شهدت الساحة الفلسطينية، وخاصة قطاع غزة، واحدة من أعقد المراحل الأمنية والسياسية في تاريخها المعاصر عقب الحرب الأخيرة وما خلفته من دمار واسع وتفكك في البنية المؤسسية وقدرات الضبط الداخلي. ومع تصاعد المخاوف الإقليمية والدولية من احتمال انفلات أمني طويل الأمد، برزت مبادرات متعددة لطرح نموذج قوات أمن دولية (International Security Forces – ISF) كآلية لإدارة المرحلة الانتقالية في القطاع، وضمان بيئة مستقرة تسمح بإعادة الإعمار واستئناف المسار السياسي. ويكتسب هذا الطرح أهميته من كونه يمثل محاولة لخلق ترتيبات أمنية جديدة تتجاوز نماذج المراقبة التقليدية، ويقدم تصورًا هجينًا يجمع بين الإشراف الدولي، والدور الإقليمي، ومتطلبات بناء قدرات أمنية فلسطينية.[1]
وجاء تصويت مجلس الأمن الدولي يوم 18 نوفمبر 2025 ليشكل نقطة تحول في مسار إدارة الصراع في غزة، بعد أن تبنى القرار المتعلق بإنشاء قوة دولية للأمن والاستقرار (ISF) بتأييد واسع وامتناع محسوب من بعض القوى الكبرى. وقد عكس القرار إدراكًا دوليًا متصاعدًا بأن المعالجة الأمنية التقليدية للصراع لم تعد كافية، وأن غياب آلية مراقبة مستقلة وذات تفويض واضح ساهم في تعقيد مشهد الحرب وإطالة أمدها. كما جسد التصويت توافقًا نسبيًا حول ضرورة الانتقال من مرحلة العمليات العسكرية إلى مرحلة ضبط الأمن وإعادة الإعمار ضمن إطار متعدد الأطراف، مع الإشارة إلى أن التنفيذ الفعلي للقرار يبقى مرهونًا بالتفاهمات السياسية بين الأطراف الإقليمية والدولية، ولا سيما في ظل تحفظات إسرائيلية مرتبطة بقضية الجنود المحتجزين، وتباينات في الرؤى بشأن نطاق ولاية القوة وصلاحياتها الميدانية.[2]
إن النقاش حول نشر قوات ISF لا ينفصل عن تعقيدات التوازنات الإقليمية والتحولات في مواقف القوى الكبرى، ولا عن البنية المجتمعية والسياسية داخل غزة التي عانت سنوات طويلة من الحصار والصراع. كما يرتبط هذا الطرح بسلسلة من التساؤلات الجوهرية حول مدى واقعية تطبيقه، وحدود تفويضه، وإمكانية قبوله من الأطراف المعنية، وإلى أي مدى يمثل خطوة نحو تسوية سياسية أوسع أو مجرد معالجة أمنية مؤقتة للأزمة.[3]
وبناءً على هذه المعطيات، يسعى هذا التقرير إلى دراسة دور قوات الأمن الدولية في غزة، من خلال تتبع السياق التاريخي والسياسي للفكرة، وتحليل المواقف الدولية والإقليمية منها، وتقييم التحديات والفرص المحتملة لنجاحها، وصولًا إلى استشراف السيناريوهات المستقبلية المرتبطة بانتشارها.
أولًا: السياق الدافع لطرح نموذج قوات الأمن الدولية في غزة
جاء طرح نموذج قوات الأمن الدولية في غزة (ISF) بوصفه أحد أبرز التصورات المطروحة لإدارة المرحلة اللاحقة للحرب، في ظل تحولات سياسية وأمنية غير مسبوقة شهدها القطاع والمنطقة ككل. فقد أدت الحرب الأخيرة إلى تفكك شبه كامل في منظومة الأمن المحلي داخل غزة، وانهيار آليات الضبط التقليدية، إلى جانب بروز مخاوف إقليمية ودولية من دخول القطاع في حالة فراغ أمني قد تمتد تداعياتها إلى محيطه المباشر، بما يشمل مصر والأردن وإسرائيل. وقد تزامن ذلك مع تصاعد الضغوط الدولية لإيجاد ترتيبات مستقرة تضمن وقف إطلاق النار، وتأمين الحدود، وتهيئة بيئة صالحة لبدء عملية إعادة الإعمار.[4]
وعلى المستوى القانوني والسياسي، يستند مفهوم ISF إلى إمكانية إنشاء قوة متعددة الجنسيات ذات تفويض دولي سواء من خلال قرار من مجلس الأمن وفق الفصل السادس والسابع، أو عبر آلية تحالف دولي منظم خارج الأمم المتحدة تتولى مهام المراقبة، وحفظ الاستقرار، وبناء القدرات الأمنية الفلسطينية خلال فترة انتقالية محددة. ويُنظر إلى هذا النموذج باعتباره تطويرًا لنماذج سابقة من المراقبة الدولية في الأراضي الفلسطينية، لكنه أوسع من حيث الصلاحيات وأقرب إلى هيكلة قوات حفظ سلام معززة.[5]
وتزداد أهمية هذا الطرح في ضوء التحولات الإقليمية والدولية التي أعقبت الحرب، حيث تسعى القوى الكبرى إلى إعادة ترتيب أولوياتها في الشرق الأوسط استنادًا إلى اعتبارات الأمن الإقليمي ومنع تمدد النزاعات، بينما تبحث الأطراف العربية عن آلية تضمن الحفاظ على أمنها القومي وتمنع انزلاق الأوضاع إلى موجات عدم استقرار جديدة.[6] كما ترى بعض الأطراف الدولية والإقليمية أن إنشاء قوة ISF قد يشكل نقطة ارتكاز لإعادة بناء السلطة الفلسطينية في القطاع، ومرحلة انتقالية نحو ترتيبات سياسية أوسع ترتبط بمستقبل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.[7]
ثانيًا: الخلفية التاريخية لتدخلات الأمن الدولية في الأراضي الفلسطينية
