Cairo

الاتفاق الأمريكي–الصيني في بوسان قراءة تحليلية لمستقبل التعاون والتوتر الاقتصادي بين أكبر اقتصادين عالميًا

قائمة المحتويات

باحث اقتصاد مشارك من الخارج بمركز ترو للدراسات والتدريب

تُعد الولايات المتحدة والصين أكبر اقتصادين في العالم، والعلاقة بينهما تمثل حجر أساس للنظام التجاري والمالي العالمي، إلا أن السنوات الأخيرة شهدت تدهوراً تدريجياً في الثقة والتعاون، بسبب قضايا تشمل: المنافسة الجيوسياسية والتكنولوجية؛ الخلافات التجارية والاستثمارية؛ العقوبات المتبادلة والقيود على الصادرات. على مدار السنوات الأخيرة، اعتمدت الولايات المتحدة سياسات جمركية وإجرائية متصاعدة تجاه الصين، شملت تعريفات جمركية متشددة، قيود تصدير تكنولوجية، وضغوط على منظومة سلاسل التوريد.

في المقابل، لجأت الصين إلى أدوات مثل قيود التصدير على “المعادن النادرة” (Rare Earths) لتعزيز موقفها التفاوضي[1]. اجتمع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ونظيره الصيني شي جين بينغ في 30 أكتوبر 2025 بمدينة بوسان في كوريا الجنوبية، على هامش قمة منتدى التعاون الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادئ (APEC)، وذلك في إطار مساعٍ مشتركة لدفع العلاقات الاقتصادية بين الولايات المتحدة والصين نحو مرحلة من التهدئة بعد سنوات من التوتر التجاري المكثّف، ولهذا، فإن المناخ الذي جرت فيه المباحثات كان مشحوناً، لكن أيضاً تميّز بوجود دافع متبادل لتجنّب تصعيد أكبر، لما قد ينطوي عليه من مخاطرة للاقتصاد العالمي.[2] قد يشكّل نقطة انعطاف مفصلية في مسار العلاقات بين أكبر اقتصادين في العالم، خصوصاً فيما يتعلق بالتعريفات الجمركية، وسلاسل التوريد العالمية، والموارد الاستراتيجية مثل المعادن النادرة ولذا يسعى هذا التقرير إلى تحليل العلاقات الاقتصادية بين الولايات المتحدة والصين، واستعراض محاور الخلاف الرئيسية بينهما،مع تقييم وتحليل شامل لاتفاقية بوسان 2025، مع التركيز على انعكاساتها الاقتصادية المتوقعة على البلدين وعلى الاقتصاد العالمي.

أولاً – محاور الخلاف الرئيسية بين الصين والولايات المتحدة الأمريكية:

تواجه العلاقات الاقتصادية بين الولايات المتحدة والصين تحديات متشابكة ومتعددة الأبعاد، أبرزها ما يلي :

  •  تراجع التبادل التجاري:

أصبحت العلاقات التجارية بين الولايات المتحدة والصين مضطربة بشكل متزايد في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية وسياسات التعريفات الجمركية الصارمة. منذ عودة دونالد ترامب إلى منصبه عام 2025 والتي أشعلت موجة جديدة من الإجراءات الحمائية مما شكل صراعًا تجاريًا ذا مخاطر عالية محدثاً صدمة في تدفقات التجارة الثنائية بين الولايات المتحدة والصين. فيما كشفت بيانات التجارة الصادرة عن الجمارك الصينية لشهر أغسطس أن رسوم ترامب الجمركية أثّرت سلبًا على التجارة بين الولايات المتحدة والصين في عام 2025. ففي الأشهر الثمانية الأولى من العام، انخفضت التجارة الثنائية بنسبة 14.4% مقارنةً بالفترة نفسها من عام 2024، مقومة بالدولار الأمريكي، مع انخفاض الصادرات بمعدل أسرع بلغ 15.5%. كما تراجعت الولايات المتحدة إلى المركز الثالث بين أكبر شركاء الصين التجاريين، بعد رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان) والاتحاد الأوروبي.[3]

