تعد عسكرة المياه من أهم الأسلحة وأدوات الحرب غير التقليدية التي تستخدمها الدول والفاعلين من دون الدول من أجل تحقيق أهداف سياسية وعسكرية. وعسكرة المياه هي ظاهرة ليست بالحديثة، ولكن زادت خطورتها مع الأزمات المائية التي أصبحت تعاني منها غالبية دول العالم، وبشكل خاص منطقتنا العربية التي تعتبر أحد أكثر المناطق حساسيةً لمحدودية الموارد المائية. وتعتبر عسكرة المياه أحد أهم قضايا تخصص الهيدروبوليتيكس البيني الذي يُعنى بدراسة المياه كمتغير له انعكاسات على الظاهرة السياسية. ويعتبر هذا الاهتمام نابعاً من اتساع مفهوم الأمن القومي ليشمل متغيرات أخرى غير تلك التي تركز على القدرات والإمكانات العسكرية للدول؛ ليشمل الأمن المائي، والأمن الغذائي، والأمن الإنساني.
ويشهد قطاع غزة بعد السابع من أكتوبر أحد أصعب أزمات المياه عالمياً – إن لم تكن الأصعب – بسبب العسكرة الإسرائيلية لموارد المياه واستخدامها كأداة لتعطيش السكان ودفعهم نحو ترك أراضيهم والنزوح. ولا تعتبر العسكرة الإسرائيلية للمياه ظاهرةً حديثة، بل يرجع تاريخها إلى 1948، وحتى قبل إعلان الدولة من قبل عصابات الهاغاناه.

ومن هذا المنطلق، يسعى هذا التقرير إلى تحليل عسكرة المياه في غزة، باعتبارها أداة حرب غير تقليدية ذات أبعاد سياسية وإنسانية وأمنية. وعليه، سيتم أولاً تقديم تعريف لمفهوم عسكرة المياه Weaponizing Water، وثانياً، سيتم عرض أمثلة تاريخية لعسكرة المياه، والتي امتدت من فترة ما قبل الميلاد إلى وقتنا الحاضر، كما امتدت لتشمل أغلب أقاليم العالم. وفي الجزء الثالث، سيتم التطرق لعسكرة المياه في غزة وكيف تستخدمها إسرائيل كسلاح غير تقليدي ضد الفلسطينيين.
أولاً: مفهوم عسكرة المياه
يشير مفهوم عسكرة المياه إلى استخدام الدول أو الفاعلين من دون الدول للمياه العذبة كسلاح لتحقيق الأهداف السياسية والعسكرية، والذي يتم من خلال الاستغلال أو الاستهداف المتعمد للموارد والبنى التحتية المائية خلال الصراعات، ويشمل ذلك تدمير مرافق المياه، والتلويث المتعمد للموارد المائية، وإتلاف أنظمة إمدادات المياه والصرف الصحي.[1]
وتجدر الإشارة إلى أن دول العالم اتخذت عدة خطوات لتجريم عسكرة المياه، ومن ضمنها قواعد مدريد لعام 1976 التي تحظر استخدام الأنهار ومصادر المياه لخدمة الأهداف العسكرية؛ مما يحرم المدنيين من الوصول إلى المياه أو يضر بالبيئة. كما تحظر اتفاقية المجاري المائية للأمم المتحدة لعام 1997 الإجراءات التي تهدد بقاء المدنيين واستقرار البيئة، مما يوفر الحماية لجميع البنى التحتية المائية في النزاعات. بالإضافة إلى ذلك، تؤكد مبادئ جنيف لعام 2019 على أهمية حماية البنية التحتية للمياه أثناء الحرب.[2]
وزادت في الآونة الأخيرة ظاهرة استخدام الفاعلين من دون الدول، كالحركات الإرهابية، للمياه كسلاح لتحقيق أهدافها العسكرية. ويرجع ذلك إلى أن هؤلاء لا يخضعون للقوانين الدولية مثل الدول التي يمكن أن تتعرض للمساءلة القانونية أمام المحاكم الدولية بسبب تقيدها بالاتفاقيات الدولية التي تمنع استخدام المياه كسلاح، إذ إن استخدام المياه كسلاح أو استهدافها في الصراعات غير مبرر وغير قانوني، بخلاف طبيعة الفاعل.[3]
