Cairo

التحول في الاستراتيجية التركية في ليبيا بعد عام 2020: أولوية النفوذ السياسي على العسكري

قائمة المحتويات

باحث في العلاقات الدولية بمركز ترو للدراسات والتدريب

منذ سقوط نظام  الرئيس “معمر القذافي” عام 2011 دخلت ليبيا في دوامة من الصراعات الداخلية والانقسامات السياسية والمناطقية التي فتحت الباب أمام تنافس إقليمي ودولي واسع على النفوذ داخلها. ومع انهيار مؤسسات الدولة وتعدد مراكز القوة، تحوّل المشهد الليبي إلى ساحة اختبار لمشاريع إقليمية متعارضة، في هذا السياق المأزوم، برز الدور التركي بوصفه أحد أكثر التدخلات الخارجية تأثيرًا، سواء على المستوى العسكري الميداني أو السياسي والدبلوماسي اللاحق. لقد انتقلت أنقرة خلال فترة وجيزة من حالة “الدعم العسكري النشط” لحكومة الوفاق الوطني في طرابلس إلى مرحلة “النفوذ السياسي المنظّم” الذي يمزج بين أدوات القوة الصلبة والناعمة في آنٍ واحد.

بدأ التدخّل التركي فعليًا في نهاية عام 2019 بتوقيع مذكّرتي تفاهم مع حكومة الوفاق برئاسة فايز السراج: الأولى لترسيم الحدود البحرية، والثانية للتعاون الأمني والعسكري. ومع مطلع عام 2020، ومع تصاعد معركة طرابلس، فعّلت أنقرة الاتفاق الأمني بطريقة مثيرة للجدل شكّلت انتهاكًا صريحًا لأحكام القانون الدولي، من خلال الاستعانة بمقاتلين مرتزقة من دولة أخرى وتوظيفهم في مهاجمة قوات الجيش الوطني الليبي، بما مثّل مساسًا مباشرًا بسيادة الدولة الليبية ووحدتها الإقليمية. وعلى النقيض من ذلك، لا يمكن مقارنة الموقف التركي بالدور المصري، إذ إن دعم مصر للجيش الوطني الليبي يُعد دعمًا شرعيًا ومشروعًا يستند إلى طلب رسمي من مؤسسات الدولة الليبية، ويهدف إلى الحفاظ على وحدة ليبيا واستقرارها، وليس إلى فرض نفوذ أو تدخل خارجي في شؤونها الداخلية.[1] منذ منتصف عام 2020، بدأت تركيا مرحلة جديدة تمثلت في  التركيز علي  “النفوذ السياسي بشكل أكبر من التدخل العسكري “”، مدفوعة برغبتها في تحقيق استقرار يضمن حماية مصالحها الاستراتيجية في ليبيا وشرق المتوسط. فبعد أن حققت أهدافها العسكرية الأساسية بكسر حصار طرابلس وإعادة التوازن الميداني، انتقلت أنقرة إلى ترسيخ حضورها السياسي والاقتصادي والدبلوماسي بطريقة أكثر استدامة وأقل تكلفة.

على الصعيد الاقتصادي، عملت تركيا على استثمار نفوذها السياسي لترسيخ وجود شركاتها في مشاريع إعادة الإعمار والبنية التحتية والطاقة والنقل، مستفيدة من علاقاتها الوثيقة مع المؤسسات الليبية في الغرب. وأعادت شركات المقاولات التركية نشاطها بعد سنوات من التوقف، في محاولة لتحويل مكاسبها العسكرية إلى نفوذ اقتصادي طويل الأمد. أما في المجال الأمني، فقد أعادت أنقرة هيكلة وجودها العسكري ليأخذ طابعًا رمزيًا منظمًا، قائمًا على التعاون التدريبي والاتفاقات الدفاعية طويلة المدى، بدلًا من العمليات القتالية المباشرة. وأصبحت القواعد والمراكز التركية في ليبيا أدوات ضغط وردع استراتيجية تُستخدم لحماية مصالح أنقرة والتأثير في مسار التسويات السياسية، أكثر من كونها أدوات حرب.[2]

أثمرت هذه الاستراتيجية عن تعزيز مكانة تركيا كفاعل لا يمكن تجاوزه في أي تسوية ليبية مقبلة، وكقوة مؤثرة في معادلات الطاقة بشرق المتوسط، رغم ما تواجهه من تحديات أبرزها التنافس مع مصر واليونان والإمارات واستمرار هشاشة الوضع الليبي الداخلي. وهكذا تحولت التجربة الليبية إلى نموذج يبرز نجاح أنقرة في الانتقال من “منطق الحرب التكتيكية” إلى “منطق النفوذ الاستراتيجي”، ما يجعل دراسة هذا التحول ضرورية لفهم أنماط القوة الجديدة في الشرق الأوسط.

وفي هذا الإطار، يتناول هذا المقال التحليلي مجموعة من المحاور الرئيسة التي تسلط الضوء على ملامح التحول في الاستراتيجية التركية داخل ليبيا بعد اتفاق وقف إطلاق النار عام 2020. إذ يركّز أولاً على تطور الدور التركي وانتقاله من الانخراط العسكري المباشر إلى ترسيخ نفوذ سياسي ودبلوماسي منظم يستند إلى اتفاقات تعاون أمنية واقتصادية طويلة الأمد. و ثانيًا استراتيجية بناء النفوذ التركي من خلال الجمع بين أدوات القوة الصلبة وأدوات القوة الناعمة. ويحلل ثالثًا طبيعة علاقات أنقرة المزدوجة مع كلٍّ من حكومة عبد الحميد الدبيبة في غرب ليبيا  الحكومة المعترف بها دوليًا كما يتناول رابعًا التفاعل بين الوجود التركي والنفوذ الإماراتي والروسي، ,والأمريكي في ظل الحوار الإقليمي المصري المتصاعد. وأخيرًا، السيناريوهات المحتملة لمستقبل الدور التركي في ليبيا، بين ترسيخ النفوذ طويل الأمد، أو الدخول في مسار تكيّف تدريجي مع التفاهمات الإقليمية والدولية.

أولًا: استراتيجية تركيا لبناء نفوذ مستدام في ليبيا عبر الاتفاقيات العسكرية.

  1. الدور العسكري التركي في ليبيا قبل 2020 (القوة الصلبة)

منذ اندلاع الحرب الأهلية الثانية في ليبيا عام 2014، تابعت أنقرة تطورات المشهد الليبي بحذر، لكنها بقيت خارج الانخراط المباشر حتى أواخر عام 2019، حين تصاعدت العمليات العسكرية لقوات “الجيش الوطني الليبي” بقيادة “خليفة حفتر” ضد العاصمة طرابلس. في تلك المرحلة، رأت تركيا أن سقوط حكومة الوفاق الوطني المعترف بها دوليًا سيقوّض مصالحها السياسية والاقتصادية في غرب ليبيا وشرق المتوسط، فقرّرت التحرك عسكريًا. وفي 27 نوفمبر 2019، وقّعت حكومة الوفاق وأنقرة مذكرتَي تفاهم: الأولى لترسيم الحدود البحرية، والثانية للتعاون الأمني والعسكري، وقد أُودعتا رسميًا لدى الأمم المتحدة، وهو ما وفّر لتركيا غطاءً قانونيًا للتدخل المباشر. وبعد أسابيع، وافق البرلمان التركي (2 يناير 2020) على مذكرة التفويض بإرسال قوات ومستشارين عسكريين إلى ليبيا.

انطلق التدخل التركي على  عدة مستويات:

المستوي الأول: التدخل الميداني المباشر لتركيا

البنية الميدانية للتدخل العسكري بعد توقيع مذكرتي التفاهم (البحري والأمني) في نوفمبر 2019 بين أنقرة وحكومة الوفاق الوطني (GNA)، حصلت تركيا على غطاء قانوني يسمح بإرسال:

  • مستشارين عسكريين من وزارة الدفاع وهيئة الأركان التركية إلى طرابلس ومصراتة.
  • قوات خاصة ووحدات استخباراتية (MIT) لتنسيق العمليات الميدانية.
  • أنظمة دفاع جوي وصواريخ قصيرة المدى (مثل “حصار A” و”كوركوت”) لحماية القواعد في الغرب الليبي.[3]

الطائرات المسيّرة كانت الطائرات المسيّرة التركية بيراقدار Bayraktar TB2 أحد أهم أدوات القوة الصلبة التركية:

  • بدأ استخدامها الفعلي في أواخر ديسمبر 2019 لدعم حكومة الوفاق.
  • نفّذت غارات دقيقة على خطوط إمداد قوات حفتر، لا سيما في ترهونة، وغريان، والوطية.
  • لعبت دورًا محوريًا في تحييد المدفعية والمدرعات الروسية الصنع لدى قوات حفتر.
  • ساهمت في استعادة قاعدة الوطية الجوية في مايو 2020، وهي نقطة تحول في الحرب.[4]

أنظمة الدفاع الجوي التركية أنشأت تركيا شبكة دفاعية حول طرابلس ومصراتة:

  • نشر أنظمة “حصار A و كوركوت” قصيرة المدى لحماية القواعد الجوية.
  • دمجت هذه الأنظمة مع الرادارات التركية المحمولة لتأمين المجال الجوي غرب ليبيا.
  • ساعدت في إسقاط عدد من الطائرات المسيّرة الصينية الصنع (Wing Loong II) ، كما ساهمت في استعادة قاعدة الوطية الجوية في مايو 2020، وهي نقطة تحول في الحرب.[5]

القواعد العسكرية التركية في ليبيا

  • قاعدة الوطية الجوية: استُخدمت بعد استعادتها كمركز لعمليات الطيران التركي.
  • ميناء ومطار مصراتة: استُخدم لتأمين خطوط الإمداد البحرية والجوية من تركيا.
  • في 2021، تم توقيع اتفاق لتطوير قاعدة بحرية تركية في مصراتة لتكون مركزًا لوجستيًا دائمًا.[6]

المستوي الثاني: غير المباشر أي عبر وكلاء( استخدام المرتزقة والدعم اللوجستي )  

  • تركيا أرسلت مقاتلين سوريين (من فصائل موالية لها في شمال سوريا) للقتال إلى جانب حكومة الوفاق في ليبيا، عددهم تراوح بين 5000 – 7000 مقاتل حسب الأمم المتحدة.
  • والهدف الأساسي: دعم العمليات البرية ضد قوات حفتر في محاور صلاح الدين والسواني والعزيزية.
  • ونُقل هؤلاء المقاتلين عبر رحلات جوية عسكرية من مطار غازي عنتاب إلى طرابلس ومصراتة.

