Cairo

الصين تنشر رؤيتها لنظام عالمي جديد: قراءة في الورقة البيضاء للحوكمة العالمية ومستقبل إعادة تشكيل النظام الدولي

قائمة المحتويات

باحث في العلاقات الدولية بمركز ترو للدراسات والتدريب

يشهد النظام الدولي في المرحلة الراهنة تحولات هيكلية متسارعة تعكس انتقاله التدريجي من نمط الهيمنة الأحادية إلى بيئة دولية أكثر تعددية وتعقيدًا، في ظل تصاعد المنافسة بين القوى الكبرى، وتراجع فاعلية عدد من مؤسسات الحوكمة العالمية في التعامل مع الأزمات الدولية المتلاحقة. وقد أسهمت التطورات الجيوسياسية والاقتصادية خلال السنوات الأخيرة في إعادة فتح النقاش حول مستقبل النظام الدولي، ومدى الحاجة إلى إصلاح المؤسسات الدولية بما يتوافق مع التحولات التي شهدها توزيع القوة على المستوى العالمي.[1]

وفي هذا السياق، أصدرت الحكومة الصينية في 17 يونيو 2026 ورقتها البيضاء بعنوان «حوكمة عالمية أكثر عدلًا وإنصافًا»، لتطرح من خلالها تصورًا متكاملًا لإصلاح منظومة الحوكمة العالمية وإعادة تشكيل قواعد النظام الدولي. وتمثل هذه الوثيقة تطورًا مهمًا في الخطاب السياسي الصيني، إذ تعكس انتقال بكين من التأكيد على دورها كقوة صاعدة داخل النظام الدولي إلى طرح رؤية تسعى إلى إعادة صياغة هذا النظام استنادًا إلى مبادئ التعددية، وتعزيز دور الأمم المتحدة، وتوسيع تمثيل دول الجنوب العالمي، وإصلاح المؤسسات الاقتصادية والمالية الدولية.[2]

ورغم ما تحمله الورقة البيضاء من مبادئ وأهداف تعكس طموح الصين إلى الاضطلاع بدور أكبر في إدارة الشؤون الدولية، فإنها تثير في الوقت ذاته تساؤلات بشأن مدى قدرة بكين على تحويل هذه الرؤية إلى واقع عملي، في ظل استمرار التنافس الاستراتيجي مع الولايات المتحدة، وتباين مواقف القوى الدولية تجاه المشروع الصيني، فضلًا عن التحديات المرتبطة بتمويل الإصلاحات وبناء مؤسسات دولية قادرة على إحداث تغيير فعلي في بنية النظام العالمي.[3]

وانطلاقًا من ذلك، يتناول هذا التقرير السياق الدولي لإصدار الورقة البيضاء الصينية، ثم يستعرض الإطار الفكري والسياسي الذي تستند إليه رؤية بكين للحوكمة العالمية، ويحلل ملامح النظام العالمي الجديد كما تتصوره الصين، قبل الانتقال إلى الأدوات التي تعتمد عليها لترجمة هذه الرؤية إلى واقع عملي، وأخيرًا يناقش أبرز التحديات والانتقادات الموجهة للمشروع الصيني.

أولًا: السياق الدولي لإصدار الورقة البيضاء الصينية

لم يكن إصدار الصين في 17 يونيو 2026 للورقة البيضاء بعنوان “حوكمة عالمية أكثر عدلًا وإنصافًا” حدثًا منفصلًا عن السياق الدولي، وإنما جاء انعكاسًا لمجموعة من التحولات التي يشهدها النظام الدولي، والتي دفعت بكين إلى طرح تصور أكثر وضوحًا لمستقبل الحوكمة العالمية. فقد تزامن إصدار الوثيقة مع تصاعد حالة السيولة الاستراتيجية التي باتت تميز البيئة الدولية، في ظل تراجع قدرة المؤسسات التي تشكلت بعد الحرب العالمية الثانية على إدارة الأزمات الدولية، واحتدام المنافسة بين القوى الكبرى حول قواعد النظام الدولي، وتزايد المطالب بإصلاح منظومة الحوكمة العالمية بما يعكس موازين القوى الجديدة. ويمكن تناول هذا السياق من خلال الآتي:

  1. التحول من الأحادية القطبية إلى التعددية القطبية

شهد النظام الدولي خلال العقود الثلاثة التي أعقبت انتهاء الحرب الباردة هيمنة أمريكية شبه منفردة على إدارة الشؤون الدولية، سواء من خلال التفوق العسكري أو النفوذ الاقتصادي أو القدرة على توجيه المؤسسات الدولية. إلا أن العقدين الأخيرين شهدا تغيرًا تدريجيًا في بنية توزيع القوة العالمية نتيجة الصعود الاقتصادي والعسكري والتكنولوجي للصين، وعودة روسيا إلى ممارسة دور أكثر فاعلية في السياسة الدولية، إلى جانب تنامي أدوار قوى إقليمية متوسطة مثل الهند وتركيا والبرازيل والمملكة العربية السعودية. وقد أدى هذا التحول إلى تقليص قدرة الولايات المتحدة على الانفراد بصياغة قواعد النظام الدولي، في مقابل تنامي الدعوات إلى بناء نظام أكثر تعددية يتيح مشاركة أوسع للقوى الصاعدة في إدارة القضايا العالمية. وفي هذا الإطار، تسعى الصين إلى تقديم نفسها بوصفها القوة الأكثر قدرة على قيادة عملية الانتقال نحو نظام دولي متعدد الأقطاب، وهو ما انعكس بصورة مباشرة في الورقة البيضاء التي اعتبرت أن التعددية القطبية أصبحت اتجاهًا تاريخيًا لا يمكن إيقافه، وأن استقرار النظام الدولي يتطلب إعادة توزيع النفوذ داخل مؤسسات الحوكمة العالمية بما يتناسب مع الواقع الدولي الجديد.[4]

  • أزمة مؤسسات الحوكمة العالمية وتراجع فاعليتها

جاءت الورقة البيضاء في وقت تواجه فيه مؤسسات الحوكمة العالمية تحديات غير مسبوقة فيما يتعلق بفاعليتها وشرعيتها. فقد برزت خلال السنوات الأخيرة حالة من الشلل النسبي في عدد من المؤسسات الدولية، وعلى رأسها مجلس الأمن الدولي، الذي عجز في العديد من الأزمات عن التوصل إلى قرارات حاسمة نتيجة استخدام حق النقض (الفيتو) من قبل القوى الكبرى، بما عكس حجم الانقسام داخل النظام الدولي.[5]

