يمثل معرض مصر للصناعات الدفاعية EDEX الذي نظمته مصر في مركز مصر للمعارض الدولية بالقاهرة خلال الفترة من 1 إلى 4 ديسمبر 2025، أحد أبرز الفعاليات الدفاعية على الصعيدين الإقليمي والدولي، إذ يجمع بين عرض أحدث المنظومات العسكرية والتكنولوجية وتعزيز مكانة مصر كفاعل محوري في موازين القوة الإقليمية والدولية. انطلقت أول نسخة من المعرض في 2018، ويُعقد كل عامين، وقد أثبتت كل دورة نجاحًا متزايدًا مقارنة بسابقتها من حيث عدد العارضين والدول المشاركة وتنوع التقنيات، ما يعكس تطور المعرض وقدرته على جذب الانتباه الدولي. ولم تعد معارض السلاح الدولية مجرد منصات تجارية لعرض المعدات القتالية، بل تحولت إلى أدوات للقوة الناعمة والدبلوماسية العسكرية، تتيح للدول إبراز قدراتها الصناعية، وتعزيز مكانتها الدولية، وبناء شراكات دفاعية بعيدة عن الأطر الرسمية التقليدية. وفي هذا السياق، شكل EDEX منصة استراتيجية تدعم الالتفاف حول الوطن وتعزيز الوحدة الوطنية، من خلال إظهار قوة الدولة في تطوير صناعاتها الدفاعية واستعراض جاهزيتها التقنية والأمنية، ما يجعله حدثًا مؤثرًا على السياسة الدفاعية الإقليمية ويعكس قدرة مصر على إدارة وتحريك موازين القوة الإقليمية ضمن بيئة دولية متشابكة.[1]
وتزداد أهمية إيديكس في ظل بيئة دولية تتسم بتنامي سباق التسلح، وتزايد الطلب على التقنيات الدفاعية المتقدمة، وتحول الابتكار العسكري إلى عنصر حاسم في موازين القوة. ومن ثم، يمثل المعرض فرصة للدول والشركات المتخصصة في هذا المجال لعرض أحدث ابتكاراتها، وتبادل الخبرات، وإبرام الاتفاقيات التي تعزز قدراتها الدفاعية، وتدعم بنية الأمن الإقليمي. كما يُعد منصة لإبراز الدور المصري المتنامي في استضافة الفعاليات الاستراتيجية، وتشكيل مسارات التعاون الأمني والعسكري في المنطقة.[2]
يسعى هذا التقرير إلى تقديم قراءة شاملة لمعرض إيديكس 2025، تتضمن تحليلًا للعوامل التنظيمية واللوجستية، واستعراضًا لأبرز التقنيات والأنظمة الدفاعية المعروضة، بالإضافة إلى دراسة دلالات المشاركة الدولية والاتفاقيات الموقعة خلال الحدث. كما يهدف التقرير إلى تقييم الانعكاسات الإقليمية للمعرض على موازين القوة في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وإبراز دور المؤسسة العسكرية المحوري في تعزيز أدوات القوة الناعمة للدولة من خلال الدبلوماسية العسكرية والتي تعد أحد أدواتها تنظيم المعارض الدفاعية على غرار الدول الكبرى في العالم. وبالتالي يسعى التقرير إلى تقديم رؤية حول كيفية توظيف المعرض كأداة استراتيجية للقوة الناعمة، وإسهامه في إعادة تشكيل بنية التعاون الأمني والدفاعي على الصعيد الإقليمي والدولي.
أولًا: تفاصيل نسخة 2025: الموقع، الإطار الزمني، والإحصائيات الأساسية
شهدت القاهرة في الفترة من 1 إلى 4 ديسمبر 2025 انعقاد النسخة الرابعة من معرض إيديكس، وذلك في مركز مصر للمعارض الدولية الذي أصبح خلال السنوات الأخيرة أحد أبرز المنصات الإقليمية لاستضافة الفعاليات الاستراتيجية ذات الصلة بالأمن والدفاع. ويكتسب اختيار القاهرة للنسخة الرابعة من المعرض أهمية مضاعفة، ليس فقط باعتبارها دولة ذات ثقل عسكري وجغرافي في الشرق الأوسط، بل أيضًا لكونها تمتلك رؤية واضحة لتعزيز الصناعات الدفاعية وإظهار موقعها كفاعل متنامي في منظومة التوازنات الأمنية الإقليمية. وقد مثل الحدث فرصة لإبراز قدرة الدولة المصرية على تنظيم فعاليات دفاعية كبرى تجمع بين أبعاد التكنولوجيا والسياسة والدبلوماسية العسكرية في آن واحد، بما يعكس مستوى الاستقرار والكفاءة التنظيمية والبنية التحتية المتطورة التي أتاحتها الدولة لاستضافة هذا الحدث الدولي.[3]
وقد جاءت نسخة 2025 لتحدث نقلة نوعية كبيرة تعكس تطور تفاصيل الحدث مقارنة بالنسخ السابقة، حيث امتد المعرض على مساحة عرض تجاوزت 45 ألف متر مربع، ما أتاح قدرة أكبر على استيعاب المنظومات الدفاعية الثقيلة والمنشآت التفاعلية المخصصة للشركات العالمية الكبرى. وشارك في المعرض ما يزيد عن 400 إلى 450 شركة عارضة من مختلف القارات، الأمر الذي جعل إيديكس منصة مركزية للتنافس التكنولوجي والعسكري بين الشركات الدولية المتخصصة في مجال الأمن والدفاع، ومجالًا مهمًا لإبراز التحولات في اتجاهات الصناعات الدفاعية المتقدمة. كما استقبل المعرض وفودًا رسمية من أكثر من 100 دولة، بما يعكس الموقع المتقدم الذي يحتله الحدث في أجندة الدبلوماسية العسكرية الدولية، ويجعل منه ساحة للتواصل المباشر بين القادة العسكريين وصناع القرار الدفاعي حول العالم.[4]
وعلى مستوى التفاعل الجماهيري المتخصص الذي يمتلك خلفية وعلاقة مباشرة بالصناعات الدفاعية والأمنية، استقطبت نسخة 2025 ما يقارب 45 ألف زائر متخصص، ما يعكس ازدياد الوعي الدولي بأهمية المعرض كفضاء لمتابعة الاتجاهات الجديدة في التسليح، والتعرف على مستقبل الصناعات الدفاعية، وتقييم فرص التعاون الثنائي ومتعدد الأطراف. كما تميزت هذه النسخة بتواجد أجنحة وطنية تمثل نحو 25 دولة، قدمت خلالها الدول المشاركة تصوراتها وأحدث ابتكاراتها في مجالات الدفاع الجوي، والأنظمة غير المأهولة، والتسليح البري والبحري، والتقنيات السيبرانية، وهو ما جعل إيديكس نقطة التقاء بين مصالح عسكرية واقتصادية متشابكة تُسهم في صياغة خرائط النفوذ الدفاعي في المنطقة.[5]
