اندلعت جولة جديدة من الاشتباكات العسكرية بين تايلاند وكمبوديا في 9 ديسمبر 2025 رغم الاتفاقيات السابقة التي سعت إلى وقف إطلاق النار وخفض التصعيد، في مؤشر واضح على هشاشة ترتيبات التهدئة وعدم قدرتها على معالجة جذور النزاع المزمن بين البلدين. وقد تركزت المواجهات على طول الشريط الحدودي الممتد لأكثر من 800 كيلومتر بين الدولتين، واتسمت بمستوى من العنف والتصعيد النوعي غير المسبوق مقارنة بالاشتباكات التي شهدها شهر يوليو الماضي، سواء من حيث كثافة النيران أو طبيعة الأسلحة المستخدمة. ويعكس هذا التطور تحول النزاع من مجرد احتكاكات حدودية محدودة إلى مواجهة عسكرية أكثر اتساعًا، بما يحمله ذلك من تداعيات مباشرة على الأمن الإقليمي في جنوب شرق آسيا.
ويُعد الصراع الراهن امتدادًا لتوترات حدودية تاريخية تعود إلى ما بعد الحقبة الاستعمارية، خاصة في المناطق التي تضم معابد ومواقع أثرية قديمة تمثل رمزية سيادية للطرفين. ورغم تعدد محاولات التهدئة ووقف إطلاق النار، بما في ذلك اتفاقات بوساطة دولية كان أبرزها اتفاق أكتوبر 2025، فإن هذه المساعي فشلت في تحقيق سلام دائم، نتيجة استمرار الخلافات حول ترسيم الحدود وتبادل الاتهامات، ما أدى إلى تصاعد عسكري واقتصادي متكرر، فضلًا عن تداعيات إنسانية متزايدة شملت نزوح مدنيين وتدهور الأوضاع الأمنية في المناطق الحدودية.
وفي سياق التصعيد الميداني، شنت مقاتلات F-16 فالكون التابعة للقوات الجوية الملكية التايلاندية غارات جوية استهدفت مواقع عسكرية كمبودية قرب المناطق الحدودية المتنازع عليها، في خطوة اعتُبرت تصعيدًا غير مسبوق مقارنة بالجولات السابقة من النزاع. في المقابل، ردّت كمبوديا بحشد قواتها وتعزيز انتشار أنظمة الأسلحة الثقيلة على مقربة من خط التماس، بما يشير إلى استعداد متبادل لاحتمالات توسع المواجهة. وتُشغّل تايلاند نحو 50 مقاتلة من طراز F-16، من بينها 36 مقاتلة من طراز A ذات المقعد الواحد و14 مقاتلة من طراز B ذات المقعدين، معظمها من دفعات قديمة حصلت عليها من الولايات المتحدة وسنغافورة، وهو ما يعكس اعتماد بانكوك على قدرات جوية تقليدية لكنها لا تزال فاعلة في فرض التفوق العسكري على المستوى التكتيكي. وعلى مستوى التطورات اليومية، أعلن الجيش التايلاندي، في 8 ديسمبر2025، أن قواته ردّت على نيران كمبودية في محافظة “أوبون راتشاثاني” داخل الأراضي التايلاندية، مشيرًا إلى تنفيذ غارات جوية إضافية على أهداف عسكرية على طول الحدود المتنازع عليها. في المقابل، نفت وزارة الدفاع الكمبودية هذه الرواية، مؤكدة أن القوات التايلاندية هي من بدأت الهجوم في محافظة “برياه فيهير”، وأن قواتها لم تبادر بالرد. وفي اليوم التالي، اتهم الجيش التايلاندي كمبوديا بإطلاق صواريخ واستخدام طائرات مسيّرة محمّلة بالمتفجرات، بعضها أصاب مناطق مدنية، قبل أن يؤكد تنفيذ المزيد من الغارات الجوية، بينما اتهمت كمبوديا تايلاند بإطلاق النار عشوائيًا على مناطق مدنية في محافظة بورسات الحدودية.
وفي هذا الإطار، يسعى هذا التقرير إلى تحليل ديناميكيات التصعيد الراهن وأسبابه المباشرة وغير المباشرة، في ضوء فشل اتفاقيات التهدئة السابقة في احتواء الأزمة بشكل دائم. كما يتناول التقرير، أولًا: اتفاقيات تهدئة الصراع واحتواء التصعيد التي طُبّقت خلال فترات الصراع ومدى فعاليتها في الحد من التوترات، وثانيًا: أسباب ودوافع التصعيد الراهن بين الدولتين، ثالثًا: استشراف السيناريوهات المحتملة لمستقبل الأزمة. ويهدف هذا التحليل إلى تقديم فهم أكثر شمولًا لمسارات النزاع وحدود التسوية الممكنة في ظل التوازنات القائمة.
أولًا: اتفاقيات تهدئة الصراع واحتواء التصعيد بين تايلاند وكمبوديا
شهدت العلاقات بين تايلاند وكمبوديا سلسلة من اتفاقيات التهدئة ومحاولات احتواء الصراع، في إطار مساعٍ إقليمية ودولية هدفت إلى الحد من التصعيد العسكري ومنع تحول الخلافات الحدودية إلى مواجهة شاملة. وقد تنوعت هذه الاتفاقيات بين وقف إطلاق النار، وآليات بناء الثقة، والوساطات الدبلوماسية، وصولًا إلى اتفاقات سلام موسّعة، عكست جميعها إدراك الطرفين، بدعم من رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان) وشركاء دوليين، لأهمية إدارة الأزمة وضبطها رغم تعقّد جذورها التاريخية واستمرار هشاشة التسوية النهائية.
