شهدت إيران في الآونة الأخيرة أزمةً اقتصاديةً خانقة أودت بها إلى دوامةٍ متصاعدة من الغضب الشعبي والاحتجاجات العنيفة، التي تفجرت في نهاية عام 2025 وبداية عام 2026. ففي ديسمبر 2025، انهار سعر صرف الريال الإيراني إلى مستويات غير مسبوقة، إذ وصل إلى نحو 1,300,000 ريال لكل دولار أمريكي، ثم واصل تراجعه في يناير 2026 ليصل إلى نحو 1,500,000 ريال لكل دولار أمريكي. وعلى أثر ذلك، بدأت موجة من الاحتجاجات تضرب البلاد؛ بدأت محدودة ثم اتسعت تدريجيًا في جميع انحاء إيران قبل أن تُحتوى لاحقًا. وقد جاءت هذه الأزمة نتاجًا لتداخل عوامل متعددة، تقاطعت فيها آثار العقوبات الغربية مع التناقضات الاقتصادية والاجتماعية الداخلية في إيران.[1]
ولفهم هذه الموجة الاحتجاجية على نحو أكثر اتساعًا، لا يكفي ردها إلى الاختلالات الداخلية وحدها، فهي لم تكن نتاجًا للتناقضات والأزمات الاقتصادية الداخلية فحسب، بل اربتطت كذلك بسياق بنيوي دولي أوسع تحكمه علاقات غير متكافئة في النظام الرأسمالي العالمي، تُخضع فيه دول الأطراف، خصوصًا تلك الساعية إلى الانفكاك عن نفوذ دول المركز الرأسمالي مثل إيران، لضغوط وهيمنة من قبل القوى الإمبريالية الكبرى، وفي مقدمتها الولايات المتحدة والدول الأوروبية. وتُعد إيران إحدى الحالات الكاشفة لتعقيدات النظام الرأسمالي العالمي وآليات إعادة إنتاج اللامساواة بين دول المركز الرأسمالي ودول الأطراف؛ فهي دولة تمتلك موارد استراتيجية ضخمة مثل النفط والغاز، وموقعًا جيوسياسيًا بالغ الحساسية، لكنها، في الوقت نفسه، تحركت تاريخيًا داخل بنية دولية غير متكافئة تُقيد إمكانات التحول الصناعي المستقل، وتُخضع مسارات التنمية لشروط محددة داخل النظام العالمي.
وعلى الرغم من سعي إيران إلى الانفكاك عن سيطرة الدول الإمبريالية ومواجهتها، فإن ذلك لا ينفي أنها هي الأخرى تمتلك مشاريع سياسية توسعية، وأهدافًا لنشر أيديولوجيتها وتصدير ثورتها وبسط هيمنتها على المنطقة، وهو ما يجعلها مصدر تهديد لبلدان وقوى أخرى في المنطقة.
وبناءً على ما سبق، يسعى هذا المقال إلى تحليل الأزمة الإيرانية الأخيرة لا بوصفها اضطرابًا داخليًا طارئًا ناتجًا عن الأزمات الداخلية فحسب، ولا بوصفها نتاجًا مباشرًا للعقوبات الاقتصادية وحدها؛ بل باعتبارها حصيلة تقاطع مركب بين ضغط خارجي يتجسد في منظومة العقوبات الغربية، وبين تناقضات داخلية تتصل بطبيعة الدولة الريعية وآليات توزيعها للموارد وبنيتها الطبقية. ويتم ذلك من خلال توظيف أُطرٍ نظرية ومنهجية تُعين على فهم هذه الإشكالية، وفي مقدمتها المنهج أو المنظور الماركسي، الذي يُقدم أدوات تفسيرية تساعد على ربط مكانة إيران الدولية بالبنية الاجتماعية الداخلية، وعلى فهم كيف تتحول السياسة العالمية إلى قيود مادية على التصنيع، وكيف يُعاد إنتاج التبعية بأشكال جديدة حتى في سياقات الصدام الأيديولوجي.
وعليه، يهدف المقال إلى بناء إطار تفسيري للأزمة الإيرانية الراهنة، أولاً عبر تتبع تطور مفهوم الإمبريالية في الفكر الماركسي من لينين إلى سمير أمين وما أضافته نظرية المركز والأطراف إلى فهم التبعية والتبادل غير المتكافئ، وثانيًا عبر تحليل المسار الإيراني داخل النظام الرأسمالي العالمي بين مرحلتين، مرحلة التحديث الريعي التابع في عهد الشاه، ومرحلة فك الارتباط بعد الثورة وما استتبعها من عقوبات، وثالثًا وأخيرًا قراءة الأزمة الأخيرة بوصفها لحظة انفجار اجتماعي نتجت عن التقاء الاختناق الخارجي بالتفاوت الداخلي. بهذه الكيفية، لا يتعامل المقال مع إيران كاستثناء، بل كحالة نموذجية تُظهر كيف تعمل آليات الهيمنة الحديثة على إعادة تشكيل الاقتصادات الطرفية وإبقاء مساراتها التنموية رهينةً لقيود المركز وشروطه، والتي من الممكن أن نجدها في حالات أخرى.
أولًا: تطور التحليل الماركسي للإمبريالية من لينين إلى نظرية المركز والأطراف عند سمير أمين:
يُعد مفهوم الإمبريالية، المقترن بالاستعمار، أحد أهم المفاهيم المحورية في الفكر الماركسي؛ إذ يُعبر عن مرحلة تتطور فيها القوى الرأسمالية لتتجه نحو الاستعمار والسيطرة والهيمنة على الشعوب والدول الأخرى الأضعف والأقل حظًا منها في سيرورة التطور التاريخي. وقد تطور هذا المفهوم على مدار إسهامات العديد من المفكرين الماركسيين. فقد كانت بدايات الماركسية مرتكزةً بشكل رئيسي على التحليلات الداخلية للنظام الرأسمالي. إذ لم تقدم كتابات كارل ماركس تحليلًا مُعمقًا لظاهرة الاستعمار والإمبريالية أو نظريةً متكاملًا عنها، حيث انصبت تحليلاته بشكل رئيسي على بنية النظام الرأسمالي، ومسار نشأته وتراكم رأس المال، واستلاب قوة عمل العمال واستغلال فائض القيمة، وغير ذلك.