وتكشف هذه المؤشرات مجتمعة أن نسخة 2025 من إيديكس لم تكن مجرد نشاط عسكري أو معرض تجاري، بل كانت حدثًا استراتيجيًا يعكس الاتجاه الصاعد لدور مصر في إعادة تشكيل مسارات التعاون العسكري والتكنولوجي على المستويين الإقليمي والدولي. فحجم المشاركة، وتنوع الوفود، واتساع رقعة العارضين، تؤكد جميعها المكانة المتنامية للمعرض كإحدى منصات القوة الناعمة العسكرية التي تسهم في تعزيز الحوار الدفاعي، ودعم الشراكات، وبناء صورة الدولة المستضيفة كطرف قادر على فتح آفاق جديدة في بنية الأمن الإقليمي.[6]
ثانيًا: منصات الدفاع المتقدمة والابتكار العسكري في إيديكس 2025
شكلت التقنيات والأنظمة التي عُرضت خلال إيديكس 2025 مؤشرًا مهمًا على طبيعة التحولات التي يشهدها قطاع الصناعات الدفاعية عالميًا، إذ اتسمت معظم العروض بالتوجه نحو الأنظمة الذكية، والقدرات غير المأهولة، والحلول ذات الطابع الشبكي القائم على الدمج بين الحوسبة المتقدمة والذكاء الاصطناعي. وقد كشفت الشركات المشاركة عن منظومات تعكس التحول من منطق القوة العسكرية التقليدية إلى مفهوم القوة التقنية المركبة، وهو تطور يبرز بدوره أهمية التكنولوجيا باعتبارها العامل الحاسم في موازين الردع الحديثة. وظهر هذا التوجه بوضوح في العروض المقدمة من القوى الكبرى ومن الشركات الإقليمية الصاعدة، ما يجعل المنصة منصة تقاطع بين اتجاهات التسليح العالمية ومقتضيات الأمن الإقليمي.[7]
وفي مقدمة الأنظمة التي جذبت اهتمام الوفود العسكرية تلك المتعلقة بالمنصات غير المأهولة، سواء الجوية أو البحرية أو البرية. فقد أظهرت الشركات العالمية نماذج متقدمة من الطائرات المسيرة ذات القدرة على تنفيذ مهام متعددة، بدءًا من الاستطلاع والاستخبارات وصولًا إلى الضربات الدقيقة بعيدة المدى. ويعكس الاهتمام المتنامي بهذه الأنظمة إدراكًا متزايدًا لأهميتها في النزاعات الحديثة التي تتطلب دقة أكبر، وكلفة أقل، وقدرة على العمل في بيئات عالية الخطورة بوصفها أدوات مثالية للحروب منخفضة الحدة والحروب الهجينة. كما برزت أنظمة روبوتية موجهة لتنفيذ المهام البرية الخطرة، والقيام بعمليات إزالة المتفجرات، والتعامل مع المناطق الحضرية، بما يشير إلى اتساع اعتماد الجيوش على التكنولوجيا في تقليل المخاطر البشرية وتعزيز الكفاءة العملياتية.[8]
أما في مجال الدفاع الجوي والصاروخي، فقد تميز إيديكس 2025 بعرض منظومات دفاع متعددة الطبقات، قادرة على التعامل مع التهديدات الحديثة مثل الطائرات المسيرة الانتحارية والصواريخ الدقيقة وأنظمة التشويش الإلكتروني. وقدمت عدة شركات منظومات رادارية متطورة ذات قدرات كشف مبكر متقدمة، تعتمد في تشغيلها على الذكاء الاصطناعي والتحليل الفوري للبيانات بما يسمح بالتعامل مع التهديدات عالية السرعة. وهذا الاتجاه يعكس التحول العالمي نحو بناء ما يشبه مظلة دفاع سيبرانية واقعية كفيلة بضمان جاهزية الجيوش في مواجهة التهديدات المرنة والمتغيرة التي باتت الساحة الدولية تشهدها.[9]
وفي المجال البحري، برزت تقنيات متطورة تتعلق بالسفن المقاتلة ذات البصمة الرادارية المنخفضة، وأنظمة الدفاع الساحلي، والطائرات المسيرة البحرية التي تسهم في تعزيز القدرات الاستخباراتية وتأمين الممرات المائية. ويأتي هذا الاهتمام ضمن سياق عالمي يشهد تصاعد أهمية الممرات البحرية والمضائق الاستراتيجية، خصوصًا في الشرق الأوسط والبحر الأحمر، ما جعل الدول المشاركة حريصة على عرض أحدث ما توصلت إليه التكنولوجيا البحرية لتعزيز مفهوم الردع البحري وحماية خطوط التجارة.[10]
كما أظهر المعرض حضورًا مميزًا للتقنيات السيبرانية وأمن المعلومات، حيث ركزت العديد من الشركات على حلول الدفاع السيبراني ومنظومات الحماية الرقمية المدمجة ضمن العمليات العسكرية. ويعكس هذا المسار إدراكًا متناميًا لحقيقة أن ساحة الصراع باتت تمتد إلى الفضاء الإلكتروني بقدر امتدادها إلى البر والبحر والجو، وهو ما يجعل بناء قدرات دفاعية سيبرانية متقدمة عنصرًا محوريًا في بنية الأمن القومي للدول. وقدمت الشركات نماذج تتعلق بإدارة المعارك الرقمية ومنصات القيادة والسيطرة C4ISR، التي تسمح بدمج البيانات الميدانية وتحويلها إلى قرارات عملياتية لحظية.[11]
حرصت مصر في EDEX 2025 على الحضور الشامل من خلال تواجد منصات عرض متعددة في كل قاعة من قاعات المعرض، ما يعكس حرص القيادة المصرية على إظهار مدى التطور والتنوع في الصناعات الدفاعية الوطنية. هذا الحضور لم يقتصر على عرض محدود بل شملت مجموعة كاملة من الأنظمة البرية، الجوية، والأنظمة غير المأهولة، بما يؤكد أن مصر لا تنظر إلى المعرض كعرض، بل كواجهة شاملة لنهج صناعي دفاعي متكامل.
