Cairo

الأعمدة السبع للشخصية المصرية

قائمة المحتويات

باحث مساعد في النظم والنظرية السياسية بمركز ترو للدراسات والتدريب

   يُعد كتاب “الأعمدة السبع للشخصية المصرية” للكاتب ميلاد حنّا أحد أبرز الإسهامات الفكرية في دراسة الهوية المصرية المعاصرة، إذ يسعى من خلاله إلى تفكيك التصورات الاختزالية التي تنظر إلى الشخصية المصرية بوصفها نتاجًا لانتماء واحد أو بعد ثقافي منفرد، مقابل تقديم تصور تركيبي يرى الهوية بوصفها بناءً تاريخيًا وجغرافيًا متراكمًا. ينطلق حنّا من فرضية أساسية مفادها أن الشخصية المصرية تشكّلت عبر تفاعل طويل بين الزمن والمكان، وأن فهمها يقتضي تجاوز القراءات الأيديولوجية الضيقة التي تختزل مصر في بعدها العربي أو الإسلامي أو الفرعوني فقط، دون إدراك شبكة العلاقات التاريخية المعقدة التي صاغت وعي المصريين عبر العصور. ويكتسب الكتاب أهمية قصوى في الوقت الراهن على ضوء الجدل المستمر حول الهوية المصرية، خاصة بعد أن سعت العديد من التيارات سواء الإسلامية أو العلمانية – في شقّيها العروبي أو القومي – إلى حصر الهوية المصرية في بُعد واحد، تدّعي من خلاله أنه التعبير الخالص عن الروح المصرية.

   أما عن مؤلف الكتاب فهو الدكتور ميلاد حنا، الكاتب وأستاذ الهندسة الإنشائية الذي اهتم في إسهاماته الفكرية بقضايا الهوية الوطنية المصرية، والعلاقة بين الدين والدولة والمجتمع، وكذلك مفهوم المواطنة. وسعى الدكتور حنّا من خلال مؤلفاته إلى تتبع البُنى الفكرية التي حكمت تشكّل الهوية المصرية تاريخيًا. كما يُعد من أبرز الأصوات التي أولت أهمية للتعددية الثقافية والدينية، والتي نادت بالدولة المدنية القائمة على المساواة.

   يعتمد الكتاب على مقاربة حضارية تاريخية تنظر لمصر على كونها “رقائق حضارية” تراكمت فوق بعضها البعض دون أن تلغي إحداها الأخرى، بل ظلت حاضرة في الوعي الجمعي بأشكال متفاوتة. وفي هذا السياق، يؤكد ميلاد حنّا أن الحضارات التي مرّت على مصر سواء الفرعونية واليونانية – الرومانية، أو القبطية والإسلامية، لم تكن مراحل منقطعة أو متصارعة بالضرورة، وإنما مثلت رواسب ثقافية متداخلة، أسهمت مجتمعة، وبشكل جدلي، في تكوين الشخصية المصرية، سواء على مستوى القيم أو أنماط التفكير أو السلوك الاجتماعي. ويُبرز المؤلف هنا خصوصية التجربة المصرية التي تميزت بالاستمرارية التاريخية، على خلاف مجتمعات أخرى شهدت قطيعات حادة في مسارها الحضاري.

   ويُقدّم حنّا أطروحته المركزية من خلال مفهوم “الأعمدة السبعة”، التي يقسمها إلى أعمدة تاريخية وجغرافية – حضارية. فالأعمدة التاريخية الأربعة تمثل الامتدادات الحضارية الكبرى التي مرّت بها مصر، وهي المذكورة أعلاه، في حين تعكس الأعمدة الثلاثة الأخرى موقع مصر الجغرافي بوصفها جزءًا من الدائرة العربية، وفضاء البحر المتوسط، والعمق الإفريقي. ولا يتعامل المؤلف مع هذه الأعمدة بوصفها انتماءات متنافسة، بل باعتبارها مكونات متكاملة، تتفاعل فيما بينها بدرجات متفاوتة داخل وعي الفرد والمجتمع، وتظهر آثارها تبعًا للسياق التاريخي والسياسي والاجتماعي.

   وقد حدد حنّا لكل عمود طابعه الخاص في إكساب الشخصية المصرية مكونات محددة، يأتي العمود الفرعوني في مقدمة هذه الأعمدة بوصفه الجذر الأقدم في تكوين الشخصية المصرية. ففي هذا الامتداد الحضاري الطويل للثقافة الفرعونية تتجلى قيم الاستقرار، والارتباط بالأرض والنيل، والإيمان بفكرة الدولة المركزية، وهي سمات ظلّت فاعلة في السلوك السياسي والاجتماعي المصري حتى العصور الحديثة. ولا ينظر حنّا إلى الفرعونية بوصفها ماضيًا منقطعًا، بل باعتبارها بنية ذهنية مستمرة أعادت إنتاج نفسها في سياقات تاريخية لاحقة.

