Cairo

“الديمقراطية والإعلام في أوروبا: مقاربة خطابية-مادية

قائمة المحتويات

باحث مساعد في النظم و النظرية السياسية بمركز ترو للدراسات والتدريب

يستعرض كتاب “الديمقراطية والإعلام في أوروبا: مقاربة خطابية-مادية” (Democracy and Media in Europe: A Discursive-Material Approach) للباحثان نيكو كاربنتيير وجيفري ويمر، الصادر في طبعته الأولى في 2025 عن دار Routledge، وهي إحدى الدور الأكاديمية الكبرى التابعة لمجموعة Taylor & Francis البريطانية، رؤيةً جديدةً لفهم العلاقات التفاعلية بين الديمقراطية ووسائل الإعلام في أوروبا من منظور بنائي-مادي. ويهدف إلى إعادة التفكير في الديمقراطية ووسائل الإعلام لا بوصفهما عمليتين منفصلتين، بل باعتبارهما عمليتين متداخلتين، تربط بينهما علاقة جدلية تتأثر كل واحدة منهما بالأخرى. وتحدث بين هاتين العمليتين عملية تفاعلية مستمرة بين الخطابات والمعاني من جهة، والبُنى المادية والمؤسساتية والتكنولوجية والإعلامية من جهة أخرى. ويؤكد المؤلفان أن الديمقراطية ليست نظاماً سياسياً ثابتاً، بل مشروع اجتماعي متجدد يتشكل من خلال النقاش العام، والممارسات الإعلامية، وتوازنات القوة داخل المجتمع المدني والدولة. أما بالنسبة إلى الكاتبين، فإن نيكو كاربنتيير هو أستاذ استثنائي في جامعة تشارلز في براغ، وأستاذ زائر في جامعة تالين، وجامعة شيآن جياوتونغ-ليفربول في سوتشو. وهو أستاذ في دراسات الإعلام والاتصال، ويُعدّ من أبرز الباحثين الأوروبيين في مجال نظرية الخطاب والمقاربات المادية للإعلام والثقافة. يركّز كاربنتيير في عمله النظري على نظرية الخطاب، وتتمحور أبحاثه حول العلاقة بين الاتصال والسياسة والثقافة، ولا سيّما في مجالات مثل الحرب والنزاع، والأيديولوجيا، والمشاركة، والديمقراطية. أما جيفري ويمر، فهو أستاذ علم الاتصال والإعلام في جامعة أوغسبورغ بألمانيا، ويتركّز تخصّصه الأكاديمي على واقع الإعلام. وتركّز أبحاثه وتدريسه على علم اجتماع، والاتصال الإعلامي وتحولاته، والفضاء العام، والمشاركة، والتوسيط، بالإضافة إلى ألعاب الفيديو والعوالم الافتراضية. وفي هذا السياق، ينقسم الكتاب إلى جزأين رئيسيين؛ الجزء الأول الذي يحمل عنوان “الديمقراطية”، ويتناول الأسس النظرية لفهم الديمقراطية الحديثة من حيث مكوّناتها، وتعريفات المفهوم، والصراعات الدائرة حولها، وينقسم إلى خمسة فصول هي: المكونات الأساسية للديمقراطية، والصراعات حول الديمقراطية، وشروط إمكان تحقيق الديمقراطية، والتهديدات التي تواجه الديمقراطية، والملخص البصري الأول الذي يوجز محتوى هذا الجزء. أما الجزء الثاني، الذي يحمل عنوان “الديمقراطية ووسائل الإعلام”، فيتناول الكيفية التي تتفاعل بها وسائل الإعلام مع الديمقراطية ودورها في تعزيزها أو إضعافها، وينقسم إلى ستة فصول هي: المكونات الأساسية للإعلام، وأدوار الإعلام (الأوروبي) في الديمقراطية، والصراعات حول الأدوار الديمقراطية للإعلام، وشروط إمكان الأدوار الديمقراطية للإعلام، والتهديدات التي تواجه الأدوار الديمقراطية للإعلام، والملخّص البصري الثاني الذي يقدم خلاصة الجزء الثاني من الكتاب. وعليه، يسعى هذا العرض إلى استعراض وتحليل الأجزاء والمكونات الأساسية المُشكلة للكتاب، إضافة إلى أفكاره الرئيسة التي يقدمها الكاتبان.