كما واجهت منظمة التجارة العالمية صعوبات متزايدة في أداء دورها التقليدي، نتيجة تصاعد النزعات الحمائية، واتساع نطاق العقوبات الاقتصادية، واللجوء إلى القيود التجارية خارج الأطر المؤسسية للمنظمة. وفي الوقت ذاته، تصاعدت الانتقادات الموجهة إلى كل من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي بسبب استمرار هيكل التصويت والحصص فيهما وفق معايير تعكس موازين القوى الاقتصادية التي أعقبت الحرب العالمية الثانية، وهو ما اعتبرته الدول النامية تمثيلًا غير عادل للواقع الاقتصادي الحالي. واستثمرت الصين هذه الأزمة المؤسسية لتأكيد أن النظام الدولي يحتاج إلى إصلاح شامل، وليس مجرد تعديلات إجرائية، وأن استمرار المؤسسات الدولية بصورتها الحالية يقلل من قدرتها على التعامل مع التحديات العالمية المعاصرة.[6]

  • تصاعد التنافس الاستراتيجي بين الصين والولايات المتحدة

يمثل التنافس الصيني–الأمريكي أحد أهم العوامل التي تفسر توقيت إصدار الورقة البيضاء. فلم يعد هذا التنافس يقتصر على الجوانب الاقتصادية أو التجارية، وإنما تحول إلى منافسة شاملة تشمل التكنولوجيا، وسلاسل الإمداد، والذكاء الاصطناعي، وأشباه الموصلات، والأمن البحري، والنفوذ السياسي داخل المؤسسات الدولية.[7]

وفي المقابل، ترى بكين أن الولايات المتحدة تسعى إلى الحفاظ على هيمنتها على النظام الدولي من خلال توظيف التحالفات العسكرية، والقيود التجارية، والعقوبات الاقتصادية، والضغوط التكنولوجية للحد من صعود الصين. ومن ثم، جاءت الورقة البيضاء لتقدم نموذجًا بديلًا للحوكمة العالمية يقوم وفق الرؤية الصينية على احترام سيادة الدول، ورفض سياسات الاحتواء، وتعزيز التعاون متعدد الأطراف، بما يمنح الصين شرعية أكبر في قيادة عملية إصلاح النظام الدولي.[8]

  • تنامي دور الجنوب العالمي في السياسة الدولية

من أبرز السمات التي ميزت البيئة الدولية خلال السنوات الأخيرة اتساع الحضور السياسي والاقتصادي لما يعرف بدول “الجنوب العالمي”، والتي أصبحت تمتلك وزنًا متزايدًا في الاقتصاد العالمي، وفي أسواق الطاقة، والتجارة، والاستثمار، فضلًا عن دورها المتنامي داخل التجمعات الدولية الجديدة. وقد استطاعت الصين خلال العقد الأخير توظيف هذا التحول عبر توسيع شراكاتها الاقتصادية والاستثمارية مع الدول النامية، وتعزيز حضورها في أفريقيا وأمريكا اللاتينية وآسيا، وربط ذلك بخطاب سياسي يقوم على احترام سيادة الدول، وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، والدعوة إلى إصلاح النظام الدولي بما يمنح هذه الدول تمثيلًا أكبر داخل مؤسسات صنع القرار العالمي.[9]

ومن هذا المنطلق، أولت الورقة البيضاء اهتمامًا خاصًا بقضايا إصلاح مجلس الأمن، وزيادة تمثيل الدول النامية، وإعادة توزيع الحصص داخل المؤسسات المالية الدولية، باعتبارها مطالب تعكس من وجهة النظر الصينية مصالح الأغلبية العالمية، وليس فقط المصالح الصينية.

  • صعود التكتلات الدولية الجديدة وتراجع مركزية الغرب

شهدت السنوات الأخيرة تناميًا ملحوظًا في دور التكتلات الاقتصادية والسياسية غير الغربية، وفي مقدمتها مجموعة بريكس ومنظمة شنغهاي للتعاون، اللتان أصبحتا تمثلان منصات رئيسية لتعزيز التعاون بين الاقتصادات الصاعدة، وتوسيع استخدام العملات المحلية، وتعزيز التعاون في مجالات التنمية والاستثمار والطاقة. وقد عزز هذا التطور من قناعة الصين بأن النظام الدولي يتجه نحو مزيد من التعددية، وأن المؤسسات التي نشأت خارج الإطار الغربي يمكن أن تمثل ركيزة مهمة في إعادة تشكيل الحوكمة العالمية. لذلك جاءت الورقة البيضاء منسجمة مع هذا الاتجاه، مؤكدة أن الإصلاح المنشود لا يقتصر على تعديل قواعد المؤسسات التقليدية، وإنما يشمل أيضًا الاعتراف بالدور المتزايد للتجمعات الدولية الجديدة في إدارة الشؤون الاقتصادية والسياسية العالمية.[10]

وبالتالي، يكشف السياق الدولي الذي صدرت فيه الورقة البيضاء الصينية أنها ليست مجرد وثيقة نظرية أو إعلان دبلوماسي، وإنما تعبر عن استجابة استراتيجية لتحولات عميقة في بنية النظام الدولي. فقد تزامن إصدارها مع تصاعد التنافس بين القوى الكبرى، وتراجع فاعلية مؤسسات الحوكمة التقليدية، وتنامي نفوذ دول الجنوب العالمي، وصعود التكتلات غير الغربية، بما وفر للصين فرصة لطرح نفسها باعتبارها فاعلًا رئيسيًا يمتلك رؤية متكاملة لإصلاح النظام الدولي. ومن ثم، فإن فهم هذا السياق يعد مدخلًا أساسيًا لتحليل مضمون الورقة البيضاء، وتفسير الأهداف السياسية والاستراتيجية التي تسعى بكين إلى تحقيقها من خلالها.