شهد الجناح المصري في EDEX 2025 عرضًا لافتًا لمنظومات دفاعية محلية الصنع طُرحت لأول مرة أمام جمهور دولي، في تأكيد ملموس على طموح مصر لتعزيز قدراتها الإنتاجية وتوطين صناعاتها الدفاعية. فقد كشفت السلطات عن عدة منصات أساسية مثل راجمة الصواريخ المجنزرة متعددة الأعيرة رعد 300 (Rad’a 300) القادرة على إطلاق ذخائر إلى مدى يصل إلى 300 كيلومتر، إضافة إلى مركبة الإصلاح والدعم المدرعة سينا 806 (Sina 806) المخصصة لدعم تشكيلات المدرعات في الميدان. كما تم عرض أول نسخة من مدفع مضاد للطائرات الذي جرى تكييفه ليركب على مركبة خفيفة رباعية الدفع، مع بندقية ثنائية 23 مم تشمل قدرات الرماية للأهداف الأرضية والجوية، ما يعكس سعيًا لتوحيد قدرات النقل والردع في منصة خفيفة. في مجال المدفعية الثقيلة، قدمت مصر عرضًا لنظام المدفعية المدولب/المتحرك K9 A1 EGY بعيار 155 مم وهو من أكثر أنظمة المدفعية المتقدمة عالميًا ضمن خطة لإقامة خط إنتاج داخلي وتوفير الذخيرة محليًا، في إشارة إلى تحول نحو الاعتماد على القدرات الذاتية في مجال التصنيع العسكري. كذلك أعلنت الحكومة عن توطين إنتاج الفولاذ المدرع بسمك يصل إلى 30 مم وعرض صفائح بعرض حتى 240 سم، ما يمثل قفزة تصنيعية استراتيجية تمكنها من تصنيع الدبابات والمركبات المدرعة بالكامل داخل البلاد.[12]
أعلنت مصر عن دخول جديد في مسار الصناعات الدفاعية المتقدمة من خلال استعراض عدة أنظمة ومسيرات دون طيار خلال EDEX 2025. على سبيل المثال، عرضت Arab Organization for Industrialization (AOI) “منصة مضادة للطائرات المسيرة (counter-UAV / C-UAS)” كمجموعة متكاملة للكشف والتشويش وتعقب المسيرات، إضافة إلى منظومات دون طيار هجومية واستطلاعية، ومنها منصات مسيرة أرضية (UGV) وجوية (UAV / loitering munitions / reconnaissance drones). كذلك، عرضت شركة خاصة – Tornex – طائرات بدون طيار مخصصة لتدريب الدفاع الجوي (target drones)، وطائرات لوجستية (cargo UAVs)، ومنصات استطلاع ومراقبة (ISR), كما جرى الإعلان عن مشروع مشترك لتوطين تصنيع طائرات من دون طيار مع شركة أجنبية، في خطوة تظهر توجهًا نحو الاعتماد الذاتي والصناعة المحلية للدفاع الجوي.[13]
وقد تم توقيع مذكرات تفاهم واتفاقيات تصنيع مشترك في إطار المعرض، بهدف نقل التكنولوجيا وتوطين الإنتاج داخل مصانع مصرية، ما يشير إلى أن الإعلان عن هذه المسيرات لم يقتصر على العرض فقط، بل تلا ذلك خطوات أولية نحو الإنتاج والتسليم المحتمل إلى القوات المسلحة أو للاستخدام الوطني والتصدير.[14]
كما شهد معرض EDEX 2025 كشف مصر عن واحدة من أهم الإضافات النوعية في مجال الأنظمة البحرية غير المأهولة، من خلال عرض اللنش الذاتي القيادة المزود بمحطة Eagle-2 المتطورة، وهو نظام بحري يُجسد توجه القاهرة نحو إدماج الذكاء الاصطناعي والتحكم عن بُعد في منظوماتها الدفاعية، بما يعزز قدراتها في مهام الاستطلاع الساحلي، وحماية الممرات البحرية، وتأمين مناطق الاقتصاد البحري. ويعكس هذا التطور انتقال الصناعة الدفاعية المصرية من مرحلة التطوير التقليدي إلى تبنّي نماذج الجيل الجديد من الأنظمة غير المأهولة، وهو ما يتسق مع التحولات العالمية في بنية القوة البحرية المعاصرة.[15]
الشركات الخاصة المصرية شاركت بحضور مميز في هذا المجال، وعلى رأسها شركة Aston التي قدمت مسيرات “جبار 150 و250” بقدرات تحليق تتجاوز 10 ساعات.