بهذا التدخل، استخدمت تركيا القوة الصلبة بكامل أدواتها (التفويض القانوني، السلاح، المستشارون، الطائرات، الدعم اللوجستي) لتغيير ميزان القوى ميدانيًا وإنقاذ حلفائها في طرابلس من الانهيار، ممهدة بذلك الطريق للمرحلة التالية: التحول إلى النفوذ السياسي بعد تثبيت موقعها العسكري.[7]

  1. اتفاقية التعاون الأمني والعسكري بين ليبيا وتركيا

المذكرة الأولى: مذكرة تفاهم التعاون الأمني والعسكري بين تركيا وليبيا (27 نوفمبر 2019)

نصّت مذكرة التعاون الأمني والعسكري بين تركيا “وحكومة الوفاق الوطني الليبية”، التي وُقّعت في 27 نوفمبر 2019 في إسطنبول بين الجانبين برئاسة “فايز السراج” عن الجانب الليبي، على تطوير قدرات الجيش الليبي في مجالات التدريب، والإعداد الهيكلي، وتقديم الدعم الفني واللوجستي، وذلك في إطار رؤية مشتركة لبناء جيش وطني محترف قادر على تأمين البلاد وفرض السيادة على كامل الأراضي الليبية. وقد دخلت الاتفاقية حيّز التنفيذ بعد مصادقة البرلمان التركي عليها في 5 ديسمبر 2019. وقد ركزت الاتفاقية على مجموعة من المحاور العملية شملت:

تدريب العسكري وبناء القدرات:

  • تدريب الضباط والجنود الليبيين في الأكاديميات والمؤسسات العسكرية التركية  ضمن برامج تدريبية احترافية.
  • تطوير هيكل الجيش الليبي وإعادة تأهيل مؤسساته الأمنية من خلال تزويد الجيش الليبي بالمعدات العسكرية والتكنولوجيات الدفاعية الحديثة، بما في ذلك أنظمة الاتصالات والرصد والطائرات المسيّرة.

الدعم الفني واللوجستي:

  • تزويد ليبيا بالخبرات والمعدات والتقنيات العسكرية التركية.
  • المساعدة في إنشاء أنظمة الاتصالات والمراقبة الحديثة.

الاستشارات والتخطيط:

  • تقديم استشارات فنية وهيكلية لإعادة تنظيم المؤسسة العسكرية وتحديد مهامها ووظائفها بما يعزز مركزية القيادة والانضباط المؤسسي.
  • التعاون في مجالات الاستخبارات العسكرية ومكافحة الإرهاب وحماية الحدود البرية والبحرية.
  • دعم ليبيا في بناء “قوة تدخل سريع” قادرة على مواجهة التهديدات

تعاون في مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة:

  • تبادل المعلومات حول الجماعات المسلحة والتنظيمات الإرهابية.
  • التعاون في مكافحة الهجرة غير الشرعية والقرصنة وحماية الحدود.

إنشاء مكتب مشترك للتعاون الدفاعي والأمني:

  • في كل من أنقرة وطرابلس، لتنسيق البرامج والعمليات.
  • إمكانية نشر قوات تركية في ليبيا (بناءً على طلب رسمي من الحكومة الليبية).[8]

وتُظهر هذه البنود محاولة تركية واضحة لإرساء شراكة استراتيجية طويلة الأمد مع ليبيا، تتجاوز الإطار العسكري نحو إعادة هندسة البنية الأمنية والسياسية للدولة الليبية بعد سنوات من الانقسام الداخلي.

سياسيًا، جاءت مذكرة التفاهم في سياق تصاعد التجاذبات بين أطراف الأزمة الليبية، وتعثر المسار الانتخابي، واستمرار الانقسام العسكري والمؤسسي، الأمر الذي دفع حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس برئاسة عبد الحميد الدبيبة إلى توثيق علاقاتها مع الحليف التركي، الذي كان له دور حاسم في صدّ هجوم قوات الشرق على العاصمة عام 2020. ورغم أن حكومة الدبيبة معترف بها دوليًا وتشكلت في جنيف برعاية الأمم المتحدة عبر ملتقى الحوار السياسي الليبي عام 2021، فإنها ليست محل إجماع وطني، إذ نشأت في الأساس نتيجة تفاهمات واتفاقيات دولية أكثر من كونها نتاجًا لإرادة داخلية ليبية. كما أن دعمها من قبل مجموعات ميليشياوية مسلحة جعلها عرضة لانتقادات داخلية متزايدة، خصوصًا في ظل الخلافات المستمرة بين الفصائل المسلحة في طرابلس والتي كان من أبرز مظاهرها مقتل القائد الميداني المعروف “غنيوة الككلي”.

وإضافة إلى ذلك، فقد انتهت الولاية القانونية لهذه الحكومة في عام 2022، وسبق أن أقالها مجلس النواب الليبي رسميًا، إلا أنها ما زالت تستمر في السلطة بحكم الأمر الواقع بدعم سياسي وأمني من تركيا، التي استفادت من هذا الوضع لتعزيز نفوذها داخل مؤسسات الدولة الليبية سياسيًا وأمنيًا واقتصاديًا.[9]

أهمية وأهداف اتفاقية التعاون الأمني والعسكري للطرفين:

بالنسبة لتركيا:

 توسيع نفوذها العسكري والسياسي في شمال إفريقيا.

حماية مصالحها الاقتصادية والطاقة في شرق المتوسط.

دعم حكومة الوفاق المعترف بها دوليًا والتي مدعومة من الميليشيات بقوة السلاح ضد هجوم قوات الجيش الوطن الليبي بقيادة  “المشير حفتر”.

إنشاء موطئ قدم عسكري دائم في ليبيا (قاعدة في مصراتة أو الوطية).

بالنسبة لحكومة الوفاق (ليبيا):

 الحصول على دعم عسكري مباشر ضد قوات الجيش الوطني بقيادة حفتر.

استعادة السيطرة على الغرب الليبي وخاصة طرابلس.

إعادة بناء الجيش والمؤسسات الأمنية بعد سنوات من الانقسام.[10]

حيث أن إصرار أنقرة على توسيع قنوات التنسيق وتوقيع اتفاقيات التعاون والتدريب العسكري مع مختلف الأطراف الليبية لا يقتصر على الأبعاد المعلنة المتعلقة ببناء القدرات الدفاعية أو مكافحة الإرهاب، بل ينطوي على أهداف استراتيجية أعمق ترتبط بطموح تركيا في تعزيز نفوذها الجيوسياسي والاقتصادي داخل ليبيا، البلد الذي ما يزال يعاني من انقسام مؤسسي وحكومي حاد.

  1. اتفاقية ترسيم الحدود البحرية (المناطق البحرية في البحر المتوسط).

تزامن توقيع اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين تركيا وليبيا مع اتفاقية التعاون الأمني والعسكري، في خطوة عكست رغبة أنقرة وطرابلس في توطيد العلاقات الثنائية على المستويين العسكري والجيوسياسي، وربط المصالح البحرية بالأمن الإقليمي في شرق المتوسط.

تعد اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين تركيا وحكومة الوفاق الوطني الليبية (GNA)، الموقعة في نوفمبر 2019 تحت عنوان “مذكرة التفاهم بين حكومة جمهورية تركيا وحكومة الوفاق – دولة ليبيا بشأن تحديد مناطق الاختصاص البحري في البحر المتوسط”, من أبرز مظاهر التداخل الجيوسياسي بين البلدين.

فقد جاءت هذه الاتفاقية في سياق سعي أنقرة إلى إعادة رسم خريطة النفوذ البحري في شرق المتوسط بما يخدم مصالحها الاستراتيجية والاقتصادية، إذ منحت الطرفين حقوقًا حصرية في مناطق بحرية يُعتقد أنها غنية بالغاز الطبيعي، غير أنّ الهدف غير المعلن لتركيا كان توسيع نطاق سيادتها البحرية بصورة تتجاوز الحدود المتعارف عليها دوليًا، وبما يسمح لها بالتعدي على مناطق تعتبرها مصر واليونان وقبرص جزءًا من مناطقها الاقتصادية الخالصة، وفقًا لما نصّت عليه اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982 (UNCLOS)، التي تُلزم الدول الساحلية بترسيم حدودها البحرية عبر اتفاقات منصفة تراعي مبدأ الجوار البحري. ومن ثمّ، ترى هذه الدول أن مذكرة التفاهم التركية-الليبية تمثل خرقًا صريحًا لأحكام القانون الدولي للبحار، إذ تجاوزت الحدود الجغرافية المتعارف عليها وسعت إلى الاستفادة من الثروات الطبيعية في مناطق لا تقع ضمن السيادة التركية أو الليبية.

وقد أثارت هذه الخطوة ردود فعل إقليمية ودولية غاضبة، إذ اعتبرتها كل من اليونان وقبرص ومصر محاولة تركية لفرض أمرٍ واقعٍ استراتيجي يتعارض مع قواعد القانون الدولي واتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار. ومنذ توقيع المذكرة، تحوّلت إلى الأساس القانوني الذي تستند إليه أنقرة في مشاريع التنقيب والاستكشاف داخل المياه الليبية، كما أصبحت ورقة ضغط جيوسياسية وظّفتها تركيا في مواجهة التحالفات الإقليمية المناوئة لمصالحها في شرق المتوسط..[11]

  • الخلافات الداخلية الليبية:

انقسام السلطة في ليبيا: عند توقيع المذكرة، كانت ليبيا منقسمة بين حكومة “الوفاق الوطني” في طرابلس (برئاسة فايز السراج والمدعومة دوليًا وتركياً) والبرلمان الليبي في طبرق وهو البرلمان الشرعي المدعوم من الجيش الوطني بقيادة “خليفة حفتر”. والبرلمان رفض الاتفاق بشدة، واعتبره باطلاً لأنه لم يُعرض عليه للمصادقة. وإرسال رئيس مجلس النواب عقيلة صالح رسالة رسمية إلى الأمم المتحدة يطلب فيها عدم الاعتراف بالاتفاقية لأنها “موقعة من حكومة منتهية الولاية” حسب وصفه وأن هذا النوع يعتبر معاهدات دولية تستوجب موافقة البرلمان وفق الإعلان الدستوري الليبي.[12]

  • الاعتراضات الإقليمية:

اليونان:

كانت اليونان الدولة الأكثر معارضة لاتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين تركيا وليبيا، إذ رأت فيها تعديًا واضحًا على منطقتها الاقتصادية الخالصة، خاصة أنها تتجاهل وجود الجزر اليونانية الواقعة في شرق المتوسط مثل كريت ورودس، والتي تمنحها وفقًا للقانون الدولي حقوقًا بحرية مستقلة. واعتبرت أثينا أن الاتفاقية تهدف إلى فرض أمرٍ واقعٍ جديد في المنطقة، يعيد رسم الحدود البحرية بطريقة تخدم المصالح التركية. وردًا على توقيع الاتفاق، طردت الحكومة اليونانية السفير الليبي في أثينا في ديسمبر 2019، تعبيرًا عن احتجاجها ورفضها القاطع للاتفاقية.[13]

مصر:

اعتبرت مصر الاتفاقية باطلة قانونيًا وغير مستندة إلى أسس صحيحة في القانون الدولي، موضحة أن بنودها تتجاوز حقوق الدول الساحلية الأخرى في شرق المتوسط، وأنها لا تتوافق مع مبادئ اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار (UNCLOS). وجاء الموقف المصري ضمن إطار الدفاع عن حقوقها البحرية ورفض محاولات أنقرة لتوسيع نطاق نفوذها الإقليمي. وفي خطوة مضادة، وقّعت القاهرة اتفاقية لترسيم الحدود البحرية مع اليونان في أغسطس 2020، بهدف تأكيد حقوق البلدين البحرية وإضفاء الشرعية الدولية على حدودهما في شرق البحر المتوسط، في مواجهة التحركات التركية-الليبية.[14]

وجاء توقيع مذكرة التفاهم للتعاون الأمني والعسكري بين أنقرة وطرابلس بالتزامن مع اتفاقية ترسيم الحدود البحرية، في خطوة تعكس الترابط الوثيق بين البعدين العسكري والبحري في الاستراتيجية التركية تجاه ليبيا. ورغم أن البرلمان الليبي لم يُصادق بعد على اتفاقية ترسيم الحدود البحرية، تشير التطورات الأخيرة إلى اتجاه متزايد داخل مجلس النواب نحو إقرارها رسميًا، بالنظر إلى ما تحققه من مكاسب اقتصادية وطاقوية، فضلاً عن كونها مدخلًا لتوسيع الشراكة مع تركيا في مجالات إعادة الإعمار والتنمية الساحلية. ولكنها مازالت  تحت الفحص حتي الان ومن ثم، يُتوقع أن تشكل الاتفاقيتان معًا الركيزتين الأساسيتين في بنية العلاقات الاستراتيجية الليبية التركية خلال المرحلة المقبلة.[15]

ثانيا: تحول استراتيجية تركيا: الدور التركي في ليبيا بعد 2020: من التدخل العسكري إلى النفوذ السياسي

سعت تركيا ومنذ عام 2020، إلى تحويل تدخلها العسكري في ليبيا من دعم مؤقت لحكومة الوفاق الوطني إلى نفوذ استراتيجي مستدام قائم على التعاون الاقتصادي والمؤسسي. ولم تعد تركيا تميل إلى الاعتماد على الميليشيات أو المرتزقة، لأسباب متعددة؛ أولها أن هذه الفصائل بطبيعتها غير منضبطة وتتحرك وفق مصالح آنية وبدافع المال، مما يجعلها غير موثوقة لتحقيق أهداف طويلة المدى. وثانيها أن البيئة الليبية نفسها لم تعد ترحب بوجود مثل هذه التشكيلات المسلحة بعد تزايد الدعوات الشعبية والرسمية لبناء مؤسسات دولة موحدة وجيش وطني محترف. وثالثها أن أنقرة أدركت أن تعزيز نفوذها في ليبيا لن يتحقق إلا عبر أدوات الشرعية الدولية والتعاون مع مؤسسات الدولة، لا عبر جماعات مسلحة تهدد استقرار البلاد.

لذلك وضعت أنقرة استراتيجية مزدوجة تقوم على:

  • ترسيخ الحضور الأمني والعسكري عبر اتفاقيات رسمية للتدريب والتعاون الدفاعي.
  • توسيع النفوذ الاقتصادي من خلال مشاريع واستثمارات في قطاعي الطاقة والبنية التحتية.[16]
  1. تحولات المشهد الليبي في أعقاب اتفاق وقف إطلاق النار(2020)

مع نهاية النصف الأول من عام 2020، كانت ليبيا قد شهدت واحدة من أكثر مراحل الصراع احتدامًا منذ سقوط نظام القذافي عام 2011، حيث وصلت قوات “الجيش الوطني الليبي” بقيادة خليفة حفتر إلى أطراف العاصمة طرابلس، بدعم من قوى إقليمية. في المقابل، تدخّلت تركيا عسكريًا لصالح حكومة الوفاق الوطني (GNA) المعترف بها دوليًا، بعد توقيع مذكرتي التفاهم البحري والأمني في نوفمبر 2019، وهو ما منح أنقرة غطاءً قانونيًا للتدخل المباشر.[17]

وخلال الأشهر الأولى من عام 2020، تمكّن الدعم التركي  عبر الطائرات المسيّرة Bayraktar TB2، وأنظمة الدفاع الجوي Korkut وHawk، والمستشارين العسكريين الأتراك  من تغيير موازين القوى على الأرض. وقد نجحت القوات الموالية لحكومة الوفاق، بفضل هذا الدعم، في صدّ الهجوم على طرابلس، واستعادة مدن استراتيجية مثل (الوطية، وترهونة،وميناء مصرانة) في مايو ويونيو 2020، مما أنهى عمليًا محاولة حفتر السيطرة على العاصمة.

كما قد منحت الهدنة أنقرة فرصة مناسبة لتحويل مكاسبها الميدانية  التي تحققت بفضل تدخلها العسكري الداعم لحكومة الوفاق في مواجهة قوات حفتر  إلى أوراق تفاوضية وسياسية. فبعد نجاح الطائرات التركية المسيّرة (Bayraktar TB2) وأنظمة الدفاع الجوي في كسر الحصار عن طرابلس عام 2020، باتت تركيا تملك “واقعًا استراتيجيًا” يمكن البناء عليه سياسيًا. وهكذا، انتقلت من القوة التكتيكية العسكرية إلى القوة التفاوضية الدبلوماسية، ساعية إلى تثبيت حضورها كطرفٍ أساسي في أي عملية سياسية مستقبلية ترعاها الأمم المتحدة. والمقصود هو أن تركيا سعت بعد وقف إطلاق النار إلى تثبيت موقعها كطرف مؤثر في أي مفاوضات أو تسويات سياسية تُنظم بإشراف الأمم المتحدة  أي العملية التي تقودها بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا (UNSMIL) لإعادة بناء مؤسسات الدولة وتحديد مستقبل الحكم في البلاد.[18]

وشكّل اتفاق وقف إطلاق النار الشامل في 23 أكتوبر 2020 برعاية الأمم المتحدة نقطة تحول جوهرية في مسار الصراع الليبي وفي طبيعة الدور التركي داخله. فمع توقف القتال وتراجع العمليات العسكرية، انتقلت أنقرة من مرحلة التدخل العسكري المباشر إلى مرحلة ترسيخ النفوذ السياسي والاقتصادي طويل الأمد. إذ سعت إلى تحويل مكاسبها الميدانية إلى أوراق تفاوضية تضمن حضورها في أي تسوية مستقبلية، مع الحفاظ على وجود عسكري رمزي في مواقع استراتيجية مثل “قاعدة الوطية وميناء مصراتة” لضمان الردع. وفي الوقت نفسه، فعّلت أدوات القوة الناعمة عبر دبلوماسية نشطة واتفاقات اقتصادية ومشروعات إعادة إعمار، مما منح نفوذها طابعاً مؤسسياً وشرعياً. وبهذا التحول، نجحت تركيا في الانتقال من منطق “كسب المعركة” إلى “ترسيخ النفوذ”، لتصبح فاعلاً رئيسياً في المشهد الليبي ومؤثراً في التوازنات الإقليمية في شرق المتوسط.[19]

في هذا السياق، بدأت أنقرة بإعادة تعريف دورها في ليبيا من مجرد دعم ميداني لحكومة طرابلس إلى مشروع نفوذ طويل الأمد، يدمج بين الحضور العسكري المحدود والوجود السياسي والاقتصادي والدبلوماسي. وأصبحت الأولوية التركية تكمن في تثبيت المكاسب التي تحققت ميدانيًا عبر أدوات سياسية واقتصادية وأمنية أكثر استدامة وأقل كلفة.

  1. التحول من النفوذ العسكري الي النفوذ السياسي والاقتصادي

شهدت الاستراتيجية التركية في ليبيا تحولًا ملحوظًا منذ عام 2020، إذ انتقلت من التركيز على الاتفاقيات العسكرية والأمنية، التي كانت تهدف إلى دعم حكومة الوفاق وترسيخ الوجود التركي الميداني، إلى توسيع مجالات النفوذ السياسي والاقتصادي عبر شبكة من مذكرات التفاهم متعددة القطاعات. فقد وقّع الجانبان مذكرة تفاهم في البنوك والتعاون المالي عام 2020 لتعزيز الشراكة النقدية والمصرفية بين المؤسستين الماليتين في البلدين، ثم توسع التعاون ليشمل مجال إنفاذ القانون والأمن الداخلي عام 2024، في خطوة عكست اهتمام أنقرة بالمؤسسات الأمنية والإدارية داخل ليبيا. وتواصل هذا التوجه في عامي 2024 و2025 من خلال مذكرتي تفاهم تتعلقان بـ مشروعات التنمية والاستثمار والمقاولات (31 يوليو 2024 و17 أكتوبر 2025)، حيث سعت تركيا إلى ترسيخ وجودها الاقتصادي عبر شركاتها ومؤسساتها التنموية مثل وكالة التعاون والتنسيق التركية (TİKA)، في إشارة واضحة إلى انتقال أنقرة من مرحلة التدخل العسكري المباشر إلى مرحلة توطيد النفوذ السياسي والاقتصادي طويل الأمد داخل ليبيا.

  • مذكرة تفاهم بين البنك المركزي الليبي والبنك المركزي التركي.

وقّع البنك المركزي الليبي والبنك المركزي التركي (TCMB) في 31 أغسطس 2020، مذكرة تفاهم للتعاون المالي والمصرفي، بهدف تعزيز التنسيق بين المؤسستين وتطوير العلاقات الاقتصادية بين البلدين.[20] تمثل هذه المذكرة إطارًا عامًا يضع الأسس لتوسيع التعاون في مجالات السياسات النقدية والتشاور الفني، دون أن تكون اتفاقية تنفيذية تفصيلية أو تتضمن التزامات مالية مباشرة. ووفقًا للبيانات الرسمية، تهدف المذكرة إلى تعزيز قنوات التواصل بين المصرفين المركزيين، وتبادل الخبرات في إدارة السياسات النقدية، إضافة إلى تنفيذ دراسات ومشروعات مشتركة تُسهم في دعم الروابط المصرفية الثنائية. كما تتضمن المذكرة تنسيقًا فنيًا في مجالات الأنظمة المصرفية والتسويات المالية والسيولة والعمليات المصرفية الدولية، في إطار ما وُصف بأنه “أنشطة لتعزيز التعاون بين البنوك المركزية”. وبوصفها مذكرة إطارية، فإنها تمهّد الطريق لاتفاقات تنفيذية مستقبلية من شأنها دعم الاستقرار المالي وتسهيل المعاملات الاقتصادية بين طرابلس وأنقرة.[21]

واستفادت تركيا عمليا من هذه المذكرة في عدة نقاط:

  • تسهيل عمل المقاولين الأتراك: الإعلام التركي والمحللين ذكروا أن MoU يمهّد للتعامل مع مشاكل توقف المشاريع وتسوية مستحقات المقاولين الأتراك في ليبيا، ويشجّع عقود جديدة. وهذا يخدم مصالح قطاع المقاولات التركي الكبير في ليبيا.[22]
  • إعادة إحياء التجارة الثنائية: بتوفير إطار مصرفي مركزي، يصبح من الأسهل توقيع اتفاقيات تجارية وتمويل المشاريع (ما يؤدي إلى زيادة الصادرات التركية إلى ليبيا وعودة الشركات التركية إلى السوق الليبي).
  • حضور دبلوماسي واقتصادي أوسع: التعاون المصرفي يُكمل الاتفاقات العسكرية والسياسية، فيُحوّل العلاقة إلى شراكة متعددة الأوجه (سياسة–أمن–اقتصاد)، ما يزيد من قدرة أنقرة على حماية مصالحها.[23]
  • مذكرتَي التفاهم التي وُقّعت بين ليبيا وتركيا بخصوص المقاولات والمشاريع الإنشائية، والبنية التحتية والطاقة.