ثانيًا: الورقة البيضاء الصينية: الإطار الفكري والسياسي لرؤية بكين

لا يمكن فهم الورقة البيضاء الصينية المعنونة “حوكمة عالمية أكثر عدلًا وإنصافًا” بمعزل عن التطور الذي شهدته السياسة الخارجية الصينية خلال العقد الأخير، ولا عن التحولات الفكرية التي قادها الرئيس شي جين بينغ في صياغة رؤية بلاده للنظام الدولي. فالوثيقة لا تمثل مجرد بيان دبلوماسي يعرض مواقف الصين من القضايا الدولية، وإنما تعكس إطارًا فكريًا وسياسيًا متكاملًا يهدف إلى إعادة تعريف مفهوم الحوكمة العالمية، وتحديد المبادئ التي ترى بكين أنها يجب أن تحكم العلاقات الدولية خلال العقود المقبلة. ومن ثم، فإن أهمية الورقة لا تكمن فقط في مضامينها، وإنما أيضًا في كونها تعبر عن مرحلة جديدة من تطور الفكر الاستراتيجي الصيني، انتقلت فيها بكين من التركيز على التنمية الداخلية إلى الانخراط بصورة أكثر وضوحًا في صياغة قواعد النظام الدولي.[11]

  1. الورقة البيضاء كأداة لصياغة التوجهات الاستراتيجية الصينية

تُعد الورقة البيضاء إحدى أهم الأدوات التي تستخدمها الحكومة الصينية للإعلان عن سياساتها الرسمية تجاه القضايا الداخلية والخارجية. فهي وثيقة تصدر باسم الحكومة أو مجلس الدولة، وتهدف إلى توضيح المواقف الرسمية، وتفسير السياسات العامة، وتقديم رؤية متكاملة بشأن قضية معينة، بما يمنح المجتمع الدولي تصورًا واضحًا عن اتجاهات السياسة الصينية. وعلى خلاف البيانات السياسية أو التصريحات الرسمية، تتسم الأوراق البيضاء بطابعها الاستراتيجي، إذ تعكس توجهات طويلة المدى أكثر من ارتباطها بردود الفعل الآنية.[12]

وفي هذا الإطار، تكتسب الورقة البيضاء الخاصة بالحوكمة العالمية أهمية استثنائية، لأنها تمثل أول عرض رسمي متكامل للرؤية الصينية بشأن مستقبل النظام الدولي وإصلاح مؤسساته، كما أنها تعكس رغبة بكين في الانتقال من موقع المطالبة بالإصلاح إلى موقع طرح تصور متكامل لكيفية إدارة النظام العالمي.

  • مبادرة الحوكمة العالمية: الإطار المرجعي للورقة البيضاء

تستند الورقة البيضاء بصورة أساسية إلى مبادرة الحوكمة العالمية التي طرحها الرئيس الصيني شي جين بينغ خلال السنوات الأخيرة، باعتبارها إحدى المبادرات العالمية الثلاث التي تتبناها الصين، إلى جانب مبادرة التنمية العالمية ومبادرة الأمن العالمي. وتنطلق هذه المبادرة من فرضية رئيسية مفادها أن المؤسسات الدولية الحالية لم تعد تعكس التوازنات الاقتصادية والسياسية الراهنة، وأن استمرار النظام العالمي بصيغته الحالية سيؤدي إلى تعميق الانقسامات الدولية وزيادة حدة الصراعات.[13]

وبناءً على ذلك، تدعو المبادرة إلى إصلاح منظومة الحوكمة العالمية بصورة تدريجية، مع الحفاظ على الإطار المؤسسي العام للنظام الدولي، وفي مقدمته الأمم المتحدة، ولكن مع إعادة توزيع النفوذ داخل المؤسسات الدولية بما يمنح الاقتصادات الصاعدة والدول النامية دورًا أكبر في عملية صنع القرار العالمي. وتؤكد الصين في هذا السياق أن الإصلاح المنشود لا يستهدف هدم النظام الدولي القائم، وإنما تطويره ليصبح أكثر تمثيلًا وعدالة واستجابة للتحولات التي شهدها العالم منذ منتصف القرن العشرين.[14]

  • المبادئ الخمسة الحاكمة للرؤية الصينية

حددت الورقة البيضاء خمسة مبادئ رئيسية ترى الصين أنها يجب أن تشكل الأساس الذي تقوم عليه الحوكمة العالمية في المستقبل.

يتمثل المبدأ الأول في المساواة في السيادة بين الدول، حيث تؤكد الصين أن جميع الدول، بصرف النظر عن حجمها أو قوتها الاقتصادية والعسكرية، ينبغي أن تتمتع بحقوق متساوية داخل النظام الدولي، وأن يتم احترام خياراتها السياسية والتنموية دون تدخل خارجي.

أما المبدأ الثاني فيتمثل في الالتزام بالقانون الدولي، إذ ترى بكين أن العلاقات الدولية يجب أن تستند إلى قواعد قانونية عامة تطبق بصورة متساوية على جميع الدول، مع رفض ما تصفه بسياسات المعايير المزدوجة أو توظيف القانون الدولي بصورة انتقائية لخدمة مصالح قوى بعينها.

ويتمثل المبدأ الثالث في التمسك بالتعددية، حيث تؤكد الوثيقة ضرورة أن تتم معالجة القضايا الدولية من خلال المؤسسات متعددة الأطراف، وفي مقدمتها الأمم المتحدة، بدلاً من اللجوء إلى التحالفات المغلقة أو الإجراءات الأحادية.

أما المبدأ الرابع فهو النهج الذي يضع الإنسان في مركز التنمية، إذ تربط الصين بين الأمن والتنمية، وترى أن تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية يمثل أساسًا للاستقرار العالمي، وأن القضاء على الفقر وتقليص فجوات التنمية يجب أن يصبحا من أولويات الحوكمة العالمية.