وقد فرق كينج في دراسته في 2015، بين خمسة أنواع لعسكرة المياه التي تتراوح بين كون المياه هدف في حد ذاتها أو أداةً تستخدم في مناطق الصراع. النوع الأول هو العسكرة الاستراتيجية التي تستخدم فيها المياه للسيطرة على مناطق واسعة من الأراضي لتحقيق السيادة، أو استخدامها كأصل لتمويل الأنشطة كشراء الأسلحة. ثانياً، العسكرة التكتيكية، والتي تشير إلى استخدام المياه كسلاح في ساحة المعركة، لتوفير الدعم المباشر والفوري للعمليات العسكرية. ثالثاً، العسكرة السيكولوجية؛ أي بث الخوف في صفوف المدنيين من خلال حرمانهم أو التهديد بحرمانهم من الوصول إلى إمدادات المياه أو تلويثها، ويمكن أن يوصف ذلك بالإرهاب المائي.[4] رابعاً، العسكرة التحفيزية، والتي يتم استخدام المياه فيها كأداة لضمان شرعية السلطة الحاكمة. خامساً، العسكرة غير المقصودة، وهي عندما يتسبب استخدام سلاح المياه في أضراراً جانبية على المدنيين أو البيئة الأيكولوجية، ويعد نزوح السكان غير المتعمد مثالاً لهذه الأضرار الجانبية.[5]
ثانياً: أمثلة تاريخية لعسكرة المياه
وتعتبر ظاهرة عسكرة المياه ليست بظاهرة الحديثة، بل هي قديمة قدم التاريخ، إذ تشير قاعدة بيانات Water Conflict Chronology التابعة لـ Pacific Institute، أن العالم شهد ما يزيد عن 2757 صراعاً كانت فيه المياه متغيراً محورياً، سواء كموضوع للصراع أو أداة استخدمت فيه. وتذكر قاعدة البيانات أن أول صراع مسجل هو الصراع في سومر القديمة في 2500 قبل الميلاد. كما استخدم يوليوس قيصر المياه كسلاح خلال حصار أوكسيلودونوم في 51 قبل الميلاد، إذ قطع المياه عن الغال، مما أجبرهم على الاستسلام، وكذلك حاول مكيافيلي تغيير مسار نهر أرنو في مدينة بيزا المنافسة لفلورنسا.[6]
وفي الحرب العالمية الثانية، قام الاتحاد السوفيتي بإغراق المناطق القريبة من موسكو لمنع تقدم القوات النازية. كذلك قامت اليابان بقطع إمدادات المياه القادمة من ماليزيا إلى سنغافورة. بالإضافة إلى ذلك، قصفت الولايات المتحدة البنية التحتية للمياه في جزيرة سايبان اليابانية. وفي اللحظات الأخيرة للحرب، حاولت ألمانيا النازية أن تمنع قوات الحلفاء من التقدم بعد إنزال نورماندي، عن طريق غمر الأراضي المحيطة بنهر دوف. وفي العالم العربي، قام صدام حسين في 1990، باستخدام امدادات المياه لممارسة الضغط على مناطق معينة وتعمد حرمانها كأداة لمعاقبة السكان المحليين لرفضهم نظام الحكم.[7]
وفي السنوات القليلة الماضية، شهد الشرق الأوسط العديد من حالات عسكرة المياه في اليمن وسوريا والعراق، إذ وقعت هجمات متكررة على مواردهم المائية وبنيتها التحتية من قبل داعش والجماعات المسلحة. وفي بداية عام 2022، قامت القوات الروسية أثناء غزوها لأوكرانيا بقطع إمدادات المياه عن مدينة ماريوبول أولاً لإجبار المدينة على الاستسلام. كما دمرت روسيا السد الذي يتحكم في إمدادات المياه لشبه جزيرة القرم، إذ كانت أوكرانيا قد قطعت المياه عن شبه الجزيرة التي سيطرت عليها روسيا في 2014.[8]
ثالثاً: عسكرة المياه في غزة بعد السابع من أكتوبر
عكفت إسرائيل بعد 7 أكتوبر 2023، على استخدام البنية التحتية للمياه ضد الفلسطينيين في غزة، حيث دمرت العديد من الآبار الجوفية كما استهدفت محطات التحلية وقطعت إمدادات المياه عن القطاع. وأدى ذلك إلى أزمة مياه حادة أسفرت عن تفاقم الوضع الإنساني الصعب الذي يعيشه سكان القطاع، حيث يحصل كل مواطن في غزة على أقل من ثلاث لترات فقط من المياه يومياً – وهو أقل من الحد الأدنى للبقاء، وبفارق كبير عن الحد الموصي به دوليا البالغ 15 لترا لتغطية احتياجات الشرب والطهي والنظافة.[9]

والحقيقة أن استخدام العسكرة الإسرائيلية للمياه ليست بظاهرة جديدة، فقد قامت إسرائيل وعصابات الهاغاناه من قبل تأسيس الدولة في 1948، باستهداف الموارد المائية للفلسطينيين. على سبيل المثال، كشفت وثائق في أرشيف الجيش الإسرائيلي أنه تم استخدام الأسلحة الكيماوية والبيولوجية خلال حرب 1948، لتسميم آبار المياه في عدة بلدات فلسطينية. كما فرضت إسرائيل قيوداً عسكرية على تنمية الموارد المائية الفلسطينية منذ 1967. وفوق ذلك، ضاعف الحصار الإسرائيلي لقطاع غزة من أزمة المياه التي انعكست على مجالات أخرى كالأمن الغذائي والصحة العامة. وقد اتبعت إسرائيل هذا النهج لتهجير السكان الفلسطينيين من خلال جعل الحياة مستحيلة في أراضيهم.[10]
