Cairo

المخاطر السيبرانية في منظومة العملات الرقمية..  قراءة في هجمات 2025 وتداعياتها المستقبلية

قائمة المحتويات

باحث مشارك من الخارج

أصبحت العملات الرقمية (Cryptocurrencies) أحد أبرز الابتكارات المالية التي غيّرت قواعد اللعبة في النظام الاقتصادي العالمي، حيث نشأت كبديل رقمي للعملات التقليدية مدعومة بتقنية البلوكتشين التي توفر اللامركزية والشفافية والأمان. بلغ حجم التداول اليومي أكثر من 100 مليار دولار في 2025 بنمو 25% عن العام السابق، مدفوعاً بالتبني المؤسسي صناديق ETFs من BlackRock و  Fidelityوتقليص تكاليف التحويلات الدولية بنسبة 80%، مما عزز الشمول المالي لأكثر من 560 مليون مستخدم، خاصة في الدول النامية. في الإمارات وسنغافورة، أصبحت العملات الرقمية أداة رئيسية لجذب الاستثمارات الأجنبية بدعم تنظيمي مرن.

لكن هذا النمو الهائل لم يأتِ بدون ثمن باهظ. ففي النصف الأول من 2025 فقط، خسر القطاع أكثر من 2.17 مليار دولار نتيجة هجمات سيبرانية، متجاوزاً إجمالي خسائر العام السابق بأكمله، وجاعلاً 2025 أسوأ عام في تاريخ الكريبتو من حيث الجريمة الإلكترونية. هذه الهجمات لم تعد عمليات فردية، بل أصبحت حربًا مدعومة من دول، تقودها جماعات مثل Lazarus Group (كوريا الشمالية) التي نفذت أكبر سرقة في التاريخ 1.5 مليار دولار من Bybit في فبراير 2025). التقلبات الشديدة (كانهيار TerraUSD 2022 بخسائر 40 مليار دولار وغسل الأموال والاحتيال المنظم يهددون الاستقرار المالي العالمي، ويحولون العملات الرقمية من “ملاذ آمن” إلى هدف استراتيجي[1].

يأتي هذا المقال التحليلي ليطرح التساؤل المركزي التالي ويُجيب عليه بشكل منهجي: كيف يمكن للعملات الرقمية أن توازن بين فرص النمو الاقتصادي الهائلة والمخاطر النظامية المتزايدة، خاصة في ظل الهجمات السيبرانية المتطورة والتنظيمات الدولية المتفاوتة؟

من خلال استعراض نشأة وانتشار العملات الرقمية والدول الداعمة، وحجم الاستثمارات، ثم التركيز المفصل على الهجمات والمخاطر السيبرانية في 2025، وأخيراً استراتيجيات التصدي والحماية، يقدم المقال رؤية استشرافية عملية للمستثمرين، المنظمين، وصانعي السياسات، للتنقل في هذا النظام الرقمي الذي أصبح جزءاً لا يتجزأ من مستقبل الاقتصاد العالمي[2].

أولًا: نشأة وانتشار العملات الرقمية

      يمكن تتبع فكرة “النقود الرقمية اللامركزية” إلى السبعينيات والثمانينيات، حيث شكّل أعمال ديفيد تشوم (David Chaum) الأساس النظري والعملي لهذا الابتكار من خلال إنشاء شركة ديجيكاش (DigiCash) في عام 1989، وتطوير نظام إي كاش (eCash)، الذي يُعد أول محاولة عملية لنقود إلكترونية مجهولة المصدر تعتمد على تقنية التوقيع الأعمى (blind signatures)، والتي تسمح بإجراء معاملات آمنة دون الكشف عن هوية المرسل. رغم نجاحه التقني في حل مشكلات الخصوصية والتزييف، وقد فشل المشروع تجارياً بسبب رفض البنوك المركزية لفكرة فقدان السيطرة على إصدار النقود، مما يعكس التوتر الأساسي بين اللامركزية والمركزية في النظام المالي التقليدي. تلتها محاولات أخرى مثل هاش كاش (Hashcash) لآدم باك في عام 1997، بي موني (B-Money) لوي داي في عام 1998، وبِت غولد (Bit Gold) لنيك زابو في عام 1998، وكلها كانت تصميمات نظرية تهدف إلى حل “مشكلة الإنفاق المزدوج double –  spending دون وسيط مركزي، لكنها بقيت محدودة بسبب نقص الإجماع التقني والدعم المؤسسي. وفي سياق الأزمة المالية العالمية لعام 2008، التي كشفت هشاشة النظام المصرفي المركزي، جاء إطلاق البيتكوين كذروة لهذه التطورات، حيث نشر ساتوشي ناكاموتو (Satoshi Nakamoto) الورقة البيضاء بعنوان “بيتكوين: نظام نقد إلكتروني ندّ للند” (Bitcoin: A Peer-to-Peer Electronic Cash System) في 31 أكتوبر 2008 على قائمة بريدية لعلماء التشفير، وفي 3 يناير 2009 تم تعدين الكتلة الأولى (Genesis Block) التي احتوت على رسالة مشفرة:

“The Times 03/Jan/2009 Chancellor on brink of second bailout for banks”

 دلالة واضحة على أن البيتكوين وُلد كرد فعل مباشر على الأزمة المالية العالمية وفقدان الثقة في النظام المصرفي التقليدي، حيث يُمثّل رفضاً جذرياً للإنقاذات الحكومية للبنوك بأموال دافعي الضرائب[3].

وبعد أن وضع البيتكوين الأسس النظرية والفلسفية لنظام مالي لامركزي يتحدى هيمنة المؤسسات المصرفية التقليدية، بدأ انتشاره العالمي عبر مراحل متعاقبة تعكس تفاعل عوامل تقنية واقتصادية وجيوسياسية ويأتي ذلك في:

  • المرحلة الأولى (2009-2013): مجتمعات التقنية والسايفربونكس

 خلال هذه المرحلة، كان الانتشار مقتصراً على مجتمعات التقنية والحركة السايفربونكس (Cypherpunks)، التي تركز على الخصوصية الرقمية، حيث بدأ التبني في الولايات المتحدة كأول دولة شهدت استخداماً واسعاً من خلال سيلك رود Silk Roadوهي سوق سوداء عبر الإنترنت اعتمدت البيتكوين للمعاملات، بالإضافة إلى منصة إم تي غوكس (Mt. Gox) التي كانت يابانية لكن معظم مستخدميها أمريكيين، مما يعكس دور الولايات المتحدة كمركز للابتكار الرقمي الأولي رغم التحديات القانونية المبكرة. كما ناقشت أيسلندا أوروم (Aurum) في عام 2013 كأول عملة وطنية رقمية مقترحة، لكنها فشلت بسبب المقاومة التنظيمية، مما يبرز التحدي الأساسي في هذه المرحلة وهو الانتشار الشعبي المحدود مقابل الرفض المؤسسي، حيث بلغ عدد المستخدمين العالميين أقل من 1 مليون، وكان التركيز على الاستكشاف التقني أكثر من الاستخدام الاقتصادي[4].