ومع ذلك، ترد في كتاباته ومقالاته المتفرقة إشارات تفيد بأن الرأسمالية لا تظل حبيسة إطارها المحلي، بل تميل إلى التوسع خارجيًا بحثًا عن أسواق لتصريف فائض السلع، ومصادر للمواد الخام، وفرص استثمار تحقق أرباحًا أعلى، وقد ضرب ماركس أمثلةً على حالاتٍ استعمارية، مثل استعمار الهند، وربط ذلك بفكرة “السوق العالمي” الذي يمنح الإنتاج والإستهلاك طابعًا كونيًا. ولقد جاء بعد ماركس من طوروا أطروحاته فيما يتعلق بتوسع الرأسمالية خارج إطارها المحلي، وكان على رأسهم المنظر الماركسي الشهير وقائد الثورة البلشفية فلاديمير لينين.[2]
يطرح لينين، في كتابه “الإمبريالية أعلى مراحل الرأسمالية”، الكيفية التي تتشكل على أساسها الدول الإمبريالية الكبرى، بدءًا من مرحلة السوق الحر، التي تفضي تدريجيًا إلى تكوين الكارتيلات، والتروستات، والسينديكات، والتجمعات الرأسمالية، والتحالفات بين الشركات الكبرى، والتي تؤدي في نهاية المطاف إلى نشوء الاحتكارات، بوصفها سمة أساسية من سمات الرأسمالية الحديثة. ولا تقتصر هذه الشركات الاحتكارية والكارتيلات على نشاط صناعي واحد، بل تمتد لتشمل قطاعات وفروع صناعية متعددة، إذ تُعد من أبرز مظاهر الرأسمالية المتقدمة نشأة المشروعات الضخمة التي تجمع بين الصناعات الاستخراجية والصناعات الإنتاجية التحويلية في آنٍ واحد.[3]
وفي هذا السياق، يرى لينين أن الرأسمالية في مرحلتها الإمبريالية تصل إلى منح الإنتاج طابعًا اجتماعيًا شاملًا، بما يؤسس لنمط اجتماعي جديد من التنظيم الاقتصادي، ويؤدي هذا التشكل الجديد إلى خلق ظاهرة تصدير البضائع ورأس المال إلى الأسواق الخارجية، بسبب الفائض الزائد عن الحاجة، وهو ما يُعد الأساس لنشوء الإمبريالية الحديثة، حيث تسعى الدول الرأسمالية الكبرى إلى السيطرة على الأسواق والموارد في باقي أنحاء العالم، وفتح طرق جديدة للاستغلال، وزيادة الإنتاج والفائض الرأسمالي.[4]
وانطلاقًا من ذلك، يستنتج لينين أن تطور رأس المال ودرجة التركز التي تبلغها القوى الإنتاجية يقودان، بحكم منطق التطور الرأسمالي ذاته، إلى الاحتكار، وإلى السعي لنزع القدرة الإنتاجية من القوى الرأسمالية الأخرى ومن البرجوازيات الصغيرة، بما يمنع كسر حلقة السيطرة الاحتكارية على القطاعات التصنيعية الأصغر. ويُعد هذا البعد أحد مظاهر الإمبريالية على المستوى الداخلي. أما على المستوى الخارجي أو العالمي، فإن هذه القوى الاحتكارية الرأسمالية تقوم بتقسيم العالم فيما بينها، والسيطرة على موارد ومقدرات الشعوب الأخرى في نطاق مستعمراتها، ومحاولة منع صعود أي قوة أخرى قد تعاديها أو تصل إلى مصافها في يوم من الأيام، وذلك ضمن إطار شبكة من التفاهمات والاتفاقات بين هذه القوى، والتي إذا انهارت أو تصادمت، فأنها قد تؤدي إلى نشوء حروب فيما بينها لإعادة تقسيم العالم، كما حدث في الحرب العالمية الأولى، من وجهة نظر لينين.[5]
وقد وضع لينين في خلاصة كتابه تعريفًا يشمل خمس دلائل أساسية لنشوء الإمبريالية الرأسمالية، أولها أن يكون هناك تركز في الإنتاج ورأس المال بدرجة عالية تصل معه إلى مرحلة الاحتكار، والذي يلعب دورًا فاصلًا في تشكيل الحياة الاقتصادية، وثانيها أن يكون هناك اندماج بين الرأسمال البنكي والرأسمال الصناعي، والذي ينتج عنه نشوء “الطغمة المالية” على أساس ما يُعرف بـ”الرأس المال المالي”، وثالثها اكتساب عملية التصدير الرأسمالية صفة تصدير رأس المال، خلافًا لتصدير البضائع فقط، ورابعها ظهور أو تشكيل اتحادات رأسمالية احتكارية عالمية بين الشركات تتقاسم العالم فيما بينها، وخامسها تقسيم أقطار العالم بين كبريات الدول الرأسمالية. فالامبريالية، وفق لينين، هي الرأسمالية عندما تصل إلى ذروة تطورها الصناعي وسيطرة الاحتكارات بين كبرى الشركات الصناعية، والتي تنتهي في النهاية إلى تقاسم العالم بين الدول الرأسمالية الكبرى.[6]
ومع تطوير لينين للتحليل الماركسي لواقع الدول الرأسمالية والصراعات فيما بينها حول المستعمرات، ووصفه للإمبريالية بأنها أعلى مراحل الرأسمالية، وما يرتبط بذلك من نشأة الإمبرياليات المختلفة وسيطرتها على دول العالم المتأخرة، فقد جاء من بعده عدد من المفكرين الذين عملوا على توسيع هذا الإطار النظري، وكان من أبرزهم المفكر الماركسي المصري سمير أمين، الذي قام بتطويرها وإعادة صياغتها ضمن إطار نظرية المركز والأطراف، أو ما يُعرف بـ”نظرية التبعية” ذات المنظور الماركسي المقترنة بفكرة التبادل غير المتكافئ.
وتشير نظرية سمير أمين إلى أن العالم مقسم حاليًا إلى قسمين: دول الشمال، المُعبر عنها بأنها دول المركز الرأسمالي، ودول الجنوب، المُعبر عنها بأنها دول الأطراف. وقد نتج هذا التقسيم عن تاريخ طويل من الاستعمار والنهب والاستغلال لدول الأطراف من قبل دول المركز، وهذا أسفر عنه وجود فجوة في التنمية والتصنيع لدى دول الأطراف. كما تشير النظرية أيضًا إلى أن دول المركز التصنيعية والاحتكارية الكبرى تعمل عادةً على إعادة إنتاج علاقات السيطرة بمختلف الوسائل مع دول الأطراف، بهدف الحفاظ على تبعية دول الأطراف لدول المركز، بحيث تواصل الدول الرأسمالية الكبرى الاستفادة من الريع الإمبريالي المستخرج من اقتصادات الأطراف، أو المكسب التي تستخرجه دول المركز من دول الأطراف من مواد خام وعماله رخيصة وفائض قيمة، ضمن إطار التبادل غير المتكافئ أو التقسيم الدولي للعمل غير المتكافئ.[7]
ويرى سمير أمين أن علاقات السيطرة بين دول المركز ودول الأطراف شهدت تحولات وتغيرات من مرحلة إلى أخرى؛ إذ اتخذت السيطرة الإمبريالية في مراحل سابقة شكلًا عسكريًا مباشرًا على الدول الأضعف أو الطرفية. غير أنه مع صعود الحركات الوطنية وانتزاع السلطة من القوى الاستعمارية والإمبريالية الرأسمالية، أعادت دول المركز إنتاج علاقات الهيمنة عبر آليات غير مباشرة، تمثلت أساسًا في الاعتماد على طبقات كومبرادورية[8] محلية متحالفة معها، تُبقي على أنماط السيطرة القائمة وإن بصيغ مختلفة، وتستفيد هذه الطبقات من علاقاتها بدول المركز، ومن إعادة توجيه فائض القيمة المُنتَج في دول الأطراف نحو مراكز النظام الرأسمالي العالمي، بما يضمن استمرار علاقات التبعية وإعادة إنتاجها. وتستمر هذه الهيمنة أيضًا من خلال المؤسسات الدولية المختلفة، التي تخلق حالة من الفجوة الاقتصادية بين دول الشمال ودول الجنوب، أو بين دول المركز ودول الأطراف، عبر آليات تنموية تُفضي إلى نشوء أزمات هيكلية وبنيوية في المجتمعات النامية، فضلًا عن سياسات الدين والقروض التي تفرضها هذه المؤسسات، والتي تُنتج حالة من الشلل الاقتصادي في المجتمعات الأخرى الرامية إلى تحقيق تنمية حقيقية.[9]
وبالرغم من كل هذه الآليات المُقامة لفرض الهيمنة والسيطرة من قبل دول المركز على الأطراف، فإن هناك محاولات مختلفة لكسر حلقة السيطرة وفك الارتباط عن هذه الهيمنة، مثلما حاولت إيران فعله بعد الثورة الإسلامية، ومثلما تحاول العديد من الدول الأخرى أيضًا. ولكن حينما يحدث ذلك، تحاول دول المركز مرة أخرى الهيمنة على هذه الدول عبر آليات متعددة. ومن تجلياتها المعاصرة هي العقوبات الاقتصادية، والتي تعمل على السيطرة على حركة الأسواق الداخلية لهذه البلدان وقدرتها على استخراج الموارد الاستراتيجية، وفرض قيود على القدرة التصنيعية والاستثمارية لدول الأطراف، بما يضمن استمرار دورة التبعية وعدم قدرة هذه الدول على تطوير نموذج مستقل للتنمية الاقتصادية. وتجعل هذه العقوبات دول الأطراف عاجزة عن إقامة نهضة حقيقية، بما يجعلها تستمر في تصدير مقدراتها ومصادرها من المواد الخام لضمان استمرار حياتها الاقتصادية.