   أما العمود اليوناني، الذي تشكل في مصر مع العصر الهيلينستي، فقد أسهم في إثراء البعد العقلي والفلسفي للشخصية المصرية، خاصة من خلال مدينة الإسكندرية التي مثّلت مركزًا للمعرفة والتعدد الثقافي والكوزموبوليتانية**[1]. وقد ترك هذا العمود أثره في أنماط التفكير، وفي التفاعل مع الفلسفة والعلوم، بما أضاف بعدًا نقديًا وانفتاحيًا إلى البنية الثقافية المصرية. وتستكمل الحضارة الرومانية هذا العمود وتُغني المسار من خلال إسهاماتها في ترسيخ مفاهيم التنظيم الإداري والقانوني. فقد لعب الحكم الروماني دورًا مهمًا في تدعيم فكرة المؤسسية، والنظام، والقانون، وهي عناصر اندمجت لاحقًا في تصور المصريين للعلاقة بين السلطة والمجتمع، وأسهمت في تكوين حس عملي يرتبط بإدارة شؤون الحياة العامة.

   ويحتل العمود القبطي موقعًا محوريًا في تحليل حنّا، إذ يمثّل الامتداد الوطني للمسيحية في مصر، ويجسّد مرحلة تحوّل ثقافي ولغوي وروحي عميق. ففي هذا العمود تتبلور ملامح الصبر والتحمّل، وتتجسد اللغة القبطية كحلقة وصل بين المصرية القديمة والعربية لاحقًا، فضلًا عن الإسهامات الفنية والمعمارية التي شكّلت جزءًا أصيلًا من الوجدان الشعبي المصري.

   ودخلت الشخصية المصرية مرحلة جديدة من الاندماج الحضاري مع العمود الإسلامي، حيث أسهم الإسلام في إعادة تشكيل منظومة القيم، وفي ترسيخ اللغة العربية، وتطوير العمران، وبناء هوية جامعة استوعبت ما سبقها من روافد. ويؤكد ميلاد حنّا أن الإسلام في مصر لم يلغِ ما قبله، بل تفاعل معه وأعاد صهره في إطار حضاري جديد.

   كما يرتبط العمود العربي بهذا السياق ارتباطًا وثيقًا، إذ يعكس الانتماء اللغوي والثقافي والقومي لمصر ضمن الفضاء العربي الأوسع. ويُبرز حنّا هذا العمود بوصفه بعدًا ثقافيًا وحضاريًا، لا يتعارض مع الخصوصية المصرية، بل يمنحها أفقًا أوسع للتفاعل والتأثير المتبادل.

   ويأتي العمود المتوسطي ليؤكد انفتاح مصر التاريخي على محيطها الجغرافي والثقافي عبر البحر المتوسط. فمن خلال هذا العمود، تفاعلت مصر مع أوروبا الحديثة، وتأثرت بالتجارة، والحداثة، وأنماط التنظيم الاجتماعي، ما أضاف بعدًا كوزموبوليتانيًا إلى الشخصية المصرية، خاصة في المدن الساحلية الكبرى.

    وأخيرًا، يؤكد العمود الإفريقي على البعد الجغرافي والحضاري لمصر في قلب القارة، إذ يمثل امتدادًا طبيعيًا وتاريخيًا لتجربة وادي النيل الطويلة، التي شكلت الوعي الجمعي المصري منذ أقدم العصور. كما أسهم العمق الإفريقي في ترسيخ نمط من الوحدة الداخلية والتماسك المجتمعي، إذ ربط المصريين بمحيطهم الإقليمي وأكد على دور مصر كجزء من المجال الإفريقي الأوسع، متفاعلة معه تاريخيًا وحضاريًا. ويرى ميلاد حنّا أن إدراك هذا العمود مهم لفهم الشخصية المصرية بوصفها نتاجًا لتراكم حضاري متنوع، حيث لا تُستوعب الهوية المصرية كاملة دون الاعتراف بامتدادها الإفريقي وتأثيره المستمر على القيم والسلوك الاجتماعي، بالإضافة إلى أنه نظر إلى هذا العمود على أنه المستقبل لمصر.

