، بدأت سياسة الهجرة الألمانية تشهد سلسلة من التحولات منذ ذلك الحين. وقد جاء هذا التغيير في خطاب الهجرة مدعوماً بفعل عوامل سياسية وجهات فاعلة مختلفة يمكن تفسير مساهمتها في الخطاب من خلال رؤى متعددة.

يتناول هذا المقال التحليلي تحولات السياسة الألمانية في ملف الهجرة، بدءًا من فترة حكم “أنجيلا ميركل” وصولًا إلى الحكومة الحالية. يبدأ المقال بمناقشة سياسات الهجرة المختلفة المُطبقة في عهد “ميركل”، ثم عهد “أولاف شولتز”، ثم عهد الحكومة الحالية برئاسة “فريدريش ميرتز”. بعد ذلك, يُشير المقال إلى بعض العوامل التي قد تُفسر أسباب هذا التحول في سياسات الهجرة, ثم يُختتم بذكر الآثار المحتملة لهذه التحولات على الصعيدين السياسي والاجتماعي.

أولاً: تطبيق سياسات الهجرة المختلفة

1. إدارة “أنجيلا ميركل”

تُعد أنجيلا ميركل أول مستشارة ألمانية تترأس الحكومة بين عامي 2005 و2021، وكانت زعيمة حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي (CDU) ذي التوجه اليميني الوسطي. وقد ترأست ائتلافًا بين الاتحاد الديمقراطي المسيحي (CDU) والاتحاد الاجتماعي المسيحي (CSU) والحزب الاشتراكي الديمقراطي (SPD).

وفيما يتعلق بأجندة ميركل بشأن الهجرة، يمكن تسليط الضوء على مراحل مختلفة على الصعيدين المحلي والدولي. ظهرت المرحلة الأولى مع اندلاع أزمة الهجرة عام 2015، عندما تبنّت “ميركل” أجندة سياسة “الباب المفتوح” التي أسفرت عن استقبال أكثر من مليون لاجئ بين عامي 2015 و2016، معظمهم من سوريا والعراق وأفغانستان، والذين تمكنوا من دخول أوروبا الغربية عبر تركيا واليونان والبلقان.

لم تلقى سياسة “ميركل” في هذه المرحلة أي معارضة قوية، سواء من الجمهور أو من صانعي السياسات وأصحاب الأعمال في المجتمع. ويمكن اعتبار ذلك نوعًا من التضامن مع المهاجرين، نابعًا من الالتزامات الأخلاقية والإنسانية تجاه الأفراد الذين يواجهون تحديات خطيرة.

ومع ذلك، جاءت المقاومة الوحيدة من حزب الاتحاد الاجتماعي المسيحي (CSU) المحافظ، الذي رأى أن استقبال هذه الأعداد الكبيرة من اللاجئين أمر بالغ الأهمية للتماسك الثقافي والتركيبة السكانية للمجتمع الألماني. بالإضافة إلى ذلك، أثار هذا الأمر مخاوف الحزب من احتمال حدوث زيادة في معدل الهجمات الإرهابية، حيث من المحتمل انتماء بعض هؤلاء اللاجئين المقبولين في البلاد إلى ميليشيات إرهابية. خلال تلك الفترة، لم يكن لدى الجناح اليميني المتطرف سلطة سياسية كبيرة للتأثير على السياسات الوطنية الرئيسية.

وفي أغسطس 2015، قررت “ميركل” السماح بدخول العديد من اللاجئين السوريين والسماح لهم بتسجيل لجوئهم على الأراضي الألمانية، حتى بعد تسجيلهم بالفعل في مناطق مختلفة في جميع أنحاء الاتحاد الأوروبي. ونتيجة لذلك، تم بشكل مؤقت تعطيل قانون الاتحاد الأوروبي الذي يُلزم طالبي اللجوء بالعودة إلى أول دولة في الاتحاد الأوروبي دخلوا من خلالها.

علاوة على ذلك، قامت “ميركل” بالتحرك لتخفيف القيود الحدودية مع النمسا، مما أتاح الوصول إلى عشرات الآلاف من اللاجئين الذين ينتظرون إعادة توطينهم. وقد أدى هذا التخفيف من القيود إلى أن تصبح ألمانيا من بين أوائل دول الاتحاد الأوروبي التي تلقت أكبر عدد من طلبات اللجوء بما يزيد عن 1.4 مليون طلب. وقد تم حشد جهود تعبئة ضخمة لتحقيق هذه البادرة الترحيبية؛ حيث قامت الحكومة بتوظيف آلاف المتطوعين، وقامت بتحويل الملاجئ إلى منازل دائمة، وحرصت على تدريب المعلمين المتخصصين.

على الرغم من ذلك، لم تستمر هذه السياسة الترحيبية أمداً طويلاً (فقط من سبتمبر إلى أكتوبر 2015) ثم فُرضت قيود جديدة منذ أكتوبر 2015. ولأسباب تتعلق بالضمان الاجتماعي والأزمة المالية وتدفق اللاجئين، تبين وجود علامات واضحة على  مقاومة الجمهور لسياسة الترحيب.

نتيجةً لذلك، قامت “ميركل” باتخاذ موقف سياسي يختلف عما سبق؛ حيث قامت الحكومة في هذه المرحلة بإعادة فرض عمليات التفتيش على الحدود مع النمسا، بعد تسعة أيام فقط من استمرار إجراءات تسهيل عبور الحدود مع جارتها النمساوية. وبدأت الشرطة الألمانية بتطبيق هذا الإجراء الجديد من خلال تشديد الرقابة على نقاط التفتيش على الطرق مع النمسا.