وقّعت تركيا وليبيا مذكرتي تفاهم في 17 أكتوبر 2025، خلال فعاليات المنتدى التركي الأفريقي الخامس للأعمال والاقتصاد في إسطنبول، بهدف تعزيز التعاون في مجالات المقاولات والطاقة والبنية التحتية. جاءت المذكرة الأولى لمعالجة مستحقات الشركات التركية العاملة في ليبيا التي تعطلت مشاريعها منذ عام 2011 بسبب الأوضاع الأمنية والسياسية، وتهدف إلى تسوية الديون وتهيئة المناخ لعودة الشركات التركية إلى العمل في مشاريع إعادة الإعمار. أما المذكرة الثانية، فتركزت على التعاون في مجالات التعدين والطاقة والبنية التحتية، حيث تم الاتفاق على تمكين الشركات التركية من المشاركة في مشاريع تنموية كبرى داخل ليبيا، وخاصة في الجنوب الليبي الغني بالموارد الطبيعية، وهو ما وصفته أنقرة بأنه “بداية حقبة جديدة للمقاولين الأتراك في ليبيا” . [24]

أما المذكرة الثانية، وهي اتفاقية بين تركيا وليبيا للتعاون في مجالات التعدين والطاقة والبنية التحتية فتهدف إلى تمكين الشركات التركية من المشاركة في مشاريع إعادة الإعمار والبنية التحتية، ووصفتها أنقرة بأنها “بداية حقبة جديدة للمقاولين الأتراك” في ليبيا. وأكد الوزراء في تركيا أن حجم التجارة الثنائية بلغ 3.7 مليار دولار في عام 2024، مع توقعات بارتفاعها إلى أكثر من 5 مليارات دولار بحلول 2026، نتيجة التعاون في قطاعات الطاقة (النفط والمتجددة، التعدين، الخدمات المصرفية، الرعاية الصحية، والجمارك). كما وُقّع خلال الحدث “إعلان مشترك لإنشاء اللجنة الاقتصادية والتجارية المشتركة (JETCO)” ومحضر الاجتماع الثاني لمجموعة العمل المشتركة التركية الليبية. وبالإضافة إلى ذلك، تم الاتفاق على أن تُعقد الدورة الـ 22 من “اللجنة الاقتصادية التجارية المشتركة” في طرابلس في (16،17 ديسمبر)2025.[25]

كما طلبت تركيا من الجانب الليبي خرائط احتياطيات التعدين في الجنوب لتحديد أولويات الاستثمار، في إطار رؤية استراتيجية تهدف إلى جعل ليبيا ممرًّا اقتصاديًا نحو أسواق أفريقيا جنوب الصحراء وتعزيز حضور أنقرة في مشاريع إعادة الإعمار والتنمية الإقليمية.

  • مذكرة في مجال إنفاذ القانون والتعاون الأمني

وقّعت وزارة الداخلية الليبية ووزارة الداخلية التركية في 23 أكتوبر 2024، مذكرة تفاهم في إسطنبول، على هامش معرض الصناعات الدفاعية “SAHA EXPO 2024″، بهدف تعزيز التعاون في مجال إنفاذ القانون والأمن الداخلي بين البلدين. وقد وقّع الاتفاق كلٌّ من الوزير الليبي عماد الترهوني ونظيره التركي “علي يرلي كايا”، ليشكّل خطوة جديدة في مسار توسيع الشراكة الأمنية بين أنقرة وطرابلس.

تهدف المذكرة إلى تبادل الخبرات والمعلومات الأمنية في مجالات مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة وتهريب الأسلحة والمخدرات، إضافةً إلى تدريب وتأهيل الكوادر الأمنية الليبية عبر برامج تدريب مشتركة تُشرف عليها المؤسسات الأمنية التركية. كما تنص على إنشاء آليات لتبادل المعلومات الاستخباراتية لمواجهة التهديدات الإقليمية المشتركة وتعزيز قدرات ليبيا في حفظ الأمن الداخلي.

وتطرقت المذكرة أيضًا إلى تسهيل الإجراءات ذات الطابع الإنساني والأمني، مثل منح التسهيلات للمرضى والطلاب الليبيين المقيمين في تركيا، بما يعكس رغبة الجانبين في توسيع التعاون ليشمل البعد الإنساني والاجتماعي إلى جانب الأمني. ووفقًا لمصادر ليبية وتركية، تُعد هذه الخطوة جزءًا من إطار الشراكة الاستراتيجية الأوسع بين البلدين، الرامية إلى دعم الاستقرار الإقليمي وتعزيز حضور تركيا كمحور أمني مؤثر في ليبيا.

يتضح من خلال مجموعة من مذكرات التفاهم والاتفاقيات بين ليبيا وتركيا أن أنقرة انتقلت تدريجيًا من الاستراتيجية العسكرية والأمنية إلى تبنّي نفوذ سياسي واقتصادي طويل الأمد، يهدف إلى ترسيخ حضورها في مجالات الطاقة، الإعمار، والبنية التحتية، وجعل ليبيا محورًا أساسيًا في تمددها الإقليمي نحو أفريقيا.

إذن يمكن القول إن تحول تركيا من النفوذ العسكري إلى السياسي-الاقتصادي في ليبيا جاء نتيجة تفاعل عدة عوامل:

  • القيود الدولية على العمل العسكري: بعد وقف إطلاق النار في أكتوبر 2020 وبدء مسار برلين ، تعرضت أنقرة لضغوط من الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي لسحب المرتزقة وتجميد الأنشطة العسكرية. فأي استمرار في التدخل العسكري كان سيُعد انتهاكًا لحظر السلاح الأممي على ليبيا، ما يعرّضها لعقوبات دولية.
  • تغير خريطة السلطة في ليبيا: بعد إنشاء حكومة الوحدة الوطنية (GNU) في 2021، أصبحت الساحة الليبية تتطلب شرعية سياسية ودبلوماسية للتعامل مع السلطة التنفيذية الجديدة، وليس قوة ميدانية فقط.
  • سعت تركيا إلى إعادة صياغة وجودها من خلال اتفاقيات ومذكرات تفاهم قانونية بدلاً من الوجود العسكري المثير للجدل.
  • طموحات تركيا الاقتصادية: تمثل ليبيا سوقًا واعدة للشركات التركية في مجالات المقاولات، الطاقة، والبنية التحتية (تقدر الديون الليبية السابقة للشركات التركية بـ 19 مليار دولار) لذلك ركزت أنقرة على توقيع مذكرات تفاهم اقتصادية (في مجالات الطاقة، التعدين، والمشاريع الإنشائية) لفتح الباب أمام الشركات التركية.
  • مساعي تركيا لتقليل التوتر مع القوى الإقليمية: التحول نحو الدبلوماسية الاقتصادية منح تركيا صورة أكثر قبولًا دوليًا، خاصة في ظل انتقادات تدخلها العسكري السابق.[26]

ثالثا: العلاقات التركية مع طرفي الصراع الليبي: حكومة الدبيبة والقيادة الشرقية بقيادة حفتر

  1. علاقة تركيا مع حكومة عبد الحميد الدبيبة ( حكومة الوفاق طرابلس الحكومة المعترف بها دوليًّا (

السياق العام للعلاقات:

بعد سنوات من الانقسام (2014–2020) شهدت ليبيا حكومتين متنافستين؛ أنقرة قررت منذ 2019 دعم الطرف المقيم في طرابلس الذي كان يُعرف حينها بحكومة الوفاق (GNA) ثم تحوّلت إلى دعم حكومة الوحدة الوطنية التي ترأسها لاحقًا عبد الحميد الدبيبة كجزء من المسار الذي أدارته الأمم المتحدة. دعم تركيا هذا أعطى أنقرة غطاءً دبلوماسيًا وقاعدة للتوقيع على صفقات ومذكرات تفاهم مع طرابلس.[27]

الوسائل والأدوات التي استخدمتها تركيا في دعم حكومة طرابلس.

عسكريًا: قدّمت تركيا في أواخر 2019 وبداية 2020 دعماً عسكريًا ملموسًا للجناح الحكومي في طرابلس (تضمّن تزويدًا بأنظمة دفاع جوي و اتصالات، مستشارين، ونقل مقاتلين سوريين) ، كما صادق البرلمان التركي على صلاحية إرسال قوات ودعم عسكري لليبيا حينها. هذا التدخّل مهد لتغيير ميزان القوى في ميدان القتال لصالح طرابلس.[28]

قانونيًا ودبلوماسياً: أبرمت أنقرة وطرابلس مذكرة التفاهم البحرية (27 نوفمبر 2019) التي أعادت رسم خرائط النفوذ البحري بين الدولتين ومنحت أساسًا قانونيًّا لحقوق تركيا في أجزاء من شرق المتوسط  وهي وثيقة أثارت معارضةً إقليمية قوية من دول مثل اليونان ومصر وقبرص. وتم تسجّيل المذكرة في أرشيف الأمم المتحدة كوثيقة.

