تأتي وثيقة إستراتيجية الأمن القومي الأمريكي لعام 2025 في لحظة دولية تتسم بدرجة غير مسبوقة من التعقيد والتحول، حيث تتقاطع المنافسة الجيوسياسية بين القوى الكبرى مع أزمات اقتصادية عالمية متصاعدة، وتحديات تكنولوجية متسارعة تعيد تشكيل طبيعة القوة والردع، فضلًا عن بروز تهديدات عابرة للحدود تتراوح بين الهجمات السيبرانية، وتغير المناخ، وصعود الذكاء الاصطناعي بوصفه عنصرًا مركزيًا في معادلة الأمن العالمي. وفي هذا السياق، تمثل الوثيقة الجديدة الإطار المرجعي الأشمل لفهم كيفية إدراك واشنطن للمخاطر الدولية الراهنة، والفرص الاستراتيجية المتاحة، وطبيعة الأدوات التي تعول عليها في إدارة موازين القوى خلال العقد القادم.[1]
تكتسب وثيقة إستراتيجية الأمن القومي الأمريكي لعام 2025 أهمية استثنائية، ليس فقط بوصفها إطارًا ناظمًا لتوجهات السياسة الخارجية والأمنية للولايات المتحدة، وإنما لكونها أداة تفسيرية مركزية لفهم نمط تفكير الرئيس دونالد ترامب ومعتقداته الاستراتيجية. فطبيعة شخصية ترامب السياسية تتسم بالتعقيد والتقلب، وتعتمد في كثير من الأحيان على القرارات السريعة والخطاب المباشر، ما يجعل وجود وثيقة مكتوبة ذات طابع مؤسسي أمرًا بالغ الأهمية لفهم المنطق الحاكم لسلوكه الخارجي. وتوفر هذه الوثيقة مرجعًا تحليليًا يمكن من خلاله تتبع المتغيرات التي تحكم السياسة الخارجية الأمريكية، سواء على مستوى تعريف التهديدات، أو ترتيب الأولويات، أو طبيعة التعامل مع الحلفاء والخصوم، بما يتيح للباحثين وصنّاع القرار قراءة أكثر استقرارًا واتساقًا لتوجهات الإدارة الأمريكية، بعيدًا عن الطابع الشخصي والخطابي للرئيس، وضمن إطار استراتيجي قابل للتحليل والتوقع.
ويسعى هذا المقال التحليلي إلى تقديم قراءة تحليلية للوثيقة، لا بوصفها مجرد بيان سياسي صادر عن الإدارة الأمريكية، بل باعتبارها إطار حاكم لمتغيرات السياسة الخارجية الأمريكية تكشف عن توجهات التفكير الاستراتيجي الأمريكي، وحدود قدرته على مزج أدوات القوة التقليدية والحديثة في بيئة دولية تعيش إعادة تشكيل معمقة. كما يستعرض المقال الأسس النظرية التي تستند إليها الاستراتيجية، وتناقش انعكاساتها على ترتيبات الأمن الإقليمي والدولي، فضلًا عن تحليل التحولات التي طرأت على أولويات واشنطن مقارنة بالاستراتيجية السابقة، سواء فيما يتعلق بموقع الصين وروسيا في الإدراك الأمريكي، أو فيما يخص دور الحلفاء، أو منظومة الأمن السيبراني، أو بناء القدرات العسكرية المتقدمة.[2]
تشير قراءة الوثيقة إلى مجموعة من الملاحظات التحليلية المهمة التي تستحق التوقف عندها، ويأتي في مقدمتها تركيز الوثيقة على تصدير حالة من الإحساس بوجود تهديد واسع النطاق يواجه الولايات المتحدة. وتوظف الوثيقة في هذا السياق خطابًا لغويًا ملئ بمفردات لا تنسجم بالضرورة مع واقع كون الولايات المتحدة ما تزال القوة العسكرية الأولى عالميًا، والفاعل الأكثر تأثيرًا في بنية النظام الدولي الراهن. إذ تنقل الوثيقة، على لسان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، تأكيدًا مفاده: “منذ اليوم الأول لتولي المنصب، استعدنا سيادة حدود الولايات المتحدة ونشرنا الجيش الأمريكي لوقف غزو بلادنا”. ويُلاحظ أن استخدام مصطلح الغزو لا يتوافق مع طبيعة التهديد المقصود، والذي يُفهم من سياق الوثيقة أنه يشير بالأساس إلى ظاهرة الهجرة غير الشرعية القادمة من بعض دول الجوار، وهو توصيف يحمل قدرًا من المبالغة السياسية ولا ينسجم مع المعايير التقليدية لتهديدات الأمن القومي لدولة بحجم الولايات المتحدة. وعلى الرغم من أن هذا الخطاب قد يهدف إلى تبرير السياسات المتشددة التي تتبناها الإدارة الحالية تجاه ملف الهجرة، فإنه يعكس في الوقت ذاته حالة أعمق من القلق داخل الرؤية الأمريكية، ترتبط بتآكل الإحساس بالأمن الداخلي، وتنامي المخاوف المرتبطة بالهوية والسيادة، بما يشير إلى تحول لافت في كيفية إدراك الولايات المتحدة لمصادر التهديد في المرحلة الراهنة.[3]
كما يسعى هذا المقال التحليلي إلى الربط بين نصوص الوثيقة وتوجهات السياسة الخارجية على الأرض، وإبراز مدى اتساقها أو تناقضها مع الواقع الدولي في عام 2025، بما يتيح للدارسين والباحثين فهمًا أعمق لديناميات القوة الأمريكية وحدودها، ورؤية للخيارات التي ترسم مستقبل الأمن الدولي في السنوات القادمة.