في عام 2017، أفادت التقارير بأنه لم يتم السماح لأكثر من 7000 مهاجر بدخول الأراضي الألمانية، حيث تم منع حوالي 90% منهم على الحدود النمساوية, كما انخفض عدد طالبي اللجوء بشكل كبير، من حوالي 722 ألف طالب لجوء في عام 2016 إلى حوالي 198 ألفًا فقط في عام 2017.

كان هناك ثمة تحول كبير آخر في سياسة الهجرة بين اللاجئين السوريين. في البداية، مُنح معظمهم وضع اللاجئ الكامل، مما سهّل عليهم التقدم بطلب لمّ شمل الأسرة. ومع ذلك، ففي مطلع عام 2016، لم يحصل الكثير منهم إلا على حماية مؤقتة صالحة لمدة عام واحد, وقام البرلمان الأوروبي بإيقاف حق لمّ شمل الأسرة لمن لم يتم الاعتراف بهم بشكل رسمي كلاجئين (اللاجئون ذوو الوضع الثانوي).

وتم فرض إجراء تقييدي آخر على طالبي اللجوء الأفغان الذين رُفضت طلباتهم وأُجبروا على مغادرة ألمانيا وتم إعادتهم مرة أخرى إلى أفغانستان على الرغم من الوضع المزعزع للاستقرار الذي كانت تواجهه البلاد خلال تلك الفترة. علاوة على ذلك، تم سن قانون جديد ينص على استبدال المساعدات المالية بقسائم لطالبي اللجوء المقيمين في مراكز الاستقبال.

من أجل فرض قيود أكبر على الطرق الرئيسية التي يسلكها اللاجئون عادةً لدخول أوروبا، قامت “ميركل” بإبرام اتفاقية بين الاتحاد الأوروبي وتركيا عام 2016، بهدف الحد من تدفق المهاجرين على الحدود اليونانية، بالإضافة إلى الدعوة إلى اتفاقيات أخرى مع الدول الأفريقية من شأنها المساعدة في تنظيم تدفق الهجرة. وعلى الرغم من ذلك، عارض المجلس الاتحادي (البوندسرات) في البرلمان الألماني خطة الحكومة لتقليل عدد طلبات اللجوء من دول شمال إفريقيا (المغرب, والجزائر, وتونس) التي أضافتها الحكومة إلى قائمة الدول الآمنة. لم تحصل هذه الخطة الحكومية على أغلبية برلمانية، ورفضها حزب “الخضر” بشدة بسبب مخاوف تتعلق بالإجراءات القسرية تجاه المعارضين السياسيين.

قوبلت سياسة “ميركل” بموجة من الانتقادات من جانب كلاً من حزب البديل من أجل ألمانيا اليميني المتطرف (AFD) وحزب اليسار. في البداية، اتهم حزب AFD “ميركل” بأنها المسئولة عن عدم الاستقرار الناجم عن الهجمات الإرهابية التي شهدتها البلاد، وخاصةً بعد هجوم برلين في ديسمبر 2016. على الجانب الآخر، قام زعيم الحزب الديمقراطي الاجتماعي (SPD)، مارتن شولتز، بمهاجمة قرار “ميركل” بشأن توسيع سياسة الترحيل، خاصةً إلى أفغانستان، وكذا القيود المفروضة على ارتداء النقاب. وظهر انقسام آخر داخل ائتلافها عندما قام “هورست زيهوفر”، رئيس حزب الاتحاد الاجتماعي المسيحي (CSU)، بالتنديد بطريقة تعاملها مع أزمة الهجرة.

يمكن القول أن عبارة “ميركل” الترحيبية الشهيرة “Wir Schaffen das” أو “يمكننا فعل ذلك” قد أثارت جدلاً لا ينتهي خلال فترة ولايتها. في البداية، لاقت سياسة “الباب المفتوح” قبولاً من الجمهور ومختلف رجال السياسة. ومع ذلك، عندما خرج الوضع عن السيطرة، قام العديد من المواطنين وصناع القرار بالاعتراض على هذه السياسة. أدى ذلك إلى تصاعد الخطاب المناهض للهجرة من مختلف الأحزاب، وخاصة اليمين المتطرف الذي بدأ يكتسب شعبية غير مسبوقة بعد أزمة الهجرة التي اندلعت عام 2015. في هذه المرحلة، بدت ميركل تحت ضغط هائل لتغيير سياساتها نحو اتجاه أكثر صرامة وبدأت في تطبيق سياسات تضمن المصالح الوطنية.

2. إدارة “أولاف شولتز”

بالانتقال إلى أولاف شولتز، الذي أصبح رئيسًا للحكومة منذ عام 2021 حتى عام 2025، كان وزيرًا للمالية ونائبًا للمستشارة في حكومة ميركل، وكان أيضًا عضوًا في الحزب الاشتراكي الديمقراطي (SPD) يسار الوسط. تألفت حكومة “شولتز” الائتلافية من الحزب الاشتراكي الديمقراطي (SPD) والديمقراطيين الأحرار الليبراليين (FDP) وحزب الخُضر.

عندما تولى “شولتز” منصبه، اتخذت حكومته نهجًا مختلفًا قليلاً عن نهج حكومة “أنجيلا ميركل”. كان الهدف من سياسته وضع حد لتدفق المهاجرين غير الشرعيين وجذب المزيد من المهاجرين الشرعيين القادمين إلى ألمانيا. تم تطبيق هذه السياسة من خلال تدابير تشريعية مختلفة، بما في ذلك وضع إجراءات تنظيمية لأصحاب الوضع الغير قانوني، وتعديل قانون الجنسية الألمانية، وخلق فرص عمل لأولئك الذين لديهم وضع قانوني.