- اتفاق وقف إطلاق النار (فبراير 2011)
توصلت تايلاند وكمبوديا في فبراير 2011، إلى اتفاق لوقف إطلاق النار عقب اشتباكات حدودية عنيفة اندلعت خلال عامي 2010–2011 في المناطق المتنازع عليها، ولا سيما قرب معبد “برياه فيهير”، وذلك بوساطة رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان) التي كانت تترأسها آنذاك إندونيسيا. ونص الاتفاق على وقف فوري للأعمال العسكرية، والتزام الطرفين بعدم التصعيد أو تعزيز القوات في المناطق الحدودية، إلى جانب السماح بنشر مراقبين من آسيان لمتابعة تنفيذ وقف إطلاق النار، واستئناف الحوار الثنائي عبر القنوات الدبلوماسية والعسكرية القائمة. وقد هدف الاتفاق إلى منع توسع الاشتباكات وتثبيت الوضع الميداني ونقل إدارة النزاع من المسار العسكري إلى المسار الدبلوماسي. وعلى مستوى التقييم، نجح الاتفاق في وقف القتال المباشر واحتواء التصعيد العسكري في المدى القصير، إلا أنه لم يؤدِّ إلى تسوية نهائية للنزاع الحدودي، إذ استمرت الخلافات السياسية والقانونية بين البلدين، ما أبقى الصراع قابلًا للتجدد لاحقًا.[1]
2 – اتفاق وقف إطلاق النار في يوليو 2025 (الهدنة الأولى)
- سياق القرار: جاء التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار بين تايلاند وكمبوديا في يوليو 2025 في ظل تصعيد عسكري غير مسبوق على طول الشريط الحدودي بين البلدين، حيث استمرت الاشتباكات المسلحة خمسة أيام متتالية وأسفرت عن سقوط قتلى وجرحى من الجانبين، إلى جانب نزوح آلاف المدنيين من المناطق الحدودية المتأثرة. وقد أثار هذا التصعيد مخاوف إقليمية من اتساع نطاق المواجهة وتحولها إلى صراع مفتوح يهدد استقرار جنوب شرق آسيا، لا سيما في ظل حساسية المناطق المتنازع عليها وأهميتها الرمزية والأمنية. أمام هذه التداعيات، وتحت ضغوط دبلوماسية متزايدة من رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان) وعدد من الفاعلين الدوليين، رأت الحكومتان أن استمرار المواجهة العسكرية يحمل كلفة سياسية وأمنية وإنسانية مرتفعة، ما دفعهما إلى القبول باتفاق وقف إطلاق النار كخطوة عاجلة لاحتواء التصعيد وفتح المجال أمام المسار الدبلوماسي.[2]
- أطراف الاتفاق: شاركت في اتفاق وقف إطلاق النار حكومتا تايلاند وكمبوديا بصفتهما طرفي النزاع المباشرين، فيما اضطلعت ماليزيا بدور الوسيط الإقليمي بحكم رئاستها لرابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان)، مستفيدة من أطر العمل الجماعي التي توفرها الرابطة في إدارة الأزمات الإقليمية. وقد حظي الاتفاق بدعم دبلوماسي من كلٍّ من الولايات المتحدة والصين، إذ مارست الدولتان ضغوطًا سياسية غير مباشرة لتشجيع الطرفين على تهدئة التصعيد وتفادي انزلاق الأزمة إلى مواجهة أوسع قد تهدد الاستقرار الإقليمي. وفي هذا السياق، برز الدور الأمريكي على نحو أكثر وضوحًا، في ظل النفوذ التقليدي الذي تمارسه واشنطن دعمًا لتايلاند، مقابل إدراكها لمكانة كمبوديا ضمن حسابات التمدد الصيني في الإقليم. ولا ينفصل هذا الانخراط الأمريكي في دعم التهدئة عن دوافع سياسية واقتصادية أوسع، تجسدت في إبرام اتفاق تجاري مع كمبوديا، إلى جانب توقيع اتفاقية تتعلق بقطاع المعادن مع تايلاند، بما يعكس سعي الولايات المتحدة إلى توظيف الأزمات الإقليمية لتعزيز نفوذها السياسي والاقتصادي، والحفاظ في الوقت ذاته على مستوى من الاستقرار يمنع انزلاق المنطقة إلى صراع مفتوح قد يضر بمصالحها الاستراتيجية.[3]
- أهم بنود الاتفاق ونتيجته: تمحور الاجتماع الإقليمي على اتخاذ جملة من التدابير العاجلة الهادفة إلى احتواء التصعيد بين تايلاند وكمبوديا، حيث تم التأكيد على ضرورة الوقف الفوري للأعمال العسكرية وتجنب أي إجراءات قد تؤدي إلى توسيع نطاق الاشتباكات. كما شدد أطراف الاجتماع على أهمية العودة إلى اتفاقات وقف إطلاق النار السابقة وإعادة تفعيلها بوصفها أطرًا إرشادية لإدارة التوترات القائمة، إلى جانب الدعوة إلى استمرار قنوات الحوار والتواصل، ولا سيما على المستوى العسكري، بما يسمح باحتواء الحوادث الميدانية ومنع سوء التقدير. وعلى الرغم من ذلك، لم يُفضِ الاجتماع إلى اتفاق نهائي أو ملزم قانونيًا، بل اقتصر على تفاهمات عامة ذات طابع سياسي ووقائي، الأمر الذي حدّ من فاعليتها على الأرض. ونتيجة لذلك، ظلت جذور الأزمة دون معالجة حقيقية، واستمر التوتر قائمًا، بما يعكس أن هذه التحركات الإقليمية، خاصة في إطار رابطة آسيان، تهدف أساسًا إلى منع تفاقم الصراع وانزلاقه إلى مواجهة أوسع، أكثر من كونها تمثل تسوية شاملة أو دائمة للنزاع القائم.[4]
3- خطة تنفيذ وقف إطلاق النار – اتفاق 13 نقطة (أغسطس 2025)
- سياق الاتفاق: عقب التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار الأول، عقدت اللجنة الحدودية العامة (General Border Committee)، التي تضم قيادات عسكرية ومسؤولين أمنيين من تايلاند وكمبوديا، اجتماعًا في ماليزيا بهدف وضع خطة تنفيذ عملية لترجمة وقف إطلاق النار إلى تهدئة ميدانية مستدامة. وتركزت المناقشات على آليات منع الاحتكاك العسكري على الحدود، وتعزيز قنوات الاتصال المباشر بين القيادات الميدانية، إلى جانب بحث إجراءات إعادة انتشار القوات وتفادي أي تحركات استفزازية في المناطق الحساسة. كما تناول الاجتماع سبل بناء الثقة المتبادلة، بما في ذلك تبادل المعلومات والتنسيق المستمر لمعالجة أي حوادث طارئة. وجاء هذا الاجتماع في إطار الجهود الإقليمية الرامية إلى تثبيت وقف إطلاق النار ومنع تجدد الاشتباكات، وتحويل التفاهم السياسي الأولي إلى ترتيبات أمنية عملية قابلة للتنفيذ على الأرض.[5]
- الأطراف: شارك في الاجتماع كلٌّ من (القادة العسكريين في تايلاند وكمبوديا بوصفهم الأطراف المباشرين في النزاع، في حين اضطلعت ماليزيا بدور الوسيط الإقليمي)، مستفيدة من موقعها ودورها داخل رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان) لتقريب وجهات النظر وتسهيل قنوات التواصل بين الطرفين.
- أهم بنود الاتفاق:
نصّت بنود التفاهم بين تايلاند وكمبوديا على الاتفاق على خطة مكوّنة من 13 بندًا لتنفيذ وقف إطلاق النار، استهدفت تهدئة التوترات على طول الحدود المتنازع عليها بين البلدين. كما تضمّن الاتفاق التأكيد على الحفاظ على الاستقرار والسلام في المناطق الحدودية، مع اضطلاع ماليزيا بدور الوسيط في متابعة تنفيذ التفاهمات بين الطرفين. وشملت البنود التزام الجانبين بعدم نشر قوات عسكرية إضافية، إلى جانب الالتزام الكامل بوقف إطلاق النار دون أي شكل من أشكال العدوان، وعدم زيادة القوات أو إعادة تموضعها، فضلاً عن تجنب أي أعمال أو تحركات استفزازية من شأنها تقويض التهدئة القائمة.[6]
استهدف هذا التفاهم تحقيق تنفيذ عملي لوقف إطلاق النار على الأرض والحد من الآثار العسكرية المباشرة للنزاع، إلا أن نتائجه اقتصرت على إدارة التوترات اليومية دون معالجة جذور الخلاف، ما جعله غير كافٍ لمنع تجدد الصراع بصورة كاملة في مراحل لاحقة.[7]
4- اتفاق السلام في كوالالمبور (Kuala Lumpur Peace Accord) (26 أكتوبر 2025)
سياق الاتفاق: في 26 أكتوبر 2025، وعلى هامش القمة السابعة والأربعين لرابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان) التي عُقدت في كوالالمبور، تم التوصل إلى اتفاق موسّع لوقف الأعمال العدائية وحزمة سلام بين تايلاند وكمبوديا، في خطوة عكست تطورًا نوعيًا مقارنة باتفاقات التهدئة السابقة التي ركزت على وقف إطلاق النار المؤقت. وقد جاء هذا الاتفاق في ظل قناعة إقليمية ودولية متزايدة بضرورة الانتقال من إدارة التصعيد إلى احتواء الأزمة بصورة أكثر شمولًا، من خلال الجمع بين الترتيبات الأمنية العاجلة والمسارات السياسية والدبلوماسية طويلة الأمد. وفي هذا السياق، لعبت الولايات المتحدة، بقيادة الرئيس دونالد ترامب، دورًا بارزًا في دعم جهود الوساطة، من خلال ممارسة ضغوط سياسية ودبلوماسية على الطرفين لحثهما على الالتزام بالتهدئة وتجنب العودة إلى الخيار العسكري، مع التأكيد في الوقت ذاته على أولوية الدور الإقليمي لآسيان وماليزيا كوسيط رئيسي. وهدفت حزمة السلام إلى تثبيت وقف الأعمال العدائية، وتعزيز آليات بناء الثقة، وضمان حماية المدنيين، وتهيئة بيئة مواتية لاستئناف الحوار حول القضايا الحدودية العالقة، بما يسهم في تقليص احتمالات تجدد النزاع ودعم الاستقرار في منطقة البر الرئيسي لجنوب شرق آسيا.[8]
- الأطراف المشاركة: شارك في التفاهمات كلٌّ من حكومة تايلاند برئاسة رئيس الوزراء “أنوتين تشارنفيراكول”، وحكومة كمبوديا برئاسة رئيس الوزراء “هون مانيت”، بوصفهما الطرفين المباشرين في النزاع، في حين اضطلعت ماليزيا بدور الوسيط الإقليمي بحكم رئاستها لرابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان). كما حضرت الولايات المتحدة بصفتها شاهدًا وضامنًا سياسيًا، في إطار دعمها للمسار الدبلوماسي الهادف إلى تثبيت التهدئة ومنع انزلاق الأزمة إلى مواجهة أوسع تهدد الاستقرار الإقليمي.
- أهم بنود اتفاق كوالالمبور (26 أكتوبر 2025)
نصّ الاتفاق على تثبيت وقف إطلاق النار وخفض التصعيد عبر سحب الأسلحة الثقيلة من المناطق الحدودية تحت إشراف مراقبي آسيان، مع وقف الخطاب التحريضي. كما تضمّن إجراءات لبناء الثقة، واستعادة العلاقات الدبلوماسية، وإزالة الألغام الإنسانية، وتسوية النزاع الحدودي سلميًا وفق القانون الدولي. وشمل الإفراج عن أسرى الحرب وتعزيز التعاون الأمني، تمهيدًا لمرحلة جديدة من السلام والتعاون بين البلدين.
تبلورت بنود التفاهم حول مجموعة من الالتزامات الأساسية، في مقدمتها التأكيد على وقف إطلاق النار والامتناع عن التهديد باستخدام القوة أو اللجوء إليها، إلى جانب تنفيذ إجراءات خفض التصعيد العسكري، بما يشمل سحب الأسلحة الثقيلة والمعدات التدميرية من المناطق الحدودية وإعادتها إلى مواقعها الاعتيادية. كما تضمّن الاتفاق إنشاء فريق مراقبين تابع لرابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان) لمتابعة تنفيذ وقف إطلاق النار وضمان الالتزام به، فضلاً عن الالتزام بتهدئة الخطاب الإعلامي ومنع نشر المعلومات المضللة أو التحريضية بما يسهم في احتواء التوتر وتهيئة بيئة مواتية للحوار. وشملت البنود كذلك تطبيق إجراءات فورية لبناء الثقة، من بينها استئناف العلاقات الدبلوماسية، الإفراج عن أسرى الحرب، وتعزيز التعاون الأمني وتبادل المعلومات لمكافحة الجرائم العابرة للحدود. وعلى المدى الأبعد، أكدت التفاهمات ضرورة تسوية النزاع الحدودي وترسيم الحدود بالوسائل السلمية ووفقًا للقانون الدولي، من خلال تفعيل الآليات الثنائية المختصة، إلى جانب تنسيق عمليات إزالة الألغام الإنسانية لحماية المدنيين ودعم الاستقرار والتنمية المحلية، وصولًا إلى إنهاء الأعمال العدائية وفتح صفحة جديدة من العلاقات الثنائية قائمة على حسن الجوار والاحترام المتبادل، بما يتسق مع ميثاق الأمم المتحدة وميثاق آسيان.[9]
ورغم أن الاتفاق عُدّ خطوة دبلوماسية مهمة وإطارًا متقدمًا لاحتواء النزاع بين تايلاند وكمبوديا، فإنه لم ينجح في تحقيق سلام دائم. فقد واجهت عملية التنفيذ تحديات جدية، أبرزها تعليق تايلاند لبعض بنود الاتفاق عقب انفجار لغم أرضي في نوفمبر 2025، ما أدى إلى تعثر آليات خفض التصعيد. كما شهدت الحدود تجددًا للاشتباكات في ديسمبر 2025، وهو ما كشف أن التهدئة التي أرسىها الاتفاق بقيت هشّة ولم تتحول إلى سلام مستقر طويل الأمد.[10]
5- الدور الأمريكى لحث كمبوديا وتايلاند علي الالتزام باتفاق وقف إطلاق النار
لا يُقصد بما يُعرف بـ”اتفاق السلام المرتبط بالرئيس الأميركى دونالد ترامب” وجود اتفاق سلام مستقل أو وثيقة قانونية جديدة وقّعتها الولايات المتحدة، بل يشير هذا المصطلح إلى دور سياسي ودبلوماسي ضاغط مارسته واشنطن لدفع كلٍّ من تايلاند وكمبوديا إلى الالتزام باتفاق وقف إطلاق النار القائم، ولا سيما اتفاق كوالالمبور. وقد تمثل هذا الدور في دعوات أميريكية رسمية تحث الطرفين على احترام التهدئة وعدم توسيع نطاق العمليات العسكرية، بما يعكس رغبة الولايات المتحدة في منع تفاقم النزاع وتحوله إلى صراع إقليمي أوسع، مع ترك القيادة الفعلية لعملية الوساطة للأطراف الآسيوية، خاصة ماليزيا ورابطة آسيان. وعليه، فإن هذا “الاتفاق” لا يُعد تسوية سلام قائمة بذاتها، بل موقفًا سياسيًا داعمًا ومكمّلًا للجهود الإقليمية.
في هذا السياق، برزت الرسوم الجمركية كإحدى أدوات الضغط غير العسكري التي يمكن للولايات المتحدة توظيفها للتأثير على سلوك الأطراف المتنازعة، إذ تُعد إجراءً اقتصاديًا يُستخدم للضغط السياسي أو التفاوضي، وليس جزءًا من اتفاقات التهدئة الأمنية. ورغم أن الرسوم الجمركية لا ترتبط مباشرة بالنزاع الحدودي بين تايلاند وكمبوديا، فإن التلويح بها أو توسيع نطاقها تجاه دول معنية أو شركاء إقليميين يمكن أن يشكل وسيلة ردع غير مباشرة، تدفع الحكومات إلى تجنب التصعيد العسكري حفاظًا على مصالحها الاقتصادية والتجارية. وبذلك، استخدمت واشنطن هذا النوع من الأدوات في إطار استراتيجية الضغط الشامل التي تجمع بين النفوذ السياسي والاقتصادي، بهدف دعم وقف الحرب واحتواء الصراع، دون الانخراط المباشر في مسار تفاوضي أو أمني رسمي.[11]
اتفاق كوالالمبور كان بمثابة “إسعاف سياسي عاجل” لوقف النزيف العسكري، بينما جاء اتفاق السلام الذي شهده ترامب كمحاولة لتحويل التهدئة إلى مسار سلام منظم، لكنه اصطدم بتعقيدات ميدانية وحدودية حالت دون اكتماله.
6- اجتماعات آسيان الوزارية والطوارئ الدبلوماسية (22ديسمبر 2025)
أسفر تجدد واحتدام الاشتباكات الحدودية بين تايلاند وكمبوديا في 8 ديسمبر 2025، عن مقتل حوالي 26 شخصا ونزوح حوالي 800 ألف من الجانبين، وسارعت رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان) إلى التحرك دبلوماسيًا، إذ دعت إلى عقد اجتماع طارئ لوزراء الخارجية في كوالالمبور، بهدف بحث سبل تثبيت وقف إطلاق النار واحتواء التصعيد العسكري، والعمل على استعادة الهدوء والاستقرار في المناطق الحدودية، بما يعكس دور آسيان كإطار إقليمي رئيسي لإدارة الأزمات وتعزيز الحلول السلمية بين الدول الأعضاء.[12]
وبالفعل، عُقد الاجتماع الطارئ، حيث اجتمع وزراء خارجية دول جنوب شرق آسيا (آسيان) يوم 22 ديسمبر 2025 في العاصمة الماليزية كوالالمبور، لبحث النزاع الحدودي المستمر بين تايلاند وكمبوديا، والذي كان قد تصاعد قبل نحو أسبوعين إلى مواجهات عسكرية ويُعد هذا الاجتماع الثاني من نوعه خلال عام 2025 الذي توظف فيه آسيان منصتها الدبلوماسية لاحتواء الأزمة والحد من تداعياتها، بما يعكس إدراك الرابطة لخطورة استمرار التصعيد على الأمن الإقليمي. وفي هذا السياق، أكد وزير الخارجية الماليزي ضرورة أن تتخذ آسيان كافة الإجراءات الممكنة للحفاظ على السلام والاستقرار الإقليمي، مشددًا على أن دور الرابطة لا يقتصر على تهدئة التوترات الآنية، بل يمتد إلى العمل على بناء سلام مستدام عبر تكثيف تدابير بناء الثقة بين كمبوديا وتايلاند.
وقد أثار تجدد القتال قلقًا دوليًا واسعًا، إذ دعت وزارة الخارجية الأمريكية البلدين إلى إنهاء الأعمال العدائية فورًا، وسحب الأسلحة الثقيلة من المناطق الحدودية، ووقف زرع الألغام الأرضية، والتنفيذ الكامل لاتفاقيات كوالالمبور للسلام، بما في ذلك تفعيل آليات تسريع إزالة الألغام لأغراض إنسانية ومعالجة القضايا الحدودية العالقة، في إطار دعم الجهود الإقليمية الرامية إلى احتواء النزاع ومنع انزلاقه إلى مواجهة أوسع.[13]
الأطراف🙁 وزراء الخارجية من دول آسيان، ممثلون عن تايلاند وكمبوديا، وزير دفاع أو قادة عسكريون لمتابعة تنفيذ اتفاقيات سابقة).
على الرغم من أن اتفاقيات تهدئة الصراع بين تايلاند وكمبوديا فشلت في تقديم حل جذري للنزاع ومعالجة جذوره التاريخية والحدودية، إلا أنها نجحت في الحد من التصعيد وتهدئة الصراع، منعًا لانزلاقه إلى مواجهة عسكرية شاملة.
ثانيًا: أسباب ودوافع التصعيد الراهن بين تايلاند وكمبوديا
- الإرث الاستعماري وغموض ترسيم الحدود:
يرجع جذور النزاع الحدودي بين تايلاند وكمبوديا مباشرة إلى الإرث الاستعماري الفرنسي، الذي ترك حدودًا غير محددة بدقة على امتداد نحو 817 كيلومترًا، شاملة مناطق سكنية وقرى ومواقع أثرية مثل معبد برياه فيهير. وقد أدى هذا الغموض المستمر في ترسيم الحدود إلى تصاعد الاشتباكات في 8–9 ديسمبر 2025، بعد انهيار التهدئة الهشّة التي خلّفها اتفاق وقف إطلاق النار المبرم في أكتوبر. بدأ التصعيد بإصابة جنود تايلانديين في مناوشة حدودية، ما دفع بانكوك إلى شن غارات جوية بطائرات F-16 على مواقع كمبودية، فيما ردّت كمبوديا بإطلاق آلاف الصواريخ من طراز BM-21، وسط اتهامات متبادلة بانتهاك الهدنة. كما اتهمت تايلاند كمبوديا بزراعة ألغام جديدة قرب الخط الحدودي، بينما نفت الأخيرة واعتبرت ذلك من مخلفات النزاعات السابقة. وأسفر هذا التصعيد عن سقوط قتلى وإصابات بين المدنيين والعسكريين وتشريد أعداد كبيرة، مؤكدًا أن فشل آليات وقف النزاع وعدم التنفيذ الفعّال لبنود التهدئة أعاد إشعال النزاع بين البلدين.[14]
- الدعم الخارجي لطرفي الصراع ( تايلاند وكمبوديا) في إطار التنافس الاستراتيجي بين الولايات المتحدة والصين.
تستند تايلاند في موقعها الإقليمي إلى شبكة علاقات أمنية ودبلوماسية واسعة، أبرزها شراكتها الاستراتيجية طويلة الأمد مع الولايات المتحدة، التي تُعدّ تايلاند أحد أهم حلفائها العسكريين من خارج حلف الناتو في آسيا. ويظهر هذا الدعم الأمريكي في تدريبات عسكرية مشتركة منتظمة مثل مناورات “كوبرا غولد”، والتعاون الاستخباراتي، ودعم قدرات القوات الجوية والبرية، بما يعزز ميزان القوة التايلاندي ويتيح لها الرد على أي تصعيد حدودي. وإلى جانب واشنطن، تحافظ بانكوك على علاقات وثيقة مع اليابان ودول غربية أخرى ترى في استقرار تايلاند عنصرًا محوريًا لضمان أمن سلاسل الإمداد الإقليمية وحماية التوازن الاستراتيجي في البرّ الآسيوي، خاصة في ظل تصاعد المنافسة الدولية في جنوب شرق آسيا.[15]
في المقابل، تعتمد كمبوديا بشكل رئيسي على الصين بوصفها الداعم الاستراتيجي الأبرز سياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا، إذ عززت بكين حضورها في “بنوم بنه” عبر استثمارات ضخمة في البنية التحتية والطاقة والموانئ، إلى جانب تقديم مساعدات وقروض ميسّرة، ما قوّى موقف كمبوديا داخليًا وخارجيًا. ويشمل الدعم الصيني أيضًا التدريب العسكري وتحديث بعض القدرات الدفاعية، فضلاً عن الغطاء الدبلوماسي في المحافل الدولية، بما يمنح كمبوديا هامشًا أوسع من المناورة ويتيح لها تبني مواقف أكثر استقلالية، وأحيانًا أكثر تشددًا، في النزاع الحدودي مع تايلاند.[16]
يعكس هذا الوضع نمطًا واضحًا من التنافس الاستراتيجي بين الولايات المتحدة والصين في جنوب شرق آسيا، حيث يمثل دعم واشنطن لتايلاند وجهًا من جهودها للحفاظ على نفوذها التقليدي وضمان الاستقرار الإقليمي، بينما يعكس الدعم الصيني لكمبوديا سعي بكين لتعزيز حضورها السياسي والاقتصادي وتوسيع نطاق نفوذها الإقليمي في مواجهة النفوذ الأمريكي.
- خلو الاتفاقيات بين الطرفين من آليات إلزامية
على الرغم من الوساطات المتكررة من رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان) والدول الكبرى، بما في ذلك الولايات المتحدة والصين، فشلت الجهود الدولية حتى الآن في وقف الأعمال العدائية بشكل دائم. ويعود ذلك أساسًا إلى هشاشة الاتفاقيات المبرمة بين تايلاند وكمبوديا، مثل اتفاق كوالالمبور الذي توسطت فيه آسيان والولايات المتحدة في أكتوبر، وغياب آليات تنفيذ قوية تضمن الالتزام بشروط وقف إطلاق النار. وقد استغلت كلا الدولتين هذا الفراغ، حيث تبادلا الاتهامات بانتهاك البنود، مثل إعادة تموضع القوات وزرع الألغام في المناطق الحدودية، مما أدى مباشرة إلى تجدد القتال في أوائل ديسمبر2025، مؤكدًا محدودية قدرة هذه الاتفاقيات على ضبط النزاع ومنع التصعيد الفعلي على الأرض مما دفع النزاع إلى تجدد القتال بدلًا من تهدئته.[17]
- اتهامات متبادلة بانتهاك الهدنة بين الطرفين
أدى تبادل إطلاق النار بين القوات على الحدود في بداية ديسمبر إلى إصابة عناصر عسكرية من الجانبين، ما دفع تايلاند إلى الرد بضربات جوية باستخدام مقاتلات F-16، فيما ردّت كمبوديا بإطلاق قذائف وصواريخ متعددة على مواقع تايلاندية، مما وسّع نطاق الأعمال العدائية. وتصاعد التوتر مع تبادل الاتهامات بين الطرفين؛ إذ اتهمت كمبوديا بانكوك بقصف منازل وأهداف مدنية، بينما اتهمت تايلاند كمبوديا بزرع الألغام والتوسع في مواقع عسكرية قرب الخط الحدودي، ما أسهم في استمرار العنف وفشل الهدنة، دون انسحاب واضح أو اعتراف رسمي بانتهاك الاتفاقيات من أي طرف.[18]
- ضغوط سياسية داخلية وتوظيف النزاع
لم يقتصر سبب التصعيد على الخلافات الميدانية أو الحدودية فحسب، بل لعبت الضغوط السياسية الداخلية دورًا مهمًا في تفاقم النزاع. إذ استخدمت حكومتا تايلاند وكمبوديا المواقف المتشددة تجاه الطرف الآخر كأداة لتوجيه الخطاب الوطني داخليًا، وتعزيز الدعم الشعبي في أوقات تشهد فيها البلدين توترات سياسية أو اقتصادية. فالتصعيد الحدودي قد يساعد قادة البلدين على تحويل الانتباه عن المشكلات الداخلية، تأكيد موقفهم القوي أمام الرأي العام، وكسب التفاف سياسي أو شعبي حول قيادتهم، وهو ما يوضح كيف يمكن للنزاع الخارجي أن يُستغل داخليًا لتحقيق أهداف سياسية قصيرة الأمد، حتى على حساب التهدئة الإقليمية واستقرار الحدود.[19]
وفي هذا السياق، لا يمكن عزل التصعيد الحدودي الأخير بين تايلاند وكمبوديا عن الإطار الأوسع للتنافس الاستراتيجي بين الولايات المتحدة والصين في جنوب شرق آسيا. فرغم أن النزاع في جوهره ثنائي وله جذور تاريخية وحدودية مباشرة، فإن تباين شبكات الدعم الخارجي لكل من الطرفين يضفي عليه أبعادًا جيوسياسية أوسع. إذ تمثل تايلاند، بحكم شراكتها الأمنية الوثيقة مع واشنطن، إحدى ركائز الحضور الأمريكي في البرّ الآسيوي، بينما تُعد كمبوديا حليفًا لصيقًا لبكين ونقطة ارتكاز مهمة لتمدد النفوذ الصيني في شبه جزيرة الهند الصينية. وفي هذا الإطار، يمكن النظر إلى التصعيد الراهن بوصفه أحد تجليات التنافس غير المباشر بين القوتين العظميين، حيث تسعى كل منهما إلى الحفاظ على نفوذها الإقليمي ومنع الطرف الآخر من تحقيق اختراقات استراتيجية، دون الانزلاق إلى مواجهة مباشرة. ومع ذلك، فإن هذا التنافس لا يرقى إلى مستوى مواجهة شاملة، بقدر ما يعكس تداخل الصراعات المحلية مع حسابات القوى الكبرى، واستخدام الدول الإقليمية لهوامش الدعم الخارجي لتعزيز مواقعها التفاوضية والعسكرية في نزاعات قائمة، ما يزيد من تعقيد الأزمة ويصعّب احتواءها في المدى القريب.
ثالثًا: السيناريوهات المستقبلية المحتملة للأزمة بين تايلاند وكمبوديا
يتوقع في الأمد المتوسط والقصير مجموعة من السيناريوهات هي:
السيناريو الأول: العودة إلى التهدئة الهشّة ( وهذا السيناريو قصير المدي)
يفترض هذا السيناريو نجاح الجهود الدبلوماسية الإقليمية، ولا سيما تحركات رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان) ووساطة ماليزيا، في إعادة تثبيت وقف إطلاق النار واحتواء التصعيد العسكري دون الوصول إلى تسوية نهائية للنزاع. وفي هذا الإطار، قد يلتزم الطرفان بخفض مستوى العمليات العسكرية، وسحب جزئي للأسلحة الثقيلة، وتفعيل قنوات الاتصال العسكرية لمنع الاحتكاك الميداني. إلا أن هذه التهدئة ستظل مؤقتة وهشّة، نظرًا لاستمرار الخلافات الجوهرية حول ترسيم الحدود، وضعف آليات الرقابة والتنفيذ، ما يجعل احتمالات تجدد الاشتباكات قائمة في أي وقت، خاصة مع وقوع حوادث حدودية أو ضغوط سياسية داخلية.
يفترض هذا السيناريو نجاح الجهود الدبلوماسية الإقليمية، لا سيما تحركات رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان) ووساطة ماليزيا، في إعادة تثبيت وقف إطلاق النار واحتواء التصعيد العسكري دون التوصل إلى تسوية نهائية للنزاع. ومن الأسباب التي ترجح هذا السيناريو أيضًا الدور الأمريكي في المنطقة، إذ أبدى الرئيس ترامب اهتمامًا مبكرًا بالنزاع وتدخل سياسيًا لدعم التهدئة، مع التركيز على الحفاظ على الاستقرار الإقليمي في إطار آسيان، بما يضمن حماية مصالح الولايات المتحدة في جنوب شرق آسيا ويحد من توسع النفوذ الصيني. وفي هذا السياق، قد يلتزم الطرفان بخفض مستوى العمليات العسكرية، وسحب جزئي للأسلحة الثقيلةستظل هذه التهدئة مؤقتة وهشّة نظرًا لاستمرار الخلافات الجوهرية حول ترسيم الحدود، وضعف آليات الرقابة والتنفيذ، ما يجعل احتمالات تجدد الاشتباكات قائمة في أي وقت، خاصة مع وقوع حوادث حدودية أو ضغوط سياسية داخلية.
السيناريو الثاني: تصعيد عسكري محدود ومتقطع
يقوم هذا السيناريو على فشل الجهود الدبلوماسية في تثبيت تهدئة مستقرة، واستمرار الاشتباكات المتقطعة على طول المناطق الحدودية المتنازع عليها، مع لجوء كل طرف إلى استعراض قوته العسكرية بهدف تحسين موقعه التفاوضي. وقد يتجلى ذلك في تكرار الغارات الجوية المحدودة، واستخدام الأسلحة الثقيلة، وتبادل القصف عبر الحدود، دون الانزلاق إلى حرب شاملة. ويترتب على هذا النمط من التصعيد استنزاف عسكري واقتصادي للطرفين، وتصاعد التداعيات الإنسانية، إلى جانب زيادة الضغوط الإقليمية والدولية، مع ارتفاع مخاطر سوء التقدير التي قد تحوّل التصعيد المحدود إلى مواجهة أوسع غير محسوبة العواقب. ويُعد هذا السيناريو الأكثر ترجيحًا في المرحلة الراهنة، خاصة في ضوء التجربة العملية الأخيرة؛ إذ إنه رغم إعلان تايلاند وكمبوديا في بيان مشترك بتاريخ 27 ديسمبر 2025 التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار بهدف إنهاء أسابيع من الاشتباكات الحدودية، سرعان ما تجددت أعمال العنف لاحقًا، ما يؤكد هشاشة الترتيبات الأمنية القائمة ويعزز فرضية استمرار نمط التصعيد المحدود بدلًا من الانتقال إلى سلام مستدام.[20]
السيناريو الثالث: تسوية سياسية تدريجية للنزاع
يفترض هذا السيناريو حدوث اختراق سياسي ودبلوماسي بدعم إقليمي ودولي، يسمح بالانتقال من مرحلة إدارة الأزمة إلى معالجة جذور النزاع بصورة تدريجية. ويستند هذا المسار إلى استئناف مفاوضات جادة بشأن ترسيم الحدود، وتفعيل دور اللجان الثنائية المشتركة، مع إمكانية اللجوء إلى آليات التحكيم أو القضاء الدولي لتسوية القضايا الخلافية العالقة. ويتطلب تحقق هذا السيناريو توافر إرادة سياسية حقيقية لدى القيادتين في تايلاند وكمبوديا، إلى جانب تراجع توظيف النزاع في الخطاب القومي الداخلي، ووجود ضغوط بنّاءة من القوى الداعمة لكل طرف لدفعه نحو التسوية بدلًا من التصعيد. ويعد هذا السيناريوا أقل ترجيحًا. وهذا بسبب الدعم الخارجي لكل طرف من طرفي النزاع كما سبق التوضيح، حيث أنه لم يقتصر على الأطراف فقط وإنما على القوي الكبري أيضا ( الولايات المتحدة ، الصين).
وختامًا: تُظهر الأزمة الحدودية بين تايلاند وكمبوديا أن النزاع ما زال محكومًا بهشاشة الترتيبات الأمنية وعدم معالجة جذوره التاريخية، وفي مقدمتها إشكالية ترسيم الحدود وضعف آليات التنفيذ. فرغم تعدد اتفاقيات وقف إطلاق النار، لم تنجح هذه المساعي في تحويل التهدئة المؤقتة إلى سلام دائم، وهو ما يفسر تجدد التصعيد العسكري في ديسمبر 2025. كما أضفى تباين شبكات الدعم الخارجي لكل من البلدين بُعدًا جيوسياسيًا على النزاع، في ظل التنافس غير المباشر بين الولايات المتحدة والصين في جنوب شرق آسيا، دون أن يصل ذلك إلى مستوى حرب بالوكالة الكاملة. وفي المقابل، تبقى آسيان فاعلًا محوريًا في احتواء الأزمة، رغم محدودية أدواتها الإلزامية. وعليه، يظل مستقبل النزاع مرهونًا بالانتقال من إدارة التصعيد إلى تسوية سياسية تدريجية تعالج القضايا الجوهرية، وإلا سيبقى النزاع قابلًا للاشتعال بما يهدد استقرار الإقليم.
قائمة المراجع:
[1] Thailand-Cambodia، 28 APRIL2011، Available at the following link: https://www.dw.com/en/thailand-cambodia-agree-to-ceasefire/a-6514133?utm_.com
[2] Chayut Setboonsarng، Chay Setboonsarng،” Ceasefire takes effect between Thailand and Cambodia after five-day border battle”، July 28, 2025، Available at the following link: https://www.reuters.com/world/china/ceasefire-takes-effect-between-thailand-cambodia-after-five-day-border-battle-2025-07-28/?utm_com.
[3] Ibd.
[4] Thailand and Cambodia Agree Immediate Ceasefire Following Malaysia-Mediated Talks، JULY 29, 2025، Available at the following link: https://www.nationthailand.com/news/asean/40053233?utm_.com.
[5] Cambodian, Thai defense chiefs accept plan to ease border tensions،25Aug2025، Available at the following link: https://www.aa.com.tr/en/asia-pacific/cambodian-thai-defense-chiefs-accept-plan-to-ease-border-tensions-/3652723?utm_.com
[6] Ibd.
[7] كمبوديا وتايلاند تتفقان على خطة لتنفيذ وقف اطلاق النار تتالف من13 نقطة”، 28 يوليو،2025، متاح علي الرابط التالي: https://www.agenzianova.com/ar/news/cambogia-thailandia-concordato-un-piano-di-attuazione-del-cessate-il-fuoco-in-13-punti/، تاريخ الدخول: 24 ديسمبر،2025.
[8] آسيان ” تجتمع بماليزيا لاحتواء التوتر بين تايلاند وكمبوديا.. وواشنطن تدعو إلى تنفيذ اتفاق كوالالمبور”، 22ديسمبر2025، متاح علي الرابط التالي: https://www.trtarabi.com/article/34e15c889b2b، تاريخ الدخول: 25 ديسمبر،2025.
[9] Joint Declaration by the Prime Minister of the Kingdom of Cambodia and the Prime Minister of the Kingdom of Thailand on the outcomes of their meeting in Kuala Lumpur, Malaysia،The White House،October 26, 2025، Available at the following link: https://www.whitehouse.gov/briefings-statements/2025/10/joint-declaration-by-the-prime-minister-of-the-kingdom-of-cambodia-and-the-prime-minister-of-the-kingdom-of-thailand-on-the-outcomes-of-their-meeting-in-kuala-lampur-malaysia/?utm_com.
[10] Chinese envoy urges Thailand-Cambodia to resume ceasefire as soon as possible، December 23, 2025، Available at the following link: https://www.reuters.com/world/china/chinas-envoy-thailand-cambodia-urges-ceasefire-soon-possible-2025-12-23/?utm_.com.
[11] IPD
[12] تأجيل اجتماع وزراء خارجية آسيان لبحث النزاع بين تايلند وكمبوديا، 15ديسمبر2025، القدس، متاح علي الرابط التالي: https://www.alquds.com/ar/posts/217746. تاريخ الدخول: 22ديسمبر،2025
[13] آسيان تسعي لحل النزاع بين تايلند وكمبوديا خلال اجتماع في ماليزيا، 22ديسمبر،2025، الجزيرة، متاح علي الرابط التالي: https://www.alquds.com/ar/posts/217746. تاريخ الدخول:23ديسمبر،2025.
[14] Cambodia says Thai border clashes displace over half a million، December 22, 2025، Available at the following link: https://www.philstar.com/world/2025/12/22/2496068/cambodia-says-thai-border-clashes-displace-over-half-million?utm%20com.
[15] Dolven, Ben، Thailand: Background and U.S. Relations، Available at the following link: https://www.lemonde.fr/en/opinion/article/2025/12/23/cambodia-thailand-conflict-the-poison-of-nationalism_6748780_23.html?utm_.com.
[16] كمبوديا والصين تطلقان اكبر مناورات عسكرية مشتركة، 14 مايو،2025، متاح علي الرابط التالي: https://qna.org.qa/ar-QA/news/news-details?id=%D9%83%D9%85%D8%A8%D9%88%D8%AF%D9%8A%D8%A7-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%B5%D9%8A%D9%86-%D8%AA%D8%B7%D9%84%D9%82%D8%A7%D9%86-%D8%A7%D9%83%D8%A8%D8%B1-%D9%85%D9%86%D8%A7%D9%88%D8%B1%D8%A7%D8%AA-%D8%B9%D8%B3%D9%83%D8%B1%D9%8A%D8%A9-%D9%85%D8%B4%D8%AA%D8%B1%D9%83%D8%A9&date=14/05/2025#:~:text=%D9%88%D8%AA%D8%B9%D8%AF%20%D9%83%D9%85%D8%A8%D9%88%D8%AF%D9%8A%D8%A7%20%D8%A3%D9%82%D8%B1%D8%A8%20%D8%AD%D9%84%D9%8A%D9%81%20%D9%84%D9%84%D8%B5%D9%8A%D9%86%20%D9%81%D9%8A%20%D8%AC%D9%86%D9%88%D8%A8,%D8%AD%D9%8A%D8%AB%20%D8%B3%D8%A7%D9%87%D9%85%D8%AA%20%D9%85%D8%B3%D8%A7%D8%B9%D8%AF%D8%A7%D8%AA%D9%87%D8%A7%20%D9%88%D8%A7%D8%B3%D8%AA%D8%AB%D9%85%D8%A7%D8%B1%D8%A7%D8%AA%D9%87%D8%A7%20%D9%81%D9%8A%20%D8%AA%D8%B9%D8%B2%D9%8A%D8%B2%20%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%85%D9%88.
[17] Thailand and Cambodia to resume ceasefire talks after deadly border clashes،2, December 23, 2025، Available at the following link: https://apnews.com/article/thailand-cambodia-border-conflict-malaysia-asean-meeting-f1c7ff58bd8c59a7e3bbd506a0af9729.
[18] Thailand and Cambodia to resume ceasefire talks after deadly border clashes، December 23, 2025،، Available at the following link: https://apnews.com/article/thailand-cambodia-border-conflict-malaysia-asean-meeting-f1c7ff58bd8c59a7e3bbd506a0af9729.
[19] Cambodia-Thailand conflict: The poison of nationalism،December 23, 2025، Available at the following link: https://www.lemonde.fr/en/opinion/article/2025/12/23/cambodia-thailand-conflict-the-poison-of-nationalism_6748780_23.html?utm_.com.
[20] تجدد الاشتباكات بين تايلند وكمبوديا رغم محادثات التهدئة، 26 ديسمبر،20251، الجزيرة، متاح علي الرابط التالي: https://www.ajnet.me/news/2025/12/26/%D8%A7%D8%B4%D8%AA%D8%A8%D8%A7%D9%83%D8%A7%D8%AA-%D8%AC%D8%AF%D9%8A%D8%AF%D8%A9-%D8%A8%D9%8A%D9%86-%D8%AA%D8%A7%D9%8A%D9%84%D8%A7%D9%86%D8%AF-%D9%88%D9%83%D9%85%D8%A8%D9%88%D8%AF%D9%8A%D8%A7.
باحث في العلاقات الدولية بمركز ترو للدراسات والتدريب