ويتمثل المبدأ الخامس في التركيز على التنفيذ العملي، حيث تؤكد الوثيقة أن إصلاح النظام الدولي لا ينبغي أن يقتصر على المبادئ النظرية، وإنما يتطلب تعزيز التعاون الدولي، ودعم التنمية، وبناء شراكات اقتصادية ومؤسساتية قادرة على مواجهة التحديات المشتركة.[15]

  • مفهوم “مجتمع المستقبل المشترك للبشرية

تُعد فكرة “مجتمع المستقبل المشترك للبشرية” من أبرز المرتكزات الفكرية التي تقوم عليها السياسة الخارجية الصينية في عهد شي جين بينغ، وقد احتلت مكانة محورية داخل الورقة البيضاء. ويقوم هذا المفهوم على افتراض أن العالم أصبح مترابطًا بصورة تجعل أمن الدول وتنميتها ومصالحها متداخلة، بما يستدعي تجاوز منطق الصراع الصفري نحو تعزيز التعاون الدولي لتحقيق المنافع المشتركة. وتستخدم الصين هذا المفهوم لتقديم بديل فكري للرؤية التي ترى أنها قامت عليها مرحلة الهيمنة الغربية، حيث تؤكد أن العلاقات الدولية يجب أن تُبنى على الشراكة والمنفعة المتبادلة والاحترام المتبادل، وليس على سياسات الاحتواء أو فرض الإرادة السياسية أو استخدام العقوبات الاقتصادية كأداة لإدارة العلاقات الدولية.[16]

ورغم الطابع التوافقي الذي يبدو عليه هذا المفهوم، فإن العديد من الباحثين يرون أنه يمثل أيضًا أداة لإضفاء الشرعية الفكرية على صعود الصين، من خلال تقديمه باعتباره نموذجًا بديلًا لإدارة النظام الدولي، يسعى إلى كسب تأييد الدول النامية التي تطالب بإصلاح المؤسسات الدولية.

  • من “الصعود السلمي” إلى “المشاركة في صياغة النظام الدولي

تكشف الورقة البيضاء عن تطور مهم في الفكر الاستراتيجي الصيني. ففي العقود السابقة، ارتكز الخطاب الرسمي الصيني على مفاهيم مثل “الصعود السلمي” و”التنمية السلمية”، والتي هدفت إلى طمأنة المجتمع الدولي بأن تنامي القوة الصينية لن يشكل تهديدًا للنظام العالمي القائم. أما في المرحلة الحالية، فقد أصبح الخطاب الصيني أكثر طموحًا، إذ لم يعد يقتصر على التأكيد على حق الصين في التنمية، وإنما امتد إلى طرح رؤية متكاملة لإصلاح النظام الدولي، والدعوة إلى إعادة توزيع النفوذ داخل مؤسسات الحوكمة العالمية، بما يعكس المكانة التي وصلت إليها الصين بوصفها ثاني أكبر اقتصاد في العالم، وإحدى القوى الرئيسة المؤثرة في السياسة الدولية. ويعكس هذا التحول انتقال بكين من سياسة التركيز على الاندماج في النظام الدولي إلى سياسة أكثر فاعلية تسعى من خلالها إلى المشاركة في صياغة قواعده، مستندة إلى أدوات اقتصادية ودبلوماسية ومؤسساتية متنامية.[17]

ثالثًا: ملامح النظام العالمي الجديد كما تراه الصين

تنطلق الرؤية الصينية للنظام العالمي الجديد من قناعة مفادها أن النظام الدولي الذي تشكل عقب الحرب العالمية الثانية، وتكرست ملامحه بعد انتهاء الحرب الباردة، لم يعد قادرًا على مواكبة التحولات العميقة التي شهدتها بنية توزيع القوة العالمية. فوفقًا للورقة البيضاء، لم تعد الأحادية القطبية تعكس الواقع الدولي، في ظل الصعود الاقتصادي والسياسي والعسكري للقوى الناشئة، وتزايد الاعتماد المتبادل بين الدول، وتعقد التحديات العابرة للحدود. ومن ثم، تطرح الصين نموذجًا يقوم على التعددية القطبية باعتبارها الإطار الأكثر قدرة على تحقيق الاستقرار والتوازن في العلاقات الدولية، بما يتيح مشاركة أوسع للدول في إدارة القضايا العالمية، ويحد من هيمنة قوة واحدة على عملية صنع القرار الدولي. ولا تنظر بكين إلى هذا التحول باعتباره صراعًا لاستبدال قوة مهيمنة بأخرى، وإنما باعتباره إعادة توزيع أكثر عدالة للنفوذ والمسؤوليات بما يتوافق مع المتغيرات التي يشهدها النظام الدولي.[18]

وفي هذا الإطار، تؤكد الصين أن الأمم المتحدة يجب أن تظل المؤسسة المركزية للنظام الدولي، باعتبارها المصدر الرئيس للشرعية الدولية والإطار الجامع لإدارة العلاقات بين الدول، إلا أنها ترى في الوقت ذاته أن المنظمة تحتاج إلى إصلاحات مؤسسية تعزز كفاءتها وقدرتها على الاستجابة للتحديات الراهنة. وينطبق الأمر ذاته على المؤسسات الاقتصادية والمالية الدولية، إذ تدعو بكين إلى إعادة هيكلة منظومة الحوكمة الاقتصادية العالمية من خلال إصلاح آليات التصويت والحصص داخل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي بما يعكس الوزن الحقيقي للاقتصادات الصاعدة والدول النامية، فضلًا عن إصلاح مجلس الأمن الدولي وزيادة تمثيل الدول النامية، ولا سيما الدول الأفريقية، باعتبار أن استمرار الهياكل الحالية يكرس اختلالًا بين الواقع الدولي المعاصر والبنية المؤسسية التي تشكلت قبل ثمانية عقود.[19]

وتحتل دول الجنوب العالمي مكانة محورية في الرؤية الصينية، حيث تنطلق بكين من أن غالبية سكان العالم يعيشون في دول لا تزال تعاني من ضعف تمثيلها داخل مؤسسات صنع القرار الدولي، رغم ما شهدته من نمو اقتصادي وديموغرافي متسارع. لذلك، تدعو الورقة البيضاء إلى بناء نظام أكثر شمولًا يتيح لهذه الدول دورًا أكبر في وضع القواعد الاقتصادية والمالية والتجارية الدولية، ويمنحها فرصًا أوسع للمشاركة في إدارة القضايا العالمية. وفي هذا السياق، تحرص الصين على تقديم نفسها بوصفها شريكًا استراتيجيًا للدول النامية ومدافعًا عن مصالحها، مستندة إلى شبكة واسعة من العلاقات الاقتصادية والاستثمارية التي عززتها خلال السنوات الأخيرة، وهو ما يمنح خطابها قدرًا من الجاذبية لدى العديد من دول آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية التي تطالب منذ سنوات بإصلاح بنية النظام الدولي.[20]