وفي السياق نفسه، كشفت شركة إيجلز إنترناشونال للصناعات الدفاعية عن أحدث إصداراتها من عربات MRAP المصرية، من خلال إطلاق النسخة المتقدمة بافلو ماكس برو 4، التي تمثل جيلًا مطورًا من العربات المقاومة للألغام والعبوات الناسفة. ويعكس هذا التطوير التراكم الصناعي الذي حققته مصر في مجال العربات التكتيكية عالية الحماية، بما يوسع من قدراتها على توفير حلول دفاعية متكاملة للقوات المسلحة، إضافة إلى تعزيز فرص التصدير الإقليمي نظرًا لارتفاع الطلب على هذا النوع من المنصات في البيئات العملياتية غير المتناظرة. وتمثل هذه الإضافات مجتمعة مؤشرًا على عمق التحول في الصناعة الدفاعية المصرية، وحرصها على توظيف المعرض كمنصة لإبراز قدرتها على إنتاج أنظمة متقدمة تكنولوجيًا تتوافق مع المعايير الدولية في مجالات البر والبحر والأنظمة الذاتية.[16]
جاء هذا العرض المصري الشامل ليبعث برسالة واضحة بأن مصر لا تسعى إلى مجرد استيراد التقنيات الدفاعية، بل إلى بناء منظومة متكاملة تمكنها من التحكم في دورة الإنتاج من التصميم إلى التصنيع وتعزز استقلالية قرارها العسكري. وبذلك، يؤسس العرض داخل EDEX 2025 إلى قاعدة قوة ناعمة وصلبة في آن واحد، حيث القدرة على الدفاع تلتقي مع الطموح الصناعي والتكنولوجي، ما يضع مصر في موقع يؤهلها ليس فقط كمستهلك للسلاح، بل كفاعل إنتاجي مهم قادر على المنافسة إقليميًا. فالقاهرة تؤكد حرصها على مواكبة التطورات العالمية في مجال التسليح وتعزيز قدرتها العسكرية بما يدعم أمنها القومي.[17]
أما فيما يتعلق بفعاليات EDEX 2025 جرى تنظيم مجموعة من الندوات والمؤتمرات العلمية والعسكرية التي أضفت على المعرض بعدًا معرفيًّا واستراتيجيًّا، من أبرزها ندوة علمية نظمتها قوات الدفاع الجوي المصرية، حيث تناولت بالبحث والتحليل أبرز التحديات الراهنة في مجال الدفاع الجوي، ومهدت لمناقشة آفاق تطوير منظومات رصد واعتراض الطائرات والصواريخ والمسيرات. هذا التركيز على الدفاع الجوي يُعد لافتًا في ضوء التحولات الأمنية الإقليمية المُلحة، ويعكس إدراكًا بأن الأمن الجوي بات أحد أهم محاور الردع الاستراتيجي في الشرق الأوسط. إضافة إلى ذلك، احتضن المعرض سلسلة لقاءات ثنائية ومتعددة الأطراف جمعت كبار القادة العسكريين ومسؤولي الصناعات الدفاعية من مصر ودول شقيقة، حيث تم بحث مجالات التعاون العسكري، ونقل الخبرات، وتوطين التصنيع، وإبرام شراكات صناعية وعسكرية. كما شهد EDEX 2025 مؤتمراً صحفيًا رسميًا للإعلان عن المعرض وما يتضمنه من عروض صناعية وتقنية، بحضور قيادات وزارة الإنتاج الحربي وممثلي القوات المسلحة، ما أعطى الحدث بعدًا رسميًّا ودبلوماسيًّا، ولم يقتصر EDEX 2025 على عرض المعدات والأنظمة الدفاعية فحسب، بل تميز كمنصة معرفية سياسية تُعقد فيها ندوات، اجتماعات، ومؤتمرات تُمكن من تحليل واقع الأمن، وتحديد أولويات التسلح، بل وإعداد خارطة تعاون دفاعي مشتركة بين الدول، وهو ما يعكس التحول من مجرد معرض تسليح إلى فضاء دبلوماسي وعسكري متكامل يساهم في صياغة ملامح الأمن الإقليمي والمستقبل الدفاعي للدول المشاركة.[18]
وتكشف منظومة التقنيات التي طُرحت خلال إيديكس 2025 عن مشهد دفاعي عالمي آخذ في التحول من التركيز على العتاد التقليدي إلى الاستثمار في التكنولوجيا الحاسمة التي تجمع بين الذكاء الاصطناعي، والقدرات الشبكية، والحروب متعددة المجالات. ومن ثم، فإن المعرض لم يكن مجرد مساحة لعرض المعدات، بل منصة استراتيجية لرصد التحولات، وفهم طبيعة المنافسة التقنية بين القوى الكبرى، واستشراف اتجاهات القوة العسكرية في السنوات المقبلة.[19]
ثالثًا: دلالات المشاركة الدولية
تعكس المشاركة الدولية الواسعة في معرض إيديكس 2025 مجموعة من الدلالات السياسية والاستراتيجية التي تتجاوز الطابع التقليدي لهذه الفعالية كمنصة لعرض التقنيات الدفاعية. فمن منظور العلاقات الدولية، تشكل كثافة حضور الوفود العسكرية والشركات الكبرى مؤشرًا على الاعتراف المتزايد بالدور المصري في هندسة التفاعلات الأمنية داخل المنطقة، وقدرتها على توفير بيئة دبلوماسية ملائمة تجمع بين المصالح المتباينة والشركاء ذوي الأولويات المختلفة. وبالتالي، فإن الإقبال الدولي ليس مجرد استجابة لدعوة رسمية، بل هو تعبير عن إدراك القوى العالمية والإقليمية لأهمية الانخراط في هذا الحدث بوصفه نافذة مؤثرة على مشهد الأمن الإقليمي وموازين التسليح في الشرق الأوسط وإفريقيا.[20]
وفي هذا السياق، تعكس مشاركة القوى الكبرى مثل الولايات المتحدة وروسيا والصين رغم التوترات المتصاعدة بينها في النظام الدولي وجود مساحة دبلوماسية نادرة تسمح بتقاطع المصالح داخل إطار من التنافس المنضبط. فكل طرف يسعى إلى تأكيد حضوره في سوق السلاح المصري والإقليمي، وفي الوقت نفسه إلى توظيف المعرض كأداة لعرض رسائل استراتيجية حول التفوق التقني والجاهزية الصناعية. كما يعكس هذا التواجد المتوازي قبولًا ضمنيًا بدور مصر كفاعل قادر على الحفاظ على قنوات التواصل بين هذه الأطراف داخل بيئة غير مسيسة مقارنة بالمحافل الدبلوماسية التقليدية.[21]
ومن زاوية أخرى، تُبرز المشاركة الواسعة لدول العالم سواء عبر الأجنحة الوطنية أو الوفود العسكرية إدراكًا متزايدًا لأهمية تطوير القدرات الدفاعية الذاتية في ظل التحديات الأمنية العابرة للحدود. هذا الحضور لا يأتي فقط بهدف التعاقدات، بل يشمل أيضًا بناء شراكات تقنية ونقل خبرات ومعرفة صناعية تساعدها على تقليص فجوة التسليح مع القوى الإقليمية الأخرى. وعلى نحو خاص، يظهر بوضوح اهتمام دول إفريقيا علي التعاون في مجالات مكافحة الإرهاب، وأنظمة المراقبة الحدودية، وتقنيات الدفاع الجوي، في ظل استمرار التهديدات المسلحة العابرة للدول.[22]
كما تحمل المشاركة الأوروبية والخليجية دلالات إضافية ترتبط بإعادة هيكلة التحالفات الدفاعية. فالدول الأوروبية ترى في إيديكس فرصة لتثبيت حضورها داخل سوق سريع النمو، ولإعادة بناء جسور التعاون الأمني مع المنطقة في ظل المنافسة الصينية والروسية. أما دول الخليج، فتعكس مشاركتها تطلعًا لتوسيع الاستثمارات الدفاعية المشتركة مع مصر، انطلاقًا من إدراك متبادل بأن الأمن الإقليمي بات أكثر ترابطًا، وأن تعزيز القدرات التكنولوجية يمثل عنصرًا رئيسيًا في معادلة الردع.[23]
إجمالًا، تُظهر المشاركة الدولية في إيديكس 2025 أن المعرض تجاوز دوره كفعالية تجارية ليصبح مساحة استراتيجية تلتقي فيها المصالح المتنافرة، وتتبلور من خلالها أنماط جديدة من التفاعلات الدفاعية. وبذلك، يُضفي هذا الحدث على مصر طابع الدور الدفاعي المتنامي في بنية التوازنات الإقليمية، وقدرتها على لعب دور الوسيط بين القوى الكبرى والإقليمية، وعلى استضافة منصة تجمع بين التنافس العسكري والدبلوماسية الهادئة في آن واحد.