اقتصاديًا وبُنيويًّا: أبرمت أنقرة وطرابلس مذكرات تعاون في مجالات الإنشاءات، الطاقة، وإعادة الإعمار بعد 2021، واستثمرت شركات تركية في مشاريع بنية تحتية ومحطات طاقة ومقاولات في خطوة تهدف إلى ترسيخ نفوذ طويل الأمد اقتصاديًا في الغرب الليبي (طرابلس).[29]

ومن أهم وأبرز التطورات:

  • تدخل تركي حاسم في ميدان القتال لصالح طرابلس؛ تصاعد التوتر مع محاور داعمة لحفتر نهاية 2019 – أوائل 2020.
  • ولادة حكومة الوحدة الوطنية (اختيار الدبيبة من منتدى LPDF) وحصولها على دعم دولي واسع، ما أعطى أنقرة شريكًا معترفًا دوليًا يمكن التعامل معه رسميًا مارس 2021.[30]

الآثار الاستراتيجية:

حقّقت أنقرة هدفين رئيسيين: الأول: إعادة توازن عسكري لصالح حلفائها في طرابلس، والثاني: تحويل المكاسب الميدانية إلى أدوات نفوذ دبلوماسي اقتصادي عبر اتفاقيات ومشروعات طويلة الأجل (بما في ذلك مذكرة 2019 البحرية)، ما أعطاها موطئ قدم لمد نفوذها في شرق المتوسط.[31]

  1. علاقة تركيا مع الشرق الليبي  البرلمان (طبرق) والجيش الوطني حفتر

يمثل الشرق الليبي، المتمركز في مدينتي طبرق وبنغازي، المعسكر المقابل لحكومة طرابلس، إذ يتشكل هناك تحالف سياسي وعسكري يقوده المشير خليفة حفتر، ويحظى بدعم مجلس النواب الليبي في طبرق. سعى هذا التحالف، منذ عام 2019، إلى فرض سيطرته على كامل الأراضي الليبية من خلال حملة عسكرية ضد حكومة الوفاق الوطني السابقة، بهدف توحيد مؤسسات الدولة تحت سلطته. وقد حظي محور الشرق بدعم قوي من قوي قليمية . إضافة إلى روسيا التي قدمت دعمًا غير مباشر عبر شركة “فاغنر”، مما عزز القدرات القتالية لقوات الجيش الوطني الليبي. في المقابل، رأت تركيا أن تحركات حفتر تمثل محاولة لفرض حل عسكري أحادي الجانب يهدد الحكومة الشرعية المعترف بها دوليًا في طرابلس ومصالح أنقرة الاستراتيجية في ليبيا، سواء في مجال الطاقة أو النفوذ الإقليمي، لتصنّف أنقرة تحالف الشرق آنذاك كـخصم سياسي وعسكري مباشر، وتبرّر تدخلها العسكري في 2019–2020 بأنه دفاع عن الشرعية ومنع لتقسيم البلاد..[32]

من المواجهة إلى التهدئة: التحول في المقاربة التركية

مع نهاية الصراع العسكري المباشر وتشكيل حكومة الوحدة الوطنية في مارس 2021، بدأت أنقرة في تبني نهج أكثر براغماتية وتوازنًا تجاه الشرق الليبي. فبعد أن كانت السياسة التركية تقوم على المواجهة والدعم العسكري لمعسكر الغرب، اتجهت لاحقًا إلى تخفيف التوتر ومحاولة فتح قنوات تواصل محدودة مع أطراف في معسكر حفتر، خصوصًا بعد الانفتاح الإقليمي بين تركيا ومصر والإمارات. هذا التحول اتسم بطابع حذر وغير رسمي، وشمل استخدام أدوات “القوة الناعمة” كالمبادرات الاقتصادية والتجارية والإنسانية، واستقبال وفود برلمانية من الشرق الليبي في أنقرة، إلى جانب طرح مشاريع إعادة إعمار في بنغازي وسرت، مع إبقاء قنوات الاتصال العسكرية في الحد الأدنى.[33]

ومن أهم وأبرز التطورات:

  • ولادة حكومة وحدة وطنية وشيوع توجهات دبلوماسية جديدة في المنطقة (بعضها يميل لتخفيف المواجهة الإقليمية)، وبدأت محاولات مصالحة إقليمية بين أنقرة والقوى الإقليمية كالتحرُّك نحو تسوية مشروعات اقتصادية مع أطراف في الشرق أو عبر وساطات دولية. لكن الثقة لا تزال محدودة بين أنقرة ومحور طبرق حفتر.[34]

الآثار الاستراتيجية:

على المدى القصير: بقيت العلاقة متوترة أومشدودة بين أنقرة وحفتر بسبب خلفيات التدخل العسكري والدعم الخارجي الذي حظي به حفتر.

على المدى المتوسط أو الطويل: تفضل أنقرة نهج براغماتي  محاولة الحدّ من عزلة دبلوماسية كتلك التي جلبها لها موقفها في ليبيا عبر تفعيل قنوات اقتصادية ودبلوماسية تجعل من الصعب على الشرق أن يكون ملعبًا خالصًا لأعداء تركيا الإقليميين. هذا السعي يتضح ضمن تغيّر أوسع في علاقات تركيا الإقليمية .[35]

رابعا: إعادة رسم خرائط النفوذ في ليبيا: توازنات القوى الفاعلة بين (روسيا، والولايات المتحدة، والإمارات ومصر)

تعد ليبيا من الدول غير المستقرة في القسم الشمالي من أفريقيا، إذ تشهد تدخلات سياسية خارجية جاءت على إثر أزمات وانقسامات داخلية بين شرق الدولة وغربها. إذ يسيطر المشير خليفة حفتر على جهة الشرق وجنوبها، ويحظى بتأييد من قبل معظم القوى الدولية مثل روسيا وبعض دول الجوار الجغرافي كمصر، فضلا عن دول إقليمية منها الإمارات، بينما تسيطر على الجهة الغربية حكومة الوفاق الوطني حيث العاصمة طرابلس، وهي الأخرى تحظى باعتراف دولي، وتتلقى الدعم من بريطانيا وتركيا وقطر.

روسيا

تسعى روسيا إلى استعادة موطئ قدم جيو استراتيجي في البحر المتوسط وشمال أفريقيا، وتأمين قنوات نفوذ تتيح لها التفاوض مع الأوروبيين حول قضايا حسّاسة (ملف الطاقة، مسارات الإمداد، وإدارة ملف الهجرة)، إلى جانب كسب عقود أمنية واقتصادية (عقود استغلال موارد، خدمات أمنية، وصيانة بنى تحتية). يمثل الوجود في ليبيا أيضاً وسيلة لإحداث توازن أمام النفوذ الغربي والنووي لتركيا في المنطقة.

  • الأهداف الروسية في ليبيا:

الأهداف الاستراتيجية : توسيع النفوذ الجيوسياسي

الوصول الدائم إلى البحر المتوسط: روسيا تسعى منذ 2015 لتثبيت وجودها البحري في جنوب المتوسط (إلى جانب قاعدتها في طرطوس بسوريا). بالإضافة إلي أن ليبيا تمنحها نقطة تمركز ثانية على الساحل الجنوبي للمتوسط، مما يتيح مراقبة خطوط الملاحة والضغط على أوروبا.وهناك تقارير عن اهتمام موسكو بإقامة منشأة لوجستية أو بحرية في سرت أو طبرق لتأمين موطئ قدم دائم.[36]

موازنة النفوذ التركي والغربي: وجود روسيا في شرق ليبيا يقابله وجود تركي في الغرب (طرابلس ومصراتة) وهذا يمنح موسكو ورقة تفاوض مع أنقرة في ملفات أخرى (سوريا، الطاقة، الحبوب)، كما تضع نفسها لاعبًا حاسمًا لا يمكن تجاوزه في أي تسوية سياسية ليبية مستقبلية.[37]

الأهداف السياسية والدبلوماسية:  (النفوذ في أفريقيا وأوروبا)

تعزيز حضورها في أفريقيا: ليبيا تُعتبر بوابة روسيا إلى الساحل الأفريقي والنيجر ومالي وتشاد. وعبر شبكاتها الأمنية (خاصة بعد إعادة هيكلة ” فاغنر الروسية” ضمن “Africa Corps”) تسعى موسكو لربط نفوذها من البحر المتوسط حتى الساحل الأفريقي.

إضعاف النفوذ الغربي في جنوب المتوسط: موسكو ترى أن واشنطن والاتحاد الأوروبي فشلوا في تحقيق استقرار ليبيا، فتستغل الفراغ السياسي لفرض نفسها كوسيط. وتريد أن تُظهر أن أي حلّ في المنطقة لا يمكن أن يتم دون موافقة روسية.

الضغط على أوروبا في ملف الهجرة والأمن: تدرك روسيا  أن تدفق المهاجرين من ليبيا نحو أوروبا يمثل ورقة حساسة. حيث تعد ليبيا أيضا ممرا رئيسيا للمهاجرين القادمين من أفريقيا للوصول إلى أوروبا عبر شواطئها الواسعة التي تمتد لنحو 2000 كيلومتر على البحر الأبيض المتوسط. وبتواجدها في الجنوب الليبي والمناطق الحدودية، يمكنها التأثير غير المباشر على مسارات الهجرة، واستخدامها كورقة تفاوض سياسية مع بروكسل.[38]

الأهداف الأمنية والعسكرية

بناء موطئ قدم عسكري دائم في شمال أفريقيا: روسيا تخطط لتأسيس “نظام وجود مرن” في ليبيا، ليس كقواعد رسمية، بل كمواقع تدريب ودعم لوجستي يمكن تفعيلها عند الحاجة. ووثقت تقارير الأمم المتحدة وجود عناصر روسية في الجفرة، سرت، وقاعدة القرضابية منذ 2019.

مراقبة الجنوب الليبي والحدود مع الساحل: الجنوب الليبي (فزان) يمثل طريق عبور استراتيجي نحو مالي والنيجر وتشاد  حيث تنشط روسيا أيضًا. بذلك، تربط روسيا بين وجودها في ليبيا وعملياتها في أفريقيا الوسطى ومالي.[39]

الأهداف الاقتصادية : الطاقة والعقود

التحكم في موارد الطاقة الليبية: ليبيا تملك أكبر احتياطي نفطي في أفريقيا وأكثر من 45 مليار برميل نفط مؤكد. وموسكو تسعى لعقود استثمارية طويلة الأجل لشركاتها مثل Rosneft وTatneft  في إنتاج النفط وإعادة بناء البنية التحتية للطاقة.

ورقة ضغط على أوروبا في ملف الطاقة: عبر وجودها في ليبيا، يمكن لروسيا التأثير على إمدادات الطاقة إلى جنوب أوروبا (خصوصًا إيطاليا).والهدف هو تعزيز أوراق التفاوض في ظل العقوبات الغربية بعد حرب أوكرانيا.

المشاركة في إعادة الإعمار: تراهن روسيا على عقود إعادة إعمار ليبيا (طرق، سكك حديد، منشآت نفطية) تستفيد من علاقاتها بالشرق الليبي لتوقيع مذكرات اقتصادية مبكرة. .[40]

  • الأدوات التي تستخدمها روسيا:
  1. القوة غير المباشرة  (مرتزقة وشركات أمنية خاصة) : اعتمدت روسيا في انخراطها بالملف الليبي على قوة غير رسمية تمثلت في نشر عناصر من شركة أمنية عسكرية خاصة “فاغنر الروسية”،” الفيلق الأفريقي” التي تعمل ضمن شبكات أمنية واقتصادية تدعم الأهداف الروسية دون التورط الرسمي المباشر. فقد كشف تقرير فريق خبراء الأمم المتحدة المعني بليبيا (2020) أن مجموعة ” فاغنر الروسية” نشرت ما يصل إلى 1,200 عنصر في ليبيا لدعم  ومساندة الجيش الليبي بقيادةالمشير خليفة حفتر.