ولا تقتصر الرؤية الصينية على إعادة توزيع النفوذ داخل المؤسسات الدولية، وإنما تمتد إلى إعادة تعريف فلسفة الحوكمة العالمية ذاتها، من خلال الربط بين الأمن والتنمية، واعتبار التنمية الاقتصادية شرطًا أساسيًا لتحقيق الاستقرار والسلم الدوليين. كما تدعو الصين إلى نموذج أكثر انفتاحًا للعولمة يقوم على التعاون والمنفعة المتبادلة، ويرفض السياسات الحمائية والإجراءات الأحادية والعقوبات الاقتصادية خارج إطار الشرعية الدولية. ومع ذلك، فإن هذه الرؤية، رغم ما تحمله من شعارات تدعو إلى العدالة والشمولية، تظل محل نقاش داخل الأوساط الأكاديمية والسياسية، إذ يرى عدد من الباحثين أنها تعكس في الوقت نفسه سعي الصين إلى اكتساب شرعية دولية تتناسب مع صعودها المتسارع، وترسيخ مكانتها كقوة قادرة ليس فقط على المنافسة داخل النظام الدولي، وإنما على المشاركة في إعادة صياغة قواعده وتحديد اتجاهاته المستقبلية.[21]

رابعًا: الأدوات الصينية لبناء النظام الدولي الجديد

لا تقتصر الرؤية الصينية لإعادة تشكيل النظام الدولي على طرح مبادئ نظرية أو الدعوة إلى إصلاح مؤسسات الحوكمة العالمية، وإنما ترتكز أيضًا على توظيف مجموعة واسعة من الأدوات الاقتصادية والمالية والدبلوماسية والمؤسسية التي تسعى من خلالها بكين إلى ترجمة رؤيتها إلى واقع عملي. فمنذ وصول شي جين بينغ إلى السلطة، تبنت الصين سياسة خارجية أكثر انخراطًا في الشؤون الدولية، تقوم على الجمع بين أدوات القوة الاقتصادية والنفوذ الدبلوماسي والمبادرات متعددة الأطراف، بما يعزز حضورها العالمي ويمنحها دورًا أكبر في صياغة قواعد النظام الدولي. وتعكس هذه الأدوات إدراكًا صينيًا بأن التحول إلى قوة عالمية لا يتحقق عبر الخطاب السياسي وحده، وإنما من خلال بناء مؤسسات وشبكات تعاون قادرة على ترسيخ النفوذ وإنتاج بدائل عملية للنظام الدولي التقليدي.[22]

ويأتي في مقدمة هذه الأدوات مبادرة الحزام والطريق، التي تُعد المشروع الاستراتيجي الأكبر في السياسة الخارجية الصينية منذ إطلاقها عام 2013، إذ تستهدف تعزيز الترابط الاقتصادي والتجاري بين آسيا وأفريقيا وأوروبا وأمريكا اللاتينية من خلال الاستثمار في مشروعات البنية التحتية والموانئ والطرق والسكك الحديدية والطاقة والاتصالات. وإلى جانب المبادرة، عملت الصين على تأسيس مؤسسات مالية وتنموية جديدة، مثل البنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية وبنك التنمية الجديد التابع لتجمع بريكس، بهدف توفير مصادر تمويل بديلة للدول النامية، والمساهمة في تقليص الاعتماد على المؤسسات المالية التي تقودها الدول الغربية. ولا تطرح بكين هذه المؤسسات باعتبارها بديلًا كاملًا لصندوق النقد الدولي أو البنك الدولي، وإنما كآليات مكملة تعكس التغير في موازين الاقتصاد العالمي، وتمنح الاقتصادات الصاعدة مساحة أكبر في تمويل مشروعات التنمية.[23]

كما اعتمدت الصين خلال السنوات الأخيرة على توسيع نطاق المبادرات العالمية التي أطلقتها، وفي مقدمتها مبادرة التنمية العالمية، ومبادرة الأمن العالمي، ومبادرة الحضارة العالمية، والتي تشكل معًا الإطار الفكري والعملي لسياستها الخارجية. فمن خلال هذه المبادرات، تسعى بكين إلى تقديم نموذج مختلف للتعاون الدولي يقوم على ربط الأمن بالتنمية، واحترام سيادة الدول، وتشجيع الحوار بين الحضارات، وتوسيع مجالات التعاون في قضايا مثل مكافحة الفقر، والأمن الغذائي، والتحول الرقمي، والتغير المناخي. وإلى جانب ذلك، عززت الصين دورها الدبلوماسي في تسوية النزاعات الإقليمية، كما ظهر في رعايتها لاستئناف العلاقات الدبلوماسية بين المملكة العربية السعودية وإيران عام 2023، وهو ما عكس رغبتها في تقديم نفسها كفاعل دولي قادر على الإسهام في إدارة الأزمات، وليس مجرد قوة اقتصادية أو تجارية.[24]

ورغم اتساع نطاق هذه الأدوات وتزايد تأثيرها في العديد من مناطق العالم، فإنها لا تزال تواجه مجموعة من التحديات والانتقادات، أبرزها اتهام الصين بتوظيف أدواتها الاقتصادية لتعزيز نفوذها الجيوسياسي، واستمرار احتفاظ الصين بمركزية صنع القرار داخل المؤسسات التي أنشأتها، بما يثير تساؤلات حول مدى اختلافها عن المؤسسات التقليدية التي تنتقدها بكين. كما يرى عدد من الباحثين أن نجاح المشروع الصيني سيظل مرتبطًا بقدرته على الجمع بين الموارد الاقتصادية والقبول السياسي الدولي، إذ إن بناء نظام عالمي جديد لا يعتمد فقط على إنشاء مؤسسات ومبادرات بديلة، وإنما يتطلب أيضًا بناء الثقة الدولية، وتوسيع قاعدة الشركاء، وإثبات قدرة هذه الأدوات على تقديم منافع جماعية تتجاوز المصالح الوطنية الصينية، وهو ما سيحدد في النهاية مدى نجاح بكين في تحويل رؤيتها للحوكمة العالمية إلى واقع مؤسسي مستدام.[25]

