شهدت الأسابيع الماضية تطورات متسارعة أعادت قضية الصحراء الغربية إلى واجهة الاهتمام الإقليمي والدولي، إذ اتسعت رقعة الدعم لمقترح الحكم الذاتي الذي قدمته المملكة المغربية عام 2007 تحت إشراف الأمم المتحدة، باعتباره حلًا واقعيًا وعمليًا لإنهاء النزاع الممتد منذ عقود. وقد جاء قرار مجلس الأمن الدولي الأخير بتجديد ولاية بعثة المينورسو مؤكدًا على أولوية الحل السياسي القائم على الواقعية وروح التوافق، في إشارة ضمنية إلى تبني المقاربة المغربية. كما ترافقت هذه التطورات مع مواقف جديدة من دول إفريقية وأوروبية أعلنت صراحة تأييدها لمبادرة الحكم الذاتي، في حين لا تزال الجزائر متمسكة بموقفها التقليدي الداعم لجبهة البوليساريو ومبدأ تقرير المصير.[1]
وتأتي هذه المستجدات في سياق نزاع إقليمي يُعد من أكثر القضايا تعقيدًا في شمال إفريقيا منذ مطلع السبعينيات، لما يتضمنه من تداخل بين الأبعاد التاريخية والسياسية والقانونية، وتعارض في مصالح قوى إقليمية ودولية متعددة. ومع تصاعد التحولات في البيئة الدولية الراهنة من إعادة رسم خرائط النفوذ في القارة الإفريقية إلى احتدام التنافس بين القوى الكبرى على الممرات الاستراتيجية والموارد الطبيعية استعادت قضية الصحراء مكانتها في الأجندة الدبلوماسية الإقليمية والدولية، بوصفها أحد الملفات المركزية في توازنات المنطقة المغاربية. [2]
وتأتي هذه التطورات في ظل سياق دولي متغير، يتسم بعودة الاعتبارات السيادية في العلاقات الدولية وتراجع فعالية الأطروحات الانفصالية أمام أولوية الاستقرار والأمن الإقليمي. كما أسهمت المتغيرات الجيوسياسية، مثل الحرب في أوكرانيا وأزمة الساحل الإفريقي، في إعادة ترتيب أولويات القوى الكبرى في المنطقة المغاربية، ما جعل من مبادرة الحكم الذاتي المغربية خيارًا يحظى بقبول متزايد باعتبارها صيغة وسطية توازن بين الشرعية الدولية والواقعية السياسية.[3]
يسعى هذا التقرير إلى تقديم قراءة تحليلية في تطورات قضية الصحراء الغربية في ضوء منحها حكمًا ذاتيًا تحت السيادة المغربية، من خلال تناول الخلفية التاريخية للنزاع، واستعراض مبادرة الحكم الذاتي في إطار الأمم المتحدة وأبعادها القانونية، ثم تحليل موقف الجزائر، وقراءة ردود الفعل الإقليمية والدولية، وصولًا إلى استشراف السيناريوهات المستقبلية المحتملة لمسار التسوية.
أولًا: الخلفية التاريخية لقضية الصحراء الغربية
تُعد قضية الصحراء الغربية من أقدم النزاعات الإقليمية في القارة الإفريقية، إذ تمتد جذورها إلى مرحلة الاستعمار الإسباني للمنطقة منذ أواخر القرن التاسع عشر. فقد أعلن الاحتلال الإسباني عام 1884 ضم الصحراء إلى سلطته ضمن إطار “مؤتمر برلين”، الذي شرع تقسيم النفوذ الأوروبي في إفريقيا، رغم الروابط التاريخية والسيادية التي كانت تربط القبائل الصحراوية بالعرش المغربي عبر نظام “البيعة”، باعتبارها شكلًا من أشكال الولاء السياسي والديني الذي رسخ مفهوم وحدة التراب المغربي عبر العصور.[4] ومع تصاعد حركات التحرر في خمسينيات وستينيات القرن العشرين، بدأ المغرب يطالب باستعادة أراضيه التي كانت تحت السيطرة الاستعمارية الإسبانية، بما في ذلك سيدي إفني والصحراء الغربية. وبعد نجاحه في استعادة سيدي إفني عام 1969، بقيت الصحراء آخر الملفات العالقة ضمن مشروع استكمال الوحدة الترابية المغربية. وقد تزامن ذلك مع إدراج الأمم المتحدة للقضية على جدول أعمالها عام 1963 بوصفها “إقليمًا غير متمتع بالحكم الذاتي”، مع التأكيد على حق سكانها في تقرير المصير وفق ميثاق الأمم المتحدة.[5]
تُعد الصحراء الغربية من الأقاليم ذات الأهمية الاستراتيجية البالغة في شمال إفريقيا، ليس فقط من منظورها الجغرافي المطل على المحيط الأطلسي بطول يقارب 1100 كيلومتر، ولكن أيضًا لما تختزنه من ثروات طبيعية جعلتها محور تنافس إقليمي ودولي. فالإقليم غني بمناجم الفوسفات، خصوصًا في منطقة بوكراع التي تُعد من أكبر مناجم الفوسفات في العالم، كما يتمتع بمخزون واعد من الثروات البحرية، إذ تُعد سواحله من أغنى مناطق الصيد في شمال غرب إفريقيا. وتُشير تقديرات دولية إلى وجود مؤشرات إيجابية على احتياطيات من النفط والغاز في مياهه الإقليمية، فضلًا عن إمكانات الطاقة المتجددة من الرياح والشمس. وتكمن أهمية الصحراء الغربية أيضًا في كونها معبرًا استراتيجيًا يربط المغرب بعمقه الإفريقي جنوبًا، ما يجعل استقرارها ركيزة أساسية لمشروعات الربط التجاري والطاقة بين أوروبا وإفريقيا.[6]
غير أن التحول الحاسم جاء في منتصف السبعينيات، عندما أصدرت محكمة العدل الدولية في أكتوبر 1975 رأيًا استشاريًا أكدت فيه وجود “روابط قانونية وبيعية” بين الصحراء والمغرب وموريتانيا قبل الاستعمار الإسباني، لكنها تركت مسألة تقرير المصير للشعب الصحراوي ضمن أطر الأمم المتحدة. وبناء على هذا الرأي، أطلق الملك الحسن الثاني “المسيرة الخضراء” في نوفمبر 1975، بمشاركة نحو 350 ألف مواطن مغربي، كتحرك سلمي لاسترجاع الإقليم من الاستعمار الإسباني.[7]