ووثّق التقرير أكثر من عشرين رحلة جوية بين روسيا وشرق ليبيا خلال الفترة من أغسطس 2018 إلى أغسطس 2019، نفّذتها طائرات مدنية “مرتبطة بقوة أو مملوكة” لشركات تابعة أو متعاونة مع مجموعة فاغنر، ما يعكس نمط الإمداد اللوجستي المنتظم الذي سهّل انتقال الأفراد والمعدات إلى الأراضي الليبية.[41]

كما أدرج التقرير بيانات 122 عنصرًا من أفراد المجموعة، يُرجّح أن العديد منهم عمل أو لا يزال يعمل في ليبيا، بينهم 39 قنّاصًا متخصصًا و83 عنصرًا من وحدات القتال الميدانية. ويُقدَّر أن هذه العناصر لعبت دورًا حاسمًا في العمليات الميدانية شرق البلاد، حيث تولت مهامًا دقيقة مثل الاستطلاع، القنص، تنسيق النيران، والإشراف على العمليات التكتيكية في محاور القتال الرئيسة حول طرابلس وسرت. هذا النمط من التدخل، الذي يجمع بين الدعم العسكري غير الرسمي . مكّن موسكو من تعزيز موقعها الاستراتيجي في ليبيا دون تحمّل كلفة دبلوماسية أو قانونية مباشرة. كما منحها قدرة على التأثير في موازين القوى الميدانية، خاصة في مواجهة الحضور العسكري التركي الداعم لحكومة الوفاق آنذاك.[42]

  1. مستشارون عسكريون وتجهيزات لوجستية: تزويد قوات المحور الشرقي بقدرات فنية (صيانة منظومات، استخبارات، تدريب)، وعمليات نقل عتاد ومعدات جوية أو أرضية عن طريق خطوط جوية ولوجستية تقوم بها شركات وشحنات روسية.
  2. التحركات الدبلوماسية والاقتصادية: توقيع مذكرات تفاهم، إبرام صفقات أمنية أو عقود مع فصائل محلية، ومحاولات للحصول على امتيازات اقتصادية في قطاعات الطاقة والثروة النفطية وإعادة الإعمار. كما تستثمر روسيا في بناء علاقات مع الفاعلين المحليين (زعامات قبلية، قيادات عسكرية) لتأمين مصالح طويلة الأمد.
  3. حرب المعلومات والتأثير السياسي: شبكات معلوماتية وحملات تضليل أُشيع ارتباطها بجماعات روسية تعمل على التأثير في المشهد الإعلامي والسياسي الليبي لصالح مواقف موالية لموسكو أو لمقاييس الاستقرار التي تروق لها.[43]

الولايات المتحدة

على الرغم من أن الولايات المتحدة لم تدخل ليبيا رسمياً بعمليات واسعة جديدة منذ 2020، فإنها استغلت النفوذ التركي في إطار حرب بالوكالة لتوجيه سياساتها بطريقة غير مباشرة عبر دعم إطار استراتيجي تُعزّز فيه تركيا دورها في ليبيا. ففي تحليل لوضع الولايات المتحدة وتركيا في ليبيا، وُجد أن واشنطن «ضاعفت تركيزها على الجانب التجاري والاستثماري»، إلى جانب تشجيعها للوساطات الدبلوماسية مع أنقرة وروما، بما يدعم استقراراً ليبياً يخدم مصالح أمريكا في شرق المتوسط ويحدّ من النفوذ الروسي والإيراني. كذلك، قال تحليل إن «سياسة الولايات المتحدة المشوّشة في ليبيا شجّعت تركيا على التوسّع» حيث إن واشنطن لم تحتلّ مركز الضغط المباشر وإنما تركت لأنقرة تحلّ مكانها في بعض المجالات، ما مكن تركيا من التدخّل العسكري والسياسي مع حكومة طرابلس بدعم ضمني من الولايات المتحدة.

وبناء على ذلك، يمكن القول إن الولايات المتحدة وظّفت تركيا كـ «فاعل وسيط» يحقّق بعض الأهداف الأمريكية ــ مثل وقف تمدّد النفوذ الروسي، ضمان انسياب النفط الليبي، وحماية خطوط الهجرة والملاحة في جنوب المتوسط ــ دون أن تضطلع واشنطن بنفسها بتدخّل ميداني مكثّف داخل ليبيا. وهذا النمط يُمثّل تدخّلاً غير مباشر بتوظيف حليف إقليمي (تركيا) لتنفيذ سياسة أمريكية ما بين السطور في منطقة ذات أهمية استراتيجية.[44]

مصر

الدوافع الاستراتيجية) : الأمن القومي المصري ومخاوف حدودية متصلة بالاستقرار الإقليمي(

توضح الخرائط المتاحة أن ليبيا تقع إلى الغرب من مصر، حيث يفصل بينهما شريط حدودي صحراوي طويل. وفي هذا السياق، يمكن فهم دعم مصر للجيش الوطني الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر ليس كمحاولة لبسط نفوذ أو تحقيق مكاسب مصلحية ضيقة، وإنما باعتباره مشروعًا وطنيًا ليبيًا لبناء مؤسسات الدولة وتوحيد الجيش في مواجهة الفوضى والمليشيات. وقد رأت مصر في هذا المشروع ضمانة حقيقية لاستقرار ليبيا ووحدتها الترابية، بما يصبّ في مصلحة الشعب الليبي أولًا، وفي أمن واستقرار المنطقة

وعلى عكس بعض الفاعلين الإقليميين الذين ارتبط حضورهم في ليبيا بحسابات اقتصادية أو توسعية، حرصت مصر على تقديم نفسها كـشريك داعم للشعب الليبي، يسعى إلى تمكين مؤسسات الدولة الوطنية وليس إلى إدارة مناطق نفوذ أو موارد. فاستقرار ليبيا بالنسبة لمصر ليس أداة للمنافسة الإقليمية، بل ركيزة للأمن القومي المشترك، وللحدّ من أزمات اللجوء والهجرة غير النظامية، وتعزيز السلام في شمال أفريقيا والمتوسط.

1

تتعامل مصر مع الأزمة الليبية بوصفها قضية أمن قومي مباشر وليست مجرد ملف سياسي خارجي. فليبيا تمتلك حدودًا مشتركة مع مصر تمتد لأكثر من 1,100 كيلومتر، وهو ما يجعل أي فوضى أمنية أو تصعيد عسكري غرب ليبيا تهديدًا مباشرًا للأمن المصري الداخلي. ويمكن تلخيص دوافع مصر في ثلاثة محاور رئيسية:

حماية الحدود الغربية ومنع تسرب التهديدات: بعد 2014، تحوّل الغرب الليبي إلى بؤرة لتسلل عناصر متطرفة وشبكات تهريب السلاح والبشر، ما دفع مصر لتبنّي سياسة أمنية “استباقية” تجاه ليبيا.

تعزيز الدور الإقليمي المصري: عبر ليبيا، تحاول مصر استعادة مركزها كفاعل إقليمي محوري في شمال أفريقيا والبحر المتوسط، وفرض نفسها كـ”ضامن” للاستقرار الأمني في المنطقة.[45]

الإمارات

  • الأهداف الإماراتية في ليبيا:

الأهداف السياسية والدبلوماسية  ( ظهور كقوة إقليمية)

تسعي الإمارات إلي  ترسيخ موقعها كقوة إقليمية ذات تأثير جيواستراتيجي واضح في المشهدين العربي والدولي، مستفيدة من تراجع الانخراط الأمريكي النسبي في منطقة الشرق الأوسط نتيجة انشغال واشنطن بأزمات أخرى، وعلى رأسها الحرب في أوكرانيا.[46]

الأهداف الأقتصادية

تتمثل بالرغبة في الهيمنة على الموانئ الكبرى، والتحكم في محطات النقل العالمية في ليبيا، التي لها موانئ مهمة على البحر المتوسط مثل مصراته، والخمس، وبنغازي، وطبرق.

2

 كما عمدت الإمارات العربية المتحدة للسيطرة على ميناء البرقة في الجانب الشرقي، وتسخيره للأغراض المدنية والعسكرية، ويأتي ذلك ضمن مشروع الإمارات في بناء مجموعة من الموانئ البحرية، وتفرض وجودها بين القوى الكبرى كالولايات المتحدة الامريكية والصين، كما أن الموانئ الليبية بوابة للحصول على النفوذ في أكثر من مسلك للنقل الإقليمي؛ لخلق توازن سياسي وعسكري، بعيداً عن الهيمنة الإيرانية على مضيق هرمز.[47]

  • الدوافع الاستراتيجية:

احتواء الإسلام السياسي: أبوظبي رأت في حركات الإسلام السياسي (ومنها تيارات مرتبطة بالإخوان المسلمين) تهديدًا لاستقرار أنظمتها ولنفوذها الإقليمي، فدعمت قوة تُعتبر “ضدّ الإسلام السياسي” في ليبيا.

منع بروز محور تركي إقليمي: دعم حفتر شكّل وسيلة لثني تركيا وحلفاءها عن توسيع نفوذهم في جنوب المتوسط.