شهدت الأراضي الفلسطينية منذ منتصف التسعينيات ظهور عدد من آليات المراقبة الدولية بمستويات متفاوتة من التفويض والانتشار، غير أن معظمها اتخذ طابع “الرقابة المحدودة” rather than full security enforcement، ما جعل دورها أقرب إلى تسجيل الانتهاكات ومراقبة الالتزامات أكثر من كونه تدخلًا فعليًا في هندسة الأمن. وفي هذا الإطار، تُعد تجربة بعثة الوجود الدولي المؤقت في الخليل (TIPH) واحدة من أبرز تلك النماذج، حيث أنشئت بموجب بروتوكول الخليل عام 1997 كآلية مراقبة متعددة الجنسيات تعمل دون تفويض تنفيذي، واقتصر دورها على رصد وتوثيق الانتهاكات ورفع تقارير سرية إلى الدول المساهمة.[8] وعلى الرغم من أهميتها الرمزية والسياسية، فإن محدودية صلاحياتها، وغياب آلية إلزامية لتنفيذ توصياتها، أديا إلى تقليص تأثيرها على ديناميكيات الأمن في المدينة، قبل أن تتوقف نهائيًا عام 2019 بقرار إسرائيلي أحادي.[9]
إلى جانب ذلك، شكلت آليات الأمم المتحدة في الأراضي الفلسطينية بما فيها مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA) ومكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان (OHCHR)، إضافة إلى فرق مراقبة وقف إطلاق النار التي تعمل منذ عقود إطارًا آخر من المتابعات الدولية التي اقتصرت وظيفتها على التوثيق والتقييم الحقوقي والإنساني. ولم تُمنح هذه الآليات تفويضًا يتيح لها التدخل المباشر في إدارة الأمن الميداني، أو الإشراف على العمليات الأمنية الداخلية، وهو ما جعل أثرها محصورًا في البعد الإنساني والقانوني وليس في إعادة تشكيل البيئة الأمنية على الأرض. أما قوات المراقبين الدوليين المنتشرة على الحدود أو في محيط غزة في مراحل مختلفة، فكانت كذلك تعمل وفق ولاية ضيقة تقتصر على المراقبة ورفع التقارير، دون القدرة على منع التصعيد أو فرض ترتيبات أمنية ملزمة.[10]
وتكشف دراسة هذه النماذج عن مجموعة من الدروس المستفادة التي تُبرز حدود فعالية التدخل الدولي عندما يكون منقوص الصلاحيات أو يفتقر للدعم السياسي. فغياب التفويض التنفيذي يضعف قدرة القوة الدولية على ضبط السلوك الأمني للأطراف المتنازعة، كما يقلص قدرتها على منع الخروقات أو استدامة الاستقرار. إلى جانب ذلك، فإن غياب توافق سياسي دولي إقليمي حول طبيعة التدخل وأهدافه يؤدي إلى تعارض أجندات الدول المشاركة، ما ينعكس على أداء القوة ويحد من قدرتها على العمل بصورة فعالة. كما أثبتت التجارب السابقة أن أي آلية مراقبة دولية تصبح عُرضة للتسييس من قبل الأطراف المتنازعة، سواء عبر تقويض تفويضها أو التشكيك في حياديتها.[11]
وهنا تكمن إمكانية تمييز الفروق الجوهرية بين النماذج السابقة ونموذج قوات الأمن الدولية في غزة (ISF) المقترح بعد الحرب الأخيرة. فبينما اعتمدت النماذج السابقة على المراقبة دون تدخل، يقوم نموذج ISF على تصور أكثر شمولًا يتضمن مهامًا تنفيذية مثل حفظ الأمن الداخلي، وضبط المعابر، ومراقبة وقف إطلاق النار، ودعم بناء المؤسسات الأمنية الفلسطينية. كما أن ISF مقترحة على أساس ولاية دولية أكثر صرامة قد تُبنى عبر مجلس الأمن أو إطار تحالف دولي واسع، بما يسمح بوجود قيادة موحدة وقواعد اشتباك واضحة. وإضافة إلى ذلك، يتأسس نموذج ISF على قراءة سياسية جديدة للبيئة الإقليمية، حيث تُنظر إليه كآلية لإدارة مرحلة انتقالية داخل غزة، وليس مجرد بعثة رمزية للتوثيق.[12]
وبذلك، تُظهر المقارنة أن نموذج ISF يمثل نقلة نوعية مقارنة بالنماذج الدولية السابقة، سواء من حيث حجم القوة وصلاحياتها، أو مدى ارتباطها باستراتيجيات سياسية أوسع تهدف إلى إعادة تشكيل الوضع الفلسطيني ما بعد الحرب، وهو ما يمنح هذا الطرح أهمية خاصة لكنه في الوقت نفسه يضعه أمام تحديات أكثر تعقيدًا تتطلب توافقًا دوليًا وإقليميًا غير مسبوق.[13]
ثالثًا: البنية المقترحة لقوات الأمن الدولية في غزة (ISF)
يمثل المقترح المتعلق بإنشاء قوات الأمن الدولية في غزة (International Security Forces – ISF) إحدى أكثر المبادرات المطروحة طموحًا لإدارة المرحلة الانتقالية في القطاع بعد الحرب، نظرًا لشموليته واتساع نطاقه مقارنة بالنماذج التاريخية السابقة. وتعكس البنية المتوقعة لهذه القوة محاولة التوفيق بين المتطلبات الأمنية على الأرض، والاعتبارات السياسية للدول المنخرطة، والضرورات القانونية التي تنظم عمل أي قوة دولية في إقليم تشهد بنيته السيادية حالة من التعقيد. وفي هذا السياق، تتأسس بنية ISF على ثلاثة عناصر رئيسية: التكوين العسكري الأمني، التفويض القانوني، والمهام الجوهرية التي ستضطلع بها خلال المرحلة الانتقالية.[14]