تُعد جبهة البوليساريو حركة مسلحة ذات طابع انفصالي تأسست عام 1973، ورفعت منذ بدايتها شعار تحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب من الوجود المغربي. وبعد انسحاب إسبانيا عام 1975، دخلت الجبهة في مواجهات عسكرية مباشرة مع القوات المغربية والموريتانية، مستفيدة من الدعم السياسي والعسكري الذي قدمته الجزائر وليبيا في تلك الفترة. ورغم توقيع اتفاق وقف إطلاق النار عام 1991 برعاية الأمم المتحدة، فإن الجبهة احتفظت ببنيتها العسكرية في مخيمات تندوف جنوب غرب الجزائر، واستمرت في تنظيم عمليات تجنيد وتدريب، مع شن هجمات متقطعة عبر الحدود.[8] وفي نوفمبر 2020، أعلنت البوليساريو رسميًا انتهاء التزامها باتفاق وقف إطلاق النار عقب توتر منطقة الكركرات على الحدود المغربية الموريتانية، لتستأنف ما سمته الكفاح المسلح. غير أن هذه العمليات ظلت محدودة التأثير ميدانيًا، واعتمدت أساسًا على حرب إعلامية ودبلوماسية تستهدف الضغط في الأمم المتحدة والمنظمات الدولية لإحياء خيار الاستفتاء، في مقابل استمرار المغرب في فرض سيطرته الفعلية على غالبية الإقليم وتنفيذ مشروعات تنمية واسعة في مدنه الجنوبية. [9]
ومنذ ذلك التاريخ، أصبحت بعثة الأمم المتحدة لتنظيم الاستفتاء في الصحراء الغربية “المينورسو” الإطار المؤسسي لإدارة النزاع، بهدف التوصل إلى تسوية نهائية من خلال استفتاء لتقرير المصير. إلا أن الخلافات الجوهرية حول من يحق له التصويت وتعقد البنية الديموغرافية للإقليم أدت إلى جمود العملية السياسية طوال عقدين من الزمن. وفي ظل هذا الانسداد، قدم المغرب عام 2007 مبادرته للحكم الذاتي كحل سياسي متقدم يضمن للسكان إدارة شؤونهم الداخلية تحت السيادة المغربية، مع منح الإقليم صلاحيات تشريعية وتنفيذية وقضائية موسعة، وهي المبادرة التي اعتبرتها الأمم المتحدة جادة وذات مصداقية لإحياء مسار التسوية.[10]
ثانيًا: مبادرة الحكم الذاتي في إطار الأمم المتحدة وأبعادها القانونية
طرحت المملكة المغربية في أبريل 2007 مبادرة شاملة للحكم الذاتي في إقليم الصحراء الغربية تحت سيادتها الوطنية، في خطوة وُصفت آنذاك بأنها تحول نوعي في مسار التسوية السياسية، إذ نقلت النقاش من مستوى الصراع المسلح والمواجهة الدبلوماسية إلى مستوى الحل السياسي القائم على التفاوض والتوافق. وقد تم تقديم المبادرة رسميًا إلى الأمين العام للأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي، لتصبح منذ ذلك التاريخ الإطار المرجعي الأساسي الذي تُبنى عليه جميع جولات الحوار اللاحقة.[11]
- مضمون المبادرة المغربية
تقوم المبادرة المغربية على منح سكان الأقاليم الصحراوية صلاحيات تشريعية وتنفيذية وقضائية واسعة في إطار نظام حكم ذاتي، مع بقاء السيادة العليا للدولة المغربية في مجالات السيادة المركزية مثل الدفاع الوطني والعلاقات الخارجية والعملة والعلم. ويقترح المشروع إنشاء مؤسسات إقليمية منتخبة، تشمل برلمانًا محليًا وحكومة ذاتية تتولى إدارة الشؤون الاقتصادية والاجتماعية والثقافية للإقليم. وتنص المبادرة على التزام المغرب بتنظيم استفتاء شعبي في الإقليم للمصادقة على النظام الذاتي المقترح بعد التوافق حول تفاصيله، أي أن الاستفتاء لا يهدف إلى تقرير مصير الانفصال أو الاتحاد، بل إلى إقرار السكان بقبولهم صيغة الحكم الذاتي ضمن السيادة المغربية، بما يضفي عليها شرعية ديمقراطية داخلية. كما تؤكد المبادرة على احترام مبادئ اللامركزية السياسية المتقدمة، مع ضمان تمثيل سكان الأقاليم الجنوبية في المؤسسات الوطنية وإدماجهم الكامل في الحياة السياسية المغربية. ومن الناحية الإجرائية، التزمت الرباط بتوفير الضمانات الدولية الكفيلة بتطبيق الحكم الذاتي، بما في ذلك إشراف الأمم المتحدة على مراحل التنفيذ، وهو ما أكسب المقترح طابعًا توافقيًا وواقعيًا يتماشى مع توجهات المنظمة الأممية في تسوية النزاعات الإقليمية. [12]
- تعامل الأمم المتحدة مع المبادرة
منذ تقديم المبادرة، أصدر مجلس الأمن الدولي أكثر من 20 قرارًا رحب فيها بالجهود المغربية، معتبرًا المقترح جديًا وذا مصداقية (قرار مجلس الأمن رقم 1754 لعام 2007)، كما جددت الأمم المتحدة في قرارات لاحقة مثل القرار 2703 الصادر في أكتوبر 2024 التأكيد على أولوية الحل السياسي التوافقي المبني على الواقعية وروح التسوية.[13] كما واصلت الأمم المتحدة دعم المساعي التي يقودها مبعوثها الشخصي إلى الصحراء، حاليًا ستافان دي ميستورا، الذي ركز على عقد موائد مستديرة تجمع الأطراف المعنية (المغرب، الجزائر، موريتانيا، وجبهة البوليساريو) بهدف إعادة بناء الثقة وإيجاد أرضية مشتركة. غير أن الموقف الجزائري المتصلب، ورفض البوليساريو أي تسوية لا تتضمن خيار الاستقلال، ظلا العقبة الأساسية أمام تفعيل المسار السياسي الذي تقوده الأمم المتحدة.[14]
- الأبعاد القانونية للمبادرة
من الناحية القانونية، تُمثل مبادرة الحكم الذاتي محاولة لتوفيق بين مبدأ وحدة الأراضي المنصوص عليه في المادة الثانية من ميثاق الأمم المتحدة، وبين مبدأ تقرير المصير الذي ورد في قرارات الجمعية العامة، خاصة القرار 1514 لعام 1960 الخاص بتصفية الاستعمار. إلا أن الاجتهاد القانوني الحديث داخل الأمم المتحدة، ولا سيما في حالات مماثلة كإقليم كاتالونيا أو جزر الآزور أو هونغ كونغ سابقًا، أقر بأن تقرير المصير لا يعني بالضرورة الانفصال، بل يمكن أن يتحقق من خلال ترتيبات حكم ذاتي موسعة داخل الدولة الأم.[15] بناءً على ذلك، اكتسب المقترح المغربي شرعية قانونية متصاعدة، إذ اعتبره خبراء القانون الدولي حلًا يتوافق مع مبدأ التقرير الذاتي الداخلي (Internal Self-Determination)، الذي يتيح للشعوب إدارة شؤونها الداخلية ضمن حدود الدولة ذات السيادة. كما أضفى اعتراف عدد متزايد من الدول منها الولايات المتحدة، والإمارات، وإسبانيا، وألمانيا بدعم المقترح المغربي بعدًا دبلوماسيًا وقانونيًا يعزز من موقع الرباط في الأمم المتحدة.[16]