المحور الأول: السياق الدولي للاستراتيجية كما تعرضه وثيقة الأمن القومي الأمريكي 2025
تقدم وثيقة استراتيجية الأمن القومي الأمريكي 2025 تصورًا شاملًا لطبيعة البيئة الدولية التي تتحرك فيها الولايات المتحدة، وهي بيئة تتسم بتزايد حدة المنافسة بين القوى الكبرى، وتراجع قدرة المؤسسات الدولية على ضبط التفاعلات الأمنية، وظهور تأثيرات عميقة للأزمات الممتدة في الشرق الأوسط وأوروبا وآسيا. ويتمحور السياق الاستراتيجي في الوثيقة حول أربع قضايا رئيسية تُعد الأكثر تأثيرًا في رؤية واشنطن: الشرق الأوسط، العلاقة مع روسيا، العلاقة مع الصين، والحرب الروسية الأوكرانية. ويكشف تحليل هذه القضايا عن اتجاه أمريكي نحو إعادة تعريف المصالح الحيوية، وإعادة صياغة آليات الردع، وتوزيع الأعباء الجيوسياسية بطريقة أكثر ملاءمة لموازين القوى الراهنة.[4]
- الشرق الأوسط: إعادة هيكلة الأولويات وبناء ترتيبات الاستقرار
تقدم الاستراتيجية مقاربة معاد ضبطها تجاه الشرق الأوسط، تقوم على إعادة هيكلة الأولويات لا على الانسحاب أو التراجع الكامل عن المنطقة. فعلى خلاف الطروحات التي تفترض تراجع أهمية الشرق الأوسط نتيجة صعود الإنتاج النفطي الأمريكي، تُظهر الوثيقة إدراكًا أكثر دقة لتعقيدات معادلة الطاقة العالمية، إذ تؤكد ضمنيًا أن الولايات المتحدة، رغم امتلاكها قدرات إنتاجية مرتفعة، لا تزال تعتمد على نفط الشرق الأوسط، ولا سيما الواردات القادمة من السعودية والإمارات والعراق، في إطار إدارة استقرار أسواق الطاقة العالمية، مع توظيف الإنتاج المحلي الأمريكي بدرجة كبيرة في تعزيز المخزون النفطي الاستراتيجي والحفاظ على هامش مناورة واسع في أوقات الأزمات، لا في الاستغناء الكامل عن نفط المنطقة.
وفي هذا السياق، تعكس المقاربة الأمريكية تحولًا من التعامل مع الشرق الأوسط بوصفه ساحة صراعات عسكرية مفتوحة إلى اعتباره فضاءً لإدارة الاستقرار وضمان أمن الممرات الحيوية وسلاسل الإمداد، ضمن ما تصفه الوثيقة بمنطق الواقعية المرنة، أي تبني سياسات تقوم على المصلحة الصلبة والردع الانتقائي، مع قابلية التكيف مع خصوصيات البيئة الإقليمية، وتجنب الالتزامات العسكرية الواسعة طويلة الأمد. ووفق هذا المنطق، فإن تقليص الانخراط العسكري لا يعني تقليص الأهمية الاستراتيجية، بل إعادة توزيع أدوات النفوذ.
وتؤكد الوثيقة أن الشرق الأوسط مرشح لأن يتحول إلى وجهة متزايدة للاستثمارات الدولية في التكنولوجيا المتقدمة، والذكاء الاصطناعي، والطاقة النووية السلمية، وهو ما ترى فيه واشنطن فرصة لتعزيز سلاسل الإمداد العالمية، وفتح أسواق جديدة أمام الصناعات الدفاعية والتكنولوجية الأمريكية. ومن ثم، يصبح الاستقرار الإقليمي شرطًا بنيويًا لإنجاح هذا التحول الاقتصادي التكنولوجي، وليس مجرد هدف أمني تقليدي.
وفي الإطار الأمني، تضع الإستراتيجية إيران في صدارة مصادر زعزعة الاستقرار في الشرق الأوسط، معتبرة أن قدراتها قد تعرضت لتآكل ملموس نتيجة العمليات العسكرية الإسرائيلية بعد 7 أكتوبر 2023، وكذلك بفعل العملية الأمريكية التي نُفذت في يونيو 2025، والتي تشير الوثيقة إلى أنها أسهمت في تقليص واسع لقدرات إيران التخريبية وشبكات نفوذها الإقليمي. ويأتي هذا التوصيف في سياق تأكيد تبني مقاربة الردع الصارم دون الدخول في حرب شاملة.
كما تعتمد الإستراتيجية نهجًا يقوم على قبول الأنظمة الإقليمية كما هي، ولا سيما الملكيات الخليجية، مع رفض محاولات فرض نماذج سياسية من الخارج، وهو ما تربطه الوثيقة بمخاطر الإفراط في السيادة، أي التوسع في التدخل الخارجي تحت ذرائع إصلاحية بما يؤدي عمليًا إلى إضعاف الدولة الوطنية وزيادة هشاشتها. وبدلًا من ذلك، تشجع الوثيقة مسارات الإصلاح التدريجي الداخلي متى توفرت شروطه، معتبرة أن الضغوط الخارجية غالبًا ما تكون غير منتجة وقد تفضي إلى نتائج عكسية.
وتؤكد الرؤية الأمريكية، في هذا الإطار، على أولويات ثابتة تشمل حماية خطوط الملاحة في البحر الأحمر، وضمان بقاء مضيق هرمز مفتوحًا، ومنع تحول المنطقة إلى بيئة حاضنة للتنظيمات الإرهابية، فضلًا عن الالتزام بالحفاظ على أمن إسرائيل بوصفه عنصرًا محوريًا في معادلة الأمن الإقليمي وفي الحسابات الإستراتيجية الأمريكية الأوسع.[5]
- العلاقة مع روسيا استعادة شروط الاستقرار وتفادي التصعيد في إطار الواقعية المرنة
تتناول إستراتيجية الأمن القومي الأمريكي 2025 العلاقة مع روسيا من منظور يقوم على استعادة الاستقرار الإستراتيجي في أوروبا وتفادي الانزلاق نحو مواجهة واسعة النطاق قد تتجاوز حدود الصراع الأوكراني. وتُظهر الوثيقة إدراكًا واضحًا لحالة التدهور العميق التي وصلت إليها العلاقات الروسية الأوروبية، حيث تشير إلى أن الحرب أفرزت بيئة أمنية شديدة الهشاشة داخل القارة الأوروبية، وأثقلت كاهل العديد من الحكومات بأزمات اقتصادية واجتماعية وسياسية متراكمة، ناجمة عن توقعات غير واقعية بشأن مسار الحرب وطول أمدها وتكلفتها.
وفي هذا الإطار، تعكس الإستراتيجية وعيًا أمريكيًا متزايدًا بأن روسيا، رغم الضغوط الاقتصادية والعقوبات، لا تزال تمتلك تفوقًا ملحوظًا في القدرات الصلبة التقليدية مقارنة بعدد كبير من الدول الأوروبية، مع استثناء القدرات النووية الاستراتيجية التي تبقى عامل الردع الأساسي المتبادل. ويسهم هذا التفوق النسبي في ترسيخ إدراك أوروبي متنامي لروسيا بوصفها تهديدًا وجوديًا، لا سيما لدى دول شرق ووسط أوروبا، وهو ما يرفع من احتمالات سوء التقدير والتصعيد غير المقصود.