خامسًا: التحديات والانتقادات الموجهة للرؤية الصينية

على الرغم من أن الورقة البيضاء الصينية تقدم رؤية متكاملة لإصلاح منظومة الحوكمة العالمية، فإنها أثارت نقاشًا واسعًا داخل الأوساط السياسية والأكاديمية بشأن مدى واقعية هذا المشروع وقدرته على إحداث تحول فعلي في بنية النظام الدولي. فبينما تنظر إليها العديد من دول الجنوب العالمي باعتبارها محاولة لتصحيح اختلالات تاريخية في توزيع النفوذ داخل المؤسسات الدولية، ترى الولايات المتحدة وعدد من الدول الغربية أن الرؤية الصينية تعكس بالأساس طموح بكين إلى توسيع نفوذها الدولي أكثر من كونها مشروعًا لإصلاح النظام العالمي. ومن ثم، فإن تقييم المبادرة الصينية لا يقتصر على تحليل المبادئ التي تطرحها، وإنما يمتد إلى دراسة التحديات العملية والانتقادات التي قد تحد من فرص نجاحها في تحقيق أهدافها المعلنة.[26]

وتتمثل أولى هذه التحديات في الفجوة بين الخطاب السياسي والقدرة على التنفيذ. فرغم تأكيد الصين على أهمية العدالة، والتعددية، وإصلاح المؤسسات الدولية، فإن الورقة البيضاء لا تقدم آليات تنفيذية واضحة أو التزامات مالية واسعة النطاق تعكس حجم الطموحات التي تتبناها. فالتجارب التاريخية تشير إلى أن القوى التي قادت تحولات كبرى في النظام الدولي اقترنت دائمًا بتوفير موارد اقتصادية ضخمة ومؤسسات قادرة على إنتاج المنافع العامة الدولية، وهو ما لا يزال يثير تساؤلات حول مدى استعداد الصين لتحمل الأعباء المالية والسياسية التي تتطلبها قيادة نظام عالمي أكثر اتساعًا وتعقيدًا. كما يلاحظ عدد من الباحثين أن المؤسسات التي أنشأتها بكين، رغم أهميتها، لا تزال تدور إلى حد كبير داخل نطاق النفوذ الصيني، الأمر الذي يحد من قدرتها على اكتساب الشرعية الدولية التي تتمتع بها المؤسسات متعددة الأطراف التقليدية.[27]

ومن ناحية أخرى، تواجه الرؤية الصينية تحديات سياسية وجيوسياسية ناتجة عن استمرار التنافس الاستراتيجي مع الولايات المتحدة وحلفائها، حيث تنظر العديد من الدول الغربية إلى المبادرات الصينية باعتبارها جزءًا من مشروع أوسع لإعادة توزيع النفوذ العالمي على حساب النظام الليبرالي الذي قادته الولايات المتحدة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وقد انعكس ذلك في تصاعد سياسات الاحتواء الاقتصادي والتكنولوجي، وفرض القيود على الاستثمارات الصينية في بعض القطاعات الحيوية، وتعزيز التحالفات الأمنية في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، بما يعكس إدراكًا غربيًا بأن المنافسة مع الصين لم تعد تقتصر على الاقتصاد أو التكنولوجيا، وإنما امتدت إلى التنافس حول قواعد النظام الدولي ذاته. كما أن بعض الدول النامية، رغم ترحيبها بخطاب الإصلاح الذي تتبناه بكين، لا تزال تتعامل بحذر مع المشروع الصيني، خشية أن يؤدي استبدال هيمنة دولية بأخرى إلى إعادة إنتاج أنماط جديدة من الاعتماد السياسي والاقتصادي.[28]

وفي ضوء هذه التحديات، يتوقف مستقبل الرؤية الصينية على قدرتها على إقناع المجتمع الدولي بأن مشروعها يتجاوز خدمة المصالح الوطنية الصينية إلى تقديم نموذج أكثر عدالة وشمولًا لإدارة الشؤون العالمية. ويتطلب ذلك تعزيز الشفافية في عمل المؤسسات التي تقودها بكين، وتوسيع مشاركة الدول الأخرى في عملية صنع القرار، وتقديم التزامات عملية تتناسب مع مكانة الصين الاقتصادية والسياسية. لذلك، فإن نجاح الورقة البيضاء لن يقاس بمدى اتساق مبادئها النظرية فحسب، وإنما بقدرة الصين على تحويل هذه المبادئ إلى سياسات ومؤسسات تحظى بقبول دولي واسع، في بيئة دولية تتسم بارتفاع مستويات الاستقطاب، وتزايد المنافسة بين القوى الكبرى، وتسارع التحولات في موازين القوة العالمية.[29]

ختامًا، خلص التقرير إلى أن الورقة البيضاء الصينية حول “حوكمة عالمية أكثر عدلًا وإنصافًا” تمثل محطة مهمة في تطور السياسة الخارجية الصينية، إذ تعكس انتقال بكين من مرحلة التركيز على الاندماج في النظام الدولي إلى مرحلة أكثر طموحًا تقوم على تقديم رؤية متكاملة لإصلاح قواعد الحوكمة العالمية وإعادة توزيع الأدوار داخل مؤسسات النظام الدولي. ولا تنفصل هذه الرؤية عن التحولات التي يشهدها العالم، وفي مقدمتها تصاعد التعددية القطبية، وتراجع فاعلية بعض مؤسسات النظام الدولي، واتساع نفوذ القوى الصاعدة، وتزايد مطالب دول الجنوب العالمي بإصلاح آليات صنع القرار الدولي بما يجعلها أكثر تمثيلًا وعدالة.

وفي هذا الإطار، أظهر التقرير أن المشروع الصيني لا يقتصر على طرح مبادئ عامة، وإنما يستند إلى منظومة متكاملة من المبادرات الاقتصادية والمؤسسات المالية والتحركات الدبلوماسية التي تهدف إلى تعزيز الحضور الصيني في مختلف الأقاليم، وتوسيع نفوذها داخل منظومة الحوكمة العالمية. ومع ذلك، فإن نجاح هذا المشروع يظل مرهونًا بقدرة الصين على تجاوز الفجوة بين الخطاب السياسي ومتطلبات القيادة الدولية، من خلال توفير موارد كافية، وتعزيز الشفافية داخل المؤسسات التي تقودها، وبناء شراكات قائمة على المشاركة الفعلية، بما يكفل اكتساب قدر أكبر من الثقة والشرعية على المستوى الدولي.

