Cairo

من الفصل العنصري إلى الديمقراطية: مخطط لإحلال السلام في إسرائيل-فلسطين From Apartheid to Democracy: A Blueprint for Peace in Israel-Palestine

قائمة المحتويات

باحث في العلاقات الدولية بمركز ترو للدراسات والتدريب

يُعد كتاب “من الفصل العنصري إلى الديمقراطية: مخطط لإحلال السلام في إسرائيل–فلسطين” واحدًا من أبرز الإسهامات الفكرية الصادرة في عام 2025 عن University of California Press، لمؤلفيه مايكل شافر عومر-مان وسارة ليا ويتسن، والذي يسعى إلى تجاوز النقاشات التقليدية حول الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، عبر إعادة تعريف بنية النظام السياسي القائم وتحليل جذوره القانونية والتاريخية. فبدلًا من الانخراط في الخطابات الدبلوماسية التي تستند إلى مفاوضات ثنائية ثبت تاريخيًا عدم فعاليتها، يذهب الكتاب إلى بناء تصور تحولي شامل، يستند إلى فرضية أن الواقع بين النهر والبحر قد تجاوز مرحلة الحلول المرحلية وأنه بات يمثل نظامًا واحدًا ذا بنية قانونية تقوم على التمييز المؤسسي. يقدم المؤلفان رؤية مفصلة لما يعتبرانها مرحلة انتقالية إلزامية تسبق أي حديث عن شكل الحل النهائي، سواء كان حل الدولتين أو الدولة الواحدة أو الكونفدرالية. ويمتاز الكتاب بقدرته على المزج بين الدقة القانونية والتحليل السياسي والاجتماعي، مستندًا إلى وثائق دولية، وقرارات قضائية، وتجارب مقارنة من حالات انتقال سياسي في بلدان أخرى، كجنوب أفريقيا والبوسنة وتيمور الشرقية. كما يشدد على أن التحول السياسي لا يمكن أن يتحقق عبر مسار تفاوضي غير متكافئ، بل من خلال إعادة هندسة البنية المؤسسية التي تسمح باستمرار التفوق البنيوي لطرف على الآخر. وبهذا يطرح الكتاب تحديًا مباشرًا للنموذج الدولي التقليدي ويفتح الباب أمام نقاشات جديدة حول طبيعة المرحلة المقبلة بعيدًا عن مفاهيم الاستدامة أو إدارة الصراع.

يُعد مايكل شافر عومر-مان أحد أبرز الأصوات الصحفية التحليلية في الشأن الإسرائيلي الفلسطيني، وقد عمل لسنوات طويلة على تغطية التحولات السياسية والأمنية داخل إسرائيل والأراضي الفلسطينية، ما أتاح له فهمًا مباشرًا لطبيعة النظام القانوني المزدوج الذي يحكم السكان، خبرته المهنية تمتد إلى منصات إعلامية بحثية ركزت على تحليل الاستراتيجيات الأمنية الإسرائيلية، وتقييم آثار الاستيطان، وتحليل الخطابات السياسية التي أسست لهيمنة النموذج الأمني على حساب النموذج السياسي. ومن خلال هذه التجربة، يمتلك عومر-مان قدرة على تفكيك الخطاب الرسمي الإسرائيلي وتتبع تطوراته وتناقضاته، خاصة فيما يتعلق بسياسات الضم التدريجي والاستيطان الزاحف.

أما سارة ليا ويتسن، فهي شخصية حقوقية بارزة لعبت دورًا محوريًا في توثيق الانتهاكات في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ولديها سجل طويل من العمل في مؤسسات دولية معنية بحقوق الإنسان، مما يجعلها تمتلك خبرة تقنية وقانونية تطبيقية في تحليل الجرائم الدولية، مثل جرائم الفصل العنصري والاضطهاد والتطهير العرقي. وتمتلك ويتسن قدرة على الاستناد إلى القانون الدولي العام، ومبادئ الشرعية العالمية، وتجارب العدالة الانتقالية، لبناء رؤية متكاملة حول إمكانات التحول السياسي في السياقات المعقدة. ويظهر من القراءة المتعمقة للكتاب أن التكامل بين منظور عومر-مان الصحفي والسياسي، ومنظور ويتسن الحقوقي والقانوني، قد مكن المؤلفين من بناء عمل ذو عمق تحليلي ورؤية تطبيقية نادرة في الأدبيات المتعلقة بالصراع.