وانطلاقًا من هذا، تعتمد الوثيقة مقاربة تصفها صراحة بمنطق الواقعية المرنة في التعامل مع روسيا، وهي مقاربة تقوم على الجمع بين الردع الصارم وتجنب المغامرة الإستراتيجية. ووفق هذا المنطق، لا تسعى واشنطن إلى تحقيق هزيمة شاملة لروسيا أو دفعها إلى انهيار استراتيجي، بقدر ما تهدف إلى إدارة الصراع وضبط إيقاعه بما يمنع تحوله إلى مواجهة مباشرة بين موسكو وحلف الناتو.
وفي هذا السياق، تحدد الإستراتيجية الأمريكية جملة من الأولويات الرئيسية في التعامل مع الحرب الروسية الأوكرانية، تتمثل في منع توسع نطاق الصراع خارج الأراضي الأوكرانية، وتفادي أي تصعيد غير مقصود قد يفضي إلى مواجهة مباشرة بين روسيا والناتو، والعمل على إعادة إرساء حد أدنى من الاستقرار بين روسيا وأوروبا من خلال ترتيبات أمنية جديدة تأخذ في الاعتبار موازين القوة والوقائع الميدانية. كما تؤكد الوثيقة على أهمية ضمان بقاء أوكرانيا دولة قابلة للحياة عقب انتهاء العمليات القتالية، بما يسمح بإعادة إعمارها، وتثبيت مؤسسات الحكم فيها، ومنع تحولها إلى دولة فاشلة تمثل مصدر عدم استقرار دائم في أوروبا.
وتخلص الإستراتيجية إلى أن استقرار القارة الأوروبية يمثل شرطًا حيويًا للأمن القومي الأمريكي، ليس فقط من منظور أمني، بل أيضًا من منظور اقتصادي وسياسي. فاستمرار الحرب، وفق تقدير الوثيقة، من شأنه تعميق هشاشة الداخل الأوروبي، وإضعاف قدرة أوروبا على أداء دور الشريك الاستراتيجي الفاعل للولايات المتحدة في مواجهة التحديات العالمية، وعلى رأسها المنافسة مع الصين. ومن ثم، فإن مقاربة الواقعية المرنة تمثل في التصور الأمريكي المسار الأكثر عقلانية لإدارة العلاقة مع روسيا في مرحلة تتسم بارتفاع المخاطر وضيق هوامش الخطأ.[6]
- الحرب الروسية الأوكرانية: مصدر الاضطراب الأكبر في أوروبا
تعد الحرب الروسية الأوكرانية في رؤية الوثيقة التهديد الأكثر تأثيرًا في استقرار القارة الأوروبية، حيث أدت إلى ازدياد اعتماد أوروبا على الخارج في الطاقة، وإغلاق العديد من المنشآت الصناعية داخلها، ونقل استثمارات كبيرة إلى الصين، مما فاقم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية الأوروبية وأضعف الاستقلالية الاستراتيجية للقارة.
وتتوجه الاستراتيجية إلى حد التحذير من أن أوروبا قد تصبح غير قابلة للتعرف عليها خلال العقدين القادمين إذا استمرت الاتجاهات الحالية دون إصلاحات جوهرية، لا سيما في ظل أزمات الديمقراطية، وتراجع الثقة بالنفس لدى الحكومات، وتصاعد الاحتجاجات الشعبية.
وانطلاقًا من ذلك، تعتبر واشنطن أن إنهاء الأعمال القتالية في أوكرانيا بشكل عاجل يمثل مصلحة أمريكية مباشرة، ليس فقط من أجل استقرار أوروبا، ولكن أيضًا لحماية النظام الاقتصادي عبر الأطلسي، وإعادة ضبط التوازنات مع روسيا، ومنع انزلاق القارة إلى صراع ممتد قد يمتد إلى مؤسسات الناتو ويهدد بنية الأمن الأوروبي بأكملها.
وبالتالي، تكشف الوثيقة أن الولايات المتحدة تتجه نحو إعادة ترتيب أولوياتها العالمية بما يتناسب مع حجم المنافسة الدولية الراهنة. فالشرق الأوسط يشهد تراجعًا نسبيًا في الاهتمام لكنه يبقى ساحة ضرورية لضبط الاستقرار الإقليمي، بينما تتعامل واشنطن مع روسيا والصين باعتبارهما ركيزتين رئيسيتين في معادلة التوازن العالمي. وفي الخلفية، تمثل الحرب الأوكرانية العنوان الأكثر إلحاحًا في حسابات الأمن الأوروبي والأمريكي، وعنصرًا محددًا لشكل النظام الدولي خلال العقد القادم.[7]
- العلاقة مع الصين: صعود المنافس الاقتصادي والتكنولوجي
تركز الوثيقة على أن الصين باتت طرفًا محوريًا في إعادة تشكيل بنية الاقتصاد العالمي، وتحديدًا بعد أن لجأت الشركات الأوروبية وخاصة الألمانية إلى نقل مصانعها إلى الصين عقب أزمة الغاز الروسية، وهو ما يعكس عمق النفوذ الصناعي الصيني وقدرته على استقطاب الاستثمارات الدولية في لحظات الاضطراب الجيوسياسي.
وتتناول الاستراتيجية العلاقة مع الصين من زاوية الحفاظ على التفوق الصناعي والتكنولوجي الأمريكي، حيث تشدد على ضرورة:
- إعادة توطين الصناعات الحيوية داخل الولايات المتحدة.
- استعادة الهيمنة في مجال الطاقة.
- تعزيز القدرات في الذكاء الاصطناعي.
- حماية سلاسل الإمداد المتقدمة.
- الحد من النفوذ الصيني في الأسواق العالمية، خاصة في القطاعات عالية التقنية.
وهكذا، لا تنظر الوثيقة إلى الصين فقط باعتبارها منافسًا جيوسياسيًا، بل كقوة اقتصادية تكنولوجية تُعيد تشكيل ميزان القوى الدولي بطريقة قد تهدد الهيمنة الأمريكية إذا لم تُواجه بسياسات صناعية واستثمارية حاسمة.[8]
- مبدأ مونرو في استراتيجية الأمن القومي الأمريكي 2025: إعادة تعريف المجال الحيوي والتركز الجيوسياسي
تعيد إستراتيجية الأمن القومي الأمريكي لعام 2025 إحياء مبدأ مونرو في صيغة معاصرة تتجاوز دلالاته التاريخية التقليدية، بحيث لم يعد المبدأ مقتصرًا على رفض التدخل الخارجي في نصف الكرة الغربي، وإنما أصبح إطارًا ناظمًا لإدارة المجال الحيوي الأمريكي في ظل اشتداد التنافس بين القوى الكبرى. وتتعامل الوثيقة مع هذا المبدأ بوصفه أداة استراتيجية لإعادة تركيز الجهد الأمريكي على المناطق ذات الأهمية الحاسمة للأمن القومي، وفي مقدمتها القارة الآسيوية وأمريكا اللاتينية، باعتبارهما امتدادين مباشرين للأمن الأمريكي ومجالين لا تقبل واشنطن تحولهما إلى ساحات نفوذ مستدام لقوى منافسة، وعلى رأسها الصين وروسيا.