اولًا: الديمقراطية:


يحاول هذا القسم من الكتاب استعراض الأساس النظري لفهم الديمقراطية، باعتبارها ممارسةً وصراعاً دائماً، لا منظومةً ثابتة أو نهائية. كما يسلط الضوء على العناصر التي تقوم عليها الديمقراطية، والجهود المستمرة لتطويرها وتعزيز مبادئ المشاركة والتمثيل داخل المجتمع. ويفترض الكاتبان أن الديمقراطية هي مشروع غير مكتمل وغير ثابت، تتغير وتتحول باستمرار، وهي أفق لا نصل إليه بالكامل، بل تحاول الشعوب تحقيقها في أقرب شكلٍ ممكن إليها. وينقسم هذا القسم إلى خمسة فصول سيتم عرضُها على النحو الآتي:
أ-الفصل الأول: المكونات الأساسية للديمقراطية:
يقدم هذا الفصل الأساس الفكري والنظري لفهم الديمقراطية باعتبارها مشروعاً غير مكتمل يتصارع حوله الفاعلون السياسيون. وفي الوقت ذاته يحاجج الكاتبين بأن الديمقراطية تقوم على ركائز شبه مستقرة تتمثل في: حكم الشعب، والتوازن بين التمثيل والمشاركة-وهذه الثنائية هي شرطان أساسيان متلازمان في النظام الديمقراطي-، ووجود مجتمع سياسي محدد عبر المواطنة، إضافة إلى سيادة القانون وحماية الحقوق والحريات. يصف المؤلفان الديمقراطية كـ”أفق” لا يُدرَك نهائياً، لكنها تبقى إطاراً مرجعياً للصراع السياسي بين من يسعون لتوسيعها ومن يدفعون لتقليصها. فالديمقراطية في هذه الحاله هي الإطار الذي يحرك العملية السياسية والصراع السياسي.


ب- الفصل الثاني: الصراعات حول الديمقراطية:


يركز هذا الفصل على أن الديمقراطية ميدان نزاع دائم، ليس فقط مع أعدائها، بل أيضاً داخلها عبر خمس جبهات أساسية: مدى المشاركة الشعبية مقابل النخبوية، وهل تقتصر الديمقراطية على السياسة الرسمية أم تمتد إلى الحياة اليومية؟ وهل هي مجرد إجراءات (مثل الانتخابات) أم تتضمن مضموناً قيمياً كالمساواة والعدالة؟ ومن يُعَدّ جزءاً من “الشعب”، وما هو التعريف العملي لهذه الفكرة؟ وهو سؤال يفتح الباب أمام النقاش حول مفاهيم الهوية وإعادة تأويلها. كما يتناول الفصل كيفية حسم الخلافات: بالأغلبية أم بالتوافق؟ يرى الكتاب أنّ هذه الصراعات ليست مرضاً ديمقراطياً، بل جزء من حيويتها، إذ أن هذه العملية التساؤلية هي التي تجدد من شريان الديمقراطية وتحافظ على ديناميكيتها المتداخلة.


ج- الفصل الثالث: شروط إمكان تحقيق الديمقراطية:


يوضح هذا الفصل أن الديمقراطية الديمقراطية لا تولد من فراغ بل تعتمد على مجموعة من العناصر الخارجيه تُمكنها من الوجود والظهور مثل التحولات الاجتماعية التي أضعفت احتكار النخب القديمة للسلطة، وفككت من سيطرة الأرستقراطية المسيطرة على الحكم، ومكنت الشعب من الوصول للسلطة لتمثيله، وبناء مؤسسات مستقرة لحل النزاعات سلمياً، وتكوين ثقافة سياسية تؤمن بالتعدد وقبول نتائج المنافسة، وتقبل قبول الرأي الأخر. وعليه، نجد أن المؤلفان يُسميا هذه العناصر شروط الإمكان: ليست جزءاً من بنية الديمقراطية، بحسب وجهة نظر الكاتبين، لكنها ضرورية لاستمرارها وحمايتها من الانهيار.