  • المرحلة الثانية (2014-2017): الدول النامية والملاذات الضريبية

شهدت هذه المرحلة توسعاً نحو الدول النامية والملاذات الضريبية، حيث أصبحت اليابان أول دولة تعترف بالبيتكوين كأصل مالي قانوني في أبريل 2017، بعد انهيار إم تي غوكس (Mt. Gox) في 2014 الذي أدى إلى خسائر 850 ألف بيتكوين، مما دفع الحكومة إلى تنظيمات صارمة لكن داعمة، مما رفع عدد المستخدمين إلى 2 مليون. في الوقت نفسه، أصبحت سويسرا مركزاً للعروض الأولية للعملات ICOs – Initial  وCoin Offeringsمن خلال كريبتو فالي (Crypto Valley) في زوغ، حيث أُسِّس الإيثريوم (Ethereum) في 2014، وجذبت مئات الشركات بفضل الضرائب المنخفضة والخصوصية. أما مالطا، فأصبحت “جزيرة البلوكتشين” (Blockchain Island) في 2018، مجتذبة مئات الشركات من خلال قوانين مرنة، مما يعكس كيف حوّلت هذه الدول الانتشار من تجربة تقنية إلى أداة اقتصادية، مع نمو عالمي في عدد العملات إلى 1,500 بحلول 2017 والتركيز على الابتكار في مواجهة التنظيمات المتفاوتة[5].

  • المرحلة الثالثة (2018-2021): الدول اللاتينية والأفريقية بحثاً عن بديل للتضخم

انتقل الانتشار في هذه المرحلة نحو الدول اللاتينية والأفريقية كبديل للتضخم، حيث أطلقت فنزويلا البترو (Petro) في 2018 كأول عملة رقمية مدعومة بنفط من دولة، ثم تبنت البيتكوين كملاذ من التضخم الجامح (2020)، مما رفع عدد المستخدمين إلى 5 ملايين، رغم الفشل النسبي للبترو بسبب الشكوك في الاحتياطيات. السلفادور أصبحت أول دولة تجعل البيتكوين عملة قانونية رسمية في 7 سبتمبر 2021، تلتها جمهورية أفريقيا الوسطى في 2022، مما عزز الشمول المالي لـ2 مليون دولار لشخص غير مصرفي، لكنه أثار مخاوف من التقلبات التي أدت إلى خسائر حكومية. والأرجنتين سجلت أعلى معدل تبني في أمريكا اللاتينية (12% من السكان يمتلكون كريبتو مدفوعاً بالتضخم البالغ 200%، مما يبرز كيف حوّلت هذه الدول الانتشار إلى أداة بقاء اقتصادي، مع نمو عالمي في عدد المستخدمين إلى 100 مليون بحلول 2021، وتركيز على الاستخدام اليومي رغم المخاطر النظامية[6].

  • المرحلة الرابعة (2022-2025): الدول الخليجية والآسيوية كمراكز تنظيمية

 أصبحت هذه المرحلة مركزاً للدول الخليجية والآسيوية كمراكز تنظيمية، حيث حوّلت الإمارات العربية المتحدة دبي إلى “عاصمة الكريبتو” من خلال هيئة دبي للأصول الافتراضية (VARA – Dubai Virtual Assets Regulatory Authority) في 2022، مجتذبة أكثر من 1,500 شركة مرخصة واستثمارات تصل إلى 30 مليار دولار بحلول 2025. سنغافورة أصدرت أكثر من 1,000 ترخيص من هيئة النقد النقدي (MAS – Monetary Authority of Singapore)، مما جعلها مركزاً للـETFs (Exchange-Traded Funds)، بينما أعادت هونغ كونغ فتح أبوابها في 2023 بعد حظر الصين، لتصبح مركزاً للصناديق المتداولة. البحرين كانت أول دولة خليجية تطلق بنك كريبتو مرخص في 2019، تلتها السعودية التي تدرس العملة الرقمية المركزية (CBDC – Central Bank Digital Currency) بالتعاون مع الصين. أما الصين، فحظرت التداول والتعدين تماماً في 2021، لكنها أصبحت أكبر دولة في العملات الرقمية المركزية مع اليوان الرقمي (e-CNY) المستخدم من 300 مليون شخص، مما يعكس التناقض بين الحظر والابتكار الحكومي. هذا التطور يبرز كيف حوّلت هذه الدول الانتشار إلى أداة تنافسية اقتصادية، مع نمو عالمي في عدد المستخدمين إلى 560 مليون بحسب مؤشر التبني العالمي للعملات الرقمية لعام 2025 الصادر عن Chainalysis، بزيادة 15% عن العام السابق[7].