في المقابل، استمرت الجزائر وجبهة البوليساريو في التمسك بخيار الاستفتاء كحق قانوني أصيل، غير أن الأمم المتحدة لم تحدد حتى الآن آلية قابلة للتطبيق لتنظيم استفتاء فعلي، في ظل الخلافات حول الهوية الانتخابية، وتغير البنية السكانية في الإقليم. ومن ثم، أصبحت مبادرة الحكم الذاتي البديل الواقعي الوحيد القادر على الجمع بين مقتضيات الشرعية الدولية ومتطلبات الأمن والاستقرار الإقليمي.[17]
ثالثًا: موقف الجزائر من قضية الصحراء الغربية
يُعد الموقف الجزائري من قضية الصحراء الغربية أحد أكثر عناصر الصراع تعقيدًا وتأثيرًا في مسار التسوية، إذ لم تكتفي الجزائر منذ بداية النزاع بدور المراقب أو الداعم السياسي، بل تبنت موقفًا مبدئيًا يُصور القضية بوصفها قضية “تصفية استعمار” وليست نزاعًا إقليميًا بين دولتين. وقد ظل هذا الموقف ثابتًا في الخطاب الرسمي الجزائري على مدار العقود الخمسة الماضية، رغم تغير السياقات الدولية والإقليمية، ما جعل من الجزائر الفاعل الرئيسي المقابل للمغرب في هذا الملف، سواء دبلوماسيًا أو ميدانيًا أو على مستوى التحالفات الإقليمية.[18]
تعود جذور الموقف الجزائري إلى ما بعد الاستقلال عام 1962، حيث تشكلت رؤية السياسة الخارجية الجزائرية على أساس دعم حركات التحرر الوطني ومبدأ تقرير المصير، انسجامًا مع خطاب الثورة الجزائرية وميراثها المناهض للاستعمار. وعليه، اعتبرت الجزائر أن دعم “الشعب الصحراوي” امتداد طبيعي لدورها التاريخي في نصرة القضايا التحررية.[19] إلا أن خلف هذا الموقف المبدئي، تتداخل أيضًا اعتبارات جيوسياسية وأمنية تتعلق بالتوازن الإقليمي في منطقة المغرب العربي. فمنذ السبعينيات، رأت الجزائر أن تعزيز النفوذ المغربي في الصحراء من شأنه أن يخل بموازين القوى الإقليمية ويحد من مجالها الحيوي غربًا، خاصة في ظل تنافس البلدين على الزعامة الإقليمية في شمال إفريقيا. ومن هنا، أصبح دعم جبهة البوليساريو جزءًا من استراتيجية احتواء النفوذ المغربي، ومحاولة لإبقاء الإقليم منطقة عازلة تحول دون تمدد الرباط نحو العمق الإفريقي.[20]
- الدور الجزائري في دعم جبهة البوليساريو
تُعد الجزائر الراعي الأساسي لجبهة البوليساريو منذ تأسيسها عام 1973، حيث وفرت لها الدعم السياسي والعسكري واللوجستي، وسمحت لها بإقامة مقارها في مخيمات تندوف الواقعة داخل الأراضي الجزائرية. كما لعبت دورًا محوريًا في تدويل القضية من خلال المنظمات القارية والدولية، ولا سيما داخل الاتحاد الإفريقي، الذي اعترف عام 1984 بالجمهورية الصحراوية، ما دفع المغرب حينها إلى الانسحاب من المنظمة (قبل عودتها عام 2017).[21] وفي المحافل الدولية، ظلت الجزائر تصر على أنها ليست طرفًا في النزاع بل بلد جار معني بالاستقرار الإقليمي، رغم أن مشاركتها الفعلية في مفاوضات الأمم المتحدة تُظهر انخراطها المباشر في صياغة المواقف والتوجهات. كما استخدمت الجزائر أدواتها الدبلوماسية في الأمم المتحدة وحركة عدم الانحياز والاتحاد الإفريقي لحشد الدعم لموقف البوليساريو، خاصة من بعض الدول اللاتينية والإفريقية.[22]
رغم ثبات الخطاب الرسمي الجزائري، إلا أن السنوات الأخيرة شهدت تراجعًا نسبيًا في قدرة الجزائر على التأثير في موازين القضية، نتيجة جملة من المتغيرات الدولية والإقليمية. فمن جهة، أضعفت الأزمات الداخلية الاقتصادية والسياسية التي أعقبت حراك 2019 من موقع الجزائر الدبلوماسي، كما أن تزايد الدعم الدولي للمقترح المغربي للحكم الذاتي بما في ذلك من شركاء تقليديين للجزائر كألمانيا وإسبانيا أوجد حالة من العزلة النسبية في الموقف الجزائري.[23] وقد جاءت الأزمة الدبلوماسية الحادة بين الجزائر والمغرب عام 2021، والتي أدت إلى قطع العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، لتعمق حالة الجمود السياسي في المنطقة المغاربية، ولتُظهر أن قضية الصحراء باتت جزءًا من صراع النفوذ الإقليمي الأوسع، أكثر من كونها قضية تقرير مصير بالمعنى الكلاسيكي. وفي هذا السياق، تصاعدت في الخطاب الجزائري اتهامات للمغرب بمحاولة فرض الأمر الواقع من خلال توسيع استثماراته في الأقاليم الجنوبية وافتتاح قنصليات أجنبية في العيون والداخلة.[24]
ومع صدور قرار مجلس الأمن رقم 2703 أكتوبر 2024، الذي دعا إلى حل سياسي واقعي ودائم يقوم على التوافق، رأت الجزائر أن المجلس تجاهل مبدأ الاستفتاء، ما اعتبرته انحيازًا دوليًا متزايدًا نحو الطرح المغربي. وقد ردت الجزائر بتكثيف تحركاتها في الاتحاد الإفريقي وجامعة الدول العربية لإعادة إدراج القضية على أجندة تصفية الاستعمار، إلا أن هذه التحركات لم تُحقق أثرًا ملموسًا في تعديل موازين المواقف الدولية.[25]
- الأبعاد الاستراتيجية لموقف الجزائر
يمكن فهم الموقف الجزائري أيضًا في إطار أمن الحدود الجنوبية الغربية، حيث ترى الجزائر أن وجود كيان موالي لها في الصحراء الغربية يمنحها عمقًا استراتيجيًا يتيح مراقبة التحركات المغربية وضمان أمن حدودها الجنوبية الممتدة نحو الساحل الإفريقي، وهو فضاء تعتبره الجزائر مجالًا حيويًا لأمنها القومي. فالدولة الجزائرية، منذ الاستقلال، تبنت عقيدة أمنية ترتكز على بناء حزام استراتيجي واقي في محيطها الجغرافي، بهدف منع تمدد النفوذ المغربي أو الأطلسي نحو عمقها الجنوبي. من هذا المنطلق، تمثل جبهة البوليساريو بالنسبة إلى الجزائر ورقة دفاعية وجيوسياسية في آن واحد، أكثر من كونها قضية مبدئية تتعلق بحق تقرير المصير. [26]