وفي المقابل، تؤكد القراءة التحليلية أن مستقبل النظام الدولي لن يُحسم عبر صعود قوة واحدة لتحل محل أخرى، وإنما من خلال عملية إعادة تشكيل تدريجية تعكس التغيرات في موازين القوى العالمية. ومن المرجح أن تتسم المرحلة المقبلة بتعزيز التعددية في مراكز النفوذ، مع استمرار التنافس الاستراتيجي بين القوى الكبرى بالتوازي مع الحاجة إلى التعاون في مواجهة التحديات المشتركة، مثل التغير المناخي، والأمن السيبراني، والأوبئة، وأمن سلاسل الإمداد، والتحول الرقمي. وفي هذا السياق، تمثل الرؤية الصينية أحد أهم التصورات المطروحة لإعادة صياغة الحوكمة العالمية، لكنها ليست التصور الوحيد، كما أن قدرتها على التحول إلى إطار دولي مؤثر ستظل مرتبطة بمدى قبولها من جانب المجتمع الدولي، وبقدرتها على تحقيق توازن بين مصالحها الوطنية ومتطلبات النظام الدولي الأكثر شمولًا واستدامة.

المراجع:


[1] الصين تطرح رؤيتها لنظام عالمي جديد، ولكن هل ستلتزم بتخصيص الموارد التي تضاهي طموحاتها؟، نُشر في 25 يونيو 2026، ملتقى النبأ للحوار.

https://www.nabaaforum.org/ar/news/479

[2] أصدرت الصين ورقة بيضاء حول الحوكمة العالمية.، نُشر في 17 يونيو 2026، Vietnam.

https://www.vietnam.vn/ar/trung-quoc-cong-bo-sach-trang-ve-quan-tri-toan-cau

[3] Full text: More Just and Equitable Global Governance: China’s Principles, Proposals and Actions, 17 June 2026, The State Council Information Office The Peoples Republic Of China.

http://english.scio.gov.cn/whitepapers/2026-06/17/content_118552858_4.html

[4] China releases white paper on global governance, 17 June 2026, The State Council Information Office The Peoples Republic Of China.

https://english.www.gov.cn/news/202606/17/content_WS6a3234fec6d00ca5f9a0ba8c.html?utm

[5] Britain’s place in the new world order, 6 July 2026, Chatham house.

https://www.chathamhouse.org/publications/the-world-today/2026-06/britains-place-new-world-order

[6] الصين ومبادرة الحوكمة العالمية: مسافة بين الخطاب والممارسات، نُشر في 22 يونيو 2026، العربي الجديد.

https://www.aajeg.com/politics/%D8%A7%D9%84%D8%B5%D9%8A%D9%86-%D9%88%D9%85%D8%A8%D8%A7%D8%AF%D8%B1%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%88%D9%83%D9%85%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%8A%D8%A9-%D9%85%D8%B3%D8%A7%D9%81%D8%A9-%D8%A8%D9%8A%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%AE%D8%B7%D8%A7%D8%A8-%D9%88%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%85%D8%A7%D8%B1%D8%B3%D8%A7%D8%AA

[7] كتاب أبيض: أفكار الصين وإجراءاتها تلقى صدىً متزايدا لدى المجتمع الدولي، نُشر في 17 يونيو 2026، Arabic News CN.

https://arabic.news.cn/20260617/c51fd88ac18c48b7a1be43193a6769ab/c.html

[8] الصين تصدر كتابا أبيض حول الحوكمة العالمية، نُشر في 17 يونيو 2026، CGTN.

https://arabic.cri.cn/2026/06/17/ARTI1781679472734997

[9] 105 أعوام الصين وحزبها.. قصة نجاح صاغت الحاضر وترسم ملامح المستقبل، نُشر في 5 يوليو 2026، CGTN.

https://arabic.cri.cn/2026/07/05/ARTI1783240509716694

[10] Full text: More Just and Equitable Global Governance: China’s Principles, Proposals and Actions, 17 June 2026, The State Council Information Office The Peoples Republic Of China.

https://english.www.gov.cn/archive/whitepaper/202606/17/content_WS6a326192c6d00ca5f9a0bab7.html

[11] بكين تعيد كتابة قواعد العالم.. رؤية صينية لنظام دولي متعدد الأقطاب، نُشر في 1 يوليو 2026، IGP.

[12] منى عبد الفتاح، “الحلم الصيني” وإعادة هندسة موقع بكين داخل النظام الدولي، نُشر في 10 يونيو 2026،.independent arabia

https://www.independentarabia.com/node/650281/%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D8%A9/%D8%AA%D9%82%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D8%B1/%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%84%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%B5%D9%8A%D9%86%D9%8A-%D9%88%D8%A5%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9-%D9%87%D9%86%D8%AF%D8%B3%D8%A9-%D9%85%D9%88%D9%82%D8%B9-%D8%A8%D9%83%D9%8A%D9%86-%D8%AF%D8%A7%D8%AE%D9%84-%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%B8%D8%A7%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84%D9%8A

[13] ملتقى النبأ للحوار يصدر ترجمة تحليلية حول رؤية الصين لإعادة تشكيل النظام الدولي، نُشر في 26 يونيو 2026، ملتقى النبأ للحوار.

https://www.nabaaforum.org/ar/news/480

[14] كتاب أبيض: أفكار الصين وإجراءاتها تلقى صدىً متزايدا لدى المجتمع الدولي، نُشر في 17 يونيو 2026، صحيفة الشعب أونلاين.

https://arabic.people.com.cn/n3/2026/0617/c31664-20468473.html

[15] المبادئ الصينية الخمسة للتعايش السلمي عمل عظيم في العلاقات الدولية، نُشر في 28 يونيو 2024، الوطن.

[16] ورقة علمية: التنظير السياسي الصيني المعاصر: دعوة للالتفات العربي … أ. د. وليد عبد الحي، نُشر في 2 مارس 2026، مركز الزيتونة للدراسات.