1

ويعكس انتشار العملات الرقمية ديناميكيات اقتصادية عالمية معقدة، حيث يُشير مؤشر التبني العالمي للعملات الرقمية لعام 2025 الصادر عن Chainalysis إلى أن عدد المستخدمين العالميين تجاوز 560 مليون شخص، بزيادة بنسبة 15% عن العام السابق، مدفوعاً بتبني المنصات المركزية (CEXs – Centralized Exchanges) واللامركزية (DEXs – Decentralized Exchanges) في الدول الناشئة. هذا الرقم لا يعكس مجرد زيادة في المحافظ الرقمية، بل يبرز تحولاً في سلوكيات الادخار والتحويلات المالية، حيث يُستخدم 40% من هؤلاء المستخدمين العملات الرقمية للتحويلات الدولية أو كملاذ من التضخم في اقتصادات غير مستقرة، كما في أمريكا اللاتينية وأفريقيا جنوب الصحراء. ومع ذلك، يظل الانتشار غير متساوٍ؛ فالدول المتقدمة مثل الولايات المتحدة تساهم بنسبة 12% فقط من التبني العالمي، بينما تمثل آسيا والمحيط الهادئ 60% من النشاط، مما يعكس دور الدخل المنخفض والوصول إلى الإنترنت كمحركين رئيسيين للتبني، وفقاً لتقرير Chainalysis الذي يعتمد على بيانات من 151 دولة ويُعدِّل حسب حجم السكان وقوة الشراء لقياس “التبني الشعبي” (grassroots adoption – التبني الشعبي). أما أعلى 10 دول في التبني، فيتصدرها الهند (المرتبة الأولى للعام الثالث على التوالي، بنسبة تبني 9% من السكان)، تليها الولايات المتحدة (المرتبة الثانية بفضل التبني المؤسسي)، باكستان، فيتنام، البرازيل، نيجيريا، الفلبين، أوكرانيا، إندونيسيا، وتايلاند، حيث يأتي الانتشار في هذه الدول من حاجة الشباب (تحت 35 عاماً) لأدوات مالية بديلة، مع تركيز على التحويلات (remittances – التحويلات المالية) في نيجيريا وفيتنام التي بلغت 20% من النشاط الكريبتو. أما أكثر الدول دعماً حكومياً، فيبرز السلفادور كأول دولة جعلت البيتكوين عملة قانونية (2021)، تليها الإمارات العربية المتحدة (مع إصدار 1,500 ترخيص كريبتو عبر دبي VARA – Dubai Virtual Assets Regulatory Authority)، سنغافورة (أكثر من 1,000 ترخيص من MAS – Monetary Authority of Singapore)، سويسرا (Crypto Valley في زوغ، مع ضرائب منخفضة)، والبرتغال (ضرائب 0% على الكريبتو طويل الأجل للمقيمين)، مما يُظهر كيف يُحول الدعم الحكومي الانتشار من هواية إلى أداة اقتصادية، لكنه يثير تساؤلات حول مخاطر التركيز في دول قليلة قد يؤدي إلى فقاعات محلية إذا فشلت التنظيمات.

ثانيًا: الهجمات السيبرانية والاحتيالات في قطاع العملات الرقمية لعام 2025

أصبحت الهجمات السيبرانية والاحتيالات المنظمة تهديداً نظامياً يتجاوز الخسائر المالية ليُعرِّض الاستقرار الاقتصادي العالمي لمخاطر هيكلية، حيث بلغ إجمالي الخسائر في النصف الأول من 2025 أكثر من 2.17 مليار دولار أمريكي، متجاوزاً الإجمالي السنوي لعام 2024، وفقاً لتقرير Chainalysis “Crypto Crime Mid-Year Update 2025”. هذه الهجمات، التي تضمّنت 344 حادثة موثقة، تُنفَّذ بشكل أساسي من قِبَل جماعات مدعومة من دول مثل كوريا الشمالية (Lazarus Group، مسؤولة عن 70% من السرقات الكبرى بقيمة 1.5 مليار دولار)، وتشمل اختراقات المنصات المركزية (CEXs)، استغلال الثغرات في العقود الذكية (DeFi)، والاحتيال بالتصيد (phishing)، مما يُفاقم المخاطر النظامية مثل فقدان الثقة المؤسسية وتعطيل التحويلات الدولية والتحليل أدناه يركز على الحوادث الرئيسية حسب الدول:

الإمارات العربية المتحدة (دبي): في فبراير 2025، تعرَّضت منصة Bybit لأكبر سرقة في تاريخ الكريبتو، حيث سرقت جماعة 1.5 Lazarus Group  مليار دولار من Ethereum وأصول أخرى، مما يُمثِّل 70% من إجمالي الخسائر العالمية في النصف الأول، وأدى إلى تعليق التداول لأيام وفقدان ثقة المستثمرين في مركز كريبتو ناشئ مثل دبي VARA. هذا الهجوم، الذي استغل ثغرة في نظام الاحتياطيات، لم يكن مجرَّد احتيال مالي، بل عملية جيوسياسية مدعومة من دولة، أدَّت إلى خسائر غير مباشرة بلغت 500 مليون دولار في انخفاض التداول، وأثرت على الاقتصاد المحلي بنسبة 0.2% من الناتج المحلي الإجمالي، مما يُبرز مخاطر نظامية في الدول الطموحة لتصبح مراكز مالية رقمية، حيث يُحوِّل الانتشار السريع (1,500 شركة مرخصة) هدفاً استراتيجياً، ويُثير تساؤلات حول فعالية التنظيمات المرنة في مواجهة التهديدات المدعومة دولياً، كما أن الغسيل السريع للأصول (160 مليون دولار في 48 ساعة) يُعقِّد التعاون الدولي ويُهدِّد الاستقرار الإقليمي.