رابعًا: الاتفاقيات الموقعة خلال الحدث
شكلت الاتفاقيات ومذكرات التفاهم التي تم توقيعها خلال معرض إيديكس 2025 أحد أبرز مخرجات الحدث، نظرًا لما تعكسه من توجهات استراتيجية جديدة في العلاقات الدفاعية، ولما تبرزه من اهتمام متصاعد من جانب الدول والشركات العالمية بتطوير قنوات تعاون طويلة الأمد مع مصر ودول المنطقة. وتكمن أهمية هذه الاتفاقيات في كونها لا تقتصر على البعد التجاري، بل تمتد إلى مجالات التصنيع المشترك، ونقل التكنولوجيا، وتطوير سلاسل الإمداد الدفاعية، وهو ما يعكس تحولًا واضحًا في فلسفة التعاون العسكري من التوريد إلى الشراكة الإنتاجية.[24]
من أبرز هذه الاتفاقيات توقيع عدد من بروتوكولات التعاون بين وزارة الإنتاج الحربي المصرية وبعض الشركات العالمية الكبرى العاملة في مجالات الصناعات العسكرية البرية والجوية والبحرية. وجاءت هذه الاتفاقيات لتعزيز توجه الدولة نحو توسيع قاعدة التصنيع الدفاعي المحلي، وتقليل الاعتماد على الاستيراد، وتطوير قدرات ذاتية تسمح بتلبية احتياجات القوات المسلحة، وفي الوقت ذاته توسيع آفاق التصدير إلى الأسواق الإقليمية. وقد شملت هذه الشراكات الاتفاق على إنتاج نظم مراقبة متطورة، ومعدات دفاعية خفيفة، ومنظومات إلكترونية لدعم قدرات القيادة والسيطرة.[25] كما أعلن وزير الإنتاج الحربي في تصريحات متلفزة عن توقيع عقود خلال الفترة المقبلة لتصدير عدد من المنتجات العسكرية المصرية الصنع، ومنها المركبة المدرعة المجنزرة “سينا 200” وراجمة الصواريخ “رعد 200”.
وكشف رئيس مصنع صقر للصناعات المتطورة، التابع للهيئة العربية للتصنيع، في تصريحات صحفية، عن دخول القنابل الجوية من طراز “حافظ” الخدمة في القوات الجوية المصرية، إضافة إلى تصديرها لعدد من الدول “الشقيقة والصديقة”.
وأكد مدير إدارة المركبات بالقوات المسلحة المصرية تصدير المركبات المدرعة المصرية الصنع، المنتجة بواسطة مجمع الصناعات الهندسية، إلى دول عربية وأفريقية وأوروبية. كما أشار إلى وجود مفاوضات حالية لتصدير 200 مركبة مدرعة من طراز “شيربا المصرية” إلى إحدى الدول.
كما شهدت فعاليات المعرض توقيع اتفاقيات تعاون مع عدد من الدول العربية والخليجية لتعزيز القدرات الدفاعية المشتركة، لا سيما في مجالات الدفاع الجوي والطائرات بدون طيار والأنظمة البحرية. وتكتسب هذه الاتفاقيات أهمية خاصة لأنها تأتي في إطار إعادة هيكلة التعاون العسكري داخل المنطقة، وبما يعكس مستوى عالي من الثقة السياسية والتقارب في التصورات الأمنية والاستراتيجية. كما أنها تعزز من قدرة الدول العربية على بناء تحالفات دفاعية تستند إلى قاعدة صناعية متطورة وغير منحصرة في الموردين التقليديين.[26]
أيضًا وقعت الشركة العربية العالمية للبصريات، إحدى الصروح الصناعية التابعة لجهاز مشروعات الخدمة الوطنية بالقوات المسلحة المصرية، اتفاقية لتوسيع نطاق التعاون مع شركة تاليس الفرنسية، بحيث يشمل 6 مجالات رئيسية، جاءت على النحو التالي:
1. إنشاء أكاديمية لشركة تاليس في مصر لتقديم تأهيل وتدريب متقدم في مجالات صناعة الإلكترونيات والبصريات، والأمن السيبراني، والذكاء الاصطناعي، والاتصالات اللاسلكية، وأنظمة الرادار.
2. أنظمة إدارة النيران: تطوير مجموعة تحديث للمركبات المدرعة الثقيلة والدبابات، لزيادة كفاءتها في ساحة المعركة، استنادا إلى خبرات الشركة المصرية في تطوير وتصنيع أنظمة إدارة النيران وخبرة تاليس في أنظمة البصريات الدقيقة.