وفي هذا السياق، تنطلق الوثيقة من إدراك مفاده أن القارة الآسيوية تمثل المسرح الرئيسي للصراع الجيوسياسي في العقود المقبلة، في ضوء الصعود الصيني المتسارع اقتصاديًا وتكنولوجيًا وعسكريًا. ومن ثم، تركز الإستراتيجية على تعزيز الحضور الأمريكي في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، وتكثيف شبكة التحالفات الأمنية والاقتصادية مع الشركاء الآسيويين، والعمل على إعادة هيكلة سلاسل الإمداد العالمية لتقليل الاعتماد على الصين في القطاعات الحيوية. ويُفهم هذا التوجه بوصفه تطبيقًا عمليًا لمبدأ مونرو بصيغته الجديدة، حيث تسعى الولايات المتحدة إلى منع تشكل فضاء آسيوي مغلق تقوده الصين، بما قد يحد من حرية الحركة الأمريكية ويهدد موقعها القيادي في النظام الدولي.
وبالتوازي مع ذلك، تعكس الوثيقة اهتمامًا متجددًا بأمريكا اللاتينية، التي تُعد العمق الجغرافي الأقرب للأمن القومي الأمريكي، والساحة التاريخية لتطبيق مبدأ مونرو. وتشير الإستراتيجية إلى تنامي النفوذ الصيني والروسي في القارة من خلال الاستثمارات في البنية التحتية، وصفقات السلاح، ومشروعات الطاقة، وهو ما تعتبره واشنطن تطورًا مقلقًا يمس أمنها المباشر. ووفق هذا التصور، تسعى الولايات المتحدة إلى تعزيز شراكاتها الاقتصادية مع دول أمريكا اللاتينية، ومعالجة الأسباب البنيوية للهجرة غير الشرعية، ودعم الاستقرار السياسي، مع التأكيد في الوقت ذاته على وجود خطوط حمراء واضحة تمنع تحول القارة إلى ساحة تنافس مفتوح بين القوى الكبرى على مقربة مباشرة من المجال الحيوي الأمريكي.
وتُظهر الوثيقة أن إعادة توظيف مبدأ مونرو لا تأتي في إطار عقيدة تدخلية تقليدية، بل ضمن مقاربة تُصنف باعتبارها واقعية مرنة، تقوم على المزج بين الردع الانتقائي واستخدام أدوات النفوذ الاقتصادي والتكنولوجي، مع تجنب الانخراط العسكري واسع النطاق. وبهذا المعنى، لا تسعى الولايات المتحدة إلى فرض سيطرة مباشرة، وإنما إلى إدارة التوازنات الإقليمية ومنع ترسيخ نفوذ استراتيجي طويل الأمد لقوى منافسة، بما يضمن الحفاظ على هامش الحركة الأمريكي ويحد من تكاليف الالتزام الخارجي.
وفي المجمل، يعكس توظيف مبدأ مونرو في إستراتيجية الأمن القومي الأمريكي 2025 تحولًا في طبيعة الدور الأمريكي، من التمدد العالمي غير المشروط إلى تركز انتقائي على مناطق الحسم الجيوسياسي. ويُظهر هذا التحول سعي واشنطن إلى إدارة التنافس الدولي عبر ضبط المجال الحيوي وتوجيه الموارد نحو آسيا وأمريكا اللاتينية، وهو ما يوفر إطارًا تفسيريًا مهمًا لفهم أولويات السياسة الخارجية الأمريكية وحدود انخراطها في مناطق أخرى، ويكشف عن ملامح نظام دولي يتجه نحو صراعات نفوذ أكثر تركيزًا وأقل انتشارًا.[9]
- قضايا الطاقة في إستراتيجية الأمن القومي الأمريكي 2025: من التحول المناخي إلى أمن الطاقة والهيمنة الاقتصادية
تحتل قضايا الطاقة موقعًا مركزيًا في إستراتيجية الأمن القومي الأمريكي لعام 2025، حيث يعيد الرئيس دونالد ترامب تعريف مفهوم أمن الطاقة بوصفه أحد الأعمدة الأساسية للأمن القومي، ليس فقط من زاوية توفير الموارد، وإنما باعتباره أداة استراتيجية لتعزيز النفوذ الأمريكي، وضمان الاستقلال الاقتصادي، وممارسة الردع الجيوسياسي. وتنطلق الوثيقة من نقد صريح للسياسات المناخية التي اعتُمدت في السنوات السابقة، معتبرة أنها أضعفت القدرة التنافسية للاقتصاد الأمريكي، وقيدت الصناعات الوطنية، وأسهمت بصورة غير مباشرة في تعزيز مواقع القوى المنافسة، وعلى رأسها الصين وروسيا.
وتؤكد الوثيقة أن الولايات المتحدة تمتلك مزيجًا فريدًا من الموارد الطاقوية، يمكنها من الجمع بين الإنتاج المحلي المرتفع والقدرة على التأثير في الأسواق العالمية للطاقة. وعلى خلاف الطرح الذي يفترض فك الارتباط بين الولايات المتحدة ونفط الشرق الأوسط، تُظهر الإستراتيجية إدراكًا واقعيًا بأن واشنطن لا تزال تعتمد على واردات الطاقة من شركائها التقليديين، ولا سيما السعودية والإمارات والعراق، في إطار إدارة استقرار السوق العالمي وضمان توازن العرض والطلب. وفي المقابل، يُوظف الإنتاج الأمريكي المتنامي بدرجة أساسية في تعزيز المخزون النفطي الاستراتيجي، وتأمين الاحتياجات طويلة الأجل، وتوفير مرونة استراتيجية في أوقات الأزمات.