- التكوين العسكري الأمني للقوة
يُتوقع أن تتشكل ISF من مجموعة مختارة من الدول التي تمتلك الخبرة في عمليات حفظ السلام والعمل في بيئات عالية المخاطر، مع مراعاة التوازنات السياسية الإقليمية والدولية. وتشير المقترحات الأولية المتداولة في الوسط السياسي إلى احتمال مشاركة دول أوروبية مثل فرنسا وإيطاليا وألمانيا، إلى جانب دول إقليمية كالأردن ومصر، وشركاء دوليين مثل الولايات المتحدة أو كندا، على أن تتولى دولة ذات ثقل عسكري القيادة العامة. ويعتمد حجم القوة على طبيعة التفويض، إلا أن التقديرات الأولية تُشير إلى قوة تتراوح بين 8 إلى 15 ألف فرد موزعين على وحدات أمنية، ووحدات ضبط حدود، وقوات تدخل سريع، إضافة إلى مكون مدني متخصص في إدارة المعابر وبناء القدرات.[15]
أما من حيث الهيكل العسكري الأمني، فمن المتوقع اعتماد نموذج قيادة مركزية موحدة (Unified Command) لتجنب تشتت الصلاحيات، مع وجود قيادة إقليمية فرعية متمركزة على الحدود بين مصر وغزة، ووحدات انتشار ميداني داخل القطاع. وستتمتع القوة ببنية اتصالات متقدمة، ونظام استخباراتي يعتمد على دمج معلومات الأطراف الدولية والإقليمية، وفرق متخصصة في التعامل مع البيئة الحضرية المعقدة داخل غزة. ويشمل نظام القيادة والسيطرة آلية للتنسيق المباشر مع مصر والأردن والسلطة الفلسطينية، بما يضمن مرونة العمليات ووضوح خطوط المساءلة.[16]
- الولاية القانونية لقوات ISF
تُعد الولاية القانونية العنصر الأكثر حساسية، نظرًا لأنها تحدد حدود القوة وصلاحياتها. وتوجد ثلاث مسارات محتملة لتفويض ISFتتمثل في، تفويض عبر مجلس الأمن وفق الفصل السادس وهو نموذج يعتمد على موافقة الأطراف، ويمنح القوة ولاية محدودة لحفظ الاستقرار دون صلاحيات تنفيذية واسعة. وتفويض عبر الفصل السابع وهو الأقل احتمالًا سياسيًا لكنه يمنح القوة صلاحيات تنفيذية واسعة تشمل فرض الأمن بالقوة عند الضرورة، ويحتاج إلى توافق دولي بين القوى الكبرى. وإنشاء القوة عبر تحالف دولي متعدد الأطراف خارج الأمم المتحدة وهو سيناريو متداول لدى بعض الأطراف الغربية في حال تعذر إصدار قرار من مجلس الأمن، ويمنح هذا المسار مرونة سياسية أكبر لكنه يطرح تساؤلات حول الشرعية الدولية والقبول الإقليمي.[17]
مهما كان المسار المختار، فمن المتوقع أن يتضمن التفويض نصوصًا واضحة بشأن إدارة الأمن الداخلي، الإشراف على المعابر، دعم عمليات الإعمار، وضمان تدفق المساعدات الإنسانية، مع التأكيد على أن وجود ISF هو مرحلة انتقالية تمهد لعودة إدارة فلسطينية موحدة للقطاع.[18]
- المهام الأساسية لقوات ISF
تُظهر طبيعة المهام المقترحة أن ISF ليست مجرد قوة مراقبة، بل آلية تنفيذية شاملة تتعامل مع البعد الأمني والإداري واللوجستي في آن واحد. وتشمل مهامها الأساسية مراقبة وقف إطلاق النار من خلال نشر نقاط مراقبة ثابتة ودوريات ميدانية، واستخدام تكنولوجيا الاستشعار والمراقبة الجوية، وضمان التزام الأطراف ببنود التهدئة. وضبط الحدود والمعابر من خلال إدارة وتفتيش المعابر الرئيسية بالتنسيق مع مصر وإسرائيل، ومنع تهريب الأسلحة والمواد العسكرية، وضمان تدفق السلع بشكل آمن ومنظم. والإشراف على إعادة الإعمار عبر توفير بيئة آمنة لعمل الشركات والمنظمات الدولية، وتسهيل دخول المواد اللازمة، ومنع استغلال مشاريع الإعمار لأغراض عسكرية. وإدارة الأمن الداخلي بشكل انتقالي عبر دوريات مشتركة، وتأمين المرافق الحيوية مثل الموانئ والمستشفيات ومحطات الكهرباء والمراكز الحكومية، بما يمنع الفوضى ويعزز الاستقرار. ومكافحة التهريب والسلاح من خلال مراقبة الأنفاق، وتتبع شبكات التهريب الإقليمية، والعمل مع أجهزة الاستخبارات الدولية والإقليمية لتعطيل خطوط الإمداد. ودعم بناء مؤسسات أمنية محلية عبر تدريب كوادر أمن فلسطينية جديدة، وتطوير بنية شرطية محترفة، وبناء نظام حوكمة أمنية يلتزم بالمعايير الدولية، تمهيدًا لتسليمها إدارة القطاع تدريجيًا.[19]
إن البنية المقترحة لقوات ISF تعكس رؤية دولية إقليمية لإعادة تشكيل البيئة الأمنية في غزة عبر نموذج يجمع بين القدرات العسكرية، والإدارة المدنية، والتفويض القانوني الواسع. ويمثل نجاح هذا النموذج تحديًا سياسيًا وأمنيًا كبيرًا، لكنه في الوقت ذاته يُعد من أكثر المقترحات شمولًا وقدرة على معالجة جذور الفوضى الأمنية في مرحلة ما بعد الحرب، إذا ما توفرت له الشرعية الدولية والدعم الإقليمي والقبول المحلي.[20]