بالإضافة إلى ذلك، فإن عملية الهيمنة التي تمارسها دول المركز على الأطراف، والتي أنتجت تفاوتًا وتقسيمًا دوليًا في تحويل فائض القيمة من دول الأطراف إلى دول المركز، قد نتج عنها تخفيف شدة الاستغلال الرأسمالي المباشر في الدول المتقدمة، بينما ازداد الاستغلال الرأسمالي المباشر وغير المباشر في الدول المسيطر عليها، أو دول الأطراف، وهو ما خلق مشكلات هيكلية وبنيوية عميقة في دول الأطراف جعلتها غير قادرة على إقامة تنمية صحيحة، أو أدى إلى حدوث اعوجاج في التنمية الرأسمالية داخلها؛ فهي لا يُسمح لها أن تنمو نموًا رأسماليًا طبيعيًا مثل دول المركز، ولا هي في مرحلة إقطاعية أو رجعية عن الرأسمالية كليًا، فقد يحدث بها نموًا في الإنتاج والتصنيع ولكنه لا يضاهي ما تحوزة دول المراكز.[10]
يجادل سمير أمين أيضًا بأن الحركات الوطنية التحررية قد وضعت نفسها على طريق الخلاص من السيطرة الإمبريالية لدول المركز، لكنها عادت مرة أخرى إلى التبعية ذاتها نتيجة للتناقضات الداخلية التي تحدث في دول الأطراف، والناجمة عن التقسيم الدولي للعمل؛ إذ تؤدي هذه التنمية التابعة إلى ارتفاع نسب البطالة، وزيادة التفاوت في توزيع الدخول، وعدم القدرة على امتصاص الهجرة من الريف إلى المدن، وهو ما أدى إلى عدم استقرار اجتماعي، وإلى أزمة في التصنيع، وأزمة في الميزان التجاري الخارجي، وهو ما تعاني منه دول العالم الثالث حتى الوقت الحالي. غير أنه يرى أن الحركات الوطنية الساعية في طريق فك الارتباط عن دول المركز تسير على طريق تحقيق الاشتراكية في المستقبل، حتى وإن كان هذا الطريق طويلًا، والخلاص من سيطرة الرأسمالية عليها.[11]
جديرًا بالذكر أن ليست كل الدول التي تسعى إلى الانفكاك عن سيطرة دول المركز دولًا تتجه بالضرورة إلى الاشتراكية في المقام الأول؛ إذ قد تسعى بعض هذه الدول إلى تأسيس نمط من الرأسمالية الوطنية، بما يسمح لها بتحقيق قدر من التنمية المستقلة، قبل أن تتطور لاحقًا إلى قوى رأسمالية صاعدة، قد تحمل نزعات إمبريالية وتسعى إلى توسيع نطاق نفوذها الإقليمي أو الدولي. وفي هذا السياق، يمكن القول إن سمير أمين وقع في إشكالية تتعلق بعدم إدراك التعدد التاريخي لأشكال الحركات الوطنية، إذ مال أحيانًا إلى توصيفها توصيفًا اختزاليًا، وربطها أيديولوجيًا بمسار اشتراكي مفترض، ولعل ذلك نابع من أمل داخلي لديه في تحقيق اشتراكية بعيدة المدى على مستوى العالم، حتى بعد تفكك الاتحاد السوفييتي.[12]
ومع ذلك، لا يقلل هذا من الإسهامات النظرية الجلية التي قدمها أمين في تطوير نظرية التبعية، وفي إثراء التحليل الماركسي لعلاقات الهيمنة بين المركز والأطراف. غير أن طرحه لم يخلُ من إشكالية أخرى، تمثلت في تغليب البعد السياسي على البعد الاقتصادي، على نحوٍ يبتعد جزئيًا عن جوهر المنهج الماركسي، الذي يرى في الاقتصاد البنية التحتية المحركة للمجتمعات والمشكلة للبنية الفوقية، والمحددة لأنماط السلطة وأشكالها، ولطبيعة الطبقة المسيطرة على جهاز الدولة.
وانطلاقًا مما سبق، يمكن إسقاط بنية هذا الإطار النظري على ما تشهده إيران في الوقت الراهن من عقوبات دولية وأزمات اقتصادية متراكمة، وهي عوامل أسهمت في تشكيل ملامح الأزمة الإيرانية الأخيرة وتعقيداتها. إذ يتيح لنا هذا الإطار عددًا من الأدوات التنظيرية والمفاهيمية التي تساعد على قراءة الواقع الإيراني وتفسيره تفسيرًا منضبطًا، من خلال تحليل علاقات القوة داخل النظام العالمي الرأسمالي، وآليات الهيمنة الاقتصادية التي تمارسها دول المركز على دول الأطراف الساعية لفك الأرتباط عنها أو الساعية إلى تحقيق تقدم صناعي يجاري هذه القوى التصنيعية والاحتكارية.
ويجب الأخذ في الاعتبار أن التحليلات التي ستُقدم هي نتاج قراءة منهج سمير أمين، وقد يٌخالف المقال أحيانًا الاستنتاجات التي توصل إليها أمين نفسه أو آخرون ممن استخدموا منهجه، وذلك لاختلاف طبيعة الظاهرة الإنسانية وطبيعة البحث.