3. منصات التحكم بالأسلحة عن بعد RCWS: تطوير نسخة صاروخية موجهة بالليزر من نظام AIO X29، اعتمادا على خبرة الشركة العربية العالمية للبصريات في هذه الأنظمة وخبرة شركة تاليس في الصواريخ الموجهة بالليزر.
4. أنظمة المراقبة: توفير حلول تعتمد على رادارات تاليس الأرضية وأجهزة التصوير الحراري المحمولة باليد (HHTI).
5. سلاسل الإمداد: تعميق التعاون لدمج الأنظمة والمكونات الفرعية التي تنتج بواسطة الشركة العربية العالمية للبصريات في سلاسل إمداد شركة تاليس الفرنسية.
6. مركز الخدمات: تطوير مركز للخدمات داخل منشآت الشركة العربية العالمية للبصريات مخصص لدعم أنظمة التصوير الحراري المحمولة باليد.
وقد صرح المتحدث العسكري على هامش معرض مصر الدولي للصناعات الدفاعية ” إيديكس – 2025″ توقيع عدد من عقود الاتفاق للتعاون العسكري بين قوات الدفاع الجوي وشركة Defiance Diehl الألمانية، وإدارة الأسلحة والذخيرة مع شركتي Pof الباكستانية وElink الصينية، وإدارة الحرب الكيميائية مع شركة Lacroix الفرنسية، وقوات المظلات مع شركة AIRBORNE SYSTEM الأمريكية.
وفي الإطار الدولي، شهد المعرض توقيع عدد من مذكرات التفاهم بين الشركات الأوروبية والآسيوية والمؤسسات العسكرية المصرية، خاصة في مجالات الأمن السيبراني وأنظمة الاتصالات المشفرة، وهو ما يعكس إدراكًا متزايدًا لأهمية دمج التكنولوجيا الرقمية في بنية الأسلحة الحديثة. وتعكس هذه الخطوة التحول المتسارع في أولويات التحديث العسكري، حيث باتت القدرات السيبرانية والأنظمة الذكية جزءًا لا يتجزأ من معادلة التفوق التقني.[27]
وتجدر الإشارة إلى أن جزءًا من الاتفاقيات ركز على التعاون في التطوير المستقبلي للأنظمة الدفاعية، بما في ذلك برامج البحث العلمي العسكري، ما يشير إلى تحول مصر من مستورد للتكنولوجيا إلى شريك في إنتاج المعرفة الدفاعية. هذا التطور يعزز من قدرة الدولة على مواكبة المتغيرات التكنولوجية، ويوفر الاساس لبناء منظومة دفاعية أكثر استقلالية واستدامة.[28] وعلى صعيد آخر، لعبت الاتفاقيات المتعلقة بالتدريب العسكري وتبادل الخبرات دورًا مهمًا في تعزيز التعاون متعدد المستويات بين مصر والعديد من الدول المشاركة. إلى جانب البعد الصناعي، يتيح التعاون التدريبي بناء فهم مشترك للتهديدات الإقليمية، ويعزز من توافق العقائد القتالية، وهو ما يساهم في بناء بيئة أمنية أكثر ترابطًا وقدرة على الاستجابة للتحديات المعقدة. وبوجه عام، تعكس الاتفاقيات الموقعة خلال إيديكس 2025 رؤية جديدة لتطوير العلاقات الدفاعية، وقدرة مصر على جذب الشراكات النوعية، وعلى أن تكون مركزًا إقليميًا للصناعات العسكرية الحديثة. كما أن هذه الاتفاقيات، بما تحمله من أبعاد تقنية وسياسية واقتصادية، تُعد جزءًا من استراتيجية أوسع لتعزيز الاستقلالية الدفاعية للدول المشاركة، وترسيخ بيئة تعاون عسكري مستدامة في الشرق الأوسط وإفريقيا.[29]
خامسًا: الانعكاسات الإقليمية للمعرض
يمثل معرض إيديكس 2025 حدثًا ذا أبعاد تتجاوز حدود العرض الدفاعي إلى تأثيرات استراتيجية وإقليمية واضحة، إذ يُنظر إليه على أنه منصة محورية لتشكيل توازنات القوة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. فقد أتاح المعرض فرصة للدول المشاركة لإعادة قراءة المشهد الأمني الإقليمي، ورصد تطورات القدرات العسكرية للدول المجاورة، وهو ما يُعد مؤشرًا على الاهتمام المتزايد بالسباق التكنولوجي العسكري كأداة لتعزيز النفوذ الإقليمي. ومن هذا المنطلق، يمكن اعتبار انعكاسات المعرض جزءًا من استراتيجية متكاملة للدبلوماسية الدفاعية، التي تستخدمها الدول لتعزيز حضورها الأمني والسياسي عبر الوسائل غير التقليدية.[30]
على المستوى السياسي، عزز المعرض من مكانة مصر كفاعل إقليمي قادر على جمع الأطراف المختلفة ضمن منصة مشتركة، ما يساهم في بناء الثقة بين الدول وتعزيز فرص الحوار الأمني المتعدد الأطراف. إذ أصبح من الواضح أن التواجد المصري لم يقتصر على كونه مجرد مستضيف للحدث، بل أصبح لاعبًا فاعلًا في هندسة شبكات التعاون الدفاعي، ما يعزز من قدرته على التأثير في صياغة السياسات الأمنية الإقليمية والتفاوض على اتفاقيات شراكة عسكرية على نحو أكثر فعالية. كما يعكس المعرض قدرة الدولة على أن تكون مركزًا لتبادل التكنولوجيا الدفاعية، وهو ما يوسع من خيارات الدول الإقليمية في الحصول على المعدات والخدمات الدفاعية دون الاعتماد الكلي على مورد واحد.[31]
