Cairo

The Middle East Conflict: An Introductionالصراع في الشرق الأوسط: مقدمة تمهيدية

قائمة المحتويات

باحث في العلاقات الدولية بمركز ترو للدراسات والتدريب

يستعرض كتاب The Middle East Conflict: An Introduction للباحثة الألمانية مارجريت يوهانسن، والصادر عن دار Springer Nature عام 2024، أحد أكثر النزاعات تعقيدًا واستمرارية في التاريخ الحديث، وهو الصراع العربي–الإسرائيلي، بوصفه نموذجًا كلاسيكيًا للنزاعات الممتدة التي تجاوزت حدودها الإقليمية لتصبح قضية دولية متشابكة الأبعاد. ينتمي الكتاب إلى سلسلة Springer Texts in Political Science and International Relations التي تُعنى بتقديم قراءات تحليلية معمقة لقضايا السياسة الدولية. ويأتي هذا العمل ضمن سياق أكاديمي يهدف إلى إعادة تفسير جذور الصراع في الشرق الأوسط من خلال منظور شامل يجمع بين التاريخي والبنيوي، بحيث لا يكتفي بوصف الأحداث بل يسعى إلى تحليل البنى السياسية والاقتصادية والأمنية التي حافظت على استمرارية النزاع لأكثر من سبعين عامًا.

تعمل مارجريت يوهانسن باحثة في معهد أبحاث السلام والسياسات الأمنية بجامعة هامبورغ (IFSH)، على بناء إطار تحليلي يربط بين التحولات التاريخية للصراع العربي–الإسرائيلي وتطور النظام الإقليمي في الشرق الأوسط. ويعتمد الكتاب على منهج تركيبي يجمع بين التحليل الواقعي الذي يفسر سلوك الفاعلين في ضوء مصالح القوة والأمن، والتحليل البنائي الذي يفسر دور الأفكار والهويات والمعتقدات في تشكيل مواقف الأطراف. ويتكون الكتاب من خمسة فصول مترابطة، تبدأ بمقدمة تحليلية عن موقع الصراع في النظام الدولي، ثم تنتقل إلى استعراض جذوره التاريخية، يليها تحليل لمسار عملية السلام وتطورها، ثم فصل مخصص لبنية الصراع والقضايا الجوهرية، وأخيرًا فصل ختامي يتناول رؤى المستقبل المحتملة.

في الفصل الأول تقدم يوهانسن عرضًا تمهيديًا يوضح أن الصراع في الشرق الأوسط لا يمكن فهمه كخلاف ثنائي بين الفلسطينيين والإسرائيليين فقط، بل كمنظومة تفاعلية تتقاطع فيها مصالح قوى متعددة. فالصراع، في نظرها، ليس مجرد نزاع على الأرض بل على الشرعية والتاريخ والهوية. وتؤكد أن استمرار هذا النزاع يعكس خللًا بنيويًا في النظام الإقليمي، إذ تظل المنطقة رهينة لتوازنات هشة تعيد إنتاج نفسها بفعل غياب حل عادل وشامل. وتربط المؤلفة بين تعثر عملية السلام وازدياد العنف العابر للحدود، معتبرة أن فشل التسوية لا يقتصر أثره على الفلسطينيين والإسرائيليين بل يمتد إلى استقرار الشرق الأوسط بأسره.

أما الفصل الثاني، فيتناول الجذور التاريخية والسياسية للصراع منذ أواخر القرن التاسع عشر، مسلطًا الضوء على نشأة الحركة الصهيونية الأوروبية في ظل الأزمات السياسية والاجتماعية التي عاشها يهود أوروبا، وكيف ارتبط هذا المشروع بالمصالح الاستعمارية البريطانية. وتوضح يوهانسن أن وعد بلفور عام 1917 لم يكن مجرد إعلان سياسي، بل نقطة تحول نقلت القضية الفلسطينية إلى إطار دولي تُدار فيه الأرض والشعوب بآليات القوة لا العدالة. كما تتناول المراحل اللاحقة من الانتداب البريطاني إلى إعلان دولة إسرائيل عام 1948، مرورًا بالحروب العربية الإسرائيلية المتعاقبة، معتبرة أن كل حرب أعادت تعريف ميزان القوى في المنطقة وعمقت حالة الانقسام بين العرب أنفسهم. وتشير الكاتبة إلى أن المشروع الوطني الفلسطيني نشأ في مواجهة هذه التحولات، وتطور من مقاومة شعبية إلى حركة سياسية منظمة ممثلة في منظمة التحرير الفلسطينية، ثم إلى نموذج سلطة محدودة تحت الاحتلال بعد اتفاق أوسلو.