رابعًا: مواقف الأطراف المعنية إزاء نشر قوات الأمن الدولية في غزة (ISF)
يمثل طرح نشر قوات الأمن الدولية في غزة (ISF) إحدى أكثر القضايا حساسية وتعقيدًا في مرحلة ما بعد الحرب، نظرًا لتداخل المصالح وتباين الحسابات السياسية والأمنية للأطراف المعنية، سواء كانوا محليين أو إقليميين أو دوليين. وتُظهر دراسة هذه المواقف أن القبول المبدئي بفكرة القوة لا يعني الموافقة على تفاصيلها أو توقيتها أو مدى صلاحياتها، خاصة في ظل ارتباطها المباشر بخطط إعادة الإعمار والمسار السياسي اللاحق. كما ترتبط ISF بشكل وثيق بما جرى الاتفاق عليه في قمة شرم الشيخ وما ورد في خطة ترامب لإعادة إعمار غزة، حيث جرى وضع نشر ISF ضمن المرحلة الثانية من تنفيذ الاتفاق، وهي المرحلة التي تمثل انتقالًا من إدارة مؤقتة للواقع الإنساني إلى ترتيبات أمنية سياسية أوسع. إلا أن الخلافات المستمرة وخاصة رفض رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو البدء في تنفيذ المرحلة الثانية قبل استعادة جثامين ثلاثة جنود إسرائيليين تعطل الانتقال إلى تلك المرحلة وتعيد خلط الأوراق السياسية.[21]
- الموقف الإسرائيلي
تنظر إسرائيل إلى ISF من زاويتين متشابكتين وهما، ضمان تقييد قدرات الفصائل ومنع إعادة بناء البنية العسكرية في غزة، ومنع الفراغ الأمني الذي قد يفرض عليها العودة للاحتلال المباشر. وعلى الرغم من قبول بعض الدوائر الأمنية الإسرائيلية بفكرة وجود قوة أمنية دولية محدودة المهام، فإن التيار السياسي الحاكم تحت قيادة نتنياهو يتمسك بعدة اشتراطات وضمانات تشمل: عدم منح ISF أي صلاحيات يمكن أن تُفسر كخطوة نحو سيادة فلسطينية موحدة على غزة، استمرار الرقابة الإسرائيلية على المجال الجوي والبحري ونقاط الدخول الاستراتيجية، ومشاركة دول صديقة لإسرائيل في قيادة القوة إن تم تشكيلها.[22]
وترتبط هذه الشروط حاليًا بأزمة سياسية إسرائيلية داخلية تتعلق بملف جثامين ثلاثة جنود تحتجزهم حركة حماس. إذ أعلن نتنياهو صراحة أنه لن يسمح بالانتقال إلى المرحلة الثانية من اتفاق شرم الشيخ وخطة إعادة الإعمار التي تشمل نشر ISF قبل استعادة الجثث، وهو ما يجعل نشر القوة رهينًا باعتبارات سياسية داخلية أكثر من كونه مسألة أمنية تقنية.[23]
- الموقف الفلسطيني
يتباين الموقف الفلسطيني بدرجة كبيرة بين السلطة الفلسطينية، والفصائل، والمجتمع المحلي: السلطة الفلسطينية تبدي قبولًا مبدئيًا بفكرة القوة الدولية بشرط أن تكون جزءًا من عملية سياسية تعيد توحيد النظام السياسي الفلسطيني. وترى في ISF آلية لإعادة بسط دورها في غزة، بشرط أن تُراعى السيادة الفلسطينية وألا تتحول القوة إلى إدارة دولية طويلة الأمد. أما الفصائل الفلسطينية وخاصة حماس والجهاد الإسلامي ترفض بشدة فكرة أي وجود أمني دولي يُنظر إليه على أنه امتداد لإشراف غربي إسرائيلي، وتعتبره تفويضًا خارجيًا يهدف إلى نزع القوة العسكرية للمقاومة. كما ترى الفصائل أن نشر ISF في ظل الظروف الحالية سيجري دون توافق فلسطيني، ما يجعله مرفوضًا سياسيًا وشعبيًا. والمجتمع المحلي في غزة يُظهر مزيجًا من القلق والبراغماتية. فهناك من يرى في القوة الدولية فرصة للخروج من حالة الفوضى، وتسهيل الإعمار، ووقف الانهيار الأمني، في حين يخشى آخرون من أن تتحول ISF إلى شكل جديد من الوصاية الأجنبية أو أداة لإطالة أمد الانقسام.[24]
- الموقف الأمريكي والأوروبي
يحظى نموذج ISF بدعم واضح من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، لكن بدرجات وغايات مختلفة: الولايات المتحدة ترى في القوة الدولية ضرورة لتأمين الانتقال إلى مرحلة إعادة الإعمار وفق خطة ترامب المعدلة، بما يمنع عودة حكم حماس ويوفر بيئة لإعادة تنشيط السلطة الفلسطينية. كما تعتبر واشنطن أن ISF أداة لطمأنة إسرائيل وللحد من احتمال تدخل لاعبين إقليميين غير مرغوب فيهم. أما الدول الأوروبية خصوصًا فرنسا وألمانيا وإيطاليا تتبنى موقفًا داعمًا من حيث المبدأ، وتطرح نفسها كشريك أساسي في تمويل ونشر القوة، انطلاقًا من رغبتها في لعب دور أكبر في إدارة الأزمات الإقليمية ومنع تدفقات الهجرة. لكنها في المقابل تشدد على ضرورة وجود مظلة قانونية أممية كي لا تبدو القوة كتحالف دولي موازي للأمم المتحدة.[25]
- المواقف الإقليمية (مصر – قطر – الأردن – دول الخليج)
تتباين المواقف الإقليمية تجاه فكرة نشر قوات الأمن الدولية في غزة ISF تبعًا لاختلاف أولويات الأمن القومي لكل دولة، وتقديراتها لميزان النفوذ الإقليمي، ومستوى انخراطها في مسارات التسوية الفلسطينية الإسرائيلية. ويمكن تناول هذه المواقف كما يلي:
- مصر: تعد مصر الطرف الأكثر تأثيرًا في صياغة مستقبل أي وجود أمني دولي في غزة، بحكم اتصالها الجغرافي بالقطاع وتشابك ملفاته مع أمنها القومي، وخصوصًا أمن سيناء.[26] وترى مصر أن أي قوة دولية يجب أن تحترم خطوط أمنها الاستراتيجية، وألا تفرض واقعًا جديدًا على حدودها الشرقية، مع ضرورة أن تكون جزءًا من اتفاق سياسي شامل يحدد مهامها، ويضمن لمصر دورًا تنسيقيًا محوريًا في الإشراف على عملها. وبذلك تربط القاهرة قبولها للقوة بوجود عملية سياسية متكاملة لا تختزل المشهد في ترتيبات أمنية فحسب.[27]
- قطر: تنطلق المقاربة القطرية من خشية أن يؤدي نشر قوة دولية إلى إضعاف الفصائل الفلسطينية أو الحد من قدرتها على التأثير في مسار إعادة الإعمار، فضلًا عن القلق من أن يتحول الوجود الدولي إلى آلية لتغيير موازين السلطة داخل غزة. ومع ذلك، لا تعارض الدوحة وجودًا محدودًا أو تقنيًا للقوة، إذا اقتصر دورها على تأمين المساعدات الإنسانية وتسهيل الخدمات الأساسية، شرط ألا يمس ذلك بالتوازنات الفلسطينية الداخلية أو بدور الوساطة الذي تلعبه قطر في ملفات متعددة.[28]
- الأردن: تدعم الأردن الفكرة من منظور استراتيجي حيث تعتبر أن الاستقرار في غزة ينعكس مباشرة على أمن الضفة الغربية وعلى مستوى التوتر على حدوده الغربية. ويرى أن قوة دولية قد تسهم في الحد من التصعيد وتقييد ديناميات العنف، إلا أن عمان تشدد على ضرورة أن يترافق ذلك مع مسار سياسي فلسطيني داخلي، يضمن عدم تحويل القوة إلى أداة أمنية منعزلة عن متطلبات الإصلاح السياسي وبناء المؤسسات.[29]
- دول الخليج: تتخذ دول الخليج موقفًا متعدد الأبعاد تجاه ISF، يتراوح بين دعم الاستقرار الأمني في غزة وبين التحفظ على الانخراط العسكري المباشر. فالسعودية والإمارات تنظران إلى القوة الدولية كآلية يمكن أن تسهم في منع تمدد الفصائل المسلحة، وتهيئة بيئة آمنة لجهود إعادة الإعمار والاستثمار. غير أن هذا الدعم مشروط بوجود ولاية قانونية واضحة، وقيادة مهنية، وربط القوة بسياق سياسي أوسع يتضمن إصلاحات فلسطينية.[30]
الموقف الإماراتي تحديدًا شهد تحولًا مهمًا بعد تصريح أنور قرقاش المستشار الدبلوماسي لرئيس الدولة، الذي أوضح تحفظ بلاده على المشاركة في القوة بسبب غياب إطار واضح لمهامها. وقد صرح قرقاش نصًا: “بعدم مشاركة الإمارات في القوة الدولية لحفظ الاستقرار في قطاع غزة، مشيرًا إلى أن الإمارات لا ترى حتى الآن إطارًا واضحًا لعمل تلك القوة”. وهو تصريح يعكس توجهًا إماراتيًا نحو عدم الانخراط العسكري في غزة في ظل غياب رؤية محددة، مع الاستمرار في لعب دور إنساني وإغاثي، والتركيز على حل سياسي يستند إلى حل الدولتين باعتباره المسار الأكثر استدامة.[31]
يظهر من هذا التباين أن المنطقة لا تمتلك موقفًا موحدًا تجاه ISF، فمصر تربطها بضمانات الأمن القومي، وقطر بتحصين التوازنات الفلسطينية، والأردن بمقتضيات الاستقرار الإقليمي، فيما تشترط دول الخليج وضوح الولاية والتفويض. ويكشف هذا التباين أن أي قوة دولية لن تنجح دون تسوية سياسية شاملة، تضمن التوافق بين الفاعلين العرب وتمنع تحول القوة إلى مصدر جديد للتوتر أو المنافسة الإقليمية.
- الموقف الأممي
تتعامل الأمم المتحدة بحذر مع مقترح ISF، نظرًا للتجارب السابقة التي كشفت عن تحديات كبيرة في نشر قوات دولية في بيئات صراعية معقدة. وتؤكد الأمم المتحدة أن أي قوة من هذا النوع تحتاج إلى تفويض قانوني واضح من مجلس الأمن، وموافقة الأطراف المعنية، وموارد مالية وعسكرية كافية، وضمانات لحيادها واستقلاليتها.[32]
كما ترى الأمم المتحدة أن ربط نشر القوة بالمرحلة الثانية من اتفاق شرم الشيخ وخطة إعادة الإعمار يتطلب التزامًا سياسيًا من جميع الأطراف وهو ما لا يتوافر حاليًا بسبب موقف نتنياهو الرافض للانتقال إلى المرحلة الثانية قبل استعادة الجثامين الثلاثة، ما يجعل الأمم المتحدة عاجزة عن إطلاق أي عملية ميدانية قبل توافر شروط التوافق الدولي والإقليمي.[33]
يكشف تحليل مواقف الأطراف أن ISF ليست مجرد مشروع أمني، بل ترتبط بمجموعة واسعة من الحسابات السياسية، وتتداخل مع مسار إعادة الإعمار، وترتبط مرحليًا باتفاقات دولية مثل شرم الشيخ وخطة ترامب. كما يظهر أن الخلافات وخاصة الإسرائيلية تمثل العقبة الأكبر أمام الانتقال إلى مرحلة التنفيذ، مما يجعل مستقبل القوة مرهونًا بتسويات سياسية لم تتبلور بعد.