وعلى الصعيد الاقتصادي، شكل المعرض فرصة لإبراز دور الصناعات الدفاعية في تعزيز التكامل الإقليمي، حيث وفر للشركات المحلية والإقليمية منصة لعرض منتجاتها وفتح أسواق جديدة، بما يساهم في تنمية الصناعات الدفاعية الوطنية والحد من الاعتماد على الاستيراد. وقد أظهر الحدث اهتمامًا ملحوظًا من دول الخليج وشمال أفريقيا ببناء شراكات إنتاجية وتكنولوجية، ما يعكس إدراكًا متزايدًا لأهمية تفعيل التعاون الصناعي كأداة لتعزيز الأمن المشترك والقدرة على مواجهة التحديات العسكرية المستقبلية.[32]
أما من الناحية الاستراتيجية، فقد أسهم المعرض في إعادة صياغة ملامح المنافسة الإقليمية بين القوى الإقليمية والدولية، إذ أتاح لكل دولة عرض قدراتها الدفاعية وإرسال رسائل متعددة المستويات بشأن جاهزيتها القتالية ومستوى تطورها التكنولوجي. وقد مثل هذا الأمر دليلاً على أن المنصة لم تعد مساحة لتبادل السلاح، بل أصبحت أداة فاعلة لتعزيز الرصد الاستراتيجي، وفهم أولويات القوى الإقليمية، واستشراف اتجاهات القوة المستقبلية في المنطقة.[33]
وفي سياق الأبعاد الأمنية، أسهم المعرض في توضيح التحولات في مفهوم الردع الإقليمي، حيث أظهر التركيز على الأنظمة الذكية والطائرات غير المأهولة والتقنيات السيبرانية أن المنافسة المستقبلية لن تقتصر على القدرات التقليدية، بل ستنطوي على عناصر التكنولوجيا والدقة الاستراتيجية. وهذا يعكس إدراكًا متزايدًا للدول الإقليمية بأن الاستثمارات في الصناعات الدفاعية الحديثة تعد عاملًا حاسمًا في الحفاظ على التوازن الأمني، وضمان حماية المصالح الوطنية في بيئة إقليمية شديدة التعقيد.[34]
وبالتالي، فإن انعكاسات إيديكس 2025 الإقليمية تتعدى مجرد العروض العسكرية، لتشمل أبعادًا سياسية واستراتيجية واقتصادية، تعكس قدرة المعرض على التأثير في موازين القوة، وتعزيز التعاون الدفاعي الإقليمي، ودعم جهود الدول في بناء قدرات عسكرية وتقنية متقدمة. ويؤكد هذا الدور أن مثل هذه المعارض أصبحت جزءًا لا يتجزأ من أدوات القوة الناعمة والدبلوماسية العسكرية، بما يعزز من مكانة الدولة المستضيفة كفاعل مؤثر في صياغة مستقبل الأمن الإقليمي.[35]
ختامًا، إن معرض إيديكس 2025 لم يكن مجرد حدث دفاعي أو منصة لتسويق المعدات العسكرية، بل جسد تحولًا مهمًا في طبيعة القوة الإقليمية والدبلوماسية العسكرية في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. فقد كشف المعرض، من خلال تفاصيله التنظيمية، وحجم العارضين، والوفود المشاركة، عن قدرة مصر على استضافة منصة تجمع بين المصالح الاقتصادية والتكنولوجية والأمنية، ما يعزز من موقعها الاستراتيجي كفاعل مؤثر في موازين القوة الإقليمية والدولية. كما أظهر المعرض أن معارض السلاح لم تعد أداة عرض تجارية فحسب، بل أصبحت جزءًا من الاستراتيجية الشاملة للقوة الناعمة، التي تسمح للدول بإبراز قدراتها التقنية، وبناء علاقات دبلوماسية مدروسة، والتأثير في صياغة السياسات الدفاعية الإقليمية.
وتشير الأنظمة والتقنيات المعروضة في النسخة الرابعة من إيديكس إلى التحولات العميقة التي تشهدها الصناعات الدفاعية، بما في ذلك التركيز على الذكاء الاصطناعي، والمنصات غير المأهولة، والحروب متعددة الأبعاد، والدفاع السيبراني. كما أظهرت الاتفاقيات الموقعة خلال المعرض توجهًا نحو الشراكات الإنتاجية ونقل التكنولوجيا، ما يعكس تحول التعاون العسكري من نمط التوريد التقليدي إلى نمط متكامل ومستدام يربط بين الابتكار الصناعي والقدرات العملياتية للدول. وهذا التحول يؤكد أن الدول المشاركة لا تقتصر اهتماماتها على الاستعراض الدفاعي فحسب، بل تسعى إلى بناء قواعد صناعية واستراتيجية مستمرة تضمن تعزيز الأمن القومي وتحقيق الاستقلالية العسكرية الجزئية.
وعلى الصعيد الإقليمي، مثل المعرض منصة لإعادة تشكيل التوازنات الدفاعية، حيث سمح بتقاطع مصالح القوى الكبرى مع الدول الإقليمية، وفتح مسارات جديدة للتعاون العسكري، وأعاد رسم خرائط التحالفات والتفاهمات الدفاعية. ويعكس ذلك قدرة مصر على لعب دور الوسيط الاستراتيجي الذي يربط بين التنافس التكنولوجي والسياسي، بما يعزز من مكانتها كفاعل محوري قادر على إدارة حوار دفاعي متعدد الأطراف، يوازن بين مصالح القوى الدولية والإقليمية دون الانحياز المطلق لأي طرف.
وفي المجمل، تعكس النسخة الرابعة لمعرض مصر للدفاع EDEX 2025 امتلاك مصر للأدوات والقدرات في مجال التصنيع العسكري المصري، وتوجه مصر نحو توطين الصناعات الدفاعية والدخول بقوة في سلاسل الإنتاج العالمية والاداء المميز بكفاءة لعنصري الادارة والتنظيم من جانب القوات المسلحة المصرية بما يعزز اكتمال الخبرة المصرية في إدارة الفعاليات العسكرية الكبرى وفقًا للمعايير الدولية.
المصادر:
[1] معرض الدفاع الدولى «إيدكس» على الأولى والفضائية، ،ثشر في 2 ديسمبر 2025، الهيئة الوطنية للإعلام.