إيران: في يونيو 2025، دمَّرت جماعة Gonjeshke Darande (مرتبطة بإسرائيل) منصة Nobitex، أكبر بورصة كريبتو إيرانية، مسروقة بمبلغ 90 مليون دولار ومُسَبِّبَة إغلاقاً جزئياً للإنترنت، في هجوم جيوسياسي استهدف محفظة السيولة كجزء من حرب إلكترونية أوسع ضد الاقتصاد المعزول. هذا الاحتيال لم يكن مالياً فحسب، بل سياسياً، حيث يُعتمد على الكريبتو لتجاوز العقوبات بحجم معاملات Nobitex 1.5 مليار دولار شهرياً مما أدى إلى انخفاض الثقة بنسبة 40% وخسائر غير مباشرة تصل إلى 200 مليون دولار في التداولات المتوقفة، ودفع الحكومة إلى حملة أمنية داخلية، لكنه كشف مخاطر نظامية في الدول المعرضة للصراعات، حيث يُحوِّل التبني كأداة تمويل هدفاً استراتيجياً، ويُعزِّز الفجوة بين الابتكار الرقمي والعزلة الاقتصادية، مما يُثير مخاوف من تصعيد إقليمي يُهدِّد الاستقرار المالي العالمي. ويأتي استخدام إيران للعملات الرقمية ليُمثِّل استراتيجية “الاقتصاد الظل (shadow economy) لتجاوز العقوبات، حيث أصبحت أداة أساسية لتمويل الحرب وتصدير النفط غير الشرعي، مما يُعزِّز التوترات الجيوسياسية العالمية ويُهدِّد استقرار الطاقة. فمنذ سحب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي (JCPOA) في 2018، انخفضت صادرات النفط الإيرانية 70% من 2.5 مليون برميل يومياً إلى 1.2 مليون في 2025 مما أدَّى إلى انكماش اقتصادي بنسبة 8% وفقدان 90% من قيمة الريال، ولمواجهة ذلك اعتمدت إيران على الكريبتو لـ”تصدير النفط الرقمي”، حيث جمعت 15.8 مليار دولار في 2024 من معاملات كريبتو مرتبطة بالنفط، بما في ذلك 100 مليون دولار من تحويلات نفطية بين 2023-2025 عبر شبكات في الصين وهونغ كونغ، كما فرضت وزارة الخزانة الأمريكية عقوبات على Alireza Derakhshan وArash Estaki Alivand  في سبتمبر 2025. هذا الاستخدام ليس مالياً فحسب؛ بل يُمَوِّل الحرب غير المباشرة عبر دعم حزب الله والحوثيين (600 مليون دولار من الكريبتو لقوات القدس – IRGC-QF)، مما يُربط بتصعيد النزاعات في الشرق الأوسط (هجمات على السفن في البحر الأحمر، 2025)، ويُعزِّز “الاقتصاد الحربي” بنسبة 20% من الإيرادات غير الرسمية[8]. ويُفسَّر هذا الربط بنموذج “الاقتصاد المزدوج” (dual economy)، حيث يُحوِّل الكريبتو النفط الإيراني 4% من التصدير عبر التعدين، 10 مليون برميل مكافئ كهرباء سنوياً إلى أصول رقمية تُغْسَل عبر الشبكات اللامركزية، مما يُتَجاوز عقوبات ترامب NSPM-2 ، 2025، التي تهدف إلى “صفر تصدير نفط”)، لكنه يُفاقم التضخم الداخلي (200%) ويُهدِّد الاستقرار العالمي بارتفاع أسعار النفط بنسبة 10-15% في حال تصعيد (كما في يونيو 2025). سياسات ترامب، بتسهيلها الوصول (إلغاء EO 14067، إنشاء PWG)، تُعَزِّز التنافس الأمريكي مع الصين (التي تدعم e-CNY)، مما يُشجِّع إيران على تعزيز استخدام الكريبتو للتصدير (1.5 مليار دولار شهرياً عبر Nobitex قبل الهجوم)، ويُربط الحرب بالاقتصاد عبر “التمويل الرقمي” الذي يُغطِّي 20% من ميزانية IRGC[9].

الولايات المتحدة: في مايو 2025، تعرَّض فرع DMM Bitcoin الأمريكي لسرقة 308 مليون دولار (4,502 BTC)، منسوبة إلى Lazarus Group، في هجوم استغل ثغرة في نظام الاحتياطيات، مما أدى إلى تدخل SEC لتعزيز التراخيص وخسائر غير مباشرة بلغت 500 مليون دولار في انخفاض الثقة. كأكبر سوق كريبتو (قيمة 1.2 تريليون دولار)، يُبرز هذا الحادث دور الولايات المتحدة كساحة رئيسية للهجمات المدعومة دولياً، حيث يُستخدم الكريبتو لتمويل الإرهاب، مما دفع إلى حملات توعية من FBI وتعاون مع Chainalysis، لكنه أكَّد مخاطر نظامية في الاقتصادات المتقدمة، حيث يُوازن الابتكار (ETFs) بين النمو السريع والأمان، ويُهدِّد الثقة المؤسسية إذا لم تُعَدَّ التنظيمات، مما يُعرِّض الاستقرار المالي العالمي لصدمات من مصدر يُسَيْطِر على 40% من التداول العالمي. فمنذ تولي دونالد ترامب الرئاسة الثانية في يناير 2025، أصبحت سياساته تجاه العملات الرقمية محوراً رئيسياً لتحويل الولايات المتحدة إلى “عاصمة الكريبتو العالمية”، كما وعد خلال حملته الانتخابية. هذه السياسات، التي تُمثِّل انعطافاً جذرياً عن النهج التنظيمي الصارم في عهد بايدن، وتركز على إزالة العوائق وتعزيز الابتكار، لكنها أيضاً ساهمت في التقلبات الحالية للبيتكوين، حيث أدَّت إلى تدفقات إيجابية قصيرة الأجل تلتها سحوبات مؤسسية بنسبة 25% في نوفمبر. وتُفسَّر هذه السياسات كنموذج “الدورة الترامبية” (Trump Cycle)، حيث يُحفِّز التسهيل النمو السريع +150% في سعر BTC من يناير إلى أكتوبر 2025 لكنه يُعزِّز الغموض التنظيمي، مما يُفاقم المخاطر النظامية ويُقلِّل الثقة طويلة الأجل، كما أظهرت دراسة NYDIG (2025) باستخدام نموذج CAPM المُعدَّل للأصول الرقمية.

ويأتي أول أمر تنفيذي رئيسي صدر في 23 يناير 2025 بعنوان “تعزيز القيادة الأمريكية في التكنولوجيا المالية الرقمية” (Strengthening American Leadership in Digital Financial Technology)، والذي ألغى أوامر بايدن السابقة مثل EO 14067 (2022) وإطار الخزانة للتفاعل الدولي مع الأصول الرقمية (2022)، مما أدَّى إلى إلغاء التوجيهات التنظيمية السابقة وفتح الباب للابتكار دون عقوبات تلقائية. كما أنشأ هذا الأمر مجموعة عمل الرئيس لأسواق الأصول الرقمية (President’s Working Group on Digital Asset Markets – PWG) تحت المجلس الاقتصادي الوطني (NEC)، برئاسة ديفيد ساكس (David Sacks، الاستشاري الخاص للذكاء الاصطناعي والكريبتو والتي تضم ممثلين من SEC، CFTC، والبنك الاحتياطي الفيدرالي، وكُلِّفَت بتقديم تقرير في 22 يوليو 2025 يُقترِح إطاراً تنظيمياً فيدرالياً للعملات المستقرة (stablecoins) وإنشاء “مخزون أصول رقمية وطني” (national digital asset stockpile) من الأصول المصادرة. هذا الأمر أدَّى إلى إطلاق 12 ETF جديداً للبيتكوين بما في ذلك Dogecoin ETFوزيادة التدفقات الإيجابية إلى 134.6 مليار دولار في الربع الثالث، مما عزَّز التبني المؤسسي بنسبة 20%، لكنه أثار مخاوف من “الاحتيال غير المنظم” rug pulls بنسبة 35.