د- الفصل الرابع: التهديدات التي تواجه الديمقراطية:


يُنبه هذا الفصل إلى أن القوى التي تريد تقويض الديمقراطية قد تعمل من خارجها أو من داخلها تحت غطاء ديمقراطي. وتشمل التهديدات ما يلي: النزعات السلطوية التي تركّز السلطة في يد الفرد أو نخبة محددة وتُقصي المشاركة، والشعبوية العدائية التي تغذّي الكراهية والتمييز وتشيطن الآخر، وتحويل حالة الطوارئ إلى قاعدة دائمة تقمع الحقوق، وهو ما أسماه المفكر الإيطالي جورجيو أغامبين “حالة الاستثناء” التي تتحوّل إلى قاعدة، وانهيار الثقة بالمؤسسات التمثيلية، وتعاظم نفوذ الاقتصاد ورأس المال، المتمثّل في سيطرة الشركات الكبرى ورجال الأعمال على الحياة السياسية، وتحويل المواطن إلى شخص استهلاكي لا ينخرط في العملية السياسية. إن هذه التهديدات تملك القدرة على دفع المجتمع خارج حدود الديمقراطية نفسها، والأخطر من ذلك أنها قد ترتدي ثوب الديمقراطية وتنطوي تحت جناحها، بينما تكون أهدافها معادية تماماً لمبادئها.


ه- الفصل الخامس: ملخص بصري أول:


يُعطي هذا الفصل ملخصًا لكل الأطروحات الأساسية في الفصول الأولى للقسم الأول، ويحاول أن يرسم خريطة مفاهيمية لكل ما سبق يوضح من خلالها العلاقة بين مكونات الديمقراطية الأساسية، والصراعات التي تُعيد تشكيل معناها، والشروط التي تمكنها من العمل، والتهديدات التي يمكن أن تطيح بها أو تضرها. ويمكن القول أن الفصل يهدف في النهاية إلى تقديم رؤية شاملة تساعد القارئ على فهم أن الديمقراطية بناء متشابك ومعقد يمكن تطويره عبر الصراع الإيجابي أو هدمه عبر القوى المناهضة لها.


ثانيًا: الإعلام والديمقراطية:


يُكمل القسم الثاني ما بدأه الكاتبان من تفكيكٍ وتحليلٍ للنظام الديمقراطي وفهم معانيه الكامنة، إذ يرى الكاتبان أن الإعلام جزء رئيسي من الصراع الدائر داخل النظام الديمقراطي، ولا يمثل مرآةً محايدة له. كما يستطردان في تفكيك بنية النظام الإعلامي بوصفه كياناً خطابياً ومادياً مؤثراً في تعريف المواطن داخل المنظومة، وفي جودة المشاركة السياسية، وفي تحديد من يُمنح له حق الظهور في الساحة العامة ومن يُستبعد منها، وكيفية إدارة الحضور في المجال العام. وينقسم هذا الجزء إلى ستة فصول، وهي على النحو الآتي:


1- الفصل السادس: المكونات الأساسية للإعلام:
يوضح هذا الفصل أن الإعلام ليس مجرد وسيلة لنقل المعلومات، بل هو مؤسسة خطابية ومادية في آنٍ واحد. فالإعلام ينتج المعاني ويغيّرها عبر السرد والأجندات، ويصنع الدلالات والتمثيلات داخل المجتمع والسياسة، لكنه في الوقت نفسه كيان مادي تحكمه بنى اقتصادية وتنظيمية وتكنولوجية ومالية وغيرها، ما يعني أن كل قرار داخل النظام الإعلامي مرتبط بالعلاقات المادية المتعلقة بالموارد والملكية. ومن هذا المنطلق يصبح الإعلام فاعلاً سياسياً داخل المجتمع، وليس مرآةً محايدة له، لأنه يشارك في تحديد من يُمنح صوتًا ومن يُقصى عن المجال العام. كما يوضح الكاتبان أن البُعدين الخطابي والمادي في الإعلام متلازمان لا يمكن فصلهما، وكلاهما يؤثر بصورة مباشرة في العملية الديمقراطية.


2- الفصل السابع: أدوار الإعلام (الأوروبي) في االديمقراطية:


يحدد المؤلفان مجموعة أدوار يجب أن يقدمها الإعلام للديمقراطية والشعب، أهمها: توفير المعرفة والمعلومات اللازمة لاتخاذ قرارات سياسية واعية، مراقبة السلطة وكشف الانحراف والاستبداد، تنظيم الحوار العام بين الآراء المتنوعة وإدارة النقاشات، تمثيل المجتمع بكل فئاته وأنواعه بما في ذلك المهمشون، وتمكين المشاركة السياسية عبر منح المواطنين طرقاً للتعبير والتأثير. هذه الأدوار تجعل الإعلام ركيزة من ركائز الحياة الديمقراطية لا مكملًا ثانويًا لها. ويجدر الإشارة إلى أن الكاتبان كانا يحددان هذه الأدوار في السياق الأوروبي.