خامسًا: الدور التركي وموقف أنقرة من نشر قوات الأمن الدولية في غزة (ISF)
تتعامل تركيا مع فكرة نشر قوات أمن دولية في غزة ضمن مقاربة مركبة تنطلق من اعتبارات سياسية وأمنية وأيديولوجية، وتعكس سعي أنقرة إلى تعزيز دورها الإقليمي في الملفات المرتبطة بالقضية الفلسطينية. وقد أكدت وزارة الخارجية التركية في تصريحات متعددة أنها لا تعارض مبدئيًا وجود ترتيبات دولية تضمن حماية المدنيين وتسهيل إعادة الإعمار، لكنها تشدد على أن أي قوة دولية يجب أن تحترم الإرادة الفلسطينية، وأن تكون جزءًا من عملية سياسية تعيد توحيد المؤسسات الفلسطينية، وتمنع تحويل غزة إلى منطقة تحت إدارة أمنية خارجية دائمة. وتشير المداولات التركية إلى رغبة أنقرة في المشاركة سياسيًا أو تقنيًا في أي بنية أمنية مؤقتة في القطاع، بشرط أن يكون دور ISF محددًا زمنيًا ومرتبطًا بعملية انتقالية تقود في النهاية إلى تسوية شاملة. كما تركز تركيا على ضرورة أن يضمن التفويض الدولي للقوة الحفاظ على وحدة الأراضي الفلسطينية وألا يؤدي إلى إقصاء الفاعلين الفلسطينيين أو خلق ترتيبات قد تُستخدم لإعادة تشكيل الخريطة السياسية في غزة بما يتعارض مع المصالح الإقليمية التركية.[34]
- تركيا وإعادة تشكيل التوافقات الإقليمية
يأتي الموقف التركي في سياق أوسع من إعادة ترميم العلاقات الإقليمية، خاصة بعد التقارب مع مصر والسعودية. وقد برز هذا التوافق في ملف الفاشر في السودان، حيث تبنت الدول الثلاث موقفًا متقاربًا يدعو إلى وقف إطلاق النار، وضبط نفوذ الفاعلين الخارجيين، والحفاظ على وحدة الدولة السودانية ومنع انزلاقها إلى صراع إقليمي مفتوح. ويلاحظ أن هذا النسق من التنسيق السياسي بدأ يمتد إلى ملفات أخرى، بما في ذلك ملف غزة.[35] وفي حالة غزة، تظهر ملامح تقارب في الرؤية بين القاهرة وأنقرة والرياض حول ضرورة منع الفراغ الأمني في القطاع، ورفض إدارة إسرائيلية مباشرة أو طويلة الأمد، وربط أي ترتيبات أمنية بعملية سياسية تعيد بناء السلطة الفلسطينية، وضمان أن تكون ISF جزءًا من حل شامل لا يستبعد الدور العربي.[36]
هذا التطور يعكس تحولًا مهمًا في ديناميات الشرق الأوسط، حيث يبرز توافق إقليمي ثلاثي حول عدد من الملفات الحساسة، بما فيها غزة، نتيجة إدراك مشترك بأن غياب التنسيق قد يفتح المجال أمام ترتيبات دولية تفرض على المنطقة دون المشاركة العربية الفاعلة في تشكيلها.
- أهمية التوافق التركي العربي
إن هذا التلاقي بين تركيا ومصر والسعودية لا يقتصر على تبادل المواقف، بل يشير إلى نشوء كتلة إقليمية متوازنة تعيد تموضع نفسها أمام القوى الدولية في قضايا الأمن الإقليمي. وفي ملف ISF تحديدًا، يسهم هذا التقارب في تعزيز القدرة العربية الإقليمية على صياغة رؤية مشتركة تُقدم للمجتمع الدولي، وتحد من مخاطر فرض ترتيبات أمنية قد تؤدي إلى إقصاء الدور العربي أو تقويض فرص التسوية السياسية في غزة.[37]
سادسًا: السيناريوهات المستقبلية المحتملة لعمل قوات الأمن الدولية في غزة (ISF)
إن تقييم مستقبل عمل قوات الأمن الدولية في غزة يقوم على تحليل توازن القوى، ودرجة التوافق الإقليمي الدولي، وطبيعة التفويض الممنوح للقوة، بالإضافة إلى موقف الفاعلين المحليين في القطاع. وفي ضوء هذه المتغيرات، يمكن استشراف أربعة سيناريوهات محتملة:
- سيناريو النجاح وتحقيق الاستقرار النسبي
يتمثل هذا السيناريو في قدرة قوات الأمن الدولية على تنفيذ تفويضها بشكل كامل، وتحقيق درجة من الاستقرار الأمني والسياسي داخل غزة. ويُفترض في هذا الوضع توفر تفويض دولي واضح، يحدد مهام القوة وصلاحياتها بشكل يتيح لها مراقبة وقف إطلاق النار، وإدارة المعابر، والإشراف على إعادة الإعمار، دون غموض أو قيود بيروقراطية. ويعتمد هذا السيناريو أيضًا على توافق فلسطيني داخلي نسبي، سواء عبر حكومة وحدة وطنية أو ترتيبات انتقالية تضمن دمج الأجهزة الأمنية، بالإضافة إلى دعم إقليمي فاعل من مصر وتركيا والسعودية وقطر، بما يقلل من التوترات المحلية ويحول القوة إلى عنصر استقرار حقيقي. في ظل هذه الظروف، يمكن أن تسهم ISF في تهيئة بيئة مناسبة لإعادة الإعمار وتخفيف الأوضاع الإنسانية، كما تتيح الفرصة لبدء مسار سياسي تدريجي نحو إعادة بناء المؤسسات الفلسطينية في القطاع.[38]
- سيناريو التآكل التدريجي لصلاحيات القوة
في هذا السيناريو، تعمل ISF على الأرض لكنها تواجه تحديات متعددة تؤدي إلى تراجع تدريجي في صلاحياتها وقدرتها على تحقيق أهدافها. يحدث ذلك نتيجة ضغوط إسرائيلية لتقييد مهام القوة في بعض المناطق أو الحد من تحركاتها، إلى جانب تحفظات فلسطينية داخلية، لا سيما من الفصائل التي قد ترى في وجود القوة تهديدًا لنفوذها السياسي والعسكري. كما يمكن أن يؤدي تباين الدعم الإقليمي إلى تقليل فعالية القوة، إذ قد تساهم دول في دعم مهام محدودة بينما تمتنع أخرى عن المشاركة الفاعلة. في هذه الحالة، تتحول ISF إلى قوة رمزية محدودة النفوذ، تنفذ مهام مراقبة جزئية فقط، بينما تبقى الملفات الأساسية خارج نطاق سيطرتها، ويظل الاستقرار هشًا ومرتبطًا بالقدرة على إدارة الضغوط المحلية والدولية.[39]