ثانيًا: إيران ومسارها في النظام الرأسمالي العالمي: من التبعية إلى المواجهة:
مرت إيران بالعديد من التحولات السياسية والاقتصادية في القرن الماضي؛ إذ كانت في عهد الشاه دولةً تتمتع بوضعٍ إقليمي اتسم بالانحياز إلى الغرب، وبسياسات التحديث والاندماج في الاقتصاد العالمي. ثم جاءت ثورة عام 1979 لتعيد تعريف علاقة الدولة بالسوق العالمي على أساس الصدام، وتفتح مسارًا طويلًا من التكيف القسري مع العقوبات المفروضة عليها، وبناء “اقتصاد مقاومة” يتأرجح بين الانفتاح المحدود والمواجهة المستمرة، ولكنها محسوبة. عليه، يستدعي ذلك النظر في فترتين متقابلتين في تاريخ إيران وتحليلهما: فترة حكم الشاه، وفترة ما بعد الثورة الإسلامية؛ وذلك لمقارنة موقع إيران الدولي ومسارها الاقتصادي، بما يُسهم في فهم الأزمة الراهنة وكشف عوامل اندلاعها.
أ- إيران في عهد الشاه: تحديث ريعي وتبعية للمركز
لم تكن إيران في عهد الشاه محمد رضا بهلوي، قبل قيام الجمهورية الإسلامية الإيرانية، مجرد حليفٍ استراتيجي لدول الغرب، بل مثلت منبرًا لنشر الأفكار الغربية، ومدخلًا لتعزيز حضور القوى الغربية الرأسمالية في منطقة الشرق الأوسط. فقد دعمت الولايات المتحدة الأمريكية والدول الأوروبية الكبرى، مثل فرنسا وبريطانيا، نظام الشاه بالعتاد والتمويل والتكنولوجيا، نظرًا لما كان يوفره من ضماناتٍ لتدفق المواد الخام والموارد البترولية، في ظل الإنتاج الكبير لإيران من الطاقة الأحفورية. وعلى هذا الأساس، يمكن القول، بحسب التعبير الماركسي، أن إيران كانت خاضعة لهيمنة طبقة كومبرادورية مستفيدة ومتحالفة مع دول المركز الرأسمالي؛ إذ قامت بدور الوسيط الذي يمد المركز بالمواد الخام، في مقابل استيراد الصناعات والسلع الرأسمالية المتقدمة والأسلحة الحديثة، بما مكنها من تعزيز نفوذها الإقليمي. ويضاف إلى ذلك موقعها الجيوسياسي، وحدودها المباشرة مع الاتحاد السوفيتي آنذاك، الأمر الذي جعل القوى الغربية حريصة على توطيد علاقاتها الدبلوماسية والاستراتيجية معها لتحقيق مكاسب سياسية واقتصادية وأمنية.
وتشير بعض الإحصاءات إلى أن إيران كانت تعتمد بشكل رئيسي على الريع العائد من الصادرات النفطية، حيث مثل الإنتاج النفطي القاعدة المادية الأهم في إيران والذي كانت تعتمد عليه في رابطتها مع دول المركز؛ إذ بلغ متوسط الإنتاج اليومي ذروته في عام 1974 عند نحو 6,021,879 برميل يوميًا، وهو مستوى يفسر ثقل إيران ضمن سوق الطاقة العالمي في سبعينيات القرن الماضي.[13] وتشير بعض الإحصاءات أيضًا أن عائدات إيران من صادرات النفط قفزت في مطلع السبعينيات من3.6 مليار دولار في عام 1972 إلى قرابة 21 مليار دولار في عام 1974، وهو ما يجعلها دولةً كانت تتبع نموذجًا من التحديث قائمًا على الريع المستخرج من المواد البترولية.[14]
كما تُظهر بيانات أخرى مسار توزيع صادرات النفط في أسواق المراكز الصناعية، حيث نجد أنه في عام 1973 ذهب نحو 7.8% من صادرات النفط الإيرانية إلى الولايات المتحدة، و37.2% إلى أوروبا، و33.6% إلى اليابان. وهذا إن دل فأنما يدل على أن إيران هي دولةً متموضعة داخل شبكة الطلب الصناعي العالمي من النفط، وهذا يعزز فرضية التبعية التجارية للمركز، وحاجة هذه الدول إلى وجود طبقة متحالفة معها على رأس هذه الدولة.[15] ولا تعبر هذه الصادرات المرتفعة من النفط عن قوة النظام الإيراني أو عن نمو حقيقي في الاقتصاد؛ إذ إن هذا النمو كان يعتمد على نمط من النمو الطرفي يتحقق عبر قطاعات تصديرية تخدم طلب دول المركز، وتستفيد من ريعها النفطي الذي يُعاد تدويره في صورة واردات من أسلحة وتكنولوجيا ووسائل ومعدات مستوردة من الخارج، بينما تبقى الروابط الإنتاجية الداخلية، من صناعات تحويلية وغيرها، ضعيفة وهشة. مما يجعلها، وفقًا للإطار التحليلي، دولًا تابعة لدول المركز المستوردة لنفطها.
وأما بخصوص الجانب العسكري، فتشير العديد من التقديرات إلى أنه كان هناك علاقات اعتماد هيكلية على التسليح والخبرة الغربية؛ إذ يذكر تقرير رسمي أمريكي أن إجمالي المساعدة والمبيعات العسكرية الأمريكية لإيران حتى 31 يوليو 1974 بلغ نحو 8.4 مليار دولار.[16] ولم يقتصر الأمر على تقديم المنح والمساعدات العسكرية المالية، فقد ارسلت الولايات المتحدة نحو539 عنصرًا من خبراء ومستشارين دفاعيين أمريكيين في يناير 1974 لدعم مهارات الصيانة والتشغيل والاستخدام للمعدات العسكرية المستوردة من الغرب.[17] كما تشير وثيقة أمريكية رسمية صادرة عام 1973 إلى أن الولايات المتحدة الأمريكية تشارك بدرجة كبيرة في تطوير البرنامج العسكري الإيراني، من خلال تدريب الجنود الإيرانيين وتنمية قدرات الجيش التسليحية، وأن هذا الأمر يرتبط ارتباطًا وثيقًا بمصالح الولايات المتحدة الأمريكية في المنطقة، أضافةً إلى أنها تشير إلى مستويات مرتفعة من التعاون والدعم في كافة المجالات بين البلدين، بما يجعلها قادرةً على التأثير في العديد من السياسات الحكومية في إيران.[18]
وعليه، فأنه يمكن القول بأن إيران كانت تحصل على دعم هائل من العالم الغربي، نظرًا لاستفادتهم منها في مجالات عديدة، وخاصة في مجال الطاقة الاحفوري، ولذلك حققت إيران معدلات مرتفعة في التنمية والتحديث، حيث شعدت إيران خلال خلال 1963–1977 نموًا لافتًا؛ إذ نما الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بمتوسط سنوي يقارب 10.5%.[19] غير أن هذا الصعود يمكن فهمه بوصفه نموًا معتمدًا على دول المركز المستوردة للنفط والتي تستفيد منه في المقام الأول، فالفائض النفطي في إيران يُعاد تدويره عبر الاستيراد المكثف للتكنولوجيا والسلع الرأسمالية والتسليح، بما يُغذي دور كومبرادوري أو وسيط داخل الدولة والسوق، ويجعل مسار التنمية مرتبطًا بحاجات المركز وبشروطه الأمنية والاقتصادية.