3- الفصل الثامن: الصراعات حول الأدوار الديمقراطية للإعلام:


يُحاجج الكاتبان في هذا الفصل بأنه إذا كانت الديمقراطية ساحة صراع تتجاذب فيها الأطراف السياسية المختلفة، فإن الإعلام هو ميدان الصدام الأكبر. فهناك طموحات متناقضة بداخله: صحافة مستقلة تمثل المجتمع، في مقابل إعلام مملوك لقوى سياسية أو اقتصادية يروج لأجنداتها. وينشب النزاع حول الأسئلة التالية: من يحدد ما هو الإعلام “الجيد”؟ من يعرف ما هو “الإاعلام المسؤول”؟ وهل الإعلام يخدم الجمهور أم السوق أم السلطة؟ ومن يتكلّم باسم المجتمع؟ إنّ هذه الصراعات لا تُفسد الديمقراطية، بل تكشف حساسيتها ومكانة الإعلام المركزية داخلها.


4- الفصل التاسع: شروط إمكان تحقيق الأدوار الديمقراطية للإعلام:


يوضح المؤلفان في هذا الفصل أن أداء الإعلام لأدواره يتطلب بيئة تساعدة على تحقيق أهدافة وإمكاناته، تشمل: ضمانات وبيئة قانونية لحماية حرية التعبير وتنوع الملكية، استقلالية تنظيمية تحرر الإعلام من الهيمنة السياسية والاقتصادية أو من سيطرة الدولة والسوق، إضافة إلى ذلك، يحتاج النظام الإعلامي إلى جمهور يمتلك مهارات نقدية تساعده على تقييم المحتوى، ولا يكونون متلقيين سلبيين. هذه الشروط التي عرضها الكاتبان يقولان بأنها ليست من داخل الإعلام حصراً، لكنها ضرورية لكي يصبح الإعلام فعالاً في تعزيز الديمقراطية بدل أن يتحوّل إلى أداة إضعافها.


5- الفصل العاشر: التهديدات التي تواجه الأدوار الديمقراطية للإعلام:


يحذر الكاتبان في هذا الفصل من أن الإعلام يمكن أن يصبح جزءاً من مشكلات تهديد الديمقراطية إذا سيطرت عليه قوى المال والسياسة أو احتكرت ملكيته لصالح فئات محددة، ما يؤدي إلى إقصاء أصوات المجتمع المتنوعة. كما تشكل الدعاية، الخطاب العدائي، التلاعب بالمعلومات، وتضخم نفوذ المنصات الرقمية تهديدات مباشرة لقدرة الإعلام على الرقابة والتمثيل، وعلى تحقيق الديمقراطية بصورة جيدة. حينها يفقد الإعلام دوره كسلطة مجتمعية ويتحول إلى أداة للهيمنة والاستقطاب، أي أنه في تلك الحالة يفقد الإعلام قدرته على الرقابة والتمثيل ويصبح أداة سلطة أو سلعة سوق.


6- الفصل الحادي عشر: الملخص البصري الثاني:


يجمع هذا الفصل العلاقة بين الأدوار، الصراعات، الشروط والتهديدات في مخطط نظري يبيّن كيف تتحدد وظيفة الإعلام داخل المجتمع الديمقراطي عبر تفاعل كل هذه العناصر. والنتيجة المنطقية التي خرج بها المؤلفان أن الإعلام لا يمكن فصله عن السياسة أو الاقتصاد أو الثقافة، بل هو نقطة الالتقاء التي قد ترتقي بالممارسة الديمقراطية أو تجرها إلى التآكل.