ويوضح الشكل التالي تطور التبادل التجاري بين الصين والولايات المتحدة الأمريكية :

شكل رقم (1) تطور الصادرات والواردات بين الولايات المتحدة والصين في الفترة من 2014 – 2025

1

من الشكل السابق يتضح ما يلي

  •  تطور الواردات الأمريكية من الصين:

شهدت الواردات الأمريكية من الصين نمواً مطرداً خلال النصف الأول من العقد، حيث ارتفعت من نحو  486.29 مليار دولار عام 2014 إلى ذروتها في عام 2022 عند 575.71 مليار دولار. غير أن عام 2023 سجل تراجعاً ملحوظاً في الواردات إلى 448.03 مليار دولار نتيجة لتوترات تجارية متجددة وتغيرات في سلاسل الإمداد العالمية، قبل أن تشهد في 2024  استقراراً نسبياً عند 462.63 مليار دولار. أما في الربع الأول من 2025، فقد بلغت الواردات 108.47 مليار دولار، وهو مستوى يعكس استمرار الفجوة التجارية الكبيرة ولكن مع مؤشرات على بداية استقرار بعد توقيع اتفاقية التجارة الجديدة بين البلدين.

  •  تطور الصادرات الأمريكية إلى الصين:
    أما الصادرات الأمريكية إلى الصين فقد اتسمت بالتذبذب، حيث سجلت 123.67 مليار دولار عام 2014 ثم تراجعت إلى نحو 106.44 مليار دولار في 2019 بفعل تصاعد الحرب التجارية. ومع بداية عام 2020، ارتفعت الصادرات مجدداً إلى 124.48 مليار دولار نتيجة بعض التفاهمات المؤقتة، ثم واصلت النمو لتصل إلى 153.83مليار دولار عام 2022 — وهو أعلى مستوى خلال الفترة المدروسة — مدفوعة بتحسن العلاقات التجارية والطلب الصيني على المنتجات الزراعية والطاقة الأمريكية.
    لكن عام 2023 شهد تباطؤاً طفيفاً إلى 147.80 مليار دولار، تلاه تراجع في 2024 إلى 143.54 مليار دولار. وفي الربع الأول من 2025، بلغت الصادرات 31.82 مليار دولار فقط، وهو رقم يعكس مرحلة انتقالية في تنفيذ بنود اتفاقية التجارة المبرمة بين البلدين. من خلال تتبع البيانات، يتضح أن الميزان التجاري الأمريكي مع الصين ظل سلبياً على الدوام لصالح الصين، مما يعني استمرار العجز التجاري الأمريكي طوال الفترة. كما يظهر تأثير العوامل السياسية والتجارية — مثل الحرب التجارية (2018–2020) وجائحة كورونا (2020–2021) — على حجم التبادل بين البلدين.
    ومع توقيع اتفاقية التجارة لعام 2025، يُتوقع أن يشهد الطرفان تحسناً تدريجياً في حركة الصادرات والواردات، بفضل إزالة الرسوم الجمركية وتعزيز حماية الملكية الفكرية وفتح الأسواق بشكل أوسع أمام الشركات الأمريكية والصينية على حد سواء. في الوقت الذي  يتحدث فيه المسؤولون الأمريكيون عن سياسة “تقليل المخاطر (De-risking)” من الصين، أي تقليص الاعتماد عليها دون الانفصال الكامل.