كما أن التنمية التي شهدتها إيران في هذه الفترة لم تكن تنميةً شاملةً لكل فئات وقطاعات الشعب الإيراني، إذ تركزت في بعض الفئات العليا؛ حيث يشير تقرير البنك الدولي الصادر عام 1974 إلى أن إيران في عام 1971 كان يحصل نحو 20% من سكانها على ما يقارب 50%–60% من مجموع الدخل. كما يعكس التقرير فجوةً في تفاوت الدخول بين الريف والحضر؛ إذ قُدر نصيب الفرد في الحضر بنحو 1035 دولارًا مقابل نحو 215 دولارًا في الريف، وهو ما يشير إلى أن التحديث تمركز مكانيًا واجتماعيًا في المدن والقطاعات الحديثة أكثر من تمركزه في المناطق الريفية. [20] ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن المجتمع الإيراني شهد طفرة كبيرة في ارتفاع مستويات المعيشة والدخل، حيث أشارت بعض الدراسات التي اعتمدت على مسوح الأسر إلى أن معدلات نسب الأسر الفقيرة انخفضت من 54% في عام 1971 إلي 28% في عام 1975، ولكن صاحب هذا التراجع في مستويات الفقر ارتفاعًا شديدًا في مستويات اللامساواة.[21]
بناءً على ما سبق، يمكن القول إن إيران في عهد الشاه كانت نموذجًا لدولة ريعية خاضعة لنفوذ دول المركز الرأسمالي؛ إذ كان اقتصادها ينمو، في المقام الأول، عبر تصدير المواد الأولية، ولا سيما النفط، ثم إعادة تدوير عائداته من خلال استيراد السلع والصناعات المُنتجة. ومن هنا تنشأ أزمة هيكلية في بنية الاقتصاد يفسرها سمير أمين من ناحية “التمفصل”، وهو مصطلح يشير إلى ترابط بين نمطين من الإنتاج، والتراكم المتمركز حول الذات واختلافاته بين دول المركز ودول الأطراف. حيث يشير إلى أن التمفصل الذي يميز دول المركز عن دول الأطراف هو نمو قطاع الإنتاج لزيادة الاستهلاك، وقطاع الإنتاج لوسائل الإنتاج، والذي يتماشى مع زيادة الأجور الحقيقية للعامل، إذن فالتمفصل هنا يعبر عن تراكم متمركز حول الذات، وعن ترابط عضوي بين نمطين من الإنتاج؛ وهما الإنتاج الاستهلاكي للسلع، والإنتاج لوسائل الإنتاج.[22]
أما في دول الأطراف فإن التمفصل الذي يميزها هو زيادة الإنتاج للتصدير، خاصةً في المواد الأولية، وزيادة الإنتاج للاستهلاك الترفي ولاستيراد السلع المصنعة من الخارج، أي أن تمفصلها قائم على الترابط بين الإنتاج للمواد الأولية للتصدير، والإنتاج السلعي للاستهلاك المترف. وعلى هذا الأساس يحدث تشوه للتنمية في بلدان الأطراف، لأن إنتاجها لا يُعاد تدويره في زيادة قطاعات الإنتاج لوسائل الإنتاج الصناعي أكثر من زيادةٍ في قطاعات الاستهلاك المترف، وفي قطاعات الإنتاج المخصصة لاستخراج المواد الخام والمصادر الأولية، ناهيك عن عدم وجود زيادة حقيقية مرتفعة في أجور العمال، وارتفاع في دخول الفئات العليا. [23]
ومع ذلك، رأى سمير أمين أن إيران في بعض كتاباته، رغم التبعية والموالاة التي اتسمت بها في فترة حكم الشاه للغرب وللولايات المتحدة الأمريكية، حاولت القيام بنهضة وتحديث للبلاد رأسماليًا على نمط رأسمالية الدولة، غير أن هذا المسار كان مقيدًا بفعل الاعتبارات السياسية والاقتصادية السائدة في النظام العالمي، وتموضعه في المعسكر الغربي، بما أنتج مشروعًا نهضويًا فاشلًا.[24] وهذا ما يمكن أن نتبينه في تحليل المقال للنظام الإيراني في عهد الشاه. غير أن تحليل المقال قد يختلف مع سمير أمين في توصيفه لتحديث إيران بوصفه محاولةً حقيقية؛ إذ يمكن القول إنها كانت محاولةً قائمة على اقتصاد ريعي تابع، لا يُنتج مسعى حقيقيًا لتحديث البلاد والخروج من واقع التبعية، وهو ما تبين أيضًا في التحليلات.
ب- إيران بعد الثورة الإسلامية: بين فك الإرتباط وفرض العقوبات
ظلت إيران على هذا الحال من التبعية للدول الغربية حتى قيام الثورة الإسلامية في عام 1979، والتي أتت بالعديد من التغيرات في بنية النظام الإيراني، في هيكله السياسي والاقتصادي والثقافي. فقد وضعت الثورة حدًا لعملية الاستغلال الرأسمالي الغربي لها، كما أنها أحدثت قطيعة سياسية وإيديولوجية مع الشكل الإيراني السابق المتموضع داخل المنظومة الغربية. حيث عملت الجمهورية الإسلامية على نشر الثقافة الإسلامية الشيعية، والفكر السياسي الشيعي المرتكز على فكرة ولاية الفقيه[25]، بشكل يسمح لها بإعادة بناء المجتمع الإيراني على أُسس دينية مغايرة للأُسس العلمانية التي كانت سائدة في فترة حكم الشاه؛ إذ إن الشاه كان مهتمًا بنشر القيم الثقافية الغربية في المجتمع الإيراني، وهو ما نبذته الأوساط الحاكمة في إيران في عهد ولاية آية الله الخميني ومن جاءوا من بعده.[26]
وقد عملت الثورة الإيرانية كذلك على تأميم العديد من القطاعات الخدمية والصناعية، والشركات الخاصة، والبنوك، والتأمين، وكانت هذه التأميمات مدفوعة بعوامل إيديولوجية وعملية في سبيل محاولة فك الارتباط عن سيطرة دول المركز الرأسمالي عليها .أما على المستوى الخارجي، فقد عملت إيران على تصدير ثورتها على مستوى المنطقة، وعملت على مبدأ “نصرة المستضعفين”، ومبدأ “لا شرقية ولا غربية”، وهما المبدآن اللذان قامت على أساسهما السياسة الخارجية الإيرانية في مواجهة القوى الغربية والإمبريالية المختلفة، وخاصة قوى الاستبكار، بتعبير الخميني، مثل إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية.[27] وبهذا نجد أنها اتبعت سياسة تصادمية مع القوى الغربية الرأسمالية؛ فعملية فك الارتباط لا تتعلق فقط بالشروط الاقتصادية، بل تشمل العديد من العوامل الأخرى، كالشروط الأمنية والسياسية وغيرها.