ثالثًا: رؤية نقدية للكتاب:


بالرغم من أهمية الكتاب في عرضه لتقاطع المنظومة الإعلامية بالديمقراطية، إلا أنه عانى من العديد من أوجه القصور؛ إذ غلب عليه الطابع النظري أكثر من التطبيقي، ولم يُدرج أمثلة تفصيلية أو بيانات تحليلية، رغم إشارته إلى تغيرات خطرة في الإعلام والديمقراطية. كما يركّز الكاتبان على المنظومة الأوروبية، مما يترك مجالاً لغياب نماذج أخرى غير أوروبية، وهما بذلك وقعا في معضلة المركزية الأوروبية والخطاب الأوروبي المهيمن، وهذه هي سمة أساسية في التقليد دراسة العلوم السياسية في الفكر الغربي. وتجدر الإشارة إلى أن المؤلفين نفسيهما يقران بهذا التمركز الأوروبي ويؤكدان أن كتابهما “يبقى خطابيًا وماديًا أوروبيًا”، مما يعزز ضرورة توسيع نطاق التحليل مستقبلاً ليشمل سياقات ديمقراطية أخرى في العالم.
كما يمكن وضع رؤية نقدية استنادًا إلى أطروحات مدرسة فرانكفورت عن الإعلام وصناعة الثقافة، إذ نجد أن الكتاب يقدم رؤية إصلاحية تفترض إمكانية توظيف الإعلام لصالح الديمقراطية، متجاهلاً أن الإعلام الحديث مندمج بنيوياً داخل النظام الرأسمالي الذي يعيد إنتاج السيطرة وتزييف الوعي. فبينما ينظر المؤلفان إلى الإعلام باعتباره فاعلًا يمكن أن يعزز التعددية والمشاركة، ترى مدرسة فرانكفورت أن هذا الإعلام ذاته يمثل أداة للهيمنة الأيديولوجية وترسيخ الامتثال، ما يجعل أي حديث عن “دور ديمقراطي” له محض وهم ما لم تُفكك الشروط الاقتصادية والسياسية التي تحكمه. ونجد أيضًا أن الكتاب يفترض في العديد من مواضعة أن الديمقراطية الغربية خالية من المشكلات البنيوية، في حين أن النظم الديمقراطية ذاتها تستبطن منظومة كاملة من السيطرة تُخفيها داخل عملياتها السياسية، وفقاً لرؤية المدرسة.
وختاماً، يُعد كتاب “الديمقراطية والإعلام في أوروبا: مقاربة خطابية-مادية” إضافة معرفية مهمة في حقل دراسات الديمقراطية والإعلام، خاصة في أوروبا، لما يقدمه من مقاربة نظرية تسعى إلى تفكيك العلاقة الجدلية بين الخطاب الإعلام والمادة، المتمثلة في النظام الإعلامي بأجهزته المختلفة، في صياغة الواقع الديمقراطي ودور وسائل الإعلام فيه. وقد نجح المؤلفان في إبراز الطبيعة المتغيرة للديمقراطية باعتبارها مشروعًا غير مكتمل، وفي توضيح الموقع المحوري للإعلام داخل عمليات الصراع الديمقراطي على المعنى والسلطة والتمثيل. غير أن اعتماد الكتاب على الطابع النظري وتضييق رؤيته على السياق الأوروبي يفتح المجال أمام الحاجة إلى مزيد من الدراسات التطبيقية والمقاربات المقارنة العابرة للحدود. كما يكشف النقد المستند إلى مدرسة فرانكفورت عن ضرورة تفكيك البُعد البنيوي للعلاقة بين الإعلام والرأسمالية بما يتجاوز الرؤية الإصلاحية التي يتبناها المؤلفان. ورغم ذلك، يبقى الكتاب مرجعًا مهمًا لفهم التفاعلات المعقدة بين الديمقراطية والإعلام في زمن تتسارع فيه التحولات الرقمية والسياسية، ويتيح أساسًا فكريًا خصبًا يمكن البناء عليه في الأبحاث المستقبلية.

باحث مساعد في النظم و النظرية السياسية بمركز ترو للدراسات والتدريب

WhatsApp Image 2026-01-25 at 3.01
الفكر السياسي الأمريكي المعاصر بين الواقعية الثقافية والنقد الراديكالي: دراسة مقارنة بين صامويل هنتغتون ونعوم تشومسكي
الأعمدة السبع للشخصية المصرية
WhatsApp Image 2025-12-12 at 01.14
قراءة في فوز ممداني بمنصب عمدة نيويورك ودلالاته على التحولات في المشهد السياسي الأمريكي
Scroll to Top