علاوة على ذلك، فإن التحالف الوثيق بين الجزائر وجنوب إفريقيا في هذا الملف يعكس تنسيقًا أوسع داخل ما يُعرف بمحور الاستقلالية الإفريقية، الذي يسعى إلى مقاومة ما تعتبره الجزائر الهيمنة الغربية في إعادة تشكيل القارة. وتندرج قضية الصحراء الغربية، في هذا السياق، ضمن استراتيجية أوسع تهدف إلى تعزيز الدور الجزائري كقوة إقليمية مضادة للمحاور الغربية التقليدية، وتأكيد موقعها كفاعل مستقل عن التأثيرات الأطلسية والأوروبية. ولذلك، فإن تمسك الجزائر بمبدأ تقرير المصير لا ينفصل عن رغبتها في الحفاظ على خطاب يميز سياستها الخارجية منذ عهد الرئيس الجزائري الأسبق هواري بومدين، القائم على دعم حركات التحرر ومعارضة النفوذ الأجنبي المباشر.[27]
إلا أن التوازنات الدولية الراهنة أعادت صياغة هذا المشهد. فمن جهة، حظي المغرب بدعم واضح من الولايات المتحدة، التي أعلنت رسميًا في ديسمبر 2020 اعترافها بسيادته على الصحراء الغربية، مقابل توقيع اتفاق استئناف العلاقات مع إسرائيل في إطار اتفاقات أبراهام. ويُترجم هذا الدعم الأمريكي في استمرار واشنطن بالدفاع عن مقاربة الحكم الذاتي داخل أروقة الأمم المتحدة، باعتبارها الأكثر واقعية واستقرارًا. ومن جهة أخرى، تعزز التقارب بين الجزائر وروسيا، حيث تنظر موسكو إلى الجزائر كشريك عسكري واستراتيجي في شمال إفريقيا، وتستخدم موقفها من قضية الصحراء كأداة موازنة أمام النفوذ الأمريكي في المنطقة. وقد انعكس هذا التباين في المواقف على الاستقطاب داخل مجلس الأمن، حيث تميل القوى الغربية لدعم الموقف المغربي، بينما تميل روسيا وبعض الدول الإفريقية واللاتينية إلى تفهم الطرح الجزائري.[28]
بناءً على ذلك، أصبح ملف الصحراء الغربية اليوم أحد محاور التنافس الجيوسياسي بين موسكو وواشنطن في شمال إفريقيا. فالقضية لم تعد محصورة في حدود الصراع المغربي الجزائري، بل تحولت إلى ساحة فرعية من ساحات إعادة تشكيل النفوذ في القارة الإفريقية. ومع تصاعد الحضور الروسي في منطقة الساحل، وعودة الاهتمام الأمريكي بالمغرب كحليف استراتيجي في مكافحة الإرهاب وضمان استقرار ممرات الطاقة، فإن تموضع الجزائر والمغرب داخل محورين متقابلين يعمق من ديناميكيات الاستقطاب الإقليمي، ويجعل أي تسوية مستقبلية للنزاع مشروطة بتفاهمات دولية أوسع تتجاوز حدود الإقليم.[29]
رابعًا: ردود الفعل الإقليمية والدولية
أحدثت مبادرة الحكم الذاتي المغربية منذ طرحها عام 2007 تحولًا تدريجيًا في خريطة المواقف الدولية من قضية الصحراء الغربية، حيث بدأت العديد من الدول والمنظمات الإقليمية تنظر إليها باعتبارها الحل الواقعي الوحيد القابل للتطبيق، في ظل تعثر خيار الاستفتاء واستحالة تنفيذه ميدانيًا. ومع التطورات الأخيرة في قرارات مجلس الأمن وتبدل مواقف بعض العواصم المؤثرة، أصبحت القضية تُدار ضمن إطار سياسي جديد يقوم على الاعتراف بالسيادة المغربية مقابل ضمانات موسعة للحكم الذاتي، وهو ما انعكس على توازنات المواقف في المنطقة المغاربية والقارة الإفريقية على حد سواء.[30]
- المواقف الإقليمية في العالم العربي وإفريقيا
على المستوى العربي، عبرت معظم الدول العربية لا سيما دول الخليج عن دعمها الصريح لمبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، باعتبارها ضمانة للاستقرار ووحدة الأراضي المغربية. وقد صدر هذا الموقف بشكل مؤسسي خلال اجتماعات مجلس وزراء الخارجية العرب، وكرسته القمة العربية في جدة مايو 2023 ثم قمة البحرين في مايو 2024، حيث أكد البيان الختامي الذي عقد في جدة في مايو على تأييد المبادرة المغربية للحكم الذاتي كحل واقعي لإنهاء النزاع الإقليمي حول الصحراء.[31]
كما أن التحالف المغربي الخليجي شهد خلال العامين الأخيرين تعزيزًا لصورته السياسية عبر افتتاح قنصليات لكل من الإمارات والبحرين والأردن في مدينتي العيون والداخلة، في خطوة رآها المراقبون اعترافًا عمليًا بالسيادة المغربية. وقد تبعت هذه الخطوة دول إفريقية عديدة مثل السنغال وجيبوتي والجابون وساحل العاج، مما رسخ تحولًا جيوسياسيًا في الموقف الإفريقي لصالح المغرب، خصوصًا بعد عودته إلى الاتحاد الإفريقي عام 2017، واستعادته موقعه كفاعل مؤثر في القارة.[32]
في المقابل، أثارت موجة الدعم العربي والإفريقي المتنامية لمبادرة الحكم الذاتي المغربية حساسية واضحة في الموقف الجزائري، حيث عبرت وزارة الخارجية الجزائرية في أكثر من مناسبة عن رفضها لما اعتبرته محاولات فرض أمر واقع في الصحراء الغربية، مؤكدة تمسكها بما تسميه حق الشعب الصحراوي في تقرير مصيره. وقد صرح عدد من المسؤولين الجزائريين بأن افتتاح القنصليات العربية والإفريقية في مدينتي العيون والداخلة يشكل خرقًا للقانون الدولي، في إشارة إلى انزعاج الجزائر من الطابع العملي والرمزي المتزايد للاعتراف بالسيادة المغربية على الإقليم. وتبعًا لذلك، يُتوقع أن تواصل الجزائر تمسكها بدعم جبهة البوليساريو وتسعى إلى تنشيط تحركاتها الدبلوماسية داخل الاتحاد الإفريقي وبعض المحافل الأممية، بهدف إعادة إحياء خطاب تصفية الاستعمار وتوسيع دائرة التعاطف مع الموقف الانفصالي، رغم التراجع الملموس في هذا الدعم داخل القارة. كما يبدو أن الجزائر ستحاول تعزيز تنسيقها مع روسيا وجنوب إفريقيا كجزء من توازن استراتيجي موازي للتحالف المغربي الخليجي المتنامي، خاصة في ظل التنافس الجيوسياسي المتزايد بين القوى الكبرى على النفوذ في شمال إفريقيا.[33]
ومع ذلك، تشير القراءة الواقعية للمشهد إلى أن خيارات الجزائر تبقى محدودة على المستويين الدبلوماسي والميداني، نظرًا لتمدد الإجماع العربي والإفريقي والدولي حول الحل السياسي الواقعي الذي تطرحه الرباط، ما يجعل أي رد فعل جزائري محتمل محصورًا في الإطار السياسي والإعلامي، دون أن يرقى إلى مستوى المواجهة الفعلية أو تغيير المعادلات القائمة في هذا الملف.