ولقد اتبعت الجمهورية الإسلامية الإيرانية عدة إجراءات وآليات أخرى للتخلص من سيطرة دول المركز الرأسمالي عليها، وتعزيز استقلالها المالي، وذلك عن طريق “أسلمة” نظامها المالي والمصرفي؛ حيث اعتمدت إيران نموذجًا مصرفيًا تصفه بأنه “لا ربوي” عبر قانون المصارف بدون ربا، الذي أُقر عام 1983 ودخل حيز التطبيق عام 1984. وهذه الخطوة ليست مجرد انعكاس للبنية الأيديولوجية أو الإسلامية فحسب، بل هي خطوة تعكس محاولة الجمهورية الإسلامية إعادة ترتيب الاقتصاد بما يتلاءم مع توجهاتها الجديدة، لتقليل قدرة الغرب الرأسمالي على الاندماج السلس في نظامها الاقتصادي واستغلاله لصالحه، مع الأخذ في الاعتبار وجود قنوات اتصال وتعامل مع العالم الخارجي بطبيعة الحال.[28]
ومع وجود كل هذه المؤشرات على العداء الصريح مع الغرب والولايات المتحدة الأمريكية، لم تقف هذه الدول مكتوفة الأيدي، بل اتبعت سياسة منهجية مركبة لإضعاف إيران وتقويض قدرتها على الانفكاك عن سيطرتها، وقد تركزت هذه السياسة في العقوبات متعددة الطبقات وتجميد الأصول المالية الخارجية، ومنع تصدير المواد الصناعية والتكنولوجية المهمة إليها، وفرض قيود شديدة على حركة التبادل التجاري بينها وبين الدول الأخرى. ففي14 نوفمبر 1979 أصدر الرئيس الأمريكي جيمي كارتر أمرًا بتجميد ممتلكات الحكومة الإيرانية والبنك المركزي داخل الولاية القضائية الأمريكية، وكان هذا الإجراء يُعد من أوائل العقوبات التي فُرضت على إيران، والتي أعقبتها سلسلة من العقوبات أصبحت ترزح تحت وطأتها لسنوات عديدة. [29]
ونذكر بعض هذه العقوبات بالتفصيل، مثل حظر المعاملات المالية والخدمية المباشرة وغير المباشرة التي فرضتها الولايات المتحدة الأمريكية على الأمريكيين، أو على أي معاملة لها صلة بالولايات المتحدة الأمريكية، إلا بترخيصات وتصاريح محددة. [30] أما على المستوى الأوروبي، وفيما يخص الجانب المالي، فقد تطورت القيود لتشمل البنية التحتية المختصة بالشؤون المالية؛ إذ نصت اللائحة الأوروبية رقم 267/2012 على تطوير تطبيق التدابير المالية المستهدفة على مقدمي خدمات الرسائل المالية المتخصصة، وهو ما ارتبط عمليًا بقطع خدمات SWIFT عن بعض البنوك الإيرانية الخاضعة للعقوبات في عام 2012. [31]
ناهيك عن وجود عقوبات أخرى مطبقة على قطاعات البتروكيماويات والطاقة وغيرها من القطاعات القادرة على توليد العملة الصعبة، ولا سيما قطاع البترول، الذي تأثر بشكل كبير تحت ضغط العقوبات المتراكمة على إيران. وتُظهر بيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية (EIA) كيف انعكس تشديد العقوبات النفطية (الأمريكية والأوروبية) على حجم الصادرات والعائدات؛ فقد قدّرت EIA أن صافي عائدات صادرات النفط الإيرانية في عام 2012 بلغ نحو 69 مليار دولار مقارنةً بـ95 مليار دولار في عام 2011، في ظل تشديد القيود على قطاع النفط. كما تشير EIA إلى تراجع صادرات الخام والمكثفات من نحو 2.6 مليون برميل يوميًا في عام 2011 إلى متوسط 1.4 مليون برميل يوميًا في عام 2014 تحت ضغط العقوبات. [32]
وفيما يخص جانب الطاقة النووية، فقد فرض مجلس الأمن خلال الفترة 2006–2010 عدة عقوبات على البرنامج النووي وما يتصل به من مواد وتقنيات حساسة، شملت تجميد أصول وقيودًا على أفراد وكيانات. ثم جاء القرار 2231 في عام 2015 باعتباره الإطار الذي أقر الاتفاق النووي ورفع جزءًا من العقوبات المرتبطة بالنووي ضمن شروط محددة. وفي سبتمبر 2025 أُعلن عن إعادة تطبيق عدد من قرارات 2006–2010 (منها 1696 و1737 و1747 و1803 و1835 و1929) وفق ما ورد في مذكرة الأمين العام للأمم المتحدة، بما مثّل عودةً لمنظومة أممية أقدم في سياق آلية إعادة فرض العقوبات. كما أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية اكتمال عملية إعادة تفعيل عقوبات الأمم المتحدة في 27 سبتمبر 2025. [33]
ويمكن الاكتفاء بذكر هذه العقوبات المتنوعة، لأن الهدف هنا ليس استعراض جميع العقوبات المفروضة على إيران، وإنما نحن بصدد تفكيك بنية هذه الآلية وتفسير عملها والغرض منها. فهذه العقوبات لا تأتي فقط في سياق العداء الأيدولوجي مع النظام الإيراني فحسب، وإنما هي تأتي في سياق طبيعة النظام الرأسمالي العالمي الرافض لصعود قوى اقتصادية أخرى قد تنافس اقتصاديات دول المركز، وتكسر حلقة السيطرة الرأسمالية.
ومن هنا يمكن أن نستشف أن عملية فرض العقوبات على الاقتصاد الإيراني والشخصيات الإيرانية البارزة هي، في الأساس، آلية لإعادة إنتاج التبعية، وفرض قيود على قدرة الاقتصاد الإيراني على زيادة التصنيع وتحقيق نهضته المنشودة، وإفشال أي محاولة جدية لفك الارتباط عن دول المركز في النظام الرأسمالي العالمي. فهذة العقوبات تعمل على إعادة دمج الاقتصاد الإيراني في دائرة السيطرة الغربية والرأسمالية، عن طريق إعادة توجيه اقتصادها وصادراتها بطرق غير رسمية، والذي يعزز من تصدير المواد بإسعار دُنيا، مقارنة بإسعارها في السوق الدولي المفتوح، وعبر وسطاء مثل الصين وروسيا، أو عبر إسطول الظل الخاص بها. وهذا يجعلها في دائرة الاقتصاد الريعي مرة اخرى ويقيدها من تحقيق تقدم حقيقي لوسائل الانتاج الصناعية. فهي بذلك لا تندمج في الاقتصاد العالمي بصورة طبيعية، ولا تستطيع أن تحدث قطيعة معه بصورةً كلية.