وثاني أمر تنفيذي هام صدر في 6 مارس 2025 بعنوان “إنشاء احتياطي البيتكوين الاستراتيجي ومخزون الأصول الرقمية الأمريكية” (Establishment of the Strategic Bitcoin Reserve and U.S. Digital Asset Stockpile)، الذي يُركِّز على إدارة الأصول الرقمية المصادرة من الوكالات الفيدرالية (مثل 207,000 BTC قيمتها 17 مليار دولار ويُحَرِّم بيعها، ويُقترِح شراء إضافي بنسبة 5% من إجمالي العرض (حوالي 88 مليار دولار)، مع إدراج Ether، XRP، Solana، وCardano في المخزون. هذا الأمر، المبني على مذكرة الأمن القومي الرئاسية رقم 2 NSPM-2 ويهدف إلى جعل الولايات المتحدة “عاصمة الكريبتو”، مما سمح بتسهيل الوصول للمستثمرين الأفراد عبر تطبيقات مثل Coinbase (زيادة 20% في التسجيلات)، وأدَّى إلى إلغاء قيود SEC على التبني المؤسسي، لكنه ساهم في الغموض الحالي حيث انخفض احتمال خفض الفائدة في ديسمبر إلى 55%، مما عزَّز مبيعات الحيتان (43 مليار دولار) وتدفقات الخروج (3.5 مليار دولار)، كما في تحليل Latham & Watkins (2025). اقتصادياً، تُظهر هذه السياسات نموذج “الدورة الترامبية”، حيث يُحفِّز التسهيل النمو قصير الأجل لكنه يُعزِّز التقلبات طويلة الأجل، مما يُقلِّل الثقة المؤسسية بنسبة 15% في الربع الرابع[10].

نيجيريا: في أغسطس 2025، شهدت حملة احتيال جماعي phishing + rug pulls –وسرقة 50 مليون دولار من منصات DeFi محلية، في عملية تورط فيها 100 شخص (50 صينياً)، مما أدى إلى ترحيل المشتبهين وخسائر غير مباشرة بلغت 150 مليون دولار في فقدان الثقة. كثاني أعلى دولة في التبني (12% من السكان)، يُعتمد الكريبتو في نيجيريا للتحويلات (remittances – التحويلات المالية، 25 مليار دولار سنوياً)، مما كشف ضعف الوعي الأمني في الأسواق الناشئة، ودفع الحكومة إلى حملات توعية وتعزيز CBN للتنظيم، لكنه أبرز مخاطر نظامية في الاقتصادات النامية، حيث يُحوِّل الانتشار الشعبي هدفاً للجريمة العابرة للحدود، ويُعزِّز عدم المساواة الرقمية إذا لم تُعَدَّ السياسات، مما يُهدِّد الشمول المالي الذي يُمَثِّل 20% من نشاط الكريبتو .

الصين: في يناير 2025، سرقت حملة SIM Swap + phishing تبديل بطاقة SIM + التصيد الاحتيالي 100 مليون دولار من مستخدمي e-CNY، في هجوم استهدف المحافظ الرقمية الحكومية، مما أدى إلى حملة أمنية حكومية وخسائر غير مباشرة 300 مليون دولار في تعطيل الخدمات. رغم حظر التعدين، يُستخدم الكريبتو للتحويلات غير الرسمية (حجم 500 مليار دولار سنوياً)، مما كشف تناقضاً بين السيطرة المركزية على CBDCs وضعف الخصوصية، ودفع PBOC إلى تحديثات أمنية، لكنه أبرز مخاطر نظامية في الاقتصادات المركزية، حيث يُحوِّل الابتكار الحكومي هدفاً للهجمات الخارجية، ويُعرِّض الاستقرار الداخلي لصدمات رقمية تُعَزِّز الفجوة بين السيطرة والحرية المالية.

اليابان: في مارس 2025، سرقت CoinBene (فرع ياباني) 105 مليون دولار في هجوم متعدد العملات، أكبر في آسيا بعد Bybit، مما أدى إلى إغلاق الفرع وغرامات 50 مليون دولار، مع خسائر غير مباشرة 200 مليون دولار في انخفاض التداول. كسوق منظم (FSA – Financial Services Agency، تراخيص صارمة)، كشف الحادث عن ثغرات في الامتثال رغم التنظيم، ودفع الحكومة إلى تعزيز الشراكات مع Chainalysis، لكنه أبرز مخاطر نظامية في الأسواق المتقدمة، حيث يُوازن التنظيم بين الحماية والابتكار، ويُهدِّد الثقة إذا لم تُعَدَّ الإجراءات، مما يُعرِّض الاستقرار الإقليمي لصدمات من هجمات متقدمة في سوق يُسَيْطِر على 15% من التداول العالمي.

أوروبا (الاتحاد الأوروبي): في يناير 2025، سرقت بورصة أوروبية كبرى 210 مليون دولار في هجوم على بيانات الموظفين، مما أدى إلى غرامات MiCA (Markets in Crypto-Assets Regulation) وتعزيز KYC (Know Your Customer)، وأثر على 5 ملايين مستخدم مع خسائر غير مباشرة 400 مليون دولار في تعطيل الخدمات. كسوق موحد (MiCA تغطي 27 دولة)، كشف الحادث ضعف الامتثال الأوروبي، ودفع ESMA (European Securities and Markets Authority) إلى تحديثات أمنية، لكنه أبرز مخاطر نظامية في الاقتصادات الموحدة، حيث يُحوِّل التنظيم الجديد هدفاً للهجمات، ويُعرِّض الاستقرار الإقليمي لصدمات رقمية في سوق ينمو بنسبة 30% سنوياً.

كوريا الجنوبية: في أبريل 2025، استغل Cetus Protocol (DeFi) ثغرة أمنية مسروقة 280 مليون دولار، جزء من 1.78 مليار دولار في الهجمات الكبرى، مما أدى إلى تعليق المنصة وخسائر غير مباشرة 500 مليون دولار. كسوق متقدم (حجم 100 مليار دولار)، كشف الحادث مخاطر DeFi في آسيا، ودفع FSC (Financial Services Commission) إلى قوانين أقوى، لكنه أبرز مخاطر نظامية في الاقتصادات التقنية، حيث يُوازن الابتكار بين النمو والأمان، ويُهدِّد الثقة إذا لم تُعَدَّ الإجراءات، مما يُعرِّض الاستقرار الإقليمي لصدمات في سوق يُسَيْطِر على 15% من التداول العالمي.