وفي هذا السياق، تربط الوثيقة بين أمن الطاقة والأمن الاقتصادي، معتبرة أن السيطرة على سلاسل إمداد الطاقة تمثل شرطًا لازمًا لاستمرار القوة الأمريكية. وتنتقد بوضوح ما تصفه بالإفراط في الاعتماد على مصادر طاقة غير موثوقة أو التسرع في التحول الطاقوي، وترى أن ذلك أدى إلى إضعاف الاقتصادات الغربية، ورفع معدلات التضخم، وزيادة هشاشة الحلفاء، خاصة في أوروبا. ومن ثم، تدعو الإستراتيجية إلى تبني مقاربة تدريجية وواقعية في التحول الطاقوي، لا تُضحي بالاستقرار الاقتصادي أو بالأمن الصناعي.
وتُبرز الوثيقة كذلك البعد الجيوسياسي للطاقة، حيث تنظر إلى النفط والغاز بوصفهما أدوات للنفوذ الدولي، وتؤكد أهمية الحفاظ على تدفق الطاقة عبر الممرات الحيوية، وفي مقدمتها مضيق هرمز والبحر الأحمر. كما تشدد على ضرورة منع توظيف الطاقة كسلاح سياسي من قبل قوى منافسة، سواء عبر التحكم في الإمدادات أو عبر ابتزاز الدول المستوردة، وهو ما يفسر تركيز واشنطن على تنويع مصادر الطاقة العالمية وتعزيز دور شركائها في الشرق الأوسط.
وفيما يتعلق بالطاقة النظيفة، لا ترفض الوثيقة مبدأ التحول الطاقوي بصورة مطلقة، لكنها تعيد صياغته ضمن إطار نفعي أمني، إذ ترى أن الاستثمار في الطاقة النووية السلمية والتكنولوجيا المتقدمة يجب أن يتم وفق اعتبارات الأمن القومي والقدرة التنافسية، لا استجابة لضغوط أيديولوجية أو التزامات دولية تُقيد حرية القرار الأمريكي. ويعكس هذا التوجه رؤية ترامب التي تفصل بين قضايا المناخ بوصفها ملفًا سياسيًا خلافيًا، وقضايا الطاقة بوصفها ركيزة استراتيجية لا يجوز إخضاعها لمنطق القيود.
وبالتالي، تُقدم إستراتيجية الأمن القومي الأمريكي 2025 تصورًا لقضايا الطاقة يقوم على الهيمنة الطاقوية المرنة، التي تجمع بين الإنتاج المحلي القوي، وإدارة الاعتماد الخارجي بذكاء، والحفاظ على الشراكات التقليدية في الشرق الأوسط، مع توظيف الطاقة كأداة لتعزيز النفوذ الأمريكي في النظام الدولي. ويكشف هذا التصور عن انتقال واضح من خطاب التحول المناخي الشامل إلى خطاب أمن الطاقة والواقعية الاقتصادية، بما يعكس إدراك الإدارة الأمريكية لطبيعة الصراع الدولي في مرحلة تتزايد فيها أهمية الموارد والأسواق والسيطرة على سلاسل الإمداد.[10]
المحور الثاني: رؤية تحليلية نقدية لإستراتيجية الأمن القومي الأمريكي 2025
تُعد إستراتيجية الأمن القومي الأمريكي لعام 2025 وثيقة تمثل نقطة كاشفة عن الفكر الاستراتيجي للولايات المتحدة، إذ تتجاوز الأسس التي قامت عليها الوثيقة السابقة لعام 2022، وتعيد صياغة مقاربة واشنطن للعالم في ضوء تحولات جيوسياسية واقتصادية عميقة. ويستدعي تحليل هذه الوثيقة قراءة نقدية تستكشف منطقها الداخلي، ومصادر قوتها، وحدود الفكرة التي تقوم عليها، فضلًا عن تقييم مدى اتساقها مع بنية النظام الدولي في منتصف العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين.
وتعكس الاستراتيجية تحولًا تكتيكيًا في كيفية تعريف الولايات المتحدة لمصالحها وحدود مسؤولياتها العالمية. فبينما اعتمدت الوثيقة السابقة عام 2022 في عهد جو بايدن على إطار ليبرالي يركز على الديمقراطية، والتحالفات، والتعددية، تأتي إستراتيجية 2025 محملة برؤية واقعية صلبة، تجعل من القوة الاقتصادية والتكنولوجية والردع الصارم الدعائم الأساسية لإعادة تثبيت الهيمنة الأمريكية.[11]
- فلسفة القوة واستعادة الهيمنة: رؤية أكثر صلابة في فهم الدور الأمريكي
تنطلق الوثيقة من فرضية مفادها أن العالم يمر بمرحلة إعادة تشكل، وأن القوى المنافسة وعلى رأسها الصين وروسيا استفادت خلال العقد الماضي من حالة التردد الأمريكي. ومن ثم، تتبنى الإستراتيجية لغة مباشرة، وأحيانًا حادة، تعكس توجهًا نحو استعادة الهيمنة الأمريكية، لا عبر القوة العسكرية فحسب، بل من خلال إعادة بناء قواعد الصناعات الدفاعية، وتعزيز التفوق التكنولوجي، وتوسيع النفوذ الطاقوي للولايات المتحدة عالميًا.
وتتضمن الوثيقة نقدًا ضمنيًا للنهج السابق الذي اعتبر أن القوة الأمريكية يجب أن تُمارس في إطار دولي تعاوني، حيث تؤكد أن السياسات المقيدة للطاقة أضعفت الولايات المتحدة وأوروبا، وأن العودة إلى الهيمنة الطاقية شرط لاستعادة القدرة على الردع العالمي. هذا التحول يعكس رؤية جوهرها أن: “القوة تحمي القيم، وليست القيم هي التي تنتج القوة”. وهو انتقال فكري من خطاب القيادة بالقيم إلى خطاب القيادة بالمقدرات.[12]
- إعادة تعريف التهديد: من التهديدات العابرة للحدود إلى التهديدات الصلبة
تنقل الوثيقة مركز الثقل من التهديدات غير التقليدية مثل المناخ والصحة العامة التي احتلت مرتبة متقدمة في إستراتيجية 2022، إلى التهديدات الجيوسياسية الصلبة. إذ تُقدم الصين باعتبارها المنافس الصناعي والتكنولوجي الرئيسي الذي يسعى للهيمنة على سلاسل الإمداد العالمية، بينما تُصور روسيا كقوة عسكرية ذات تأثير مباشر على أمن أوروبا واستقرار النظام العالمي. ويكشف هذا التحول عن رؤية أكثر واقعية تجاه المخاطر، إذ تضع الاستراتيجية الاقتصاد والتكنولوجيا والطاقة في قلب بنية الأمن القومي، وتعتبرها أسلحة رئيسية في التنافس الدولي. ومن ثم، يصبح الأمن القومي الأمريكي أمنًا اقتصاديًا وتقنيًا بقدر ما هو أمن عسكري وسياسي.[13]
ومع ذلك، هناك ملاحظة نقدية تتمثل في المبالغة في تقدير القدرة الأمريكية على استعادة الهيمنة الصناعية في ظل القفزات السريعة للصين، وتنامي قدراتها التصنيعية، وتغلغلها العميق في أسواق آسيا وإفريقيا وأوروبا. فإعادة توطين الصناعات داخل أمريكا يحتاج لزمن طويل واستثمارات ضخمة، وقد يحد من القدرات التنافسية للشركات الأمريكية نفسها.