ووفقاً Pacific Institute، وهو مركز أبحاث يتتبع النزاعات المائية، فقد استهدفت القوات الإسرائيلية والمستوطنين مصادر المياه الفلسطينية ومرافق الصرف الصحي أكثر من 250 مرة في السنوات الخمس الماضية، وقد تم ذلك من خلال القنابل والسموم والآليات الثقيلة، كما يشير المعهد إلى أن الضفة الغربية المحتلة وقطاع غزة قد شهدوا 90 حادث استهداف على الأقل بين يناير 2024 ومنتصف 2025.[11]
وبالنسبة للوضع الحالي في قطاع غزة، فقد وصل إلى مستويات غير مسبوقة، إذ أصبحت 97% من المياه الجوفية في غزة غير صالحة للشرب وفقاً للأمم المتحدة، مما أجبر السكان على الاعتماد على المياه المحلاة، أو على مياه غير نظيفة تعرضهم للإصابة بأمراض خطيرة. وبالإضافة إلى ذلك، استهدفت إسرائيل محطات تحلية المياه التي يعتمد عليها السكان بشكل أساسي، حيث أصبحت تعمل محطتان فقط من أصل 3 محطات رئيسية، وبقدرة تشغيل جزئية.[12]
كما طال القصف أكثر من 85% من شبكات المياه والصرف الصحي، وأدى إلى تدمير وتضرر 2263 كيلومترا من خطوط المياه، إضافة إلى تعطُّل 47 محطة ضخ، وتدمير 74 محطة أخرى، فضلاً عن خروج جميع محطات الصرف الصحي عن الخدمة. وقد أدى ذلك إلى أن 90% من سكان قطاع غزة أصبحوا لا يستطيعون الوصول إلى مياه صالحة للشرب، وكذلك واجهت 93% من الأسر في قطاع غزة حالة من انعدام الأمن المائي، في ظل انهيار شبه كامل في منظومة المياه والصرف الصحي. وحسب خبراء الأمم المتحدة، فإن القطاع بات في أدنى المستويات عالمياً في الوصول إلى المياه الآمنة، حيث وصلت النسبة إلى 10% من المستوى المطلوب. أما الوضع شمالي القطاع، فقد وصل إلى عدم وجود مياه نظيفة على الإطلاق بسبب كثافة القصف والحصار الطويل الذي شهدته المنطقة.[13]
وفي القطاع ككل، أدى انهيار نظام الصرف الصحي، إلى تكدس كبير للسكان حول الحمامات، حيث أصبح لكل 360 شخص مرحاض واحد، ومكان واحد مخصص للاستحمام لكل 2400 شخص. وبطبيعة الحال، انعكس ذلك على زيادة نسبة الأمراض والأوبئة لمستويات غير مسبوقة، فقد تضاعف معدل الإصابة بالإسهال الدموي إلى 24 ضعفاً، كما ارتفعت معدلات الإصابة بالتهاب الكبد الوبائي A بزيادة قدرها 384 ضعفاً، هذا فضلاً عن عودة شلل الأطفال إلى الواجهة، كما يعيش مرضى الفشل الكلوي تحديات جسيمة بسبب تدهور الرعاية الصحية وعدم توفر المياه النظيفة.[14]

وتجدر الإشارة إلى أن حتى آبار المياه والمحطات التي لم تستهدف، لا تستطيع العمل بكامل قدرتها بسبب النقص المستمر في الوقود، مما أدى إلى انخفاض كميات المياه المتاحة للتوزيع. كما أدى نقص الوقود إلى استبدال الشاحنات التي كانت تنقل 15,000 لتر من المياه بعربات تجرها الحمير، والتي لا تستطيع أن تنقل أكثر من 500 لتر.[15]
ختاماً، يحتاج قطاع غزة إلى تضافر جهود الدول العربية من أجل إعادة بناء البنية التحتية للمياه والصرف الصحي التي دمرتها إسرائيل، فضلاً عن السعي لمقاضاة إسرائيل على عسكرة المياه التي تعتبر بمثابة جريمة حرب. وكما هو معلوم، لا يوجد بديل للمياه، وتعتبر بجانب الغذاء والمسكن أحد الركائز الأساسية في معادلة الصمود الفلسطينية التي تساعدهم على التمسك بأرضهم. وعليه، يجب أن توضع مسألة إعادة تأهيل البنية التحتية المائية على رأس أولويات خطط الإغاثة الإنسانية للقطاع. ولا يجب الاستهانة بذلك الأمر، إذ إن الأمن المائي والأزمة المائية في قطاع غزة يجعلان الأمن القومي العربي في خطر.