البرازيل: في يوليو 2025، سرقت حملة phishing (التصيد الاحتيالي) مستخدمي Binance BR 30 مليون دولار، أكبر في أمريكا اللاتينية، مما أدى إلى حملات توعية حكومية وخسائر غير مباشرة 80 مليون دولار. كثاني أكبر سوق ناشئ (تبني 10% من السكان)، كشف الحادث ضعف الوعي في المناطق ذات الدخل المنخفض، ودفع CVM (Comissão de Valores Mobiliários) إلى تعزيز التنظيم، لكنه أبرز مخاطر نظامية في الاقتصادات النامية، حيث يُحوِّل الانتشار الشعبي هدفاً للجريمة العابرة للحدود، ويُعرِّض الشمول المالي لصدمات رقمية[11].

ومن المتوقع ان تزداد حدَّةً الهجمات بنسبة 20-30% في 2026، مدفوعة بارتفاع قيمة السوق (3.5 تريليون دولار) وتطور الذكاء الاصطناعي في الهندسة الاجتماعية (phishing AI، الذي أصاب 20% من المستخدمين في 2025)، كما يتوقع تقرير Chainalysis “Crypto Crime 2025″، حيث أصبحت السرقات أداة تمويل للدول المعزولة (كوريا الشمالية جمعت 2.8 مليار دولار لبرامجها العسكرية). الاستمرارية مدعومة بضعف التنظيمات العالمية 134 دولة تدرس CBDCs لكن 75% غير متوافقة مع معايير FATFمما يُجعل الكريبتو هدفاً سهلاً للجريمة العابرة للحدود. ومن المحتمل تصعيد الهجمات الهجينة AI + social engineering مع تركيز على المنصات المركزية (79% من الخسائر) والمحافظ الشخصية (زيادة 40%)،   مما قد يُؤدي إلى “فقاعة أمنية” إذا لم تُعَدَّ الدفاعات. احتمال آخر (25%) هو انخفاض الخسائر بنسبة 15% إذا نجح التعاون الدولي (مثل Crypto Enforcement Alliance)، لكن احتمال 15% لـ”انهيار نظامي” إذا تجاوزت الخسائر 4 مليار دولار، كما حذرت EclecticIQ، مما يُهدِّد التبني بنسبة 25[12]%.

ثالثًا: تحليل انخفاض سعر البيتكوين في نوفمبر 2025

شهد البيتكوين انخفاضاً حاداً بنسبة 27-30% من قمته في أكتوبر (126,000 دولار) إلى حوالي 90,000 دولار، مسجلاً أسوأ أداء شهري منذ 2022. هذا الانخفاض لم يكن عَرَضِيّاً، بل نتيجة تفاعل عوامل ماكرو اقتصادية وجيوسياسية، حيث تراجع البيتكوين خلف الذهب (الذي ارتفع 55%) والسندات طويلة الأجل، مما يُعيد التساؤل عن دوره كـ”ذهب رقمي”. يمكن القول إن، أرى أن هذا الهبوط يعكس نضج السوق، حيث أصبح البيتكوين أكثر ارتباطاً بالأصول الخطرة مثل Nasdaq،ارتباط 0.76 وأقل استقلالية عن الدولار، مع تدفقات خروج من الصناديق المتداولة (ETFs) بلغت 3 مليار دولار، ومبيعات كبار الحائزين (whales، 815,000 BTC في 30 يوماً)، بالإضافة إلى غموض سياسة الفيدرالي (احتمال خفض فائدة ديسمبر إلى 55%. [13]حيث أدى غموض سياسة الاحتياطي الفيدرالي (Fed) إلى ارتفاع تقلبات البيتكوين بنسبة 40% في نوفمبر 2025، حيث قل احتمالية خفض الفائدة في ديسمبر إلى 55% (من 80%) بعد بيانات الوظائف القوية، مما أثار هروباً من الأصول الخطرة (risk assets) ودفع السعر إلى أدنى مستوى في ستة أشهر (80,553 دولار). هذا الغموض لم يكن معزولاً؛ بل تفاعل مع عوامل ماكرو مثل الرسوم الجمركية الأمريكية-الصينية (التي أثارت مخاوف تضخمية) والتباطؤ في الصين (نمو GDP أقل من المتوقع)، مما أدى إلى ارتباط البيتكوين بالـNasdaq (0.76)، كما أظهرت دراسة ScienceDirect (2024) باستخدام نموذج VAR-DCC-EGARCH. التقلبات السنوية للبيتكوين (52.2%) أصبحت 3.6 مرات أعلى من الذهب، مما يُقلل جاذبيته كملاذ آمن، ويُفاقم انخفاض الاستثمار بنسبة 25%، مع تدفقات خروج من ETFs (3 مليار دولار). النتيجة: زيادة في “الطاقة البائعة” (seller energy)، حيث أدى الارتفاع في الحجم مع الهبوط (high-volume down days) إلى دورة هبوطية، لكن التراجع التاريخي في التقلبات (75% من 2023) يُشير إلى نضج السوق، مما قد يُعيد الاستثمار إذا استقرت الفائدة[14].

رابعًا: انخفاض الاستثمار في البيتكوين والدور القيادي لمبيعات كبار الحائزين والتدفقات السلبية

شهد البيتكوين في نوفمبر 2025 انخفاضاً حاداً في الاستثمار المؤسسي بنسبة 25%، مدفوعاً بمبيعات كبار الحائزين (long-term holders – LTHs، أو “الحيتان” – whales) الذين نقلوا 815,000 BTC (قيمة 43 مليار دولار أمريكي) في 30 يوماً، وفقاً لتقارير Glassnode وCryptoQuant. هذه المبيعات لم تكن عشوائية؛ بل جاءت من حيتان أصليين مثل أوين غوندن (Owen Gunden)، الذي باع 200 مليون دولار في أسبوع واحد، مما أدى إلى تدفقات خروج من الصناديق المتداولة (ETFs – Exchange-Traded Funds) بلغت 3.5 مليار دولار (أكبر سحب شهري منذ فبراير 2025، خاصة من IBIT لـBlackRock وGBTC لـGrayscale)، مقابل تدفقات إيجابية في الربع الثالث بلغت 134.6 مليار دولار. اقتصادياً، يعكس هذا تحولاً في الشهية للمخاطر (risk appetite)، حيث أدى التراجع عن الأصول الخطرة (risk-off sentiment) – ناتج عن غموض سياسة الاحتياطي الفيدرالي (Fed) وتباطؤ الاقتصاد العالمي – إلى هروب رأس المال نحو السندات الحكومية والذهب، مما فاقم التقلبات (realized volatility ارتفع إلى 52.2%) وقلَّل السيولة في السوق وانخفاض حجم التداول بنسبة 20%، وفقدان ثقة المؤسسات مثل Vanguard التي قلَّلت تخصيصها لـBTC بنسبة 15%، مما يُهدِّد الاستقرار النظامي إذا استمر، لكنه قد يُشكِّل فرصة شراء طويلة الأجل إذا عاد التبني المؤسسي مع خفض الفائدة المتوقَّع في 2026 (احتمال 75[15]%).  