- التحالفات: التحول من القيادة التعاونية إلى إدارة الحلفاء
تُعيد الإستراتيجية الراهنة تعريف التحالفات الدولية ليس باعتبارها شراكات تقوم على القيم المشتركة، بل باعتبارها أدوات لتعظيم القوة الأمريكية. ويظهر ذلك بوضوح في مقاربة الوثيقة لأوروبا، التي تُنتقد بشكل مباشر بسبب افتقارها إلى الثقة بالنفس، واعتمادها على الغاز الروسي، وعجزها عن إعادة بناء قدراتها الدفاعية بنفس الوتيرة التي تتطلبها البيئة الدولية. وتكشف اللغة المستخدمة في الوثيقة عن تحول من قيادة عبر التحالفات (في وثيقة 2022) إلى إعادة توزيع الأعباء (في وثيقة 2025). وقد يُنظر إلى هذا التحول بوصفه ضرورة عملية في ظل التحديات الاقتصادية الداخلية الأمريكية، لكنه يحمل أيضًا مخاطرة تتمثل في إضعاف تماسك التحالف الغربي إذا شعر الشركاء الأوروبيون بأن واشنطن تدفعهم نحو تحمل الأعباء دون ضمانات واضحة للحماية المتبادلة.
- الاعتماد على الواقعية المرنة بدلًا من الهندسة السياسية
تكشف الإستراتيجية عن مقاربة براغماتية واضحة تجاه الشرق الأوسط، تظهر في تركيز الجهد الأمريكي على ردع إيران وتقليص قدرتها على تهديد المصالح الأمريكية والإقليمية، والانتقال من مركزية النفط إلى مركزية التكنولوجيا والاستثمار، إذ تُقدم الوثيقة تصورًا للشرق الأوسط كبيئة واعدة للاستثمار في الذكاء الاصطناعي والطاقة النووية والقطاعات الدفاعية.
هذا التحول يعكس إدراكًا أمريكيًا بأن الشرق الأوسط لم يعد ساحة للهيمنة التقليدية، بل أصبح مجالًا لإعادة تشكيل النفوذ، وتحديد مجالات الشراكة الاقتصادية والتكنولوجية، دون الانخراط في هندسة سياسية مكلفة وغير مضمونة.
ومع ذلك، يُسجل على الوثيقة أنها تقلل من حجم التحديات البنيوية في المنطقة، وأنها تفترض قدرة الولايات المتحدة على إدارة التوازنات دون الحاجة إلى انخراط عميق، وهو افتراض لا يتسق تمامًا مع تجارب العقدين الماضيين.
- إعادة إنتاج الردع والاعتراف بالضعف الأوروبي
كما سبقت الإشارة في الجزء الأول تبرز الوثيقة إدراكًا أمريكيًا لعمق الأزمة التي تعيشها أوروبا، سواء على مستوى الطاقة أو القدرات الدفاعية أو تآكل الثقة بالنخب السياسية. وتقدم الولايات المتحدة نفسها بوصفها الفاعل الوحيد القادر على منع اتساع الحرب الروسية الأوكرانية، وعلى إعادة تأسيس توازن جديد بين أوروبا وروسيا. ورغم أن هذه المقاربة تمنح واشنطن مساحة واسعة من النفوذ، إلا أنها تُظهر كذلك: نظرة دونية إلى القدرات الأوروبية، وتقييمًا مبالغًا فيه لمدى استعداد أوروبا لتحمل أعباء إعادة التسليح.
وفي المقابل، تتغاضى الوثيقة عن أن روسيا رغم قوتها الصلبة تواجه تحديات اقتصادية ومعنوية لا تقل عمقًا عن التحديات الأوروبية، وهو ما يجعل المشهد أكثر اتساعًا وتعقيدًا مما تقدمه الوثيقة.
- أولوية الاقتصاد والتكنولوجيا كمجالين للردع العسكري
لعل أبرز ما يميز إستراتيجية 2025 هو مركزة الاقتصاد والتكنولوجيا كمجالين للردع الاستراتيجي. فالوثيقة تعطي الأولوية لإعادة التصنيع، وتوسيع الصناعات الدفاعية، واستعادة الهيمنة في الطاقة، والريادة في الذكاء الاصطناعي، معتبرة هذه المجالات شرطًا لبقاء الولايات المتحدة قوة عظمى.
ويعكس هذا التحول إدراكًا دقيقًا لطبيعة المرحلة الراهنة، حيث لم تعد القوة العسكرية وحدها قادرة على ضمان النفوذ الدولي. ومع ذلك، تبقى إشكالية القدرة على التنفيذ تحديًا رئيسيًا، خاصة في ظل الانقسام السياسي الداخلي والضغط على الموازنات العامة.[14]
وهكذا، تبدو الوثيقة في نهاية المطاف تعبيرًا عن إرادة سياسية لإعادة تموضع الولايات المتحدة داخل نظام دولي في مرحلة تحول نحو زيادة المنافسة، لكنها تواجه تحديات موضوعية تجعل تطبيقها عملية معقدة تتطلب وقتًا وقدرة مؤسساتية وتحالفية تمتد إلى ما بعد عام 2025.