في الفصل الثالث، تناقش يوهانسن مسار عملية السلام منذ مؤتمر مدريد عام 1991 وحتى انهيار المفاوضات النهائية في كامب ديفيد عام 2000. وترى أن عملية السلام جاءت في سياق دولي جديد تميز بانتهاء الحرب الباردة وبروز الولايات المتحدة كقوة مهيمنة، ما جعلها تحتكر دور الوسيط في النزاع. غير أن هذا الوسيط، كما توضح الكاتبة، لم يكن محايدًا بل انحاز إلى الرؤية الإسرائيلية للأمن على حساب العدالة الفلسطينية. وفي هذا السياق، تقدم يوهانسن شرحًا لتحولات مسار أوسلو، موضحة أن اتفاق أوسلو الأول لعام 1993 مثل لحظة اعتراف متبادل بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل، وأرسى الإطار العام للحكم الذاتي الانتقالي، بينما جاء اتفاق أوسلو الثاني عام 1995 ليرسخ تقسيم الأراضي إلى مناطق A وB وC على نحو جعل السيطرة الإسرائيلية الفعلية تتسع رغم الحديث عن انتقال تدريجي للسلطات. وتشير إلى أن هذين الاتفاقين، على الرغم من كونهما فتحا مسارًا تفاوضيًا جديدًا، لم يؤديا إلى قيام دولة فلسطينية مستقلة، بل أسسا لواقع إداري وسياسي معقد يقوم على استمرار الاحتلال وتعميق التبعية الاقتصادية للسلطة الفلسطينية. ومن خلال تحليلها لهذا المسار، تستنتج يوهانسن أن السلام في الشرق الأوسط تحول إلى آلية لإدارة الصراع بدلًا من حله، نتيجة غياب الإرادة السياسية لدى القوى الكبرى، واستمرار الاستيطان، وتفكك النظام العربي، وتآكل القدرة التفاوضية الفلسطينية.

ويُعد الفصل الرابع من أكثر أجزاء الكتاب عمقًا وتحليلًا، إذ تقدم فيه الكاتبة مقاربة بنيوية لبنية الصراع وقضاياه الجوهرية. وتشمل هذه القضايا ملفات الحدود، والقدس، واللاجئين، والمستوطنات، والمياه، والاقتصاد، وهي جميعًا تمثل عناصر متشابكة تعيق أي تقدم نحو تسوية نهائية. ترى يوهانسن أن الاحتلال الإسرائيلي أعاد تشكيل نموذج جديد من الاستعمار الأمني، يقوم على السيطرة غير المباشرة من خلال الجدار العازل، والتحكم في الموارد، وفرض نظام اقتصادي تابع للسلطة الفلسطينية. كما تستعرض الكاتبة أدوار الفاعلين الإقليميين والدوليين، موضحة أن مصر والأردن يظلان الطرفين الأكثر ارتباطًا بالعملية السياسية، بينما تسعى إيران وتركيا إلى توظيف الصراع لتعزيز نفوذهما الإقليمي. أما الولايات المتحدة، فتمثل الطرف الأكثر تأثيرًا في توجيه المسار السياسي، في حين يظل الاتحاد الأوروبي محصورًا في دوره المالي دون نفوذ سياسي فعلي، مع عودة روسيا للعب دور الموازن الدولي منذ تدخلها في سوريا.

وفي الفصل الخامس، تستشرف يوهانسن مستقبل الصراع عبر ثلاثة سيناريوهات رئيسية. الأول هو استمرار الوضع القائم على الانفصال والضم، أي بقاء الأراضي الفلسطينية مجزأة تحت السيطرة الإسرائيلية المتزايدة. الثاني هو حل الدولتين، الذي تراه الكاتبة الحل الأكثر واقعية من الناحية القانونية، لكنه يعاني من غياب الدعم السياسي والتنفيذي. أما الثالث فهو مشروع الدولة الواحدة لشعبين، والذي تعتبره خيارًا أخلاقيًا وإنسانيًا، لكنه يصطدم بالعقبات الأيديولوجية والهوياتية. وتخلص الكاتبة إلى أن أي مسار نحو سلام عادل ومستدام يتطلب تحولًا بنيويًا في ميزان القوة الإقليمي، وإعادة تعريف لمفاهيم السيادة والأمن، بحيث يُبنى السلام على العدالة والمساواة لا على مبدأ القوة والغلبة.