- سيناريو الصدام مع الفصائل المسلحة
يتمثل هذا السيناريو في حدوث تصادم مباشر أو غير مباشر بين ISF والفصائل المسلحة داخل غزة، نتيجة رفض هذه الفصائل لأي وجود أمني دولي قد يُفسر كتهديد لنفوذها أو كأداة لتغيير موازين القوة. ويشمل السيناريو استهداف دوريات القوة، ورفض التعاون الأمني، ورفع التوتر السياسي بين الفصائل والحكومة الفلسطينية إذا اعتبرت الحكومة الفلسطينية أن القوة أداة ضغط خارجية. ويؤدي هذا السيناريو إلى تحويل ISF من عنصر استقرار إلى طرف فاعل في النزاع، وهو ما يقوض أهداف نشرها ويعرض المشاركين الدوليين لمخاطر أمنية وسياسية كبيرة، ويجعل نجاح أي عملية إعادة إعمار أو بناء مؤسسات فلسطينية شبه مستحيل.[40]
- سيناريو الانسحاب المبكر أو انهيار المهمة
يشمل هذا السيناريو انهيار مهمة ISF أو انسحابها المبكر من غزة، نتيجة غياب توافق دولي وإقليمي، أو تصاعد الضغوط الأمنية والسياسية على القوة. ويمكن أن يحدث ذلك إذا فشلت الدول المساهمة في الحفاظ على التفويض القانوني الكامل، أو انسحبت دول رئيسية تشكل العمود الفقري للقوة، أو شهد القطاع تصعيدًا مسلحًا يعرض القوة لخطر مباشر. وفي هذه الحالة، يؤدي الانسحاب المبكر إلى فراغ أمني جديد، وقد تلجأ الدول إلى تبني ترتيبات بديلة مثل تدابير ثنائية أو العودة إلى السيطرة الإسرائيلية المباشرة، وهو ما يعمق الأزمة ويعطل جهود الاستقرار والإعمار، ويجعل من مهمة ISF تجربة فاشلة على المستوى السياسي والأمني.[41]
ختامًا، تطرح فكرة نشر قوات الأمن الدولية في غزة ISF نموذجًا جديدًا للتدخل الدولي في صراعات إقليمية حساسة، يجمع بين الأبعاد الأمنية والسياسية والإنسانية. ويكشف هذا التقرير أن نجاح هذه القوة يعتمد على توافق دولي وإقليمي متكامل، يضمن تفويضًا قانونيًا واضحًا، ودعمًا عربيًا فاعلًا، ودرجة من التوافق الفلسطيني الداخلي، بما يتيح لها أداء مهامها دون صدام مباشر مع الفصائل المحلية أو إثارة توترات جديدة.
كما يظهر التقرير أن التحديات التي تواجه ISF ليست عسكرية فحسب، بل سياسية بامتياز، إذ تتشابك المصالح الإسرائيلية والفلسطينية والإقليمية والدولية، ويضاف إليها تأثير ملفات حساسة مثل إعادة الإعمار وملف الجثامين الثلاثة المحتجزة، والتي تربط إسرائيل البدء بتنفيذ المرحلة الثانية من الاتفاقات بها. وفي هذا السياق، يعد تحقيق توازن دقيق بين الأمن والسيادة الفلسطينية والمصالح الإقليمية والدولية شرطًا أساسيًا لنجاح أي مهمة مستقبلية.
وأخيرًا، يشير التقرير إلى أن الخبرة السابقة في تدخلات الأمم المتحدة والقوى الدولية الأخرى في الأراضي الفلسطينية تقدم دروسًا مهمة حول حدود صلاحيات مثل هذه القوات، وأهمية وضع آليات واضحة للمساءلة والمتابعة، بما يضمن الاستقرار المستدام ويحول القوة الدولية إلى عامل بناء بدلًا من أن تصبح عنصرًا للتوتر. وبالتالي، يظل مستقبل ISF مرتبطًا بتفاعل المعطيات السياسية والأمنية، وبمدى قدرة الأطراف المعنية على خلق بيئة حاضنة للتعاون الدولي، وحماية مصالح الفلسطينيين، مع مراعاة الاعتبارات الإقليمية والدولية على حد سواء.
المصادر:
[1] تغطية شاملة: مجلس الأمن يعتمد قرارا يأذن بإنشاء قوة دولية مؤقتة في غزة، نُشر في 17 نوفمبر 2025، الأمم المتحدة.
https://news.un.org/ar/story/2025/11/1143741
[2] النص الكامل لقرار مجلس الأمن الدولي 2803 بشأن غزة.. تقاطعات وتباينات، نُشر في 17 نوفمبر 2025، الشرق.
[3] “العربية” تكشف تفاصيل تشكيل القوة الدولية في غزة، نُشر في 4 نوفمبر 2025، العربية.
[4] يارا خالد، قراءة في قرار مجلس الأمن الأخير بشأن غزة: الأهداف والتحولات الجيوسياسية والتداعيات المستقبلية، نُشر في 22 نوفمبر 2025، مركز ترو للدراسات.
[5] محمد أبو شعر، عالقة بين نموذجين.. خلافات معقدة تهدد خطة نشر القوة الدولية في غزة، نُشر في 18 نوفمبر 2025، إرم نيوز.
https://www.eremnews.com/news/arab-world/l5aap9k
[6] واشنطن تطرح مشروع قرار بمجلس الأمن لنشر قوة دولية في غزة لمدة عامين، نُشر في 4 نوفمبر 2025، صحيفة الشرق الأوسط.
[7] ما تفاصيل خطة السلام الأمريكية في غزة التي اعتمدها مجلس الأمن؟، نُشر في 18 نوفمبر 2025، بي بي سي نيوز عربي.
https://www.bbc.com/arabic/articles/cly9wv145weo
[8] الأمم المتحدة: الوضع في الأرض الفلسطينية المحتلة يتدهور إلى مستويات غير مسبوقة في التاريخ الحديث، نُشر في 27 أغسطس 2025، الأمم المتحدة.
https://news.un.org/ar/story/2025/08/1143256
[9] ملخص لتقرير المقررة الخاصة للأمم المتحدة حول حق الفلسطينيين في تقرير المصير وإنهاء الاستعمار، نُشر في 19 أكتوبر 2022، القانون من أجل فلسطين.