. 2حرب التكنولوجيا وأشباه الموصلات:

فرضت الولايات المتحدة قيوداً متزايدة على تصدير الرقائق الإلكترونية المتقدمة والمواد والمعدات المستخدمة في تصنيعها إلى الصين، متذرعة بدواعي الأمن القومي، واستهدفت هذه الإجراءات شركات كبرى مثل  Nvidia التي تعتمد بشكل كبير على السوق الصينية. وردّت بكين بخطوات مضادة، تمثلت في فرض قيود على تصدير عناصر استراتيجية مثل الغاليوم والجرمانيوم والجرافيت، وهي مواد أساسية في صناعة الرقائق وبطاريات السيارات الكهربائية. كما انضمت اليابان وهولندا إلى جانب الولايات المتحدة في فرض هذه القيود، مما زاد من حدة المواجهة التقنية بين القوى الاقتصادية الكبرى. وأثار هذا التصعيد مخاوف واسعة بين الشركات العالمية من أن تجد نفسها مضطرة إلى الاختيار بين واشنطن وبكين، وهو ما يهدد بمزيد من الاضطراب في سلاسل التوريد العالمية ويزيد من تعقيد مشهد التجارة الدولية في قطاع التكنولوجيا المتقدمة.

. 3 قيود على الاستثمارات الأمريكية في الصين:

فرضت الولايات المتحدة حظرًا استثماريًا صارمًا على الصين، اعتبارًا من يناير 2025، مُركزةً على التقنيات المتقدمة التي تُعتبر بالغة الأهمية للأمن القومي. تعكس هذه المبادرة استراتيجيةً أوسع نطاقًا للحد من تدفق رأس المال والخبرة الأمريكية إلى القطاعات التي قد تُعزز القدرات العسكرية الصينية أو بنيتها التحتية للمراقبة. تركز هذه القيود على تقنيات حساسة مثل الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات والحوسبة الكمومية، وتتطلب عناية واجبة دقيقة. ستؤثر هذه اللوائح بشكل كبير على المستثمرين الأمريكيين والشركات الصينية، وخاصة في القطاعات المتضررة، مما سيُعيد تشكيل العلاقات الاقتصادية بين الولايات المتحدة والصين[4].

أصدرت الولايات المتحدة في أغسطس2025 ، أمراً تنفيذياً يقضي بفرض قيود على الاستثمارات الأمريكية في قطاعات التكنولوجيا المتقدمة الصينية، ولا سيما في مجالات الذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمية وأشباه الموصلات، وذلك بهدف منع تمويل الأنشطة العسكرية الصينية وتعزيز الأمن القومي الأمريكي. وقد أسفرت هذه الخطوة عن تراجع الاستثمارات الأمريكية في الصين من نحو 2 مليار دولار إلى 300 مليون دولار فقط خلال عام واحد، مما شكّل ضربة واضحة لتدفقات رأس المال بين البلدين. وفي ظل تصاعد التوترات، اضطرت بعض الشركات الاستثمارية الكبرى، مثل Sequoia Capital وGGV Capital، إلى فصل عملياتها الأمريكية عن نظيراتها الصينية لتجنّب التعارض مع القيود الجديدة. كما يبحث الكونغرس الأمريكي حالياً فرض متطلبات إفصاح إضافية على الشركات المدرجة في البورصات الأمريكية بشأن تعاملاتها وعلاقاتها التجارية في الصين، في خطوة تعكس عمق التحوّل في السياسة الاقتصادية الأمريكية تجاه بكين.

ثانياً – هدنة تجارية جديدة بين واشنطن وبكين:

على هامش قمة آبيك في مدينة بوسان بكوريا الجنوبية، توصّل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ونظيره الصيني شي جين بينغ إلى هدنة تجارية جديدة تهدف إلى تهدئة التوترات بين أكبر اقتصادين في العالم.. استغرقت المحادثات بين ترامب وشي ساعة وأربعين دقيقة فقط، أي أقل من المتوقع.
جاء ذلك خلال اجتماعهما في مدينة بوسان بكوريا الجنوبية، في أول لقاء مباشر بين الزعيمين منذ عام 2019، ووصف ترامب الاجتماع بأنه “خاتمة رائعة لجولته الآسيوية التي استمرت خمسة أيام”.