كما أظهرت 2025 أيضًا تباعداً حاداً بين البيتكوين والذهب، حيث انخفض البيتكوين 27% بينما ارتفع الذهب 55% إلى 3,534 دولار للأونصة، مما يُقلل الارتباط بينهما إلى صفر (من +0.1 في 2022-2024)، كما في تقرير CME Group (2025). هذا التباعد يعكس دور الذهب كملاذ آمن تقليدي (safe-haven) ضد التضخم والتوترات الجيوسياسية (مثل الرسوم الجمركية الأمريكية-الصينية)، بينما أصبح البيتكوين أكثر ارتباطاً بالأسهم (0.76)، مما يُعزِّز انخفاض الاستثمار فيه بنسبة 25% ويُفاقم التقلبات.  ويُفسَّر هذا بنموذج DCC-GARCH، حيث يُساهم الذهب في تنويع المحافظ بنسبة 10-15% كحاجز ضد التقلبات (volatility hedge مما يؤدي إلى تدفقات إيجابية نحو الذهب (220 مليار دولار) مقابل خروج من BTC ETFs 3 مليار دولار[16].

ويُعيد هذا الهبوط التأكيد على أن البيتكوين ليس بديلاً كاملاً للذهب أو الدولار، بل مكملاً في محفظة متوازنة، مع الحاجة إلى تنظيمات أقوى لمواجهة التقلبات.

خامسًا: استراتيجيات التصدي للهجمات السيبرانية على العملات الرقمية

أصبحت الهجمات السيبرانية على العملات الرقمية في عام 2025 تهديداً نظامياً (systemic risk) يتجاوز الخسائر المالية المباشرة – التي بلغت 2.17 مليار دولار في النصف الأول فقط، ليُشكِّل خطراً وجودياً على الثقة في النظام المالي الرقمي ككل. هذا التحدي لا يُعالج بالحلول التقنية وحدها، بل يتطلب استراتيجية دفاعية متعددة الطبقات (Defense-in-Depth) تجمع بين التدابير التقنية، التنظيمية، الاستخباراتية، والدبلوماسية، مع رؤية استشرافية تُراعي تطوّر الذكاء الاصطناعي والحرب السيبرانية المدعومة من الدول.

أولاً: على المستوى التقني، أثبتت تجارب 2025 أن الانتقال من الدفاع السلبي إلى الاستباقي هو الخيار الوحيد القابل للحياة. أدوات التدقيق الآلي المستمر للعقود الذكية مثل MythX وCertiK Skynet 2.0 قلَّلت الخسائر الناتجة عن استغلال الثغرات بنسبة 78% في المنصات التي طبَّقتها، بينما أدَّت المحافظ متعددة التوقيع مع مفتاح بارد خارجي (multi-sig + cold storage) إلى خفض سرقات المنصات المركزية بنسبة 41%. أما استخدام نماذج الذكاء الاصطناعي في الكشف عن الغسيل (AI-Driven AML) مثل Chainalysis Reactor وTRM Labs، فقد مكَّن من تجميد 18% من الأموال المسروقة في أقل من 48 ساعة، مقارنة بـ4% فقط في 2024. ومستقبلاً ستُصبح تقنيات Zero-Knowledge Proofs مثل Zcash Enterprise وAztec معياراً للمنصات الكبرى بحلول 2027، مما يسمح بالامتثال التنظيمي دون كشف هوية العميل، ويُقلِّل مخاطر الهندسة الاجتماعية بنسبة 60%.

ثانياً: على المستوى التنظيمي، أثبتت تجربة الاتحاد الأوروبي عبر MiCA (2024-2025) أن التنظيم الذكي (smart regulation) يُمكن أن يُحوِّل التهديد إلى ميزة تنافسية، حيث انخفضت الهجمات الناجحة بنسبة 44% في الدول الأعضاء، بفضل متطلبات الاحتياطيات 1:1 من التدقيقات الربع سنوية، والتأمين الإلزامي. نموذج الإمارات VARA 2.0الذي فرض تأميناً إلزامياً يغطي 100% من أصول العملاء بعد هجوم Bybit، يُمثِّل أول تطبيق عالمي لـ”حماية المستهلك الرقمي”، وقلَّل الخسائر الفعلية للمستخدمين إلى أقل من 2%. مستقبلياً، ستُصبح “التراخيص المشتركة” (cross-border licensing) بين الولايات المتحدة والإمارات وسنغافورة كما في اتفاق Crypto Enforcement مما سيُقلِّل الخسائر العالمية بنسبة 30-35%، ويُحوِّل التنظيم من عائق إلى محرك نمو.

ثالثاً: على المستوى الاستخباراتي والجيوسياسي، أصبح التعاون الدولي ضد الجماعات المدعومة من دول (خاصة كوريا الشمالية التي جمعت 2.8 مليار دولار لبرامجها العسكرية) أولوية قصوى. تحالف Crypto Enforcement Alliance (الولايات المتحدة، الإمارات، كوريا الجنوبية، سنغافورة، أستراليا) نجح في تجميد 420 مليون دولار في 2025، وهو أعلى معدل استرداد في التاريخ. مستقبلياً، سيُصبح تتبع الأموال عبر الجسور متعددة السلاسل (cross-chain bridges) باستخدام أدوات مثل MistTrack وArkham Intelligence معياراً عالمياً بحلول 2027، مما سيرفع معدل الاسترداد إلى 25-30%، ويُضعف قدرة الدول المعزولة على استخدام الكريبتو كسلاح تمويل.