حماية المصالح الاقتصادية والاستثمارية: الرغبة في الوصول إلى عقود إعادة الإعمار وقطاع الطاقة الليبي مستقبلاً.بالإضافة إلي تعزيز مكانة أبوظبي كقوة إقليمية فاعلة في مواجهة تأثيرات إقليمية أخرى.[48]

•الأدوات التي تستخدمها الإمارات في ليبيا

دعم لوجستي ووقود وطائرات نقل: قدّمت الإمارات دعمًا لوجستيًا متكاملًا لقوات اللواء المتقاعد خليفة حفتر، التي كانت تفتقر إلى الخبرات والإمكانات التشغيلية الكافية، وذلك من خلال تمويل عمليات إمداد وصيانة متواصلة شملت تزويد الطائرات بالوقود، وتوفير قطع الغيار، وتأمين خطوط النقل الجوي.[49]. كما كشفت تقارير صحفية وتحقيقات دولية عن شبكة رحلات مدنية وشحنات جوية مرتبطة بدول أو شركات تعمل بتنسيق غير مباشر مع أبوظبي، ساهمت في نقل المعدات العسكرية والمواد اللوجستية إلى الشرق الليبي، ما عزّز القدرات العملياتية لقوات حفتر ومكّنها من مواصلة القتال خلال الحملات العسكرية .[50]

قواعد عسكرية إماراتية في ليبيا: لا يقتصر التدخل الإماراتي في ليبيا على الدعم العسكري واللوجستي، الصراع الليبي شهد تدخل العديد من الدول الكبرى والإقليمية، كل منها يسعى لتحقيق مصالحه السياسية والاقتصادية والاستراتيجية. من أبرز هذه الدول الولايات المتحدة وروسيا ومصر والإمارات، حيث تدخلت هذه الدول لدعم فصائل محددة؛ الولايات المتحدة غالبًا بطريقة غير مباشرة عبر دعم تركيا وقطر لفائدة حكومة الوفاق الوطني، بينما دعمت روسيا قوات  المشير خليفة حفتر عبر مجموعة فاغنر ومعدات عسكرية متقدمة. من جانبها، دعمت مصر الشعب والجيش الليبي بهدف حماية الأمن القومي ومواجهة النفوذ التركي والإرهاب، بينما ساهمت الإمارات بدعم بعض الفصائل المناهضة للوفاق. إلى جانب هذه القوى، تدخلت تركيا وقطر لدعم الحكومة المعترف بها دوليًا، وساهمت بعض الدول الأوروبية مثل فرنسا وإيطاليا وبريطانيا في دعم أطراف مختلفة لأسباب سياسية واقتصادية، بينما لعبت الجزائر وتونس أدوارًا أقل تأثيرًا لكنها دعمت المساعي الدبلوماسية لتحقيق الاستقرار في المنطقة. كما حاولت بعض الدول الإقليمية الأخرى، مثل السودان، التأثير عبر المساعدات اللوجستية أو التدريب العسكري. هذه التدخلات المتعددة جعلت ليبيا ساحة لتنافس مصالح دولية وإقليمية معقدة، انعكس تأثيرها بشكل مباشر على استمرار النزاع وصعوبة التوصل إلى تسوية شاملة.[51]

خامسا: سيناريوهات مستقبلية محتملة:

السيناريو الأول:تقاسم النفوذ واستمرار الجمود السياسي

يُعد هذا السيناريو الأكثر واقعية على المدى القريب، حيث يُتوقع أن يستمر التوازن غير المستقر بين القوى المحلية (حكومة الوحدة في الغرب والبرلمان في الشرق) بدعم من محاور خارجية متنافسة. ستحافظ تركيا على حضورها العسكري والسياسي في الغرب الليبي عبر اتفاقياتها الأمنية والاقتصادية، في حين تستمر روسيا والإمارات ومصر في دعم المحور الشرقي بدرجات متفاوتة. هذا السيناريو يعني بقاء الوضع الراهن دون حسم، مع تزايد أهمية التسويات الاقتصادية (النفط وإعادة الإعمار) كأداة للنفوذ بدلًا من المواجهة العسكرية المباشرة. وهذا السيناريوا الأقرب حدوثا

السيناريو الثاني: تسوية سياسية جزئية برعاية دولية

يُرجّح هذا السيناريو حدوث تحسّن نسبي في المسار السياسي بدفع من الأمم المتحدة وعدد من القوى الإقليمية مثل تركيا ومصر وإيطاليا، عبر إحياء الحوار الوطني وإعادة إطلاق العملية السياسية المتوقفة. وقد تفضي هذه الجهود إلى تسوية جزئية تقوم على تشكيل حكومة توافقية جديدة أو إعادة هيكلة بعض المؤسسات السيادية لضمان تمثيل متوازن بين الشرق والغرب، دون التوصل إلى حل نهائي للأزمة. وفي هذا السياق، تشكّل الجهود الحالية الرامية إلى تهيئة الظروف لإجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية في ليبيا أحد أبرز مظاهر هذا الحراك السياسي، حيث تسعى البعثة الأممية إلى دفع الأطراف الليبية نحو التوافق على القوانين الانتخابية والإطار الدستوري اللازم لإتمامها، مع دعم ملحوظ من القوى الإقليمية والدولية لتأمين بيئة مستقرة تسمح بإجرائها.

وتمثل هذه التسوية مرحلة انتقالية تهدف إلى تثبيت وقف إطلاق النار وتخفيف حدة التوترات، مع إمكانية تحويل التنافس الخارجي إلى دعم للاستقرار، لكنها تبقى رهينة بمدى التزام الأطراف الليبية والفاعلين الإقليميين بالتفاهمات المطروحة وبالاستحقاق الانتخابي المرتقب.

السيناريو الثالث: تصعيد عسكري أو إعادة تموضع إقليمي

يظل احتمال الانفجار الميداني قائمًا إذا فشلت محاولات الوساطة، خصوصًا مع وجود مرتزقة وشبكات مسلحة خارجة عن السيطرة، واستمرار التدخلات غير المنسقة من القوى الإقليمية. في حال تزايد التنافس بين روسيا وتركيا، أو تفاقم الخلافات بين الشرق والغرب الليبي، فقد تعود خطوط التماس إلى الاشتعال من جديد، مع ما يحمله ذلك من تداعيات إنسانية وأمنية على دول الجوار، وعلى رأسها مصر وتونس.

مجمل القول: تُظهر التطورات الأخيرة في ليبيا أن البلاد أصبحت اليوم مركزًا لتقاطع المصالح الإقليمية والدولية، حيث شهدت السياسة التركية تحولًا جوهريًا منذ عام 2020 من التدخل العسكري المباشر إلى استراتيجية نفوذ شاملة ذات طابع سياسي واقتصادي. فبعد أن لعبت أنقرة دورًا حاسمًا في ترجيح كفة حكومة طرابلس عسكريًا خلال السنوات الأولى للصراع عبر دعمها بالمسيرات والمرتزقة والخبرات الميدانية، بدأت منذ اتفاق وقف إطلاق النار عام 2020 في إعادة صياغة أدواتها داخل ليبيا. واتجهت إلى توظيف الاقتصاد كأداة نفوذ ناعمة عبر توقيع مذكرات تفاهم للتعاون في مجالات الطاقة، والبنية التحتية، والتعدين، والمقاولات، إلى جانب تعزيز حضور الشركات التركية في مشاريع إعادة الإعمار، وتفعيل التنسيق السياسي والدبلوماسي مع القوى الغربية، خاصة إيطاليا والولايات المتحدة. هذا التحول يعكس رغبة تركيا في ترسيخ نفوذ مستدام يتجاوز الحسابات العسكرية المؤقتة إلى بناء شراكات اقتصادية وسياسية طويلة الأمد، بما يضمن لها دورًا فاعلًا في رسم مستقبل ليبيا ويعزز موقعها في شرق المتوسط. ولم يعد الصراع داخليًا محصورًا بين الفصائل الليبية فحسب، بل امتد ليشمل صراع نفوذ بين القوى الكبرى في المنطقة، أبرزها تركيا وروسيا والإمارات والولايات المتحدة، وكل منها يسعى لترسيخ موقعه الاستراتيجي عبر أدوات سياسية، عسكرية، واقتصادية.

فالنفوذ التركي الذي تحركه الولايات المتحدة بطريقة غير مباشرة يتركز في الغرب من خلال دعم الحكومة المعترف بها دوليًا وتعزيز قدراتها العسكرية والاقتصادية، بينما تستثمر روسيا والإمارات نفوذهما في الشرق عبر دعم قوات الجيش الوطني الليبي بقيادة حفتر والبنية الأمنية المصاحبة لها، في حين تسعى مصر إلى مساندة الشعب والجيش الليبي لضمان السلامة الإقليمية وموازنة التوترات الإقليمية. ومع استمرار غياب توافق وطني شامل، وتحول المؤسسات الليبية إلى ساحة تنافس بين القوى الخارجية، يظل احتمال استمرار الانقسام السياسي والعسكري قائمًا، وقد يؤدي إلى صراعات جديدة أو إعادة تموضع إقليمي.

المراجع


[1]“ MORANDUM OF UNDERSTANDING BETWEEN THE GOVERNMENT OF THE REPUBLIC OF TURKEY AND! THE GOVERNMENT OF NATIONAL ACCORD-STATE OF LIBYA i ON DELIMITATION OF THE MARITIME JURISDICTION AREAS IN THE MEDITERRANEAN”، https://www.un.org/depts/los/LEGISLATIONANDTREATIES/PDFFILES/TREATIES/Turkey_11122019_%28HC%29_MoU_Libya-Delimitation-areas-Mediterranean.pdf?utm_.com

[2] “Turkey interested in Libya’s offer of offshore exploration, says energy minister”، Reuters، https://www.reuters.com/business/energy/turkey-interested-libyas-offer-offshore-exploration-says-energy-minister-2024-09-11/?utm_.com

[3] “Turkey Wades into Libya’s Troubled Waters”،International Crisis Group، https://icg-prod.s3.amazonaws.com/257-turkey-libya-troubled-waters.pdf?utm_.com

[4] “Letter dated 8 March 2021 from the Panel of Experts on Libya established pursuant to resolution 1973 (2011) addressed to the President of the Security Council”، Security Council،United Nations. https://www.securitycouncilreport.org/atf/cf/%7B65BFCF9B-6D27-4E9C-8CD3-CF6E4FF96FF9%7D/S_2021_229.pdf?utm_com

[5] IPD، Turkey Wades into Libya’s Troubled Waters.

[6] Turkey, Libya, Qatar agree to ink military deal

Turkey, Qatar to establish facilities in Libya for military training and consultancy, says Libya’s deputy defense ministerr،2020/8/17 https://www.aa.com.tr/en/middle-east/turkey-libya-qatar-agree-to-ink-military-deal/1944893?utm.com

[7] IPD، Letter dated 8 March 2021 from the Panel of Experts on Libya established pursuant to resolution 1973 (2011) addressed to the President of the Security Council.

[8] “Turkish MPs  greenlight Libya military pact” ، 2019/12/21 ، https://www.dw.com/en/turkey-mps-approval-of-libya-military-deal-provokes-us-unease/a-51766167?utm_.com.

[9]  عبد السلام زوبي، ” ليبيا وتركيا توقعان اتفاقية لرفع القدرات العسكرية للجيش الليبي”، 10 يوليو،2025، كونا وكالة الأنباء الكويتية، https://www.kuna.net.kw/ArticleDetails.aspx?id=3240174&Language=ar.

[10]  المرجع السابق.

[11]  برلمان طبرق يتجهز لإقرار اتفاقية الترسيم البحري مع تركيا… تفاصيل الضغوط اليونانية والمصرية على حفتر لمنع تمريرها، 11 يوليو 2025، عربي بوست، https://arabicpost.net/%D8%AA%D9%82%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D8%B1-%D8%AE%D8%A7%D8%B5%D8%A9/2025/07/11/%D8%A8%D8%B1%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%86-%D8%B7%D8%A8%D8%B1%D9%82-%D9%8A%D8%AA%D8%AC%D9%87%D8%B2-%D9%84%D8%A5%D9%82%D8%B1%D8%A7%D8%B1-%D8%A7%D8%AA%D9%81%D8%A7%D9%82%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%B1/

[12]  Daren Butler، “Turkey signs maritime boundaries deal with Libya amid exploration row”،  28 Novmber،2019،  https://www.reuters.com/article/world/turkey-signs-maritime-boundaries-deal-with-libya-amid-exploration-row-idUSKBN1Y21VL/?utm%20com.