فيما يتعلق بتعديل قانون الجنسية الألمانية، سعت إدارة “شولتز” إلى تسهيل إجراءات التجنيس، من خلال تقليص متطلبات تصريح الإقامة إلى ست سنوات (بدلاً من ثماني سنوات) لمن يتقدمون بطلبات الالتحاق بدورة اندماج، بينما يمكن للأفراد الذين يتقنون اللغة الألمانية الحصول عليها بعد خمس سنوات (بدلاً من ست سنوات).

ومع ذلك، أثارت تلك التعديلات ردود فعل مدوية من جانب حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي المحافظ (CDU) الذي انتقد سياسة “شولتز”؛ حيث يرى أنصار هذا الحزب أن تلك السياسة قد أولت اهتمامًا أقل لعملية الاندماج. فضلاً عن ذلك، كانت المعارضة الأكبر من نصيب حزب “البديل من أجل ألمانيا” (AFD) اليميني المتطرف، الذي عارض هذا القرار بشدة.

على الرغم من ذلك، تحولت سياسة “شولتز” بشأن الهجرة تدريجيًا نحو اتجاه أكثر صرامة. وتجلى ذلك عندما قرر المستشار السابق اتخاذ موقف أكثر صرامة بشأن الهجرة من خلال فرض رقابة مؤقتة على كافة الحدود الوطنية. وقد أثرت هذه الإجراءات، على سبيل المثال، على المهاجرين الوافدين من أفغانستان، حيث قامت الحكومة بتسليم 28 مواطنًا أفغانيًا متهمين بجرائم جنائية إلى وطنهم؛ إلا أن حكومة “شولتز” الائتلافية لم تؤيد سياساته الخاصة بالترحيل، لاسيما من جانب حزبي الخضر واليسار، اللذين اعتبرا هذا النهج خطيرًا يشجع على خطابات معادية للأجانب ومناهضة للهجرة.

حدث تغيير كبير آخر مع سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر 2024، حيث قام العديد من الساسة بحث السوريين على العودة إلى سوريا, حتى أن حكومة “شولتز” كانت من أوائل المستجيبين لذلك، معلنةً وقفًا فوريًا لتلقي طلبات اللجوء. ساد هذا الشعور السائد تجاه الحدث غير المتوقع في سوريا بين أطياف الساحة السياسية، خاصةً بين المتشددين المحافظين وأعضاء الأحزاب اليمينية المتطرفة, ولم يعترض  على هذا القرار السياسي سوى حزبي الخضر واليسار. وتبين أن ما يقارب المليون سوري ممن يحملون جوازات سفر ألمانية أصبح على ما يبدو غير مرحب بهم مقارنةً بما كانوا عليه من قبل، على الرغم من مهاراتهم العالية وإمكاناتهم المتكاملة.

علاوة على ذلك، أُثيرت مجدداُ تساؤلات حول نهج “شولتز” الخاص بسياسة الهجرة عندما تعاون مع دول رئيسية مصدرة للمهاجرين لترحيل لاجئين لم يكونوا بحاجة إلى حماية. على سبيل المثال، ووفقًا لبعض التقارير الإعلامية، لم تكن النوايا الحقيقية وراء زيارة “شولتز” إلى نيجيريا في أكتوبر 2023 تعزيز التعاون الثنائي بين البلدين في القطاع الاقتصادي فحسب، بل أيضًا التوصل إلى اتفاق متبادل بشأن قضية الهجرة. وقد طلب المستشار السابق من نظيره النيجيري قبول لاجئيهم الذين رُفضت طلبات لجوئهم في ألمانيا.

من ناحية أخرى، لم يخضع المهاجرون الأوكرانيون الفارون من الحرب الروسية الأوكرانية عام 2022 لنفس النهج السياسي، حيث بدا أنهم لاقوا ترحيبًا حارًا من ألمانيا والاتحاد الأوروبي وتم تطبيق سياسات مختلفة عند وصولهم، على عكس تلك السياسات المفروضة على اللاجئين من خارج الاتحاد الأوروبي. وبمجرد دخولهم ألمانيا، تم منحهم حماية سريعة وتصاريح إقامة تضمن لهم فرص عمل ومزايا اجتماعية وحرية تنقل في جميع أنحاء القارة الأوروبية.

3. حكومة “فريدريش ميرز” الحالية

عندما فاز “ميرز” في الانتخابات في مطلع عام 2025، أكد أن “ألمانيا بلد هجرة”، ما يعني أنه يتعين على الحكومة وضع تدابير لسياسة الهجرة تهدف إلى تعزيز المصالح الوطنية للدولة. بمعنى آخر، يمكن ترجمة ذلك إلى مزيد من القيود، وارتفاع معدلات الرفض، وتشديد اللوائح، وزيادة عمليات الإعادة القسرية. كان “فريدريش ميرز” رئيسًا لحزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي (CDU). تتكون حكومته الائتلافية من كلاً من حزبه، وهو حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي (CDU)، والحزب البافاري الشقيق، والاتحاد الاجتماعي المسيحي (CSU)، والحزب الاشتراكي الديمقراطي (SPD).