   ويخلص ميلاد حنّا في طرحه لمفهوم الأعمدة السبع إلى أن الشخصية المصرية لا يمكن فهمها إلا باعتبارها نسيجًا حضاريًا مركّبًا، وأن أي محاولة لفرض هوية أحادية تُفضي بالضرورة إلى تشويه هذا النسيج. ومن ثمّ، يشكّل كتاب “الأعمدة السبعة للشخصية المصرية” دفاعًا فكريًا عن التعدد، ورؤية نقدية لمشروعات الإقصاء الثقافي، ودعوة إلى إدراك التطور التاريخي بوصفه شرطًا لفهم الحاضر وبناء مستقبل أكثر انفتاحًا وتقبلًا وفهمًا للذات.    

   وفي مواجهة الخطابات التي تحذّر من تفكك المجتمع المصري أو “لبننته”، على حد التعبير الذي أراد به المؤلف أن يشير إلى تجربة التفكك اللبناني وحربها الأهلية التي امتدت من منتصف سبعينيات القرن العشرين وحتى أوائل تسعينياته، يؤكد ميلاد حنّا أن الشخصية المصرية تمتلك من التماسك التاريخي والجغرافي ما يجعلها عصيّة على التفكك الطائفي أو العرقي، مشددًا على أن وحدة وادي النيل، وطبيعة الدولة المركزية، والتجربة التاريخية المشتركة، مثلت عوامل تاريخية هامة في خلق نمط من الاندماج المجتمعي العميق، قادر على تجاوز أوقات الأزمات، رغم ما قد يطرأ من توترات أو اختلافات. ويذهب المؤلف إلى أن الأزمات التي تمر بها مصر لا تعكس هشاشة في بنيتها الاجتماعية بقدر ما تعبّر عن اختلالات سياسية أو اقتصادية ظرفية غير نابعة من القواعد الاجتماعية.

   كما يولي الكتاب اهتمامًا بالانتماءات الصغرى التي تتشكل على مستوى الفرد، مثل الانتماء إلى الأسرة، والحي، والمهنة، والدين، والتيارات الفكرية، معتبرًا أن هذه الانتماءات لا تنفصل عن الأعمدة الكبرى للشخصية المصرية، بل تتقاطع معها وتعيد إنتاجها بطرق متعددة. ومن هنا، يطرح حنّا تصورًا ديناميكيًا للهوية، يرى فيها بناءً متحركًا يتغير باختلاف الأفراد والظروف، دون أن يفقد جذوره العميقة، وهذا ما يمكن اعتباره نقطة إيجابية في تحليله للهوية بعيدًا عن التنظير لها باعتبارها شمولية ومنمّطة في قالب واحد.

   ويتميز الكتاب بلغة تحليلية تجمع بين الطابع التبسيطي والسرد الشخصي والعمق الفكري، ما جعله يحظى بانتشار واسع خارج الأوساط الأكاديمية الصرفة، ويُستخدم كمرجع أساسي في النقاشات المتعلقة بالهوية الوطنية المصرية وتكوّنها التاريخي.

   في المحصلة، يقدم كتاب “الأعمدة السبع للشخصية المصرية” قراءة تأسيسية لفهم الهوية المصرية بوصفها نتاجًا لتاريخ طويل من التراكم الحضاري والتفاعل الجغرافي، ويُعد محاولة واعية لمقاومة الخطابات الإقصائية والاختزالية، عبر تأكيده أن قوة الشخصية المصرية تكمن في تعددها وتنوع روافدها، لا في اختزالها في بُعد واحد. وهو بذلك يشكّل نصًا مصريًا مهمًا في دراسات الهوية، وعلم الاجتماع الثقافي، والفكر السياسي المصري الحديث.


[1] الكوزموبوليتانية هي مفهوم ثقافي – حضاري يشير إلى الانفتاح على العالم والنظر إلى الإنسان بوصفه عضوًا في مجتمع إنساني أوسع يتجاوز الانتماءات القومية الضيقة، ويؤكد المساواة الأخلاقية بين البشر وقابلية التفاعل الخلاق بين الثقافات، بما يسمح بتعايش الهويات المحلية مع أفق إنساني كوني دون نفي الخصوصيات.

باحث مساعد في النظم والنظرية السياسية بمركز ترو للدراسات والتدريب

فنزويلا بين الإرث الإمبريالي الأمريكي وتحولات مبدأ مونرو في القرن الحادي والعشرين
الفكر السياسي الأمريكي المعاصر بين الواقعية الثقافية والنقد الراديكالي: دراسة مقارنة بين صامويل هنتغتون ونعوم تشومسكي
WhatsApp Image 2025-12-12 at 01.14
لغز رأس المال وأزمات الرأسمالية
بحر الصين الجنوبي
Scroll to Top