- الموقف الأمريكي والدولي الأوسع
على الصعيد الدولي، تمثل الولايات المتحدة الأمريكية أبرز الداعمين لمقترح الحكم الذاتي المغربي. ففي ديسمبر 2020، اعترفت واشنطن رسميًا بسيادة المغرب على الصحراء الغربية في عهد إدارة الرئيس دونالد ترامب الأولى، وهو القرار الذي لم تتراجع عنه إدارة الرئيس جو بايدن، بل أكدت التزامها بدعم الجهود الجادة والواقعية للمغرب تحت إشراف الأمم المتحدة. وقد تُرجم هذا الموقف في بيانات الخارجية الأمريكية ومواقفها داخل مجلس الأمن، حيث شددت على ضرورة الحل السياسي الواقعي كبديل عن الاستفتاء.[34]
أما روسيا والصين فتبنتا مواقف أكثر توازنًا، إذ تركزان على احترام قرارات الأمم المتحدة ودعم المسار التفاوضي، دون انحياز صريح لأي طرف. غير أن مراقبين يشيرون إلى أن موسكو تنظر إلى النزاع من منظور مصلحي بحت، إذ تسعى للحفاظ على علاقاتها المتوازنة مع كل من المغرب والجزائر في سياق التنافس الطاقوي والأمني في شمال إفريقيا. كما عبرت الأمم المتحدة عبر مبعوثها الشخصي ستافان دي ميستورا عن قناعة متزايدة بأن الحل الواقعي الممكن هو الذي يقوم على التسوية السياسية ضمن السيادة المغربية، وقد نقل ذلك صراحة في إحاطاته الأخيرة أمام مجلس الأمن، مؤكدًا أن المقاربات الانفصالية لم تعد واقعية في السياق الدولي الراهن.[35]
يرتكز الدعم الأمريكي للمغرب في قضية الصحراء الغربية على مزيج من الاعتبارات الاستراتيجية والأمنية والجيوسياسية التي تجعل الرباط حليفًا محوريًا لواشنطن في شمال إفريقيا. فمنذ الاعتراف الرسمي بسيادة المغرب على الإقليم في ديسمبر 2020، حافظت الإدارات الأمريكية المتعاقبة على هذا الموقف، إدراكًا لأهمية المغرب في حماية المصالح الأمريكية في المنطقة، خاصة فيما يتعلق بمكافحة الإرهاب، وضمان استقرار الساحل والصحراء، وتأمين الممرات البحرية الحيوية عبر المحيط الأطلسي والبحر المتوسط. كما يرتبط هذا الدعم بالتحالف الأمني الناشئ ضمن اتفاقات أبراهام، حيث يُنظر إلى المغرب كشريك موثوق في تعزيز التعاون الدفاعي والاستخباراتي بين واشنطن وحلفائها الإقليميين، بما في ذلك إسرائيل. وقد عززت الولايات المتحدة هذا التوجه من خلال توقيع اتفاقيات عسكرية واستثمارية مع الرباط، شملت تحديث البنية الدفاعية المغربية وتوسيع التعاون في مجالات الطاقة والتكنولوجيا والأمن السيبراني.[36]
وعلى المستوى الدبلوماسي، تدافع واشنطن بوضوح داخل مجلس الأمن عن مقاربة الحكم الذاتي بوصفها الحل الأكثر واقعية واستدامة، وتضغط لتضمين هذه الصيغة في قرارات التجديد السنوية لبعثة المينورسو. ويعكس هذا الانحياز رؤية أمريكية تعتبر أن الاستقرار السياسي في المغرب يشكل حجر الزاوية لأمن شمال إفريقيا، وأن نجاح النموذج المغربي في الصحراء الغربية سيُسهم في تقليص نفوذ كل من روسيا وإيران في القارة الإفريقية.
- المواقف الأوروبية
شهد الموقف الأوروبي تحولًا واضحًا خلال الأعوام الأخيرة، خاصة بعد أن أعلنت إسبانيا في مارس 2022 دعمها الرسمي للمبادرة المغربية، معتبرة أنها الأساس الأكثر جدية وواقعية ومصداقية لحل النزاع. مثل ذلك التحول نقطة مفصلية في العلاقة بين مدريد والرباط، إذ انتقلت من مرحلة التوتر الدبلوماسي إلى شراكة استراتيجية جديدة شملت ملفات الهجرة والطاقة والأمن الإقليمي. تبع الموقف الإسباني تغير تدريجي في مواقف دول أوروبية أخرى مثل ألمانيا وهولندا وبلجيكا والنمسا، التي أكدت في بياناتها المشتركة مع المغرب دعمها للحكم الذاتي كإطار للحل، فيما حافظت فرنسا على موقفها التقليدي الداعم للطرح المغربي، وإن اتسم مؤخرًا بنوع من التحفظ السياسي بسبب الضغوط الداخلية في علاقاتها مع الجزائر.[37]
يستند الموقف الأوروبي من قضية الصحراء الغربية إلى معادلة دقيقة بين الاعتبارات القانونية والمصالح الجيوسياسية والاقتصادية. فالاتحاد الأوروبي، رغم حرصه على إظهار الحياد الرسمي ودعمه لمساعي الأمم المتحدة كإطار شرعي وحيد للحل، يتبنى عمليًا موقفًا أقرب إلى الطرح المغربي. ويعود ذلك إلى عدة عوامل مترابطة، أولها أن المغرب يُعد شريكًا استراتيجيًا رئيسيًا للاتحاد في ملفات الطاقة المتجددة والهجرة ومكافحة الإرهاب، فضلًا عن دوره المتنامي كبوابة للاستثمارات الأوروبية في إفريقيا. كما أن العلاقات التجارية بين الجانبين تشمل منتجات قادمة من الأقاليم الجنوبية، وهو ما جعل بروكسل تتعامل بحكم الأمر الواقع مع الصحراء كجزء من التراب المغربي، رغم الطعون القانونية أمام محكمة العدل الأوروبية. إلى جانب ذلك، فإن التحول الأوروبي يتقاطع مع التوجه الأمريكي والإسرائيلي الداعم للمغرب منذ توقيع اتفاقات أبراهام عام 2020، والتي فتحت الباب أمام تعاون أمني واستخباراتي ثلاثي يراه الأوروبيون مفيدًا لاستقرار الساحل والمغرب العربي. في المقابل، تنظر أوروبا بقلق إلى التحالف المتنامي بين الجزائر وروسيا، خاصة في ظل تصاعد التوتر بين موسكو والعواصم الغربية منذ الحرب في أوكرانيا. فالجزائر تُعد من أبرز المشترين للسلاح الروسي ومؤخرًا من الشركاء السياسيين لموسكو في إفريقيا، ما يجعل الاتحاد الأوروبي يتوجس من تمدد النفوذ الروسي عبر الجزائر نحو منطقة الساحل. لذلك يمكن القول إن موقف الاتحاد الأوروبي لا يعكس فقط توازنًا قانونيًا، بل هو أيضًا اصطفاف استراتيجي ضمن محور غربي أوسع يضم الولايات المتحدة وإسرائيل، يرى في المغرب حليفًا مستقرًا وفاعلًا في حماية المصالح الغربية جنوب المتوسط، مقابل محور جزائري روسي يسعى إلى إعادة بناء توازنات بديلة في شمال وغرب إفريقيا. [38]