لم يتوصل الطرفان إلى اتفاق تجاري شامل، بل إلى هدنة لمدة عام واحد قابلة للتجديد، تضمنت النقاط التالية:

  • الصين ستؤجل فرض قيود تصدير على خمسة معادن نادرة كانت قد أعلنتها وهي عناصر أساسية تدخل في صناعة السيارات والطائرات والأسلحة، وتشكل إحدى أبرز أدوات الضغط التي تستخدمها بكين في حربها التجارية مع واشنطن.، بينما ستبقي القيود على سبعة معادن أخرى أُعلن عنها في أبريل. ووافقت الصين على تعليق ضوابط التصدير التي أعلنت عنها هذا الشهر على المعادن النادرة.
  • الرئيس شي تعهد بـ “العمل الجاد لوقف تدفق الفنتانيل” إلى الولايات المتحدة،  وهي مادة فيونية اصطناعية قاتلة تعد السبب الرئيسي لحالات الوفاة الناتجة عن تناول الجرعات الزائدة في الولايات المتحدة.ونتيجة لذلك أعلنت واشنطن أنها ستخفض التعرفة الجمركية الخاصة بالفنتانيل إلى النصف.
  • أعلن ترامب أن الولايات المتحدة ستخفض التعريفات المفروضة على الصين من مجمل نحو 57 % إلى نحو 47 % فوراً [5]، إلا أن هذا التخفيض غير جوهري، بينما تظل الرسوم الصينية على السلع الأمريكية عند 23%.
  • تعزيز التعاون الزراعي والمواد الخام: الصين وافقت على زيادة شراء فول الصويا الأمريكي والعودة إلى السوق الأمريكية بجدية أكبر، في مقابل تخفيف بعض الضغوط الأمريكية.[6]
  • تجميد الصين لإجراءاتها الانتقامية المرتبطة بتحقيق واشنطن في إطار القسم 301 من قانون التجارة الأمريكي، الذي يسمح بفرض عقوبات على الممارسات التجارية غير العادلة مثل الدعم الحكومي ونقل التكنولوجيا القسري وانتهاك الملكية الفكرية.
  • تعليق الخطط الأمريكية لتوسيع قيود تصدير التكنولوجيا على الشركات الصينية التابعة، مع تجميد رسوم الموانئ المتبادلة.
  • تخفيف القيود الصينية على المعادن النادرة:  وافقت الصين على تعليق قيود التصدير (أو تأجيلها) على المعادن النادرة والمواد ذات الصلة لمدة سنة تقريباً، وهي أداة استراتيجية كانت تستخدمها تجاه الولايات المتحدة[7].

ثالثاً – الانعكاسات الاقتصادية المتوقعة لاتفاق بوسان بين الولايات المتحدة والصين:

من المتوقع أن يحمل اتفاق بوسان بين الرئيسين الأمريكي دونالد ترامب والصيني شي جين بينغ انعكاسات اقتصادية عالمية واسعة، تتراوح بين التهدئة المؤقتة في الأسواق المالية وإعادة تشكيل تدريجية لسلاسل التوريد العالمية.

  1. الانعكاسات الاقتصادية علي الصين والولايات المتحدة الأمريكية:
  2. التعريفات الجمركية والتجارة الثنائية:
    أشار الاتفاق إلى تخفيض في التعريفات الأمريكية على الصادرات الصينية — من نحو 57 % إلى 47 % تقريباً — كجزء من الهدنة التجارية. هذه التعديلات يمكن أن تسهم في تخفيف بعض تكاليف التجارة بين البلدين، لكنها لا تعالج القضايا الجوهرية مثل القيود التكنولوجية والتحفّظات على الملكية الفكرية.
    –  تأثير فوري على الأسواق والملاءة الاستثمارية:
    الهدنة التي أُعلنت بين دونالد ترامب وشي جين بينغ في مدينة بوسان على هامش قمة APEC 30 أكتوبر 2025 أعطت دفعة إيجابية لمعنويات المستثمرين وأسهم الأسواق، إذ خففت حدة المخاوف من تصعيد تجاري بين أكبر اقتصادين في العالم.[8] ومع ذلك فإن هذا التحسّن قد يكون هشاً ما لم تُترجم الاتفاقات إلى تنفيذ فعلي ملموس.
  3. الموارد الاستراتيجية (المعادن النادرة)
    تضمنت الاتفاقات مؤقتاً تأجيل أو تعليق بعض القيود التي كانت تفرضها الصين على صادرات المعادن النادرة، مما خفّف من بعض الضغوط على تكلفة الإمداد في صناعات عالية التقنية، مع ذلك، يُشير التقرير إلى أن هذه التخفيفات ليست إلغاءً نهائياً للقيود، ما يعني أن مخاطر إعادة التصعيد لا تزال قائمة.
  4. إعادة استقرار بيئة الشحن وسلاسل التوريد:

خفض التعريفات الأمريكية وتخفيف القيود الصينية على المعادن النادرة يعنيان تقليلاً من مخاطر تعطّل سلاسل التوريد الخاصة بالتصنيع التكنولوجي في الولايات المتحدة وحلفائها، خصوصاً في قطاعات السيارات الكهربائية والذكاء الاصطناعي التي تعتمد اعتماداً كبيراً على المعادن النادرة. هذا ما ورد في تحليل صحيفة “The National” بأن الصين وافقت على “إبقاء تدفّق المعادن النادرة” مع الولايات المتحدة.[9] وبالتالي، يمكن توقع أن بعض الشركات الأمريكية أو متعددة الجنسيات ستشعر بتراجع في مستوى المخاطر المرتبطة بمناطق الإنتاج والتوريد الصينية، مما قد يشجّع على الاستثمار أو توسيع الإنتاج في الصين أو عبرها لبضعة سنوات.

– تأثير على الزراعة الأمريكية وصادراتها:

تمثّل عودة الصين لشراء فول الصويا من الولايات المتحدة انتعاشاً هاماً لقطاع الزراعة الأمريكي الذي تعرّض لضغوط كبيرة في السنوات السابقة بسبب التعريفات المضادة. هذا الاتفاق يعزّز معادلات التجارة الثنائية ويخفّف من استعمال الصين كأداة انتقامية اقتصادية، وهو ما ينعكس إيجاباً على أسعار السلع الزراعية الأمريكية.[10] كما أن تحسّن العلاقات الأمريكية-الصينية يسهم في خفض حالة عدم اليقين التي تثبّط استثمارات القطاع الزراعي الأمريكي، مما قد يدعم النمو في هذا القطاع على المدى القصير.
2- انعكاسات  الاتفاق علي الاقتصاد العالمي :

– سلاسل التوريد والتصنيع العالمي:
توقّف مؤقت أو تخفيف لبعض القيود (مثل تصدير المعادن النادرة الصينية) أعطى بعض الشركات العالمية فترة راحة في إعادة تقييم سلاسل التوريد المعطوبة أو المتعرضة للمخاطر. [11] لكن الأثر الهيكلي الأبعد — مثل التوجه نحو تنويع التوريد والابتعاد عن الاعتماد الكلي على طرف واحد — ما زال قائماً بسبب استمرار حالة عدم اليقين. لكن الأثر الهيكلي الأبعد — مثل التوجه نحو تنويع التوريد والابتعاد عن الاعتماد الكلي على طرف واحد — ما زال قائماً بسبب استمرار حالة عدم اليقين.
– السياسات النقدية والمالية وتأثيرها على التضخّم :
من الناحية الاقتصادية العالمية، فإن تهدئة التوتر التجاري قد تساعد على خفض الضغوط التضخمية الناتجة عن ارتفاع الرسوم أو تعطّل الإمداد، مما يمنح البنوك المركزية مزيداً من المرونة في سياستها النقدية.
لا يوجد مصدر مباشر يحسب هذا التأثير بالكلمات نفسها، لكنه يُستنتج من تحليل التأثير العام لتراجع المخاطر التجارية على التضخّم وأسواق المال. (يُعتمد بشكل ضمني من المصادر التي تناقش استجابة المستثمرين والأسواق). لكن، إن عاد التصعيد أو تعذّر التنفيذ، فقد يعاود ضغط التضخّم ويعيد البنوك المركزية إلى خيار تشديد السياسة.