المحور الثالث: توصيات استراتيجية لمصر والدول العربية في ضوء إستراتيجية الأمن القومي الأمريكي 2025
تكشف قراءة إستراتيجية الأمن القومي الأمريكي لعام 2025 عن تحولات عميقة في الإدراك الاستراتيجي للولايات المتحدة، سواء على مستوى أولويات القوة الصلبة والاقتصاد، أو على مستوى إعادة تعريف التحالفات، أو في مقاربة واشنطن للشرق الأوسط بوصفه مجالًا للاستقرار وإدارة المصالح بدلًا من كونه ساحة للهيمنة السياسية المباشرة. وفي ضوء هذا التحول، يصبح من المهم لمصر والدول العربية أخذ هذه الوثيقة في الاعتبار وبلورة رؤية استباقية تستند إلى منطق التكيف الاستراتيجي وتعظيم المكاسب وتقليل المخاطر، بما يحقق قدرًا أعلى من الاستقلالية الفعلية في بيئة دولية تتجه نحو مزيد من التنافس الحاد.[15]
وتتطلب المعطيات التي عرضتها الوثيقة وما تبعها من تحليل في المحورين الأول والثاني، جملة من التوصيات العملية التي يمكن أن تشكل إطارًا عامًا لاستراتيجية عربية أكثر توازنًا واستشرافًا. ويمكن تنظيم هذه التوصيات ضمن خمسة مسارات رئيسية:
- استمرارية العلاقة مع الولايات المتحدة في إطار الشراكة المتوازنة
تُظهر الوثيقة تراجعًا نسبيًا في مركزية الشرق الأوسط داخل الأولويات الأمريكية، مقابل تركيز متزايد على آسيا والصين، وعلى إعادة بناء الصناعات الدفاعية والطاقة في الداخل الأمريكي. وتتضمن هذه المقاربة تطوير آليات جديدة للحوار الاستراتيجي، وتوسيع مجالات التعاون غير العسكري خصوصًا في قطاعات التكنولوجيا والطاقة الجديدة بما يحافظ على أهمية المنطقة في الحسابات الأمريكية.
- الاستثمار في التكنولوجيا المتقدمة والطاقة النووية والذكاء الاصطناعي
تضع الإستراتيجية الأمريكية 2025 التكنولوجيا المتقدمة، والطاقة النووية السلمية، والذكاء الاصطناعي في قلب المنافسة العالمية. وهذا يفرض على الدول العربية وفي مقدمتها مصر بلورة سياسات وطنية وإقليمية للاستثمار في هذه القطاعات، سواء عبر شراكات مع الولايات المتحدة أو مع القوى الدولية الأخرى. إن توسيع الحضور العربي في سلاسل القيمة التكنولوجية وفي الصناعات عالية المعرفة يعزز من الوزن الاستراتيجي للدول العربية، ويمنح اقتصاداتها قدرة أكبر على التكيف مع التحولات الرقمية العالمية. كما يسهم في تعزيز الأمن السيبراني ورفع مستوى الردع الإقليمي في ظل تصاعد تهديدات الحرب الإلكترونية.
- بناء عقيدة أمنية إقليمية تقوم على تنويع الشركاء
تؤكد الإستراتيجية الأمريكية على تحميل الحلفاء في أوروبا وآسيا والشرق الأوسط أعباء أكبر في منظومات الأمن الإقليمي. وفي هذا الإطار، يصبح من الضروري تطوير عقيدة أمنية عربية مشتركة تستند إلى تعزيز التعاون الدفاعي، وتبادل المعلومات، وتمتين القدرات البحرية واللوجستية، وخاصة في البحر الأحمر والخليج العربي. وفي الوقت نفسه، يجب على الدول العربية تنويع شركائها الأمنيين عبر علاقات متوازنة مع قوى آسيوية وأوروبية، مع الحفاظ على الشراكة التاريخية مع الولايات المتحدة. ويؤدي هذا التوازن إلى تعزيز القدرة الاستراتيجية الإقليمية وتقليل هشاشة الأمن العربي تجاه التقلبات الدولية.
- إدارة العلاقة مع الصين وروسيا من خلال مقاربة توازن دقيقة
باعتبار أن الوثيقة تصنف الصين باعتبارها المنافس الصناعي التكنولوجي الأكبر، وروسيا بوصفها قوة صلبة تُحدث خللًا في أوروبا، فإن الدول العربية مطالبة بانتهاج سياسة تستند إلى التوازن المحسوب في التعامل مع هاتين القوتين. فعلى الرغم من أهمية الاستثمارات الصينية في البنية التحتية والطاقة، وكذلك الدور الروسي في مجالات الدفاع، فإن انحيازًا عربيًا واضحًا لأي منهما يضع العلاقات مع الولايات المتحدة تحت ضغط. ومن ثم، فإن مقاربة التوازن المرن تتيح للعرب الاستفادة من جميع الأطراف، دون الانخراط في محاور منغلقة أو صراعات القوى الكبرى، وهو ما يعزز الاستقلالية الاستراتيجية ويحمي المصالح الوطنية.
- تطوير سياسة عربية شاملة تجاه إيران وتعزيز أمن الممرات البحرية
تشير الوثيقة إلى إيران بوصفها أحد أبرز مصادر زعزعة الاستقرار في الشرق الأوسط. وفي ضوء ذلك، على الدول العربية خصوصًا في الخليج ومصر والأردن تنسيق السياسات تجاه إيران بالاستناد إلى الردع وتقييد النفوذ الإقليمي، بالتوازي مع فتح مسارات للتواصل المنضبط الذي يمنع الانزلاق نحو صراعات مفتوحة. كما يتوجب تعزيز القدرات العربية في حماية أمن الممرات البحرية، ولا سيما في البحر الأحمر ومضيق هرمز، في ظل توقعات بتراجع الانخراط العسكري الأمريكي المباشر. ويمثل الاستثمار في القدرات البحرية والتكنولوجية والرقمية عنصرًا أساسيًا لردع التهديدات غير التقليدية وتأمين حركة التجارة.
كيف تخدم هذه التوصيات المصالح المصرية والعربية؟
إن تطبيق هذه التوصيات يسهم في تحقيق مجموعة من المكاسب الاستراتيجية، أبرزها:
- تعزيز الاستقلالية الاستراتيجية، من خلال تجنب الاعتماد المفرط على قوة واحدة، وتوسيع دوائر الحركة في النظام الدولي الجديد.
- دعم القدرة على مواجهة التحولات العالمية، عبر الاستفادة من الفرص التي تتيحها المنافسة الدولية في مجالات التكنولوجيا والطاقة.
- تقوية الأمن الإقليمي، من خلال تطوير بنى دفاعية عربية مشتركة قادرة على مواجهة التهديدات التقليدية وغير التقليدية.
- حماية المصالح الاقتصادية، من خلال تأمين الممرات البحرية ودخول العرب في شبكات الإمداد العالمية الجديدة.
- تعظيم النفوذ العربي في النظام الدولي، باعتبار المنطقة أصبحت لاعبًا أساسيًا في حسابات القوى الكبرى ضمن القطاعات التكنولوجية والطاقة والصناعات الدفاعية.
مجمل القول، تكشف إستراتيجية الأمن القومي الأمريكي لعام 2025 عن مرحلة جديدة في تطور الإدراك الاستراتيجي للولايات المتحدة، مرحلة تُعيد فيها واشنطن تعريف موقعها في العالم وطبيعة القوة التي تحتاجها لاستمرار تفوقها في ظل بيئة دولية تتسم بالتنافس الحاد والتحولات المتسارعة. وتعكس الوثيقة بداية تحول من نموذج القيادة الليبرالية القائمة على التحالفات والقيم إلى نموذج أكثر صلابة وواقعية، يجعل من القوة الاقتصادية والصناعية والتكنولوجية مرتكزات أساسية للأمن القومي الأمريكي، ويُعيد صياغة علاقتها بالعالم من موقع إدارة التحالفات إلى موقع إدارة المصالح.
ومن خلال التحليل الذي تناوله هذا المقال التحليلي عبر محاوره الثلاثة، يتضح أن الشرق الأوسط ومنه مصر والدول العربية يقف أمام لحظة مفصلية تتطلب فهمًا عميقًا لهذه التحولات واستيعابًا لتداعياتها. فالتراجع النسبي في مركزية المنطقة بالنسبة لواشنطن لا يعني انكفاءً كاملاً، بل تحوّلًا في طبيعة الدور الأمريكي من الانخراط العسكري والسياسي إلى إدارة الاستقرار، وخلق شراكات اقتصادية وتكنولوجية جديدة، وتوسيع ترتيبات الردع الإقليمي، مع تحميل الحلفاء أعباء أكبر في منظومة الأمن الإقليمي.
إن الدروس المستخلصة من الوثيقة ومن التحليل المقارن بين إستراتيجية 2025 وإستراتيجية 2022 تؤكد أن العالم يتجه نحو تعددية أكثر حدة، وتنافس صناعي تكنولوجي أكثر عمقًا، وتراجع في الخطابات القيمية لصالح البراغماتية والاعتبارات الاقتصادية والأمنية. وهذا يفرض على الدول العربية إعادة صياغة تصوراتها للأمن القومي، وتعزيز قدراتها الذاتية، وتنويع شراكاتها، وبناء سياسات أكثر مرونة تتيح لها الاستفادة من التحولات العالمية بدلًا من الوقوع في مساراتها السلبية. وعليه، فإن التوصيات التي طُرحت سواء في إعادة هيكلة العلاقة مع الولايات المتحدة، أو تعميق الاستثمار في التكنولوجيا والطاقة، أو إدارة التوازن مع القوى الكبرى، أو تطوير بنية أمنية عربية مشتركة تمثل مدخلًا ضروريًا لخلق بيئة عربية قادرة على المنافسة، وعلى حماية مصالحها، وعلى المشاركة الفاعلة في إعادة تشكيل النظام الدولي.
ومع استمرار التحولات في موازين القوى العالمية، تبقى قدرة الدول العربية على التكيف الاستراتيجي، وعلى تبني رؤية طويلة المدى ترتكز على بناء القوة الذاتية، هي العامل الحاسم في تحديد موقعها في المرحلة المقبلة. فالعالم يتغير بسرعة، ومن يملك القدرة على قراءة هذه التغيرات وتطويعها لصالحه، سيكون الأقدر على حماية أمنه واستقراره وتعزيز مكانته في النظام الدولي الآخذ في التشكل. وبذلك، لا تمثل إستراتيجية الأمن القومي الأمريكي 2025 مجرد وثيقة أمريكية، بل مؤشرًا على اتجاهات عالمية أوسع، ينبغي للعرب قراءتها بعمق، والتعامل معها بوعي استراتيجي، وتحويلها إلى فرص تعزز من مكانتهم ودورهم في العالم الجديد.
[1] استراتيجية الأمن الوطني للولايات المتحدة الأمريكية 2025.
https://drive.google.com/file/d/1HDKytGC87Jg7U_-VLDwnFamY5bkzlCiu/view
[2] وثيقة “الأمن القومي الأميركي” 2025.. القيادة من وراء الستار، نُشر في 7 ديسمبر 2025، المركز الديمقراطي العربي.
https://democraticac.de/?p=107706
[3] د. محمد فايز فرحات، ملاحظات حول استراتيجية الأمن القومى الأمريكي، نُشر في 8 ديسمبر 2025، مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية.
[4] الأمن القومي الأميركي، إستراتيجية 2025 وانعكاساتها على أمن أوروبا ـ قراءة استشرافية، نُشر في 6 ديسمبر 2025، المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات.
[5] تحليل استراتيجية ترامب للأمن القومي لعام 2025، نُشر في 9 ديسمبر 2025، حضارات للدراسات السياسية والاستراتيجية.
[6] د. حسن أبو طالب، استراتيجية ترامب للأمن القومي.. إعادة ترتيب الأولويات لأمريكا وللعالم معًا، نُشر في 6 ديسمبر 2025، مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية.
https://acpss.ahram.org.eg/News/21584.aspx
[7] استراتيجية ترمب الجديدة تقوم على تعديل الحضور الأميركي في العالم، نُشر في 5 ديسمبر 2025، صحيفة الشرق الأوسط.
[8] بنود استراتيجية ترامب للأمن القومي حسب مناطق العالم، نُشر في 5 ديسمبر 2025، RT.
[9] د. نوار السعدي، إستراتيجية الأمن الأميركي 2025.. قراءة اقتصادية بشأن نهاية العولمة وبداية نظام جديد، نُشر في 14 ديسمبر 2025، الجزيرة نت.
https://www.ajnet.me/ebusiness/2025/12/14/us-national-security-strategy-2025
[10] نبيل فهمي، قراءة في استراتيجية ترمب للأمن القومي الأميركي، نُشر في 11 ديسمبر 2025، العربية.
[11] بندر الدوشي، الاستراتيجية الأميركية الجديدة للأمن القومي والشرق الأوسط، نُشر في 7 ديسمبر 2025، العربية.
[12] استراتيجية ترامب للأمن القومي: وضع حرج لأوروبا والشرق الأوسط، نُشر في 6 ديسمبر 2025، DW.
[13] د. محمد منير غازي، تحولات القوة والسيادة.. قراءة تحليلية في استراتيجية الأمن القومي الأمريكي 2025، نُشر في 8 ديسمبر 2025، مجلة السياسة الدولية.
[14] الاستراتيجية الأمريكية للأمن القومي: خطة البيت الأبيض تجاه العالم (النص الكامل)، نُشر في 8 ديسمبر 2025، مونت كارلو الدولية.
[15] كاتب أميركي: إستراتيجية ترامب الجديدة للأمن القومي تصدم أوروبا، نُشر في 9 ديسمبر 2025، الجزيرة نت.
باحث في العلاقات الدولية بمركز ترو للدراسات والتدريب