تعكس مجمل ردود الفعل الدولية السابق الإشارة إليها تحولًا في المنظور العام للنزاعات الإقليمية، من منطق التحرر الوطني الذي ساد في القرن العشرين، إلى منطق الاستقرار الإقليمي الذي بات أولوية في القرن الحادي والعشرين. فالدول الكبرى، خاصة في الغرب، باتت ترى أن استمرار نزاع الصحراء يهدد الأمن في الساحل الإفريقي ويعرقل جهود التنمية ومكافحة الإرهاب والهجرة غير الشرعية. ومن ثم، أصبح دعم الحكم الذاتي المغربي يُنظر إليه باعتباره استثمارًا في الاستقرار الإقليمي أكثر من كونه موقفًا سياسيًا من نزاع حدودي.[39]
في المحصلة، يمكن القول إن توازن المواقف الدولية يشهد ميلًا واضحًا نحو المقاربة المغربية، مع انحسار الدعم الفعلي لجبهة البوليساريو خارج دائرة محدودة من الدول، وهو ما يمنح الرباط اليوم زخمًا دبلوماسيًا غير مسبوق يعزز فرص إنجاح مبادرتها ضمن إطار الأمم المتحدة.
خامسًا: السيناريوهات المستقبلية
رغم أن التطورات الأخيرة على الساحة الدولية والإقليمية أظهرت ميلًا متزايدًا لصالح المقاربة المغربية القائمة على الحكم الذاتي، فإن مستقبل قضية الصحراء الغربية لا يزال مرهونًا بتفاعل مجموعة من العوامل السياسية والأمنية والقانونية. ويمكن تحليل مآلات النزاع من خلال ثلاثة سيناريوهات رئيسية تتباين في درجة واقعيتها وجدواها، وفق اتجاهات موازين القوى الحالية داخل الأمم المتحدة وفي الإقليم المغاربي.[40]
- السيناريو الأول: ترسيخ مبادرة الحكم الذاتي كحل نهائي للنزاع
يُعد هذا السيناريو الأكثر واقعية استنادًا إلى التطورات الدبلوماسية الراهنة واتساع قاعدة الدعم الدولي للمبادرة المغربية. إذ تشير قرارات مجلس الأمن الأخيرة، وخاصة القرار رقم 2703 أكتوبر 2024، إلى تبلور إجماع ضمني على أن خيار الحكم الذاتي يمثل الإطار العملي الوحيد لتسوية النزاع، في ظل استحالة إجراء استفتاء فعلي يضمن شروط النزاهة والمشاركة الشاملة.[41]
ومن المتوقع أن تسعى الأمم المتحدة خلال المرحلة المقبلة إلى تحويل المبادرة المغربية إلى مرجعية تفاوضية رسمية، مع التدرج نحو تنفيذها على مراحل تشمل ضمانات دولية وإشرافًا أمميًا على مؤسسات الحكم الذاتي المقترحة. وسيساعد المغرب في ترسيخ هذا السيناريو من خلال استمراره في سياسة التنمية المندمجة في الأقاليم الجنوبية، وتوسيع الانخراط الإفريقي والعربي والدولي عبر فتح مزيد من القنصليات والبعثات الدبلوماسية في العيون والداخلة. نجاح هذا السيناريو سيعني عمليًا نهاية أطروحة الانفصال وبداية مرحلة جديدة من الاستقرار الإقليمي في المغرب العربي، مع إمكانية إعادة تفعيل التعاون الاقتصادي والأمني بين المغرب وموريتانيا والدول الإفريقية المجاورة، وإن كان سيبقى مرهونًا بمدى استعداد الجزائر للقبول بالأمر الواقع والتكيف مع ترتيبات جديدة في المنطقة.[42]
- السيناريو الثاني: استمرار الجمود السياسي وتجميد النزاع
يفترض هذا السيناريو بقاء الوضع الراهن دون تقدم جوهري، نتيجة تعنت الأطراف وتضارب الحسابات الإقليمية. ففي ظل رفض الجزائر وجبهة البوليساريو لأي حل لا يتضمن خيار الاستقلال، قد تستمر المفاوضات الشكلية تحت مظلة الأمم المتحدة دون تحقيق اختراق فعلي. ويستند هذا السيناريو إلى التجارب السابقة في إدارة النزاع، حيث أثبتت السنوات الماضية أن الأطراف قادرة على احتواء الصراع دون حله، بما يخدم مصالح معينة لكل طرف. فالمغرب سيواصل ترسيخ سلطته الميدانية والتنموية في الأقاليم الجنوبية، مستندًا إلى دعم دولي متنامي، في حين ستستمر الجزائر في احتضان البوليساريو كورقة ضغط استراتيجية في علاقاتها مع الرباط، مستفيدة من القانون الذي يتيح لها التحرك دبلوماسيًا في المنظمات الإقليمية[43]. غير أن استمرار هذا الجمود يحمل مخاطر متزايدة تتعلق بالاستقرار الإقليمي، إذ قد يؤدي غياب التسوية إلى تعزيز أنشطة الجماعات المسلحة وشبكات التهريب في منطقة الساحل والصحراء، فضلًا عن تعطيل جهود التكامل المغاربي وتعميق الانقسام الجيوسياسي في شمال إفريقيا.[44]
- السيناريو الثالث: تصعيد إقليمي أو إعادة تفعيل النزاع المسلح
يبقى احتمال العودة إلى التصعيد الميداني قائمًا، ولو بنسبة محدودة، في حال تدهور العلاقات الجزائرية المغربية أكثر أو استغلال جبهة البوليساريو لحالة التوتر الدولي أو التحولات في موازين القوى لإعادة فرض وجودها العسكري. وقد شهدت المنطقة بالفعل توترات متقطعة منذ نوفمبر 2020، حين أعلنت الجبهة انسحابها من اتفاق وقف إطلاق النار بعد تدخل القوات المغربية في منطقة الكركرات لإعادة فتح المعبر الحدودي مع موريتانيا.[45] إلا أن هذا السيناريو يبقى محدود الاحتمال نظرًا لغياب الحاضنة الإقليمية والدولية للتصعيد، ولأن المجتمع الدولي بات يرى في أي عودة إلى المواجهة المسلحة خطرًا مباشرًا على استقرار الساحل الإفريقي ومصالح القوى الكبرى. كما أن الجزائر تواجه تحديات داخلية اقتصادية وسياسية تجعلها أقل ميلًا للمغامرة العسكرية، في حين أن المغرب يركز على تعزيز موقعه الاقتصادي والدبلوماسي كقوة استقرار في المنطقة.