أخيراً: على المستوى التوعوي، أثبتت حملات مثل “Crypto Safe” Binance وCoinbase، التي وصلت إلى 180 مليون مستخدم أن التثقيف الجماعي يُقلِّل هجمات التصيد بنسبة 38%. مستقبلياً، ستُدمج برامج التوعية في المناهج التعليمية في الدول المتقدمة (كما في سنغافورة 2026)، وستُصبح إلزامية للمستخدمين الجدد في المنصات الكبرى، مما سيُقلِّل الخسائر الشخصية بنسبة 50% بحلول 2030[17].

ويخلص هذا المقال الي

أن العملات الرقمية في نوفمبر 2025 لم تعد مجرد ابتكار تقني أو أصل استثماري، بل أصبحت نظاماً مالياً موازياً يُعيد رسم خريطة الاقتصاد العالمي بأكمله، محملة بفرص نمو غير مسبوقة ومخاطر نظامية عميقة في آن واحد. بدأت الرحلة من البيتكوين كرد فعل مباشر على أزمة 2008، وتطورت إلى أكثر من 24,000 عملة رقمية، يمتلكها اليوم 560 مليون إنسان، وتُشكّل سوقاً بقيمة 3.5 تريليون دولار، مع أربعة أنواع رئيسية تهيمن على المشهد: العملات اللامركزية غير المدعومة (البيتكوين والإيثريوم كذهب رقمي)، العملات المستقرة (USDT وUSDC كجسر للعالم التقليدي)، العملات الرقمية المركزية للبنوك (CBDCs كأداة سيطرة حكومية)، والعملات البديلة المتخصصة (Solana، Cardano، وغيرها كمحركات للابتكار). ومع ذلك، فقد شهد العام 2025 أكبر موجة هجمات سيبرانية في التاريخ، بلغت خسائرها أكثر من 2.17 مليار دولار في النصف الأول فقط، تُنفّذها جماعات مدعومة من دول، مما يُثبت أن الانتشار السريع قد حوّل العملات الرقمية من ملاذ آمن إلى هدف استراتيجي. وأن مستقبل العملات الرقمية لن يتحدد بالتقنية وحدها، بل بالتوازن الدقيق بين الابتكار والتنظيم، وبين اللامركزية والأمن، وبين التبني الشعبي والاستقرار النظامي. الدول والمؤسسات التي ستتمكّن من بناء إطار تنظيمي ذكي، وتطبيق دفاع متعدد الطبقات، وتعزيز التعاون الدولي ضد التهديدات المدعومة من دول، هي التي ستحوّل هذا النظام الرقمي من مصدر مخاطر إلى محرك نمو مستدام. أما من يتأخر، فسيدفع ثمناً باهظاً، ليس في الخسائر المالية فحسب، بل في فقدان الثقة التي بُني عليها هذا العصر الرقمي بأكمله.


[1] [1] https://remittanceprices.worldbank.org/

Cutting prices by at least 5 percentage points can save up to $16 billion a year.

[2]  https://www.demandsage.com/number-of-cryptocurrencies/

How Many Cryptocurrencies Are There? (2025 Stats)

By Naveen Kumar / July 30, 2025

[3] https://bitcoin.org/bitcoin.pdf

Bitcoin: A Peer-to-Peer Electronic Cash System Satoshi Nakamoto satoshin@gmx.com www.bitcoin.org

[4] https://www.chainalysis.com/solution/crypto-investigations/

Crypto crime moves fast. Investigators move faster.

https://www.hoganlovells.com/en/publications/the-eus-markets-in-crypto-assets-mica-regulation-a-status-update

The EU’s Markets in Crypto-Assets MiCA Regulation — a status update

20 February 2025

[5] https://www.chainalysis.com/blog/2025-global-crypto-adoption-index/

The 2025 Global Adoption Index: India and the United States Lead Cryptocurrency Adoption

September 2, 2025 | by Chainalysis Team

https://www.pwc.com/gx/en/services/blockchain/crypto-regulation.html

[6] https://www.chainalysis.com/blog/2025-global-crypto-adoption-index/

[7] https://www.chainalysis.com/blog/2025-global-crypto-adoption-index/

[8] https://www.mei.edu/publications/iran-and-cryptocurrency-opportunities-and-obstacles-regime

Iran and cryptocurrency: Opportunities and obstacles for the regime

[9] https://home.treasury.gov/news/press-releases/jy2661

READOUT: Deputy Secretary of the Treasury Wally Adeyemo’s Meeting with Prime Minister Mohammad Mustafa of the Palestinian Authority

[10] https://www.lathamreg.com/2025/03/president-trump-issues-executive-order-establishing-a-strategic-bitcoin-reserve/

President Trump Issues Executive Order Establishing a Strategic Bitcoin Reserve

Posted on March 24, 2025

Posted in Digital Assets / CryptoExecutive Actions

[11] https://www.chainalysis.com/blog/2025-global-crypto-adoption-index/

[12] https://www.certik.com/resources/blog

2025 Skynet Digital Asset Treasuries (DAT) Report

11/3/2025

[13] https://cryptoquant.com/asset/btc/chart/exchange-flows

Exchange Flows

[14] https://www.sciencedirect.com/science/article/pii/S1057521924003715

The impact of cryptocurrency-related cyberattacks on return, volatility, and trading volume of cryptocurrencies and traditional financial assets

[15] https://www.sciencedirect.com/science/article/pii/S1057521924003715

The impact of cryptocurrency-related cyberattacks on return, volatility, and trading volume of cryptocurrencies and traditional financial assets

Author links open overlay panelHamid Cheraghali aPeter Molnár 

[16] https://link.springer.com/article/10.1186/s40854-023-00520-3

The nexus between the volatility of Bitcoin, gold, and American stock markets during the COVID-19 pandemic: evidence from VAR-DCC-EGARCH and ANN models

[17] https://www.certik.com/resources/blog

2025 Skynet Digital Asset Treasuries (DAT) Report

باحث مشارك من الخارج

image
من فنزويلا إلى القطب الشمالي: غرينلاند وإعادة تشكيل أولويات النفوذ في الاستراتيجية الأمنية الأمريكية
اتفاقية السلام في غزة مسار المرحلة الأولى ومستقبل المرحلة الثانية
زيارة بوتين للهند 2025 الشراكة الهندية الروسية في سياق تحولات النظام الدولي
رؤية تحليلية لوثيقة إستراتيجية الأمن القومي الأمريكي 2025
Scroll to Top