وتشير بعض المصادر إلى أن العقوبات جعلت إيران تعتمد على منافذ بيع محدودة، وهو ما يضطرها إلى بيع مواردها بخصومات. ومثالًا على ذلك، تشير بعض المصادر إلى أن الصين تشتري ما يزيد على 80% من النفط الإيراني المُشحَن، بمتوسط 1.38 مليون برميل يوميًا في عام 2025، وهو ما يُعد شكلًا من أشكال التبعية الاقتصادية التي تضع إيران أمام منافذ بيع محدودة. [34] كما تشير بعض المصادر الأخرى إلى أن إيران تقوم ببيع نفطها بخصومات تصل إلى 13 دولارًا للبرميل الواحد في فترات محددة، وذلك لتعويض ما يلحق بها من أضرار ناجمة عن العقوبات المفروضة عليها.[35]
وعلى الرغم من ذلك، لا يمكن إنكار أن إيران نجحت جزئيًا في بناء قدرٍ من الاستقلال السياسي والأمني، وتوسيع نفوذها إقليميًا عبر وكلائها في المنطقة، مثل حزب الله والحوثيين وغيرهم، إلى جانب تطوير بعض قدرات الإحلال محل الواردات، وزيادة قدراتها التصنيعية في بعض المعدات العسكرية، مثل الصواريخ الباليستية والطائرات المُسيّرة وغيرها. كما أنها فرضت نفوذها في عددٍ من بلدان ومناطق الشرق الأوسط، مثل لبنان واليمن والعراق، وهو ما يجسد تحديًا حقيقيًا للقوى الإمبريالية المتدخلة في المنطقة، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية التي تمتلك العديد من القواعد العسكرية فيها. ولكنها رغم ذلك بقيت مقيدة بنيويًا بعوائد الريع وبالاختناق المالي والتكنولوجي الذي أعاد إنتاج التبعية بصيغ جديدة، أبرزها الاعتماد على منافذ محدودة للتصدير، وبقائها في دائرة الدول المعتمدة على الاقتصاد الريعي.
ولكن، رغم محاولات إيران لفك الارتباط عن سيطرة دول المركز الرأسمالي، فإنه لا يمكن القول بأن إيران سعت إلى تحقيق اشتراكية بثورتها الإسلامية وببرجوازيتها الوطنية، لكنها بالتأكيد كانت تحاول الاستقلال عن سيطرة هذه الدول. فإيران، رغم خطابها الأيديولوجي الإسلامي المعادي للقوى الغربية والإمبريالية، فهي تمثل نموذجًا لرأسمالية دولة ريعية تعمل داخل النظام الرأسمالي العالمي، وإن كانت في موقع الأطراف أو شبه أطراف مُعاد إنتاجه بفعل العقوبات.
جديرًا بالذكر أن سمير أمين، في تحليله لواقع إيران والاقتصاد الإيراني، رأى أنها دولة تحمل قيمًا رجعية، مستندًا في تحليله إلى الهيئة الحاكمة الدينية وارتباطها بنمط الإسلام السياسي والحكم “الثيوقراطي”، وما ينتجه من تديينٍ للمجال العام وتقييدٍ لمسارات التحديث السياسي والاجتماعي، لا بمجرد حضور الدين في المجتمع في ذاته. إضافةً إلى أنه رأى أنها دولة كان ممكنًا لها أن تتوافق مع الرأسمالية العالمية، من حيث المنطق الاقتصادي، رغم الصراع السياسي والاختلاف الإيديولوجي مع واشنطون.[36]
ثالثًا: تحليل الأزمة الإيرانية الراهنة من منظور نظرية المركز والإطراف
شهدت إيران، في الآونة الأخيرة، موجةً من الاضطرابات والاحتجاجات الواسعة وُصفت بأنها الأكبر منذ عام 1979، اتسمت بسرعة الانتشار وتعدد بؤرها الجغرافية، قبل أن تتصاعد إلى مواجهات عنيفة؛ حيث أسفرت الاحتجاجات عن مقتل ما يزيد على 3000 شخص، وفق المصادر الرسمية في إيران، واعتقال قرابة 25 ألف شخص، مع العلم أن هذه الأرقام متباينة من مصدر إلى آخر، حيث تشير بعض المنظمات الحقوقية إلى أن عدد القتلى يزيد عن 6000 شخص.[37] وقد بدأت هذه الاحتجاجات في 28 ديسمبر 2025 على خلفية التدهور الاقتصادي الحاد، وانهيار سعر الريال الإيراني ووصولها إلى مستويات متدنية أمام الدولار، وارتفاع أسعار المنتجات والسلع، وتفاقم الضغوط المعيشية، إذ نادت بمطالب وإصلاحات اقتصادية، ثم توسعت تدريجيًا لتشمل مطالب سياسية. وقد انتشرت هذه الاحتجاجات على مستوى البلاد بأكملها، وشملت أكثر من 70 مدينة وبلدة في 26 محافظة من أصل 31 محافظة إيرانية. كما اندلعت عدة احتجاجات طلابية في جامعات طهران ضد النظام الإيراني والغلاء المرتفع بها. [38]
ويمكن تفسير هذا الاتساع بأن الموجة الاحتجاجية في إيران تزامنت مع تفاقم الأزمة المالية والنقدية وتدهور قيمة العملة، وهو ما أحدث صدىً واسعًا لدى العديد من قطاعات الشعب الإيراني على أرض الواقع، وعبر عن تفاقم حاد في الأوضاع المعيشية وارتفاع مستوى التضخم.
ومع انتقال الاحتجاجات من موجة اقتصادية إلى أزمة ذات أبعاد سياسية وأمنية، اتجهت الدولة إلى احتوائها عبر أدوات السيطرة الأمنية والاتصالية. فمع تصاعد حدة الاحتجاجات، حاول النظام الإيراني استيعابها أمنيًا، وقام في يوم 8 يناير بقطع الإنترنت عن البلاد بالتزامن مع استمرار الاحتجاجات،[39] والذي عاد جزئيًا في نهاية يناير ولكن بشكل متدرج وغير مستقر. [40] وذلك بالتزامن مع تصاعد استخدام القوة والعنف ضد المتظاهرين، بحسب بعض المصادر، وهو ما بررته إيران بوجود متظاهرين مسلحين تعاملت معهم. ومع مرور الوقت، رصدت بعض التقارير أن حدة الاحتجاجات بدأت تخفت تدريجيًا منذ يوم 16 يناير، [41] مع عمليات الاستيعاب التي قام بها النظام الإيراني. وقد تراجعت في الوقت الحالي وتيرة الاحتجاجات بشكل كبير تحت وطأة الاستيعاب والعنف، مع بقاء مظاهر للتوتر والاحتقان في بعض المناطق، ووجود أمني ثقيل في بؤر سابقة للاحتجاج.
مما سبق، نستنتج أن الأزمة الإيرانية الأخيرة كانت، إلى حد بعيد، أزمة مركبة تتقاطع في داخلها عوامل داخلية وخارجية متعددة، ولا سيما ما يتصل بالبنية الاجتماعية والتقسيمات الطبقية داخل إيران. إذ لا يمكن فهم الأزمة الإيرانية بمعزل عن تحليل البنية الطبقية وتناقضاتها في الداخل الإيراني، وعن تأثير العقوبات المتراكمة على إيران وعلى اقتصادها الريعي.