–  رسائل للأسواق المالية والاقتصاد العالمي :

رسالة “التهدئة” التي خرج بها هذا اللقاء – وإن كانت مؤقتة – تقلّل من احتمال تصعيد تجاري كبير بين الولايات المتحدة والصين في الأمد القريب، مما يُعد أمراً إيجابياً للأسواق العالمية. الخبر بأن “الولايات المتحدة والصين توصلتا إلى هدنة تجارية مدتها سنة” أُبرزته عدة تقارير[12].
هذا الأمر قد يزيد من ثقة المستثمرين في اقتصادات سلاسل التوريد العالمية، ويخفّف بعض الضغوط على الأسهم المرتبطة بالتصدير، خاصّةً في آسيا.

مجمل القول إنه رغم التوافق، يبقى الأمر مؤقتاً ، ما يعني أن الطرفين يقيّدان الاتفاق بخطة زمنية، لا بتحوّل جذري طويل الأمد.[13]   حيث لم يعالج اللقاء ملفات استراتيجية جوهرية مثل الملكية الفكرية، إدارة الشركات الصينية العاملة في الولايات المتحدة، أو تغيّر هيكليات التصنيع الصينية نحو الأعلى تكنولوجياً. ثمة خطر أن يكون هذا “تهدئة” مؤقتة فقط، تليها جولات أخرى من التصعيد إذا لم تلتزم الأطراف ببنوده.

من وجهة نظر الصين، قد تكون خطوة موجهة أكثر لإعادة ترتيب موقفها الدولي من دون تقديم تنازلات جوهرية، ولذا قد تكون المفاجآت في القادم أكبر من المفاجآت الإيجابية. بعض المحلّلين رأوا أن بكين حقّقت “مكاسب سياسية” أكثر من الولايات المتحدة في هذا اللقاء.[14] يمكن القول إن لقاء ترامب مع شي جين بينغ في 30 أكتوبر 2025 يمثّل “فترة تهدئة” استراتيجية في العلاقات الأمريكية-الصينية، أكثر من كونه تحولاً جذرياً في العلاقة.

يمكن القول إن الاتفاقات المعلنة تحمل رسائل إيجابية للاقتصاد العالمي، خصوصاً في مجالات الزراعة والمعادن النادرة والتجارة، وتخفف من حالة عدم اليقين التي أثقلت الأسواق طوال العام. ومع ذلك، يظل الاتفاق محدوداً زمنياً ولم يعالج القضايا الجوهرية طويلة الأمد، ما يعني أن الطريق نحو تعاون مستدام بين أكبر اقتصادين في العالم ما زال طويلاً. من منظور اقتصادي، يُعد الحد من احتمال التصعيد الكبير في المدى القريب خبرًا إيجابيًا لسلاسل التوريد وجذب الاستثمار واستقرار الأسواق، لكنه في الوقت نفسه يمثل هدنة مؤقتة أكثر من كونها انتصاراً لأي طرف. لذا، يجب متابعة التطورات بحذر خلال العامين المقبلين لمعرفة ما إذا كانت هذه المرحلة ستتحول إلى تعاون مستدام أو ستظل مجرد محطة مؤقتة في صراع طويل الأمد.