وبالتالي، بناءً على تحليل موازين القوى والاتجاهات الدبلوماسية الأخيرة، يبدو أن السيناريو الأول أي ترسيخ مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية هو الأكثر ترجيحًا في المدى المتوسط، مدعومًا بالتحولات الواقعية في المواقف الدولية وبالتنمية المتسارعة التي تشهدها الأقاليم الجنوبية المغربية. أما السيناريو الثاني، فيمثل احتمالًا قائمًا على المدى القصير إذا استمر غياب التفاهم بين الرباط والجزائر، بينما يظل السيناريو الثالث بعيد الاحتمال إلا في حالة انهيار شامل للوساطة الأممية أو تغير جذري في المعادلات الإقليمية.
وفي كل الأحوال، فإن مستقبل قضية الصحراء الغربية لن يُحسم فقط في أروقة الأمم المتحدة، بل في قدرة الأطراف على إدراك التحول في منطق العلاقات الدولية المعاصرة، من منطق الصراع إلى منطق الشراكة والاستقرار، وهو ما يجعل من مبادرة الحكم الذاتي المغربية إطارًا ملائمًا لطي صفحة من أطول النزاعات في القارة الإفريقية.
مجمل القول، تُظهر قراءة التطورات المرتبطة بقضية الصحراء الغربية أن النزاع تجاوز منذ سنوات طابعه الإقليمي الضيق، ليغدو قضية ذات أبعاد دولية تتداخل فيها اعتبارات الجغرافيا السياسية، والشرعية القانونية، والأمن الإقليمي. فمن خلال تتبع المسار التاريخي للنزاع، يتضح أن المغرب استطاع أن ينقل القضية من منطق الصراع العسكري إلى منطق المبادرة السياسية، عبر طرح مقترح الحكم الذاتي كصيغة وسط توازن بين احترام سيادته الوطنية، وتحقيق شكل من الإدارة الذاتية لسكان الإقليم في إطار الدولة الواحدة.
وقد أكسب هذا التحول المغرب رصيدًا دبلوماسيًا متناميًا، انعكس في تبني مجلس الأمن الدولي لوصف المبادرة المغربية بأنها جادة وذات مصداقية، وفي تزايد عدد الدول الداعمة لمقاربة الحل الواقعي القائم على التوافق. كما أن الانفتاح المغربي على الشركاء الأفارقة والعرب والأوروبيين، إلى جانب دعم واشنطن وعدد من العواصم الإفريقية لسيادة المغرب على الصحراء، ساهم في تعديل ميزان الخطاب الدولي لصالح الحل السياسي الواقعي، على حساب الخطاب الانفصالي الذي بات يواجه عزلة متزايدة.
أما على المستوى الإقليمي، فقد تواصل الموقف الجزائري في دعم جبهة البوليساريو باعتبارها ممثلًا شرعيًا للشعب الصحراوي، وهو ما جعل الجزائر طرفًا مباشرًا في المعادلة رغم محاولاتها توصيف نفسها كدولة مراقبة. غير أن التحولات في بنية النظام الدولي، وتراجع أولوية الصراعات الانفصالية لصالح قضايا الاستقرار والتنمية، أدت إلى تآكل المبررات السياسية والقانونية لاستمرار النزاع بالشكل التقليدي.
وبناءً على ما سبق، يمكن استخلاص أن مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية تمثل اليوم الإطار الأكثر واقعية ومشروعية لتسوية النزاع، كونها تستجيب لمتطلبات القانون الدولي ومقاصد الأمم المتحدة في ضمان الأمن والسلم الإقليميين. كما تُعيد المبادرة صياغة معادلة الصراع من مواجهة سياسية مفتوحة إلى شراكة مؤسسية داخل الدولة الواحدة، بما يعزز استقرار المنطقة المغاربية ويفتح آفاقًا جديدة للتعاون الاقتصادي والاندماج الإقليمي.
[1]Claes Olsson, The WesTern sahara conflict, The role of natural resources in Decolonization, 2006.
[2] Security Council Extends UN Mission for Referendum in Western Sahara by One Year, Adopting Resolution 2756 (2024) by Vote of 12 in Favour, with 2 Abstentions, 31 Oct 2024, United Nations.
https://press.un.org/en/2024/sc15882.doc.htm
[3] الصحراء المغربية.. دعم مغربية الصحراء ومبادرة الحكم الذاتي ترجمة للتوافق الدولي، نُشر في 19 أبريل 2025، عمون.
https://www.ammonnews.net/article/916566
[4] الخلفية التاريخية للنزاع في الصحراء الغربية، نُشر في 3 أكتوبر 2004، الجزيرة نت.
[5] قضية الصحراء الغربية، نُشر في 2 نوفمبر 2015، الجزيرة نت.
[6] مجلس الأمن يدعم الخطة المغربية للصحراء الغربية، والملك محمد السادس يدعو الجزائر للحوار “لتجاوز الخلافات”، نُشر في 31 أكتوبر 2025، بي بي سي نيوز عربية.
https://www.bbc.com/arabic/articles/crgk2gpqgy1o
[7]ادومة بابكر احمد محمد، نشأة وتطور ألازمة في الصحراء الغربية، نُشر في 2020، مجلة الدراسات العليا جامعة النيلين.
https://www.neelain.edu.sd/papers/EHjKaYgmAxoaqc3Dj09GglEPT9bVTB6mZxOwemKy.pdf
[8] قضية الصحراء المغربية، عقدة التجزئة في المغرب العربي: رؤية مغربية، سياسات عربية.
https://siyasatarabiya.dohainstitute.org/ar/issue023/Pages/Siyassat23-2016_Ramadan.pdf
[9] قضية الصحراء ـ نجاح دبلوماسي للمغرب يغضب بوليساريو والجزائر، نُشر في 7 يونيو 2025، DW.
[10]أ.د. إدريس عطية، قضية الصحراء الغربية في التوجهات الكبرى للدبلوماسية الجزائرية، نُشر في 2020، كلية العلوم السياسية والعالقات الدولية، جامعة الجزائر.