[17] الصين: هذا تصورنا لعالم جديد بلا منتصر وحيد يأخذ كل شيء، نُشر في 17 يونيو 2026، الجزيرة نت.

https://www.aljazeera.net/politics/2026/6/17/%D8%A7%D9%84%D9%83%D8%AA%D8%A7%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%A8%D9%8A%D8%B6-%D8%A7%D9%84%D8%B5%D9%8A%D9%86%D9%8A-%D8%A8%D9%83%D9%8A%D9%86-%D8%AA%D8%B9%D8%B1%D8%B6-%D8%B1%D8%A4%D9%8A%D8%AA%D9%87%D8%A7

[18] “لحظة الصين”… ما ملامح النظام العالمي الجديد؟، نُشر في 6 سبتمبر 2025، مجلة المجلة.

https://www.majalla.com/node/327236/%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D8%A9/%D9%84%D8%AD%D8%B8%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B5%D9%8A%D9%86-%D9%85%D8%A7-%D9%85%D9%84%D8%A7%D9%85%D8%AD-%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%B8%D8%A7%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%AF%D9%8A%D8%AF%D8%9F

[19] هكذا ترى الصين النظام العالمي الجديد، نُشر في 1 يناير 2023، الخنادق.

https://english.alkhanadeq.com/post/4412/%D9%87%D9%83%D8%B0%D8%A7-%D8%AA%D8%B1%D9%89-%D8%A7%D9%84%D8%B5%D9%8A%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%B8%D8%A7%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%AF%D9%8A%D8%AF

[20] ملامح نظرية الصين حول مراجعة وتغيير شكل النظام الدولي، نُشر في 17 أبريل 2026، مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة.

https://futureuae.com/ar-AE/Mainpage/Item/7272/%D9%85%D9%84%D8%A7%D9%85%D8%AD-%D9%86%D8%B8%D8%B1%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B5%D9%8A%D9%86-%D8%AD%D9%88%D9%84-%D9%85%D8%B1%D8%A7%D8%AC%D8%B9%D8%A9-%D9%88%D8%AA%D8%BA%D9%8A%D9%8A%D8%B1-%D8%B4%D9%83%D9%84-%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%B8%D8%A7%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84%D9%8A

[21] بوصلة النظام العالمي الجديد، نُشر في 9 سبتمبر 2025، بوابة الأهرام.

https://gate.ahram.org.eg/News/5282159.aspx

[22] “إذا أردت السلام فاستعد للحرب”.. الصين تعزز أدواتها التجارية رغم “الهدنة” مع أمريكا، نُشر في 27 أبريل 2026، الجزيرة نت.

https://www.ajnet.me/ebusiness/2026/4/27/us-china-brinkmanship-trade-truce

[23] كيف تسعى الصين لمنافسة “ميثوس” واستراتيجية جديدة لتعزيز قدرات الأمن السيبراني بالذكاء الاصطناعي، نُشر في 29 يونيو 2026، مونت كارلو الدولية.

https://www.mc-doualiya.com/%D8%A8%D8%B1%D8%A7%D9%85%D8%AC/%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%B4%D8%B1%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D9%82%D9%85%D9%8A%D8%A9/20260629-%D9%83%D9%8A%D9%81-%D8%AA%D8%B3%D8%B9%D9%89-%D8%A7%D9%84%D8%B5%D9%8A%D9%86-%D9%84%D9%85%D9%86%D8%A7%D9%81%D8%B3%D8%A9-%D9%85%D9%8A%D8%AB%D9%88%D8%B3-%D9%88%D8%A7%D8%B3%D8%AA%D8%B1%D8%A7%D8%AA%D9%8A%D8%AC%D9%8A%D8%A9-%D8%AC%D8%AF%D9%8A%D8%AF%D8%A9-%D9%84%D8%AA%D8%B9%D8%B2%D9%8A%D8%B2-%D9%82%D8%AF%D8%B1%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%85%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A8%D8%B1%D8%A7%D9%86%D9%8A-%D8%A8%D8%A7%D9%84%D8%B0%D9%83%D8%A7%D8%A1-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%B5%D8%B7%D9%86%D8%A7%D8%B9%D9%8A

[24] النظام الدولي بين تعددية مضطربة وقواعد مهزوزة.. قراءة في قمة تيانجين 2025، نُشر في 7 سبتمبر 2025، مركز الدراسات العربية الأوراسية.

[25] هل يكون الجنوب العالمي بوابة الصين لبناء نظام عالمي جديد؟، نُشر في 10 يناير 2025، المركز الفلسطيني للإعلام.

[26] الصين في معركة اقتصادية وتحديات مقبلة، نُشر في 13 يونيو 2026، انديبندنت عربية.

https://www.independentarabia.com/node/650636/%D8%A7%D9%82%D8%AA%D8%B5%D8%A7%D8%AF/%D8%A3%D8%AE%D8%A8%D8%A7%D8%B1-%D9%88%D8%AA%D9%82%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D8%B1-%D8%A7%D9%82%D8%AA%D8%B5%D8%A7%D8%AF%D9%8A%D8%A9/%D8%A7%D9%84%D8%B5%D9%8A%D9%86-%D9%81%D9%8A-%D9%85%D8%B9%D8%B1%D9%83%D8%A9-%D8%A7%D9%82%D8%AA%D8%B5%D8%A7%D8%AF%D9%8A%D8%A9-%D9%88%D8%AA%D8%AD%D8%AF%D9%8A%D8%A7%D8%AA-%D9%85%D9%82%D8%A8%D9%84%D8%A9

[27] الصين تُعيد ابتكار اقتصادها بهدوء، نُشر في 30 أغسطس 2025، صحيفة الشرق الأوسط.

https://aawsat.com/%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%85%D9%82/%D8%AD%D8%B5%D8%A7%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%B3%D8%A8%D9%88%D8%B9/5180709-%D8%A7%D9%84%D8%B5%D9%8A%D9%86-2025-%D8%AA%D9%8F%D8%B9%D9%8A%D8%AF-%D8%A7%D8%A8%D8%AA%D9%83%D8%A7%D8%B1-%D8%A7%D9%82%D8%AA%D8%B5%D8%A7%D8%AF%D9%87%D8%A7-%D8%A8%D9%87%D8%AF%D9%88%D8%A1

[28] الصين تصدر كتابا أبيض حول الحوكمة العالمية، نُشر في 17 يونيو 2026، Arabic News CN.

https://arabic.news.cn/20260617/55940325f87e4af4a7186aaf01c61192/c.html

[29] الصين تصدر كتابا أبيض حول الحوكمة العالمية، نُشر في 17 يونيو 2026، Arabic China ORG CN.

http://arabic.china.org.cn/txt/2026-06/17/content_118553382.htm

باحث في العلاقات الدولية بمركز ترو للدراسات والتدريب

موكاب عرض كتاب يارا
صورة مقال محمد عبدالفتاح
صورة مقال عاصم
صور تقرير محمد يولكا
صورة مقال تحليلي نعمة
Scroll to Top