القراءة النقدية للكتاب

يمثل الكتاب إضافة علمية قيمة إلى أدبيات الصراع العربي الإسرائيلي، إذ يقدم إطارًا نظريًا متماسكًا يجمع بين التحليل التاريخي والبنيوي، ويعرض رؤية أوروبية تتسم بقدر كبير من الموضوعية والاتزان. ويُحسب للمؤلفة قدرتها على الربط بين المسار التاريخي للصراع وتحولاته الكبرى، وبين ديناميات الفاعلين الإقليميين والدوليين، فضلًا عن توظيفها منهجًا يمزج بين الواقعية السياسية والبنائية الفكرية، ما يمنح الكتاب قيمة تحليلية تساعد الباحثين على فهم أعمق لتطور القضية الفلسطينية داخل النظام الدولي. كما يميز الكتاب اعتماده على مصادر رصينة، وتقديمه قراءة حديثة تُبعد نفسها عن الانحيازات الأيديولوجية الحادة، مع حرص واضح على صياغة تحليل عقلاني يستند إلى وقائع تاريخية وسياسية موثقة.

غير أن هذا الجانب الإيجابي لا يحجب مجموعة من الحدود النظرية والمنهجية التي تستدعي قراءة نقدية أكثر عمقًا. إذ يظهر الكتاب رغم شموليته متأثرًا بالإطار التحليلي الغربي التقليدي الذي يميل إلى التركيز على التوازنات الأمنية والدبلوماسية أكثر من التركيز على الطابع الاستعماري الاستيطاني للصراع، وهو ما ينعكس في إبراز الصراع كإشكالية سياسية قابلة للإدارة، لا كبنية استعمارية مُعمقة تعيد إنتاج نفسها. كما تتجنب المؤلفة التعمق في نقد السياسات الاستيطانية الإسرائيلية بوصفها جزءًا من منظومة استعمارية تُهندس الأرض والإنسان، مكتفية بتوصيفها كعقبة سياسية لا كممارسة هيكلية متجذرة في المشروع الصهيوني.

ويُلاحظ كذلك أن الكتاب يفتقر إلى التوسع في الأدبيات العربية والفلسطينية التي تناولت الصراع من داخل التجربة المحلية، فمع اعتماده شبه الكامل على المصادر الأوروبية والأمريكية، يغيب عنه صوت الباحثين العرب والفلسطينيين الذين قدموا قراءات راسخة في قضايا الهوية، والمقاومة، والذاكرة، والحياة اليومية تحت الاحتلال. كما أن المؤلفة لا تستفيد بما يكفي من الأدبيات الحديثة التي أصبحت اليوم حجر الأساس في دراسات فلسطين، خصوصًا الأدبيات النقدية حول الاستعمار الاستيطاني، والدراسات التي تتناول أثر السياسات الإسرائيلية على النسيج الاجتماعي الفلسطيني.

هناك تركيز مفرط على الدول والفاعلين الرسميين أضعف تناول الكتاب للديناميات الاجتماعية والاقتصادية للحياة تحت الاحتلال، بما يشمل سياسات الحصار، وانهيار البنى المجتمعية، والحواجز، وتفتيت الجغرافيا، وهي عناصر أساسية لفهم طبيعة السيطرة الإسرائيلية الحديثة وآثارها البنيوية. كما أن استشراف المؤلفة لمستقبل الصراع يعتمد على سيناريوهات تقليدية معروفة وهي استمرار الوضع القائم، أو حل الدولتين، أو الدولة الواحدة دون إدراج نماذج حديثة ظهرت في الأدبيات المعاصرة مثل تحولات حركة المقاطعة، أو تغير موازين القوى الإقليمية، أو تراجع مركزية الدور الأمريكي.

وعلى الرغم من هذه الملاحظات النقدية، يظل الكتاب من الأعمال الأكاديمية البارزة التي تُقدم مدخلًا تحليليًا شاملًا لفهم ديناميات الصراع في الشرق الأوسط، ويجمع بين الدقة المنهجية والاتزان السياسي، مما يجعله مرجعًا مهمًا للباحثين في مجالات النزاعات الدولية والسياسات المقارنة ودراسات فلسطين. ويأتي هذا النقد ليُبرز حدود المقاربة لا لينتقص من قيمتها، وليؤكد أن الكتاب يحتاج إلى استكماله بأعمال أخرى تُبرز الأصوات المحلية، وتعالج البعد الاستعماري، وتقدم مقاربات أكثر جذرية لمستقبل الصراع في المنطقة.

باحث في العلاقات الدولية بمركز ترو للدراسات والتدريب

WhatsApp Image 2026-01-25 at 3.01
من فنزويلا إلى القطب الشمالي: غرينلاند وإعادة تشكيل أولويات النفوذ في الاستراتيجية الأمنية الأمريكية
الأعمدة السبع للشخصية المصرية
رؤية تحليلية لوثيقة إستراتيجية الأمن القومي الأمريكي 2025
صفقة آرو-3 بين إسرائيل وألمانيا: دوافع الشراء وتحولات الأمن الأوروبي
Scroll to Top