فعلى الرغم من أن الثورة الإسلامية كسرت حاجز الهيمنة الإمبريالية سياسيًا، وأزاحت الطبقة الحاكمة التابعة للغرب من السلطة، فإنها قد أعادت بناء دولة طبقية من أعلى. فقد نشأ عن هذا الاقتصاد الريعي، وعن هذه الثورة، طبقة أو كتلة حاكمة تسيطر، في أغلبها، على معظم الثروة، وهي تتجسد في النخب السياسية والدينية والأمنية والعسكرية، ومن يدور في فلكهم من رجال أعمال محميين بعقود ومزايا تنظيمية. ولا تمثل هذه الطبقة برجوازية إنتاج، بل برجوازية دولة ريع تجاري. وهذه الطبقة لا تُعاني نتيجةً للعقوبات، بل خلقت لنفسها مجالًا من الاستثمارات والفرص يتلائم مع وضع إيران العالمي، وراكمت ثروتها عبر السيطرة على النفط والغاز، والتجارة الخارجية، والعملات الصعبة، والعقود الكبرى، والاقتصاد الموازي، فهي لا تعود قوتها إلى سيطرتها على قاعدة الإنتاج الاجتماعي بل عبر احتكار قنوات التوزيع والوساطة.[42]
على عكس الطبقات الأخرى من الشعب الإيراني، من الطبقات المتوسطة والدنيا من العمال والفلاحين، التي تُعاني بشدة من أثر العقوبات المفروضة على الاقتصاد الإيراني، ومن الفساد السياسي والإداري في الدولة. فالدولة الإيرانية لم تستخدم ريعها النفطي لإنتاج بُنى اجتماعية واقتصادية تساعدها على التصنيع وصياغة عقد اجتماعي شامل لكل فئات وطبقات الشعب الإيراني، بل قامت بإعادة صياغة الولاءات والتوزيع الريعي والمالي بين فئات محددة من الكتل الحاكمة والمتعاونة معها. ومع تصاعد حدة العقوبات والتدهور الاقتصادي، نُقلت تكلفتها إلى الطبقات والفئات الدنيا، بينما عملت الطبقات الحاكمة في إيران على تشديد قبضتها، وفتح مسارات من الاحتكار والتوزيع غير المتكافئ على فئات الشعب. وهو ما أفرز في النهاية الاحتجاجات الأخيرة، والاحتجاجات التي سبقتها في عام 2003، و2009–2010، و2018، وغيرها.[43]
وعليه، نجد أن الأزمة الإيرانية الأخيرة تقاطعت فيها التناقضات الطبقية الداخلية مع بنية العقوبات الخارجية التي راكمت هذا الاحتقان الشعبي، وعمّقت طبيعة التفاوت الطبقي في إيران. إذ يمكن تفسير الأزمة الأخيرة بوصفها تعبيرًا عن فشل فك الارتباط الاقتصادي البنيوي؛ حيث أعادت العقوبات تشكيل مكان إيران في التقسيم الدولي للعمل، وأعادت إدماجها في الاقتصاد العالمي على أساس ريعي مع قنوات تبادل محدودة، ما أضعف آفاق التصنيع المستقل، وعمق التناقضات الطبقية الداخلية عبر توزيع غير متكافئ للريع لصالح النخب الحاكمة، وتهميش واسع للطبقات المتوسطة والفقيرة، وهو ما مهد لانفجار اجتماعي عند لحظة صدمة الأسعار وانهيار العملة.
ومما لا شك فيه أن القوى الإمبريالية والغربية الأخرى تسعى إلى استغلال هذه الأزمة للتدخل من أجل تغيير النظام الإيراني واستبداله بنظامٍ آخر يكون خاضعًا لهيمنة الدول الرأسمالية. فعلى سبيل المثال، تسعى الولايات المتحدة الأمريكية إلى استبدال الطبقات الحاكمة في إيران بطبقات كومبرادورية متعاونة معها؛ ولذلك نجد أنها تدعم عودة رضا بهلوي، نجل شاه إيران المخلوع، إلى سدة الحكم في إيران من خلال الدعاية له ودعم المنابر التي تُوصل صوته. كما أنها أرسلت حاملة الطائرات أبراهام لينكولن مع مجموعة من المدمرات الأمريكية إلى الشرق الأوسط تحسبًا لأي عمليات عسكرية قد تقوم بها تجاه إيران، بذريعة العمليات الأمنية التي تمثلت، بحسب روايتها ورواية العديد من المصادر، في قمع المتظاهرين وقتلهم، ورفعت من جاهزية قواتها المتمركزة في قواعدها بالمنطقة. ناهيك عن أن إسرائيل تقوم برفع جاهزيتها هي أيضًا، وتُكرر تهديداتها لإيران بأنها ستوجه ضربات عسكرية لها.[44]
فإيران تمثل، في نظر هذه القوى، بؤرة للتهديد، ومع اندلاع أي أزمة، تستغلها واشنطن للضغط على النظام الإيراني، في سبيل فرض مزيدًا من القيود عليه، ودفعه نحو اتفاقات تُقلص من قدرته على الاستقلال السياسي والاقتصادي، وتُكرس تبعيته، ولا سيما السياسية، من جديد. وفي الوقت الراهن، تتزامن هذه الأزمة مع مسار تفاوضي جاري، إذ استؤنفت قنواتُ التفاوض غير المباشر بين الولايات المتحدة وإيران بوساطة سلطنة عُمان، وكان من أحدث محطاته جولة مسقط في 6 فبراير 2026، والتي وصفتها طهران بأنها “بداية جيدة”، وذلك لتخفيف حدة الصراع بينها وبين الولايات المتحدة الأمريكية، والوصول إلى نقاط توافق بينها وبين واشنطن.[45]
مع العلم أن المباحثات تتركز أساسًا على الملف النووي الإيراني والحد من قدرته مقابل تخفيف العقوبات، في حين تدفع واشنطن، مدعومةً بمطالب إسرائيلية، نحو توسيع نطاق التفاوض ليشمل برنامج الصواريخ الباليستية وقضايا إقليمية وحقوقية؛ وهو ما ترفضه إيران وتعده خارج إطار التفاوض، مؤكدة أن ملف الصواريخ غير قابل للتفاوض.[46]
ولكن يبقى السؤال هنا، ماذا لو نجح مسار هذه المفاوضات الحالية بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية؟ يمكن القول، من خلال منهج سمير أمين، إن هذه المفاوضات، إذا نجحت ورفعت جزءًا من القيود المفروضة على إيران وأدخلتها في التقسيم العالمي للعمل بسلاسة مرة أخرى، فإنها ستدخل في دائرة دول الأطراف أو شبه الأطراف؛ إذ لن يُسمح لها بامتلاك أسلحة متطورة، كما ستُقلص من نفوذها الإقليمي بناءً على الاتفاقيات والمواءمات بينها وبين الدول الرأسمالية الأخرى، وهو