[10] حدود السلام القائم على الأمن: رعاية الاتحاد الأوروبي للسلطوية الفلسطينية، نُشر في 2021، مؤسسة الدراسات الفلسطينية.
https://www.palestine-studies.org/ar/node/1651082
[11] حسام العسال، ليلى الكلوب، الصراع العربي الإسرائيلي: ما هي حدود 1967؟ وما هو حل الدولتين؟، نُشر في 28 يوليو 2025، بي بيسي نيوز عربي.
https://www.bbc.com/arabic/articles/c0j43753q88o
[12] الصراع الفلسطيني الإسرائيلي: تحليل زمني لحروب غزة ودور الفاعلين الدوليين والإقليميين في الصراع، نُشر في 11 أبريل2025، المركز الديمقراطي العربي.
https://democraticac.de/?p=104040
[13]د/عبير فاروق أبعاد الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي وتأثيره على الأمن الإقليمي، نُشر في 20 أكتوبر 2024، مجلة السياسة الدولية.
https://www.siyassa.org.eg/News/21875.aspx
[14] What is the international stabilisation force for Gaza?, 18 Nov 2025, Aljazeera.
https://www.aljazeera.com/news/2025/11/18/what-is-the-international-stabilisation-force-for-gaza
[15] Security Council Authorizes Stabilization Force in Gaza, Adopting Resolution 2803 (2025), 17 November 2025, United Nations.
https://www.un.org/unispal/document/security-council-meeting-coverage-17nov25
[16] UN Security Council authorizes temporary international force for Gaza, 18 November 2025, United Nations Palestine.
https://palestine.un.org/en/305520-un-security-council-authorizes-temporary-international-force-gaza
[17]Adla masoud, US resolution details powers of proposed Gaza international stabilisation force, November 06, 2025, the national news.
[18] تفويض من أجل قوة دولية في غزة.. كيف تسير الخطة الأميركية؟، نُشر في 4 نوفمبر 2025، سكاي نيوز عربية.
[19] تحرك أميركي لتشكيل قوة دولية بصلاحيات واسعة في غزة، نُشر في 4 نوفمبر 2025، الجزيرة نت.
[20] بين الترحيب والتحفظات.. مجلس الأمن يقر خطة نشر قوة دولية مؤقتة في قطاع غزة، نُشر في 18 نوفمبر 2025، جسور بوست.
[21] ترشيح مصر لقيادة القوة الدولية في غزة.. استعادة للدور أم تورط في خطة ترامب؟، نُشر في 18 أكتوبر 2025، مركز المستقبل.
https://future-studies-forum.com/international-force-in-gaza/
[22] المشروع الأميركي لـ«قوة غزة» مُحاصَر بالتحفظات، نُشر في 4 نوفمبر 2025، صحيفة الشرق الأوسط.
[23] مشروع إنشاء القوة الدولية بغزة..خلافات وطلب فلسطيني للتوضيح، نُشر في 6 نوفمبر 2025، سكاي نيوز عربية.
[24] “كلاسيكية” أم لفرض السلام؟.. مجلس الأمن يحدد اليوم شكل القوات الدولية في غزة، نُشر في 17 نوفمر 2025، إرم نيوز.
https://www.eremnews.com/news/arab-world/dyvbpar
[25] واشنطن توزع مشروع “إنشاء قوة” في غزة يمنح إسرائيل صلاحيات تدريب الشرطة ونزع السلاح وتدمير الأنفاق، نُشر في 4 نوفمبر 2025، RT.
[26] Egypt pushing for quick UN resolution to establish Gaza peacekeeping mission, says foreign minister, 20 Octoer 2025, the national news.
[27] Egypt expected to lead global stabilisation force in Gaza, say diplomats, 18 November 2025, The Guardian.
[28] تضامن مع قطر وتنديد بالعدوان الإسرائيلي بقمة الدوحة، نُشر في 15 سبتمبر 2025، الجزيرة نت.
[29] الأردن وألمانيا يربطان انتشار القوة الدولية في غزة بتفويض مجلس الأمن، نُشر في 1 نوفمبر 2025، صحيفة الشرق الأوسط.
[30] «التعاون الخليجي» يدعو إلى التحرك العاجل لفك الحصار عن غزة وإدخال المساعدات، نُشر في 21 يوليو 2025، صحيفة الشرق الأوسط.
[31] أنور قرقاش: الإمارات “على الأرجح” لن تشارك في القوة الدولية بغزة لهذا السبب، نُشر في 10 نوفمبر 2025، العربية.
[32] أميركا توزع مشروعاً أممياً لنشر «قوة سلام» لسنتين في غزة، نُشر في 4 نوفمبر 2025، صحيفة الشرق الأوسط.
[33] “قوة إنفاذ لا حفظ سلام”.. مسودة أميركية تعيد تعريف التدخل الدولي في غزة، نُشر في 6 نوفمبر 2025، الجزيرة نت.
[34] أردوغان: تركيا تقيّم كيفية نشر قوات أمن ضمن قوة الاستقرار في غزة، نُشر في 23 نوفمبر 2025،.swissinfo.ch.
[35] أردوغان يعلق على مشاركة بلاده بقوة الاستقرار الدولية في غزة رغم اعتراض إسرائيل، نُشر في 23 نوفمبر 2025، العربية.
[36] إردوغان: الضغط على إسرائيل وإيصال المساعدات لغزة ضرورة لا تؤجل، نُشر في 24 نوفمبر 2025، شبكة فلسطين الإخبارية.
[37] تركيا: “قوة الاستقرار الدولية” بغزة يجب أن تضمن وقف إطلاق نار دائما، نُشر في 13 نوفمبر 2025، الجزيرة نت.
[38] Gaza’s Post-Ceasefire Trajectory: Political, Security, and Economic Pathways after the “First-Phase” Agreement, October 9, 2025, ECSAI.
[39] ‘International Stabilisation Force’ in Trump Gaza plan will be biggest challenge in peace, 1 Oct 2025, ABC News.
[40] Palestinians must be able to support Gaza peacekeeping, 6 November 2025, the national news.
[41] UN resolution on international stabilisation force for Gaza could be ready within two weeks, 3 November 2025, The Guardian.
باحث في العلاقات الدولية بمركز ترو للدراسات والتدريب