[1] South China Morning Post. “Trump confirms Xi meeting, retreats on 100 % tariffs: ‘not sustainable’”. Mark Magnier. 17 Oct 2025. الرابط: https://www.scmp.com/news/world/united-states-canada/article/3329466/trump-confirms-xi-jinping-meeting-calls-100-china-tariffs-not-sustainable?module=top_story&pgtype=section

[2] Arab News. “Trump cuts tariffs on China after meeting Xi in South Korea”. 30 Oct 2025. الرابط: https://www.arabnews.com/node/2620823/world

[3]  Arendse Huld , China BriefingHow Are Tariffs Impacting Chinese Exports to the US?, Available at:

https://www.china-briefing.com/news/us-imports-from-china-tariff-impact

[4] Giulia Interesse , China Briefing, US Investment Ban on China: What it Means Now That it’s in Effect, Available at:

https://www.china-briefing.com/news/us-investment-ban-on-china-what-it-means-now-that-its-in-effect

[5] Arab News , Trump cuts tariffs on China after meeting Xi in South Korea, Available at:

https://www.arabnews.com/node/2620823/world?utm_source=chatgpt.com

[6] Jagran Josh. “Trump-Xi meeting 2025: U.S.-China tariffs, negotiations & trade future”. 2025. Available at: https://www.jagranjosh.com/us/trending/trump-xi-meeting-2025-updates-1860001576

[7] Logistics & Maritime Professional. “The key issues discussed at the Trump-Xi meeting in South Korea”. Paul Simao et al. 30 Oct 2025. Available at: https://logistics.maritimeprofessional.com/north-america/2025/10/30/the-key-issues-discussed-at-the-trumpxi-meeting-in-south-korea

[8]  Trevor HunnicuttLaurie Chen and Mei Mei Chu ,Trump-Xi ‘amazing’ summit brings tactical truce, not major reset, Available at :

https://www.reuters.com/world/china/trump-xi-amazing-summit-brings-tactical-truce-not-major-reset-2025-10-30/?utm_source=chatgpt.com

[9] The National. “Trump meets Xi in South Korea, touting progress on tariffs and rare earths”. 30 Oct 2025. Available at:: https://www.thenationalnews.com/news/us/2025/10/30/trump-and-xi-meet-in-south-korea-offering-hope-for-trade-breakthrough/

[10] Jagran Josh. “Trump-Xi meeting 2025: U.S.-China tariffs, negotiations & trade future”. 2025. Available at:: https://www.jagranjosh.com/us/trending/trump-xi-meeting-2025-updates-1860001576

[11] Arendse Huld and Qian Zhou,China Briefing. US and China Reach Trade Concessions Following Trump-Xi Meeting: Outcomes and Implications, Available at :

https://www.china-briefing.com/news/trump-xi-meeting-outcomes-and-implications/?utm_source=chatgpt.com

[12] The Financial Times. “US and China agree one-year trade truce after Donald Trump-Xi Jinping talks”. 30 Oct 2025.Available at: https://www.ft.com/content/ceb9d271-09b4-4066-87a7-1e93b6908640

[13] The Financial Times. “US and China agree one-year trade truce after Donald Trump-Xi Jinping talks”. 30 Oct 2025. Available at: https://www.ft.com/content/ceb9d271-09b4-4066-87a7-1e93b6908640

[14] Le Monde in English, Trump-Xi meeting brings temporary lull to escalation between US and China, Available at:

https://www.lemonde.fr/en/international/article/2025/10/30/trump-xi-meeting-brings-temporary-lull-to-escalation-between-us-and-china_6746920_4.html?utm_source=chatgpt.com

باحث اقتصاد مشارك من الخارج بمركز ترو للدراسات والتدريب

image
فنزويلا بين الإرث الإمبريالي الأمريكي وتحولات مبدأ مونرو في القرن الحادي والعشرين
عسكرة الموارد المائية في غزة بعد 7 أكتوبر: المياه كسلاح حرب
من فنزويلا إلى القطب الشمالي: غرينلاند وإعادة تشكيل أولويات النفوذ في الاستراتيجية الأمنية الأمريكية
تجدد الصراع التايلاندي الكمبودي: هشاشة اتفاقيات السلام وتحديات الاستقرار الإقليمي
Scroll to Top