قائمة المصادر
[1] Mohsen Nagheeby, Alistair Rieu-Clarke, Stephen McCaffrey, Raya Marina Stephan, Ana Elisa Cascão, O. McIntyre, A. Nicol et al. “Israel’s weaponization of water: an urgent call to provide full access to water services in Gaza,” (2023), Nagheeby, M., A. Rieu‐Clarke, S. McCaffrey. 2023). – Google Scholar
[2] Geneva water Hub, “The Geneva List of Principles on the Protection of Water Infrastructure,” accessed 11 Jan 2026, https://www.genevawaterhub.org/geneva-list
[3] Ibid.
[4] Marcus DuBois King, “The weaponization of water in Syria and Iraq.” The Washington Quarterly 38, no. 4 (2015): 153-169, https://doi.org/10.1080/0163660X.2015.1125835
[5] Ibid.
[6] Pacific Institute, “Water Conflict Chronology,” Accessed, Jan 1, 2026. Water Conflict Chronology Timeline List, Water Conflict Chronology – Pacific Institute
[7] Ibid.
[8] Sharon Udasin, “How a Ukrainian dam played a key role in tensions with Russia,” The Hill, 3 Dec 2022, https://thehill.com/policy/equilibrium-sustainability/597910-how-a-ukrainian-dam-played-a-key-role-in-tensions-with/
[9] الجزيرة، “شُحّ المياه يدفع غزة إلى حافة الكارثة،” 1 يونيو 2025، بالإنفوغراف.. شُحّ المياه يدفع غزة إلى حافة الكارثة | أخبار | الجزيرة نت
[10] الشرق الأوسط، “وثائق تكشف تسميم الجيش الإسرائيلي آبار الفلسطينيين في حرب 1948،” 14 أكتوبر 2022، وثائق تكشف تسميم الجيش الإسرائيلي آبار الفلسطينيين في حرب 1948
[11] Pacific Institute, “Water Conflict Chronology,” Accessed, Jan 1, 2026. Water Conflict Chronology Timeline List, Water Conflict Chronology – Pacific Institute
[12] Yeşim Yüksel, “Israel’s 2-year ecocide in Gaza targets all environmental elements,” Anadolu Ajansı, 21 Oct 2025, https://www.aa.com.tr/en/middle-east/israel-s-2-year-ecocide-in-gaza-targets-all-environmental-elements/3722438#
[13] الجزيرة، “شُحّ المياه يدفع غزة إلى حافة الكارثة،” 1 يونيو 2025، بالإنفوغراف.. شُحّ المياه يدفع غزة إلى حافة الكارثة | أخبار | الجزيرة نت
[14] Yeşim Yüksel, “Israel’s 2-year ecocide in Gaza targets all environmental elements,” Anadolu Ajansı, 21 Oct 2025, https://www.aa.com.tr/en/middle-east/israel-s-2-year-ecocide-in-gaza-targets-all-environmental-elements/3722438#
[15]مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية – الأراضي الفلسطينية المحتلة، “آخر مستجدّات الحالة الإنسانية رقم 300 | قطاع غزة ،” 26 يونيو 2025، https://www.ochaopt.org/ar/content/humanitarian-situation-update-300-gaza-strip
باحث علاقات دولية بمركز ترو للدراسات