[2] خبراء استراتيجيون لـ(أ ش أ): معرض “إيديكس 2025” منصة دولية لترسيخ موقع مصر كقوة إقليمية بالصناعات الدفاعية، نُشر في 1 ديسمبر 2025، وكالة أنباء الشرق الأوسط.
https://mena.org.eg/news/dbcall/table/textnews/id/11438871
[3] Cairo to host 4th edition of EDEX Dec. 1, attracting leading defence manufacturers, 14 November, 2025, SIS.
[4] El-Sisi inaugurates Egypt Defence Expo 2025 amid wide int’l participation, 1 Dec 2025, English ahram.
https://english.ahram.org.eg/News/557808.aspx?utm_source
[5] من القاهرة إلى العالم… إيديكس 2025 منصة للصناعات الدفاعية المتقدمة، نُشر في 1 ديسمبر 2025، أيجبتك.
https://www.egyptke.com/102441
[6] The Fourth Edition of the Egypt Defence Expo (EDEX 2025), 14 November, 2025, SIS.
https://sis.gov.eg/en/media-center/events/the-fourth-edition-of-the-egypt-defence-expo-edex-2025
[7] EDEX 2025: Egypt Unveils German-Made Electromagnetic Weapon Integrated Into Air Defense Network, 4 December 2025, Egypt daily news.
[8] Egypt unveils ‘Rada’a 300’ rocket system and locally produced howitzers, drones at EDEX2025, 1 December 2025, Egypt daily news.
[9] EDEX 2025 Day 2: Egypt Unveils Cutting-Edge Defense Systems and New Military Products, 4 December 2025, army recognition.
[10] ASELSAN Showcases Advanced Defense Technologies at EDEX 2025 in Cairo, 2 December 2025, defense talks.
https://defensetalks.com/aselsan-showcases-advanced-defense-technologies-at-edex-2025-in-cairo/
[11] Egypt unveils new MRL, drones and other equipment at EDEX 2025, 3 December 2025, defense web.
[12] Arab Organization for Industrialization unveils advanced defence systems at EDEX 2025, 3 December 2025, English ahram.
[13] Private Egyptian firm Tornex target drones and logistics UAVs at EDEX 2025, 2 December 2025, daily news Egypt.
[14] Egypt, China Launch Joint Military Drone Production, 2 December 2025, the defense post.
https://thedefensepost.com/2025/12/02/egypt-china-drone-production
[15] إنجاز مصرى جديد فى عالم الطائرات بدون طيار لتوطين تكنولوجيا المسيرات، نُشر في 4 ديسمبر 2025، النيل للأخبار.
[16] طارق ضبري، على هامش معرض إيديكس 2025.. إيجلز المصرية تزيح الستار عن مدرعة “بافلو ماكس برو 4”، نُشر في 3 ديسمبر 2025، خاص عن مصر.
[17] مصر تقدم جديد أسلحتها في “إيديكس 2025″، نُشر في 3 ديسمبر 2025، الجزيرة نت.
[18] في ختام معرض إيديكس.. مصر تُوقع عقود للتعاون مع إحدى الشركات المتخصصة في مجال التصنيع العسكري، نُشر في 5 ديسمبر 2025، مصر وأفريقيا.
[19] President SISI Inaugurates EDEX 2025 as Egypt Showcases Expanding Defence Industry, 5 December 2025, defence turkey.
[20] Egypt’s AOI Signs Multiple Strategic Agreements at EDEX 2025, 4 December 2025, military Africa.
https://www.military.africa/2025/12/egypts-aoi-signs-multiple-strategic-agreements-at-edex-2025
[21] EDEX 2025: Egypt Defense Exhibition begins with focus on localisation of defence technology, 1 December 2025, military Africa.
[22] Egypt, Turkey explore new defence manufacturing partnerships at EDEX 2025, 2 December 2025, SIS.
[23] Egypt early warnings of regional conflict proven ‘farsighted’: Defence minister at EDEX 2025, 1 December 2025, English ahram.
https://english.ahram.org.eg/News/557818.aspx?utm_source
[24] Egypt signs military manufacturing contract with foreign firm at EDEX 2025, 4 December 2025, Egypt today.
[25] Egypt’s AOI Signs Multiple Strategic Agreements at EDEX 2025, 4 December 2025, military Africa.
https://www.military.africa/2025/12/egypts-aoi-signs-multiple-strategic-agreements-at-edex-2025
[26] الإمارات توقع 6 مذكرات تفاهم في معرض إيدكس 2025 بالقاهرة، نُشر في 3 ديسمبر 2025، العين الإخبارية.
https://al-ain.com/article/uae-signs-memoranda-idexexhibition
[27] AMMROC signs three strategic MoUs with Arab Organisation for Industrialisation in Egypt at EDEX 2025, 2 December 2025, emirates7.
https://en.emirates7.com/article/8210?utm_source
[28] AMMROC signs three strategic MoUs with Arab Organisation for Industrialisation in Egypt at EDEX 2025, 2 December 2025, aletihad.
[29] Cairo targets African export markets with new defence production agreements, 3 December 2025, daily news Egypt.
[30] Arms Sales and Regional Stability: An Assessment, December 2025, IISS.
[31] Arms Sales and the Middle East: Another Arena for Great Power Competition?, 15 Aug 2025, Washington institute.
[32] بينها أحدث مدفعية هاوتزر.. مصر تفتتح معرض “إيديكس 2025” وتكشف عن أسلحة جديدة، نُشر في 1 ديسمبر 2025، الشرق للأخبار.
[33] الإمارات تفتتح غدا جناحها في معرض الدفاع المصري 2025، نُشر في 30 نوفمبر 2025، الإمارات اليوم.
https://www.emaratalyoum.com/business/local/2025-11-30-1.1992974
[34] بعد قليل.. الرئيس السيسي يفتتح معرض ايديكس الدولي للدفاع والصناعات العسكرية، نُشر في 1 ديسمبر 2025، الهيئة الوطنية للإعلام.
[35] جناح الإمارات يختتم مشاركته الناجحة في معرض الدفاع المصري 2025، نُشر في 5 ديسمبر 2025، العين الإخبارية.
https://al-ain.com/article/uae-national-pavilion-egyptian-defense-exhibition
باحث دكتوراه في العلاقات الدولية.
مديرة مركز ترو للدراسات والتدريب
باحث في العلاقات الدولية بمركز ترو للدراسات والتدريب