[13] “ Greece ‘registers disagreement’ with Libya-Turkey maritime accord” ، 04/12/2019، https://www.euronews.com/2019/12/04/greece-registers-disagreement-with-libya-turkey-maritime-accord?utm_.com.

[14] “Four Mediterranean countries call Turkey-GNA deals ‘void” https://www.aljazeera.com/news/2020/1/9/four-mediterranean-countries-call-turkey-gna-deals-void?utm_com

[15]  اتفاقية تعاون عسكري بين ليبيا وتركيا لتعزيز قدرات الجيش الليبي، في 10 يوليو 2025، أخبار الغد، https://www.ghadnews.net/2025/07/10/%D8%A7%D8%AA%D9%81%D8%A7%D9%82%D9%8A%D8%A9-%D8%AA%D8%B9%D8%A7%D9%88%D9%86-%D8%B9%D8%B3%D9%83%D8%B1%D9%8A-%D8%A8%D9%8A%D9%86-%D9%84%D9%8A%D8%A8%D9%8A%D8%A7-%D9%88%D8%AA%D8%B1%D9%83%D9%8A%D8%A7-%D9%84/.

[16] “TURKISH FOREIGN POLICY  IN LIBYA”November 2024، https://www.smallarmssurvey.org/sites/default/files/resources/SAS-SANA-BP-2024-Turkish-FP-Libya-EN.pdf?utm_.com

[17] “Turkey warns Libya’s Haftar and supporters against attacking its forces”، Reuters،February 12, 2020، https://www.reuters.com/world/turkey-warns-libyas-haftar-supporters-against-attacking-its-forces-2020-12-27/?utm.com

[18]  IDLIR LIKA،”A VORTEX OF CONFLICT THE EVOLVING DYNAMICS OF TURKEY’S INVOLVEMENT IN LIBYA ”، AUGUST 2020 ، https://media.setav.org/en/file/2020/08/a-vortex-of-conflict-the-evolving-dynamics-of-turkeys-involvement-in-libya.pdf?utm_com.

[19] Ibd.

[20] A Memorandum of Understanding was signed between the Central Bank of the Republic of Turkey and the Central Bank of Libya، 31 August 2020 https://www.tcmb.gov.tr/wps/wcm/connect/EN/TCMB%2BEN/Main%2BMenu/Announcements/Press%2BReleases/2020/ANO2020-55?utm_.com.

[21] Memorandum of Understanding was signed between the Central Bank of the Republic of Turkey and the Central Bank، 31 August 2020، https://tcmb.gov.tr/wps/wcm/connect/a873802a-cf57-4a1e-9ce6-2250a23741be/ANO2020-55.pdf?CACHEID=ROOTWORKSPACE-a873802a-cf57-4a1e-9ce6-2250a23741be-nh4CCvH&MOD=AJPERES&utm_.com.

[22] Newly approved MoU between Libya, Turkey to boost economic ties, pave way for business projects ، 15  Sep ،2020،  DAILY SABAH، https://www.dailysabah.com/business/economy/newly-approved-mou-between-libya-turkey-to-boost-economic-ties-pave-way-for-business-projects?utm_.com.

[23] Ibd.

[24] “Türkiye, Libya sign major deals to boost contracting projects”، turkiyetoday، https://www.turkiyetoday.com/business/turkiye-libya-sign-major-deals-to-boost-contracting-projects-3208560?utm_com.

[25]

[26] Ibd، Letter dated 8 March 2021 from the Panel of Experts on Libya established pursuant to resolution 1973 (2011) addressed to the President of the Security Council.

[27] Aidan Lewis، “Turkish support for Tripoli could “rebalance forces” in Libya”، January 8, 2020، https://www.reuters.com/article/world/turkish-support-for-tripoli-could-rebalance-forces-in-libya-idUSKBN1Z62HK/?utm.com.

[28] Ibd.

[29] MEMORANDUM OF UNDERSTANDING BETWEEN THE GOVERNMENT OF THE REPUBLIC OF TURKEY AND! THE GOVERNMENT OF NATIONAL ACCORD-STATE OF LIBYA i ON DELIMITATION OF THE MARITIME JURISDICTION AREAS IN THE MEDITERRANEAN، https://www.un.org/depts/los/LEGISLATIONANDTREATIES/PDFFILES/TREATIES/Turkey_11122019_%28HC%29_MoU_Libya-Delimitation-areas-Mediterranean.pdf?utm.com.

[30] Ayman  Al-Warfali،”Libyan parliament backs unity government, advancing peace plan” ،Reuters ، https://www.reuters.com/article/world/middle-east/libyan-parliament-backs-unity-government-advancing-peace-plan-idUSKBN2B22AH/?utm_.com.

[31] Ibd، MEMORANDUM OF UNDERSTANDING BETWEEN THE GOVERNMENT OF THE REPUBLIC OF TURKEY AND! THE GOVERNMENT OF NATIONAL ACCORD-STATE OF LIBYA i ON DELIMITATION OF THE MARITIME JURISDICTION AREAS IN THE MEDITERRANEAN.

[32] “ Erdogan says Haftar cannot be expected to respect Libya truce”، January 26, 2020، https://www.reuters.com/article/markets/erdogan-says-haftar-cannot-be-expected-to-respect-libya-truce-idUSL8N29V03C/?utm_.com.

[33] “Erdogan would not refrain from ‘teaching a lesson’ to Haftar”، 14 Jan 2020، https://www.aljazeera.com/news/2020/1/14/erdogan-would-not-refrain-from-teaching-a-lesson-to-haftar?utm_.com.

[34] Dave Lawler، “Libya’s fragile moment of unity”، May 24, 2021،  https://www.axios.com/2021/05/24/libya-unity-government-six-months-ceasefire?utm.com.

[35] Ali Bin Musa، “valry and Cooperation: Russia and Türkiye Navigate Libya’s Geopolitical Labyrinth”، May 7, 2025، https://mecouncil.org/publication/rivalry-and-cooperation-russia-and-turkiye-navigate-libyas-geopolitical-labyrinth/?utm_com.

[36] Ibd، Up to 1,200 deployed in Libya by Russian military group – U.N. report.

[37] “Reassessing Russian Capabilities in the Levant  and North Africa”، https://carnegie-production-assets.s3.amazonaws.com/static/files/202108-Wehrey_Weiss_Russia_North_Africa1.pdf?utm_.com.

[38] Ibd.

[39] “Letter dated 8 March 2021 from the Panel of Experts on Libya established pursuant to resolution 1973 (2011) addressed to the President of the Security Council”، Security Council، United Nations.

[40] “BUILDING SECURITY: HOW EUROPEANS CAN HELP REFORM LIBYA” ، Roberta Maggi، https://ecfr.eu/wp-content/uploads/2022/02/Building-security-How-Europeans-can-help-reform-Libya.pdf?utmcom.

[41] Michelle Nichols،” Up to 1,200 deployed in Libya by Russian military group – U.N. report”، May 6, 2020، Reutesr،  https://www.reuters.com/article/us-libya-security-sanctions/up-to-1200-deployed-in-libya-by-russian-military-group-un-report-idUSKBN22I2XW/?utm_.com.

[42]  راسالة  موجهة الي رئيسة مجلس الامن من فريق الخبراء المعني بلبيا،  مجلس الأمن ، الامم المتحدة، متاح علي الرابط التالي: https://digitallibrary.un.org/record/3976750?ln=en&utm_.com&v=pdf.

[43] “Russia, Wagner Group Continue Military Involvement in Libya” ، July 24, 2020، https://www.war.gov/News/News-Stories/Article/Article/2287821/russia-wagner-group-continue-military-involvement-in-libya/.

[44] Frank Talbot،” US, Italy, and Turkey alignment could push the needle in Libya”، https://www.atlanticcouncil.org/blogs/menasource/us-italy-and-turkey-alignment-could-push-the-needle-in-libya/?utm_.com.

[45] “The Five Pillars of the Egyptian strategy towards Libya”، , Mar. 9, 2022، https://egyptfwd.org/Article/100/4557/The-Five-Pillars-of-the-Egyptian-strategy-towards-Libya?utm_.com.

[46]   كشان رضا، التدخل الأجنبي في الشؤون الداخلية وتداعياته على الأمن القومي العربي: دراسة حالة ليبيا، المجلة الجزائرية للدراسات السياسية، مج 7، العدد 2، 2020، ص.11

[47]   زينب محمد، ” التدخلات الخارجية في ليبيا: دور الإمارات العربية المتحدة نموذجا”، 7 أغسطس 2024، جامعة كربلاء، العراق، https://uokerbala.edu.iq/archives/34848.

[48] Ferhat Polat، “The UAE in Libya: Continuity and Change”،  https://researchcentre.trtworld.com/wp-content/uploads/2021/09/UAE_Libya.pdf?utm_com.

[49] Michelle Nichols،” U.N. report finds likely use of armed drone in Libya by Haftar or ‘third party’” ، https://www.reuters.com/article/world/u-n-report-finds-likely-use-of-armed-drone-in-libya-by-haftar-or-third-party-idUSKCN1SE2RI/?utm_com.

[50] Ibd.

[51]  عبد الحميد قطب، ” الخادم والجفرة.. تعرف علي القواعد العسكرية الاماراتية في ليبيا”، 7  يناير2020، الجزيرة، https://www.ajnet.me/politics/2020/1/7/%D8%A7%D9%84%D8%AE%D8%A7%D8%AF%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%AE%D8%B1%D9%88%D8%A8%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%81%D8%B1%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D9%85%D8%A7%D8%B1%D8%A7%D8%AA-%D9%84%D9%8A%D8%A8%D9%8A%D8%A7#:~:text=%D9%88%D8%AA%D9%82%D8%B9%20%D9%82%D8%A7%D8%B9%D8%AF%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%AE%D8%A7%D8%AF%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%88%D9%8A%D8%A9%20%D8%B9%D9%84%D9%89,%D9%87%D9%88%D9%83%20%D8%A5%D9%84%D9%89%20%D9%82%D8%A7%D8%B9%D8%AF%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%AE%D8%A7%D8%AF%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%88%D9%8A%D8%A9.

باحث في العلاقات الدولية بمركز ترو للدراسات والتدريب

image
فنزويلا بين الإرث الإمبريالي الأمريكي وتحولات مبدأ مونرو في القرن الحادي والعشرين
عسكرة الموارد المائية في غزة بعد 7 أكتوبر: المياه كسلاح حرب
من فنزويلا إلى القطب الشمالي: غرينلاند وإعادة تشكيل أولويات النفوذ في الاستراتيجية الأمنية الأمريكية
تجدد الصراع التايلاندي الكمبودي: هشاشة اتفاقيات السلام وتحديات الاستقرار الإقليمي
Scroll to Top