الإطار القانوني: من احتلال مؤقت إلى نظام فصل عنصري

يتناول الكتاب في بدايته التحول الجوهري الذي طرأ على توصيف النظام القانوني القائم في الأراضي الفلسطينية خلال العقدين الماضيين، إذ لم يعد بالإمكان اعتبار الاحتلال مجرد وضع مؤقت يخضع لقواعد القانون الإنساني الدولي، لأن الممارسات الإسرائيلية أخذت طابعًا بنيويًا يهدف إلى تكريس واقع دائم من السيطرة غير المتكافئة. وتبرز في هذا السياق أهمية الحكم الصادر عن محكمة العدل الدولية عام 2024، والذي اعتبر أن الاحتلال الإسرائيلي تجاوز حدود المشروعية الدولية، وأنه ارتقى إلى مستوى الفصل العنصري عبر منظومات قانونية وإدارية مختلفة للسكان تبعًا لهويتهم القومية. هذا الأساس القانوني الصلب هو نقطة انطلاق الكتاب، الذي يرى أن الاعتراف الدولي بفشل النموذج القديم يجعل من الضروري الانتقال إلى مرحلة معالجة جذور البنية المؤسسية المنتجة للعنف وليس فقط مظاهره.

أزمة نموذج أوسلو: تفكك بنيوي وليس فشلًا سياسيًا عابرًا

يرى المؤلفان أن اتفاقيات أوسلو لم تفشل نتيجة تباين المواقف السياسية فحسب، بل لأنها قامت منذ البداية على فرضية خاطئة تتعلق بإمكانية الفصل بين الجانب السياسي والجانب الأمني. فقد رسخت أوسلو حالة من الاعتمادية الأمنية لصالح إسرائيل، ومنحتها قدرة على التحكم في الأرض والسكان والموارد، بينما قيدت السلطة الفلسطينية ضمن دور إداري محدود بلا سيادة، ويؤكد الكتاب أن هذا النموذج لم يكن قابلًا للتطور نحو دولة فلسطينية مستقلة، لأن بنيته المؤسسية صُممت لإدارة السكان وليس لبناء دولة. ومن هنا، يتحول تحليل الكتاب من نقد الاتفاقيات إلى نقد البنية التي أسست لها، معتبرًا أن هذه البنية يجب تفكيكها بالكامل للخروج من حالة التعايش القسري التي تصفها ويتسن بأنها نسيج هش من السيطرة الأمنية المكثفة والمظاهر الشكلية للحكم الذاتي.

المخطط الانتقالي: من هندسة الدولة إلى هندسة المجال السياسي

يقدم الكتاب مخططًا انتقاليًا مفصلًا يقوم على إعادة تعريف الفضاء السياسي دون فرض شكل الدولة مسبقًا، هذا الطرح غير التقليدي يتجاوز عقودًا من الجدل حول شكل الحل، ليؤكد أن الأولوية يجب أن تُمنح لتفكيك النظام الكولونيالي القائم وخلق فضاء سياسي ديمقراطي يمكن من خلاله للسكان تحديد مستقبلهم بأنفسهم. يشمل هذا المخطط إعادة توزيع السلطات، وتوحيد المرجعية القانونية، وتفكيك المنظومة العسكرية التي تدير الحياة اليومية للمدنيين في الضفة الغربية وقطاع غزة، وإزالة التشريعات التي تميز بين السكان، وإنشاء حكومة انتقالية ذات ولاية محددة بثلاث سنوات. ويُظهر الكتاب أن هذا النموذج مستلهم من تجارب انتقالية دولية، لكنه يراعي خصوصية الحالة الفلسطينية الإسرائيلية التي ينعدم فيها توازن القوى السياسي، الأمر الذي يستدعي إشرافًا دوليًا على مراحل التنفيذ.

الحكومة الانتقالية: إعادة تعريف الشرعية السياسية والمؤسسية

يتوسع الكتاب في تحليل فكرة الحكومة الانتقالية باعتبارها آلية لتجاوز الشرعيات المتنازع عليها، فالحكومة الانتقالية كما يقدمها المؤلفان ليست حكومة توافق سياسي، بل حكومة تفكيك بنيوي لنظام السيطرة. ويدعو الكتاب إلى دمج المؤسسات الفلسطينية والإسرائيلية ضمن جسم إداري واحد يخضع لمبادئ القانون الدولي ومبدأ المساواة، مع ضمان تمثيل متوازن للفلسطينيين والإسرائيليين في مؤسسات صنع القرار. وتُعد هذه الخطوة الأكثر إثارة للجدل، لأنها تتحدى احتكار إسرائيل للسيادة والقرار الأمني، كما تفتح المجال أمام الفلسطينيين للمشاركة المتكافئة في الآليات المؤسسية التي كانت مغلقة أمامهم لعقود.