[11] بوليساريو: القرار الأممي خطوة إيجابية نحو تقرير مصير الصحراء، نُشر في 3 ديسمبر 2025، DW.
[12] مجلس الأمن يتخذ قراراً تاريخياً يكرس مغربية الصحراء، نُشر في 31 أكتوبر 2025، صحيفة الشرق الأوسط.
[13] الصحراء المغربية بين التسوية الأممية والمبادرة المغربية.
https://academia-arabia.com/ar/reader/2/110040
[14]تلي عبد الله، الإدارة الدبلوماسية لقضية الصحراء الغربية: دراسة مقارنة الجزائر-المغرب، نُشر في 23 يوليو 2019.
https://dspace.enssp.dz/items/de2d631c-7005-4963-b79e-372ccd398726/full
[15] الصحــــراء الغربية: تكاليـــف النزاع، نُشر في 11 يونيو 2007، تقرير الشرق الأوسط.
[16] سياسة الجزائر الخارجية والأزمات الإقليمية دراسة حالة: تصفية الاستعمار في الصحراء الغربية والأزمة الليبية، نُشر في 7 أبريل 2021، جامعة الجزائر.
[17] الصحراء الغربية.. نزاع قديم متجدد!، نُشر في 23 مايو 2021، DW.
[18] أبعاد قضية الصحراء الغربية وموقف الجزائر الثابت، نُشر في 8 يونيو 2020، ASJP.
https://asjp.cerist.dz/en/article/116285
[19] قضية الصحراء الغربية وأثرها على العلاقات الجزائرية ـ المغربية، نُشر في أبريل 2025، مجلة الدراسات السياسية والاقتصادية جامعة السويس.
https://psej.journals.ekb.eg/article_423326_da7f9ee496c7eb7b23d9baded668d1a4.pdf
[20] تأثير قضية الصحراء الغربية على العلاقات الجزائرية المغربية، نُشر في 2019.
[21] قضية الصحراء الغربية في التوجهات الكبرى للدبلوماسية الجزائرية، نُشر في 2020، كلية العلوم السياسية والعالقات الدولية، جامعة الجزائر.
[22]رقية المشاط، قضية الصحراء الغربية واثرها في العلاقات المغربية الجزائرية، نُشر في سبتمبر 2022، كمية القانون – جامعة الزاوية.
https://alriyadah.ly/uploads/topics/16797884226168.pdf
[23] أدوار الفاعلين الإقليميين لتسوية القضايا الخلافية بين الجزائر والمغرب، نُشر في أبريل 2023.
https://mafs.journals.ekb.eg/article_300868_4019632a3e635e15d1388d5e3b12d316.pdf
[24] موقف الجزائر من مشاريع التسوية الأممية لقضية الصحراء: نموذج مخطط بيكر (1) ومخطط بيكر (2)، نُشر في فبراير 2023، جامعة سيدي محمد بن عبد الله.
[25] الاتحاد المغاربي ومشكلة الصحراء الغربية، كلية العلوم السياسية جامعة بغداد.
[26] المغرب والجزائر الجوار الصعب، نُشر في يناير 2015، سياسات عربية.
https://siyasatarabiya.dohainstitute.org/ar/issue012/Pages/Siyassat12-2015_Mezyan.pdf
[27] https://www.un.org/dppa/decolonization/ar/nsgt/western-sahara
[28] الصحراء المغربية..من المسيرة الخضراء إلى قرار مجلس الأمن، نُشر في 1 نوفمبر 2025، سكاي نيوز عربية.
[29] مجلس الأمن يعتمد قرارا بشأن الصحراء الغربية وملك المغرب يرحب، نُشر في 31 أكتوبر 2025، الجزيرة نت.
[30] الحكم الذاتي بالصحراء المغربية.. رؤية ملكية تؤسس لحل واقعي ودائم، نُشر في 2 نوفمبر 2025، هسبريس الرباط.
[31] أبرز مضامين مبادرة المغرب للحكم الذاتي في الصحراء عام 2007، نُشر في 1 نوفمبر 2025، الجزيرة نت.
[32] بعد قرار مجلس الأمن التاريخي- الخطوات المقبلة في ملف الصحراء، نُشر في 1 نوفمبر 2025، DW.
[33] قرار مجلس الأمن الدولي بشأن الصحراء المغربية ينتصر للحكمة والشرعية، نُشر في 5 نوفمبر 2025، هسبرس.
[34] المغرب وجبهة البوليساريو: هل يحل قرار مجلس الأمن قضية الصحراء الغربية أم يزيدها تعقيدا؟، نُشر في 2 نوفمبر 2025، بي بي سي عربية.
https://www.bbc.com/arabic/articles/cpv1dme9gz8o
[35] بعد قرار مجلس الأمن.. هل تنجح واشنطن في إنهاء نزاع الصحراء؟، نُشر في 1 نوفمبر 2025، سكاي نيوز عربية.
[36] دول من أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي تعبر عن دعمها القوي للقضية الصحراوية في نقاشات اللجنة الرابعة للأمم المتحدة، نُشر في 14 أكتوبر 2025، وكالة الأنباء الصحراوية.
https://www.spsrasd.info/ar/2025/10/14/12334.html
[37] ما هي الدول التي صوتت لدعم خطة المغرب للحكم الذاتي بالصحراء؟، نُشر في 1 نوفمبر 2025، سكاي نيوز عربية.
[38] محمد فرحان، تحول في الموقف: لندن تدعم خطة المغرب بشأن الصحراء الغربية، نُشر في 1 يونيو 2025، DW.
[39] ماذا يعني تبني مجلس الأمن لمقاربة الحكم الذاتي في الصحراء الغربية؟، نُشر في 1 نوفمبر 2025، بي بي سي عربية.
https://www.bbc.com/arabic/articles/c9v11m238gko
[40] الحكم الذاتي في الصحراء المغربية يوسع آفاق التعاون بين الرباط وواشنطن، نُشر في 2 نوفمبر 2025، هسبريس.
[41] Global Consensus Rallies Behind Moroccan Sahara, Strongly Backs Moroccan Autonomy Initiative as Only Political Solution to Regional Dispute, 10 July 2025, maroc.
[42] HRC: 39 Countries Support Morocco’s Autonomy Initiative to Resolve Sahara Dispute, March 3, 2025, assahifa.
[43] ما هي سيناريوهات تطبيق خطة الحكم الذاتي للصحراء المغربية؟، نُشر في 1 نوفمبر 2025، سكاي نيوز عربية.
[44] هذه سيناريوهات تحيين وتفصيل مبادرة الحكم الذاتي في الصحراء المغربية، نُشر في 4 نوفمبر 2025، هسبريس.
[45] هل يمهّد القرار الأممي بشأن الصحراء المغربية لتسوية دائمة؟، نُشر في 2 نوفمبر 2025، سكاي نيوز عربية.
باحث في العلاقات الدولية بمركز ترو للدراسات والتدريب