انحرف نهج “ميرز” في التعامل مع الهجرة بشكل كبير عن نهج “ميركل”، وأظهر اختلافًا طفيفًا بين سياسته وسياسة “شولتز”. وقد تُرجمت إجراءات “ميرز” السياسية إلى فرض مزيد من الضوابط على الحدود الوطنية، ومنع دخول طالبي اللجوء، ووقف برنامج لم شمل الأسر، وبرامج القبول الطوعي. بالإضافة إلى ذلك، انحرف عن ما طبقته الحكومة السابقة فيما يتعلق بعملية التجنيس، حيث اقترح إنهاء تعديلات قانون الجنسية: فأصبح الحصول على الجنسية الألمانية الآن بعد خمس سنوات من الاندماج الفعال, بدلاً من السنوات الثلاث التي حددتها حكومة “شولتز”. يشير هذا الخطاب المناهض للهجرة إلى حدوث تغيير كبير في ملف سياسة الهجرة في البلاد التي اعتمدتها الحكومة الجديدة.

أكد “ميرز” أن الحكومة ستُعطي الأولوية للنظام التشريعي الداخلي في إدارة سياسات الهجرة على قانون الاتحاد الأوروبي. وقد دفعه استياؤه من تدفق المهاجرين إلى البلاد إلى اقتراح منح الشرطة الفيدرالية سلطة احتجاز الأفراد الذين ينتظرون الترحيل إلى أن يتم طردهم.

وبشأن النجاح الساحق الذي حققه حزب “البديل من أجل ألمانيا” (AFD) اليميني المتطرف في انتخابات عام 2025، رأى “ميرز” أن الدعم المتزايد لهذا الحزب يتعلق فقط بقضية الهجرة، وأنه بمجرد السيطرة على هذه المشكلة ستتراجع قوته السياسية. جديرٌ بالذكر أن الأحزاب التقليدية في ألمانيا تُعارض أي شكل من أشكال التعاون مع حزب “البديل من أجل ألمانيا” لارتباطه بالتطرف. وقد استند هذا الارتباط بالتطرف من جانب المكتب الاتحادي لحماية الدستور والتطرف إلى الأجندة الأيديولوجية للحزب التي تفضل المشاعر المعادية للإسلام وكراهية الأجانب، بالإضافة إلى موقفه النقدي الأوروبي. حتى أن الأمين العام لحزب “ميرز”، “توم أونغر”، أصر على أنه لا ينبغي السعي إلى القيام بأي تعاون مع حزب مثل حزب “البديل من أجل ألمانيا.

ورغم ذلك، فقد تم التشكيك في موقف “ميرز” تجاه حزب “البديل من أجل ألمانيا” في مطلع هذا العام من قبل كلاً من الديمقراطيين الاجتماعيين والخُضر، قبل توليه منصبه كمستشار جديد، عندما قدم مقترحات غير ملزمة إلى البرلمان بتنفيذ تدابير لصد المهاجرين غير الشرعيين على الحدود، بما في ذلك طالبو اللجوء. ومن أجل الموافقة على اقتراحه، سعى للحصول على بعض الدعم من حزب “البديل من أجل ألمانيا”، ويبدو أن اقتراحه السياسي يتماشى مع خطاب هذا الحزب، فحظي بالأغلبية اللازمة لإقرار قانون لأول مرة.

قام معارضو اقتراح “ميرز” (وهم الديمقراطيون الاجتماعيون، ومنهم “أولاف شولتز”، والخُضر) بانتقاده ليس فقط لمحاولته فرض تدابير تتعارض مع القانون الألماني وقانون الاتحاد الأوروبي بشأن اللاجئين، بل أيضًا لاعتماده على دعم اليمين المتطرف. حتى “أليس فايدل”، زعيمة حزب البديل من أجل ألمانيا، بدت راضية عن اقتراح “ميرز”, وأفادت بأن ما اقترحه “ميرز” يتماشى تمامًا مع أجندة حزبها. ويمكن القول أن أجندة سياسة “ميرز” المحافظة تتحول نحو خطاب أكثر معاداة للهجرة، مما يجعلها أكثر جاذبية لحزب “البديل من أجل ألمانيا”، مما قد يمنحه المزيد من المكاسب السياسية.

وفي يوليو 2025، كانت هذه هي المرة الأولى منذ تولي “ميرز” منصبه التي يُسمح فيها بالعودة القسرية لـ 81 رجلاً أفغانيًا إلى أفغانستان الذين اعتبرتهم الحكومة متهمين جنائياً. بالانتقال إلى 8 أكتوبر 2025، حيث فُرضت أحكام جديدة على سياسات الهجرة، قام البرلمان الألماني بإيقاف إجراءات الحصول على الجنسية السريعة التي طُبّقت في عهد إدارة “أولاف شولتز” السابقة. وقد سمح هذا الإجراء للمهاجرين بالتقدم بطلب الحصول على الجنسية بعد ثلاث سنوات من إقامتهم في ألمانيا، بشرط إجادة اللغة الألمانية بشكل كبير، بالإضافة إلى إثبات الاندماج الاجتماعي داخل المجتمع.

كان هذا الإجراء الجديد الخاص بالهجرة متوقعًا من المستشار الحالي “ميرز” الذي تعهد بتغيير العديد من قوانين الهجرة التي سنّتها الإدارة السابقة. وقد وافق على هذا القانون الجديد أغلبية أعضاء البرلمان (450 عضوًا)، لاسيما بين أكبر أحزاب المعارضة، حزب البديل من أجل ألمانيا (AFD) اليميني المتطرف، حيث توافقت هذه السياسة الجديدة تمامًا مع أجندتهم.

ومع ذلك، قام 134 عضوًا في البرلمان، بالإضافة إلى باحثين آخرين يعملون في مجال الهجرة، برفض السياسة الجديدة المُعتمدة، وحذروا من تأثير هذا الإجراء على السكان. ومن المحتمل أن يؤدي تطبيق تلك السياسة إلى الحد من جذب ألمانيا للعمالة الماهرة، مما قد يُهدد الاستقرار الاقتصادي للبلاد.

علاوة على ذلك، فقد أثارت تصريحات “ميرز” الأخيرة المناهضة للهجرة ردود فعل عنيفة من جانب الرأي العام الألماني، عندما قال أن الألمان والأوروبيين يشعرون بعدم الأمان في الأماكن العامة بسبب التهديدات المتوقعة المرتبطة بالهجرة والمخاوف المتعلقة بالجريمة. ولهذا السبب، فهو يرى أن الترحيل هو الحل.

لم يقتصر انتقاد “ميرز” على حزبي الخُضر واليسار فحسب، بل امتد إلى شركائه في الائتلاف من يسار الوسط، الحزب الاشتراكي الديمقراطي (SPD) وحزبه، الحزب المسيحي الديمقراطي (CDU)، الذين اعتبروا تصريحاته تعزز التفكك المجتمعي ولا تعكس الطبيعة المتعددة الجوانب للقضية. تدل هذه الإجراءات التقييدية على أن الحكومة الحالية لن تُظهر أي بوادر لتخليها عن مواقفها السياسية الصارمة تجاه الهجرة.

ثانيًا: الأسباب الرئيسية وراء تحول سياسات الهجرة في ألمانيا

  1. تزايد الاستياء العام من سياسات الهجرة

على الصعيد الاجتماعي، يُلاحظ وجود تحول متزايد نحو رأي عام سلبي، حول ـ”سياسة الترحيب” التي اتبعتها البلاد في عهد “ميركل” عام 2015. ولا يُمكن تجاهل هذا التوجه نحو نظرة عامة سلبية تجاه المهاجرين.

قد يرجع ذلك إلى ارتفاع معدل الهجمات الإرهابية وأعمال العنف خلال السنوات التسع أو العشر الماضية. ففي عام 2016، كان لهجومين أثرٌ بالغ على المجتمع الألماني، وهما هجوم سوق عيد الميلاد في برلين، وحادثة الاعتداء الجنسي ليلة رأس السنة في كولونيا.

وفي عام 2023، وقع هجومان بالسكاكين في مدينة دويسبورغ، يُقال أن منفذهما سوري الجنسية. وفي هجوم آخر بالسكاكين عام 2024، تم اعتقال أحد المراهقين زعمت الشرطة أنه على صلة بالهجوم. وفي وقت لاحق، أعلن تنظيم داعش مسؤوليته عن الهجوم. في العام نفسه، وقع هجوم ثالث مميت على سوق لعيد الميلاد في مدينة ماغديبورغ شرق ألمانيا، وقيل بأن مواطن سعودي هو المشتبه به الرئيسي وراء هذا الهجوم.

يمكن القول بأن كافة هذه الحوادث الإرهابية التي خلّفت العديد من القتلى والجرحى تُزيد من استياء السكان وإحباطهم وتشكيكهم تجاه اللاجئين والمهاجرين. وقد انعكس هذا الشعور السلبي تجاه سياسة الهجرة في الاستطلاع التالي الذي أجرته شركة يوجوف (موقع استطلاعات الرأي)، حيث يعتقد 61% من السكان الألمان أن معدل الهجرة كان في ازدياد كبير خلال السنوات العشر الماضية. إضافةً إلى هذا الرقم، يرى ٥٥٪ من المشاركين أن هذه المعدلات المرتفعة للهجرة كان لها تأثير سلبي على بلدهم.

بشكل عام، أبدى عدد كبير من الألمان (بنسبة 83% من المشاركين في الاستطلاع) عدم رضاهم عن سياسات حكومتهم المتعلقة بالهجرة. هذه الأرقام مثيرة للقلق وتطرح العديد من التساؤلات حول مدى استعداد المواطنين للبحث عن بدائل للأحزاب الرئيسية، والالتفاف حول سياسات متشددة كتلك التي تتبناها أحزاب اليمين المتطرف، وعلى رأسها حزب “البديل من أجل ألمانيا”.

  1. صعود اليمين المتطرف

على مدار السنوات القليلة الماضية، تزايد دعم حزب اليمين المتطرف AFD (حزب البديل من أجل ألمانيا)، لا سيما في أعقاب أزمة الهجرة عام 2015. تأسس حزب البديل من أجل ألمانيا عام 2013 كحزب معارض لنهج “أنجيلا ميركل” تجاه أزمة منطقة اليورو، داعيًا إلى الخروج من سياسة العملة الموحدة للاتحاد الأوروبي.

كانت هذه هي المرة الأولى التي يكتسب فيها حزب يميني متطرف قاعدة دعم قوية منذ الحرب العالمية الثانية. وقد اتضح ذلك خلال الانتخابات العامة التي جرت عام 2025، عندما تحولت انتماءات الناخبين إلى حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي (CDU) وأحزاب اليمين المتطرف (AFD) في شمال وشرق ألمانيا، مقارنة بعام 2021، عندما هيمن الحزب الاشتراكي الديمقراطي (SPD) على هذه المناطق. وقد حصل حزب اليمين المتطرف (AFD) على حوالي 20٪ من الأصوات في عام 2025، على عكس عام 2021 الذي حصل فيه على نحو 10.3٪ فقط من الأصوات.

لم يأتِ هذا الصعود السياسي من فراغ، بل حدث عندما بدأ الناس يصوتون بشكل أقل للأحزاب التقليدية. تُظهر هذه النتيجة عدم رضا الناس عن أداء حكومتهم، لاسيما في السياسات المتعلقة بالهجرة والاقتصاد. يرى حوالي 61% من المواطنين الألمان أن بلادهم استقبلت أعدادًا كبيرة من المهاجرين واللاجئين. وهم يؤيدون سياسات هجرة أكثر صرامة، وإذا لم تقم الحكومة بإجراء تغييرات على سياساتها المتعلقة بالهجرة، فمن المرجح أن يُوجّهوا دعمهم الكامل إلى أحزاب أخرى تتوافق مع احتياجاتهم, وحينئذ سيحصل حزب “البديل من أجل ألمانيا” على المزيد من الأصوات والدعم.

هناك اتفاق عام على أن حزب “البديل من أجل ألمانيا” يركز سياساته على خطاب معادٍ للمسلمين والهجرة. يدعو الحزب إلى إعادة المهاجرين واللاجئين إلى بلدانهم الأصلية، وتأمين الحدود، والحفاظ على مراكز استقبال طالبي اللجوء خارج الحدود الأوروبية، وتبني سياسات تسمح فقط للأفراد الحاصلين على صفة لاجئ بدخول الأراضي الألمانية.

لم تتأثر شعبية حزب “البديل من أجل ألمانيا” (AFD) بارتباطه بالتطرف والراديكالية، حيث واصل تعزيز نفوذه عقب أزمة الهجرة عام 2015. وقد قام الحزب اليميني المتطرف بتدبير صعوده من خلال اغتنام الفرصة السياسية الناشئة عن تزايد الاستياء العام من نهج الحكومة تجاه الهجرة، لاسيما في المنطقة الشرقية. وقد تجلى ذلك عندما اكتسب الحزب المزيد من الدعم، وحصل على 12.6% من الأصوات عام 2017، ليحصل على مقعد برلماني لأول مرة.

وقد استحوذت السياسة الأمنية لحزب “البديل من أجل ألمانيا” (AFD) تجاه المهاجرين، وخاصة المسلمين، على اهتمام الرأي العام، مما أدى إلى تمتع الحزب بأعلى مستوى من الشعبية والشرعية بين العديد من المواطنين منذ تأسيسه.

  1. معضلة الاندماج وتداعياتها الاقتصادية

قد تكون مسألة الاندماج الاجتماعي أحد أهم العوامل التفسيرية للقواعد الصارمة المفروضة على الهجرة. وعلى الرغم من وجود أدلة على ارتفاع مستوى الدمج بين عامي 2013 و2016، إلا أن الجمهور أعرب عن قلقه إزاء الاستقطاب المجتمعي والتماسك الاجتماعي. ووفقاً لاستطلاع تم إجرائه عام 2022، تبين أن نحو 68% من الجمهور الألماني يرى أن الهجرة هي إحدى الجوانب الهامة للاقتصاد، في حين أن 67% منهم يراها تشكل ضغط إضافي على نظام الرعاية الاجتماعية.

لم يكن دمج هذه الأعداد الكبيرة من المهاجرين داخل المجتمع أمراً يسيراً، إذ كانت هناك حاجة دائمة لإنشاء مراكز أكثر ترحيبًا ودورات تدريبية. ويرى بعض الخبراء أن من بين المشكلات الرئيسية الأخرى المرتبطة بالاندماج هي إمكانية تسلل الجماعات المتطرفة إلى مجتمعات اللاجئين سعيًا لتجنيدهم. أما فيما يتعلق بالحصول على فرص عمل، فلم يتمكن طالبو اللجوء من دخول سوق العمل والحصول على وظيفة، إذ تستغرق إجراءات الدمج ما بين ستة أشهر وسنة ونصف، مما يُبطئ عملية دمجهم داخل المجتمع بشكل يسير.

ونظراً لمعضلة الاندماج، لم تقم الشركات الألمانية بالتشجيع على توظيف اللاجئين، حيث لم يتم توظيف سوى 125 مهاجرًا فقط من جانب 30 شركة. وازدادت عملية الاندماج صعوبة مع وجود الإجراءات الإدارية المتعلقة بتصريح الإقامة ونقص المهارات والخبرة المهنية لدى المهاجرين, الأمر الذي دفع الحكومة إلى زيادة الإنفاق على دورات الاندماج، مما أثر على الميزانية الوطنية.

وقد تم توثيق أن الحكومة الألمانية تنفق نحو 12000 يورو سنويًا على كل مهاجر عاطل عن العمل، حيث لا يتمكن سوى 8% منهم من العثور على عمل في نفس عام وصولهم. على مستوى الاقتصاد الكلي، انخفض معدل النمو الاقتصادي في ألمانيا من 2.5% في عام 2017 إلى 1.5% في عام 2018، وقد يكون لهذا الأداء الاقتصادي تأثيره على الإنفاق العام. وقد يؤدي غياب استراتيجية فعّالة لمعالجة قضايا الاندماج إلى انعدام الأمن الاجتماعي والاقتصادي، مما يزيد من تأجيج الغضب الشعبي إزاء الهجرة. وقد يدفع هذا إلى مزيد من الخطاب المناهض للهجرة، والذي يُترجم إلى تبني سياسات هجرة أكثر صرامة.

  1. استقطاب السياقات الأوروبية والدولية

هناك سبب آخر قد يُفسر الميل نحو فرض إجراءات أكثر تقييدًا والتحول المتزايد في سياسات الهجرة، ألا وهو الاستقطاب السياسي في جميع أنحاء أوروبا؛ حيث أدت المشاعر المعادية للهجرة المنتشرة على نطاق واسع، والتي تولدت في الغالب من أحزاب اليمين المتطرف في أوروبا، أدت إلى فرض ضغط كبير على حكومات الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي لتبني قواعد هجرة صارمة.

يتجلى هذا التوجه الشعبوي لليمين المتطرف على نطاق واسع في كلاً من ألمانيا وفرنسا وإيطاليا والمجر وبولندا، إلى جانب دول أخرى داخل الاتحاد الأوروبي, فضلاً عن الأحزاب اليمينية المتطرفة التي ظهرت مؤخراً في كلاً من فنلندا وهولندا وكرواتيا، والتي أصبحت جزءًا لا يتجزأ من حكوماتها. هذه الأحزاب لا تفرض خطابها على الصعيد الوطني فحسب، بل أيضاً على الصعيد الأوروبي. وعلى الصعيد الإقليمي، نجد أن مختلف الأحزاب اليمينية المتطرفة لديها هدف سياسي مشترك واحد وهو تبني سياسات صارمة تجاه المهاجرين.

أدت القضايا الأمنية الرئيسية إلى ظهور أحزاب اليمين المتطرف في جميع أنحاء الدول الأوروبية، بما في ذلك أزمة الهجرة عام 2015، بالإضافة إلى الهجمات الإرهابية المختلفة التي وقعت في فرنسا (هجوم باتاكلان الإرهابي في باريس عام 2015) وفي ألمانيا منذ عام 2016 حتى وقت قريب, بل وفي المملكة المتحدة أيضاً حيث قُتل ثلاث فتيات في مدينة “ساوثبورت”. وقد استغلت الجماعات اليمينية المتطرفة هذا الهجوم كمبرر لارتكاب أعمال عنف ضد أماكن إيواء طالبي اللجوء والمساجد.

لقد دفعت هذه الاعتداءات، التي يُزعم أن لاجئين هم من قاموا بتنفيذها، دفعت الأحزاب المناهضة للهجرة إلى اعتبار المهاجرين بمثابة تهديد محتمل للحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي. في ضوء ذلك، أقرّ المجلس الأوروبي في شهر مايو 2024 اتفاقية جديدة بشأن الهجرة واللجوء تنص على تطبيق قواعد الحدود وتحدّ من تدفق المهاجرين. وتُعدّ هذه الاتفاقية من أهمّ التعديلات التي جرت على سياسة الاتحاد الأوروبي بشأن الهجرة في السنوات العشر الأخيرة.

وقد ظهرت موجة شعبوية أخرى بسبب الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” أثّرت، بطريقة أو بأخرى، على تحولات سياسات الهجرة في أوروبا. فخلال فترة رئاسته الأولى (2017-2021)، انتقد الرئيس الأمريكي حكومة “ميركل” بشأن سياسة “الباب المفتوح” التي انتهجتها، واصفًا إياها بـ”الخطأ الكارثي”, وأفاد بأن استقبال هذه الأعداد الكبيرة من المهاجرين كان له تأثير سلبي على الهوية والأمن الأوروبيين. أما بالنسبة لإدارته الحالية، فقد ألقى ترامب باللوم مجددًا على “ميركل” لقبولها أعدادًا كبيرة من اللاجئين وطالبي اللجوء. وفي اجتماعه الأخير مع “ميرز”، صرّح بوضوح بأن مشكلة الهجرة المستمرة في ألمانيا لم تكن خطأ المستشار الحالي، بل كانت “ميركل” هي المسؤولة عن ذلك. بناءً عليه، يمكننا القول إن السياق الاستقطابي في أوروبا والولايات المتحدة على مدار السنوات الماضية قد ساهم في وضع أجندة قومية دعت إلى إنشاء “أوروبا الحصينة” وتبني سياسات هجرة أكثر تقييدًا.

ثالثًا: تداعيات التحولات السياسية الأكثر صرامة على أنماط الهجرة

مما سبق ذكره، يمكن القول بأن الصعود غير المسبوق لحزب اليمين المتطرف في ألمانيا (AFD)، خلال الانتخابات العامة الأخيرة، قد يفتح الباب أمام فوز ساحق في الانتخابات المقبلة المزمع إجرائها عام 2029، مما قد يؤدي إلى تشكيل الحكومة الألمانية المقبلة. وإذا حدث ذلك، فقد يؤدي ذلك إلى حدوث تحول جذري نحو سياسات هجرة أكثر صرامة.

قد تؤدي هذه التحولات إلى المزيد من عمليات الترحيل إلى دول أخرى. وقد تجلى ذلك بوضوح عندما طلب “شولتز” من الحكومة النيجيرية استقبال طالبي اللجوء المرفوضين, كما بدا “ميرز” داعمًا لسياسات الترحيل، ومستعدًا للالتزام بالخطاب ذاته. وقد رحّب بشدة بتبني خطة المملكة المتحدة بشأن رواندا على الوضع الألماني من خلال إرسال المهاجرين إلى دول أخرى ونقل عملية طلب اللجوء بأكملها خارج الاتحاد الأوروبي. في هذا السياق، يمكن القول أن تطبيق هذه السياسات يتوافق بشكل مباشر مع الخطاب اليميني المتطرف، والذي إذا استمر الترويج له، فسيعني ذلك إقرار سياسة إغلاق الأبواب، كما هو الحال مع الحكومة الحالية، حيث يتم تشجيع السوريين على اتخاذ القرار الطوعي بالعودة إلى ديارهم. ومنذ ذلك الحين، تدرس الحكومة منح اللجوء لبعض الحالات وإيقاف طلبات اللجوء لحالات أخرى.

هذا التحوّل نحو هذه السياسات الأكثر صرامة قد يُثني غالبية المهاجرين عن طلب اللجوء إلى ألمانيا والبحث عن بدائل أخرى في أوروبا أو غيرها. وقد يكون لهذا تأثير مباشر على التركيبة السكانية لألمانيا، حيث من المتوقع أن يتراجع النمو السكاني. في عام 2023، أفادت التقارير أن تدفق المهاجرين قد وازَن آثار انخفاض الخصوبة وكبار السن في ألمانيا، مما أدى إلى زيادة قدرها 300 ألف نسمة، ورفع إجمالي عدد السكان إلى معدل تاريخي بلغ 84.7 مليون نسمة.

في عام ٢٠٢٣، بلغ معدل توظيف المهاجرين (باستثناء القادمين من أوكرانيا وسوريا والعراق وإيران وأفغانستان وباكستان) نحو 75%، مقارنةً بنسبة 77% من إجمالي السكان. ونظرًا لاستقبال ألمانيا عددًا أكبر من المهاجرين مقارنةً بدول الاتحاد الأوروبي الأخرى، فقد بلغ معدل توظيف المهاجرين نحو 70 % في عام 2023، مقارنةً بمتوسط ​​الاتحاد الأوروبي البالغ نحو 66%.

شهد عدد العاملين في ألمانيا ارتفاعًا ملحوظًا ما بين عامي 2005 و 2023 ليصل إلى نحو 6.1 مليون عامل. ويرجع السبب في هذا النمو في معدلات التوظيف إلى ضم الأفراد ذوي الأصول المهاجرة إلى سوق العمل، حيث بلغ عددهم نحو 6.3 مليون عامل إضافي، ما يمثل زيادة بنسبة 116% في التوظيف. قد يرى البعض أن دمج العمال الأجانب يشكل عبء على ميزانية الدولة، إلا أنه في المقابل، يتضح جليًا أن الاستثمار في برامج الدمج هذه يُحقق فوائد اجتماعية واقتصادية طويلة الأجل.

الخاتمة

بشكل عام، يمكن القول بأن نهج الهجرة الحالي لا ينبغي اعتباره بمثابة ظاهرة حديثة، بل هو استمرار تدريجي لسياسات هجرة أكثر صرامة تجلت منذ تعامل “ميركل” مع تدفق المهاجرين في عام 2015. ويمكن تفسير هذه التدابير المختلفة للهجرة على مستويات التحليل المختلفة المتمثلة في كلاً من الفرد والدولة والمستويات الإقليمية والدولية.

وقد تشكلت مواقف القادة الألمان بشأن الهجرة من خلال أيديولوجياتهم ومصالحهم الاستراتيجية المختلفة. وعلى الصعيد المحلي، لا يمكن لأحد أن يتجاهل تأثير وجود مشاعر قوية مناهضة للهجرة من قبل الجمهور، وهو دافع رئيسي للبحث عن بديل سياسي آخر يعكس احتياجات المواطنين. وقد أدت هذه الانقسامات السياسية والمجتمعية إلى تمهيد الطريق لحزب “البديل من أجل ألمانيا”, الحزب الشعبوي لليمين المتطرف, من أجل الحصول على المزيد من الدعم وتحقيق المزيد من المكاسب السياسية. إلى جانب ذلك، تشهد الأصعدة الإقليمية والدولية ظهور موجة قوية من القادة الشعبويين ذوي الخطابات المناهضة للهجرة.

هذه بالفعل هي لحظة محورية في تاريخ ألمانيا، حيث قد نشهد تحولات أكبر في سياسات الهجرة، لا سيما مع تحول حزب “البديل من أجل ألمانيا” لأن يصبح ثاني أكبر حزب سياسي في البرلمان الألماني بعد سنوات عديدة من إقصائه. ويبدو الآن أن الأحزاب التقليدية الأخرى ستضطر إلى العمل مع حزب “البديل من أجل ألمانيا” والتعاون فيما بينها. وأخيرًا، يجب أن نضع في الاعتبار التداعيات السياسية والاقتصادية والاجتماعية المحتملة لهذه السياسات الأكثر صرامة على ألمانيا.

قد يدفعنا هذا إلى طرح السؤالين التاليين: هل يمكن لألمانيا أن تتحول كليًا إلى سياسة الأبواب المغلقة؟ وهل يمكن أن نشهد تطبيقًا واقعيًا لنموذج ألمانيا الحصينة؟

باحث مشارك من الخارج

image
فنزويلا بين الإرث الإمبريالي الأمريكي وتحولات مبدأ مونرو في القرن الحادي والعشرين
عسكرة الموارد المائية في غزة بعد 7 أكتوبر: المياه كسلاح حرب
من فنزويلا إلى القطب الشمالي: غرينلاند وإعادة تشكيل أولويات النفوذ في الاستراتيجية الأمنية الأمريكية
تجدد الصراع التايلاندي الكمبودي: هشاشة اتفاقيات السلام وتحديات الاستقرار الإقليمي
Scroll to Top