إعادة هيكلة الجهاز الأمني: من السيطرة العسكرية إلى أمن مدني مشترك

يركز الكتاب على أن أي انتقال ديمقراطي حقيقي لا يمكن أن يتم دون تغيير جذري في بنية الأمن. ويقدم تصورًا لإعادة هيكلة الأجهزة الأمنية عبر دمج مهام الشرطة المدنية وتحديد دور الجيش الإسرائيلي بحماية الحدود فقط، مع إدخال عناصر فلسطينية في أجهزة الشرطة المشتركة لضمان توازن القوة، كما يتناول الكتاب قضية الفصائل المسلحة، ويقترح اعتماد برامج نزع سلاح تدريجي وإعادة إدماج ضمن أطر مهنية مدنية، مستفيدًا من التجارب الدولية في إنهاء الصراعات المسلحة، ويرى المؤلفان أن غياب هذه الخطوة سيؤدي إلى إعادة إنتاج العنف والفوضى في المدى المتوسط.

العدالة الانتقالية وحقوق اللاجئين: اعتراف أولي وتأجيل التنفيذ

يعيد الكتاب تعريف العدالة الانتقالية باعتبارها عملية سياسية وقانونية تجري بالتوازي مع المرحلة الانتقالية، ويركز على أن الاعتراف بحقوق اللاجئين هو خطوة أساسية لا يمكن القفز فوقها، لأن أي عملية تحول لن تكون ذات شرعية دون معالجة هذا الملف، لكنه يقترح أن تُترك تفاصيل تنفيذ حق العودة للحكومة المنتخبة مستقبلًا، بينما تنحصر المرحلة الانتقالية في الاعتراف القانوني وتسهيل بعض العودة الإنسانية ولم الشمل، بما يخلق مسارًا تدريجيًا لمعالجة واحدة من أعقد قضايا الصراع.

قراءة نقدية للكتاب

يمثل الكتاب نقلة نوعية في أدبيات الصراع، لأنه يحرر النقاش من أسر نموذج أوسلو ومن الخطاب التقليدي حول حل الدولتين، ويعيد تأطير المسألة بوصفها مسألة حقوقية سياسية تتعلق ببنية النظام القانوني ذاته، لا فقط بالتسوية بين طرفين. قوته تكمن في وضوح تحليله، وتماسك منطقه، وقدرته على ربط القانون الدولي بالتحولات السياسية. كما يتميز بجرأة طرحه الذي يتحدى البنية القائمة دون الوقوع في خطاب مثالي. غير أن نموذج الكتاب يصطدم بحدود واقعية واضحة، أهمها أن إسرائيل، في بنيتها السياسية الحالية، ليست مستعدة للتنازل عن الامتيازات البنيوية التي تمتلكها، ولا عن الدور الحصري لجهازها الأمني. كما أن الانقسام الفلسطيني يشكل عقبة أمام تطبيق النموذج الانتقالي. إضافة إلى ذلك، فإن الرهان على دور المجتمع الدولي، رغم أهميته، يظل محدودًا بسبب التوازنات الجيوسياسية التي تجعل من الضغط الدولي مسألة معقدة وغير مستقرة. ومع ذلك، يظل الكتاب مساهمة فكرية ضرورية لأنه يطرح لأول مرة خارطة طريق كاملة وليست مقترحات مبعثرة، ويتعامل مع الصراع باعتباره حالة استعمارية يجب تفكيكها قبل بناء نموذج مستقبلي.

باحث في العلاقات الدولية بمركز ترو للدراسات والتدريب

من فنزويلا إلى القطب الشمالي: غرينلاند وإعادة تشكيل أولويات النفوذ في الاستراتيجية الأمنية الأمريكية
الأعمدة السبع للشخصية المصرية
رؤية تحليلية لوثيقة إستراتيجية الأمن القومي الأمريكي 2025
صفقة آرو-3 بين إسرائيل وألمانيا: دوافع الشراء وتحولات الأمن الأوروبي
WhatsApp Image 2025-12-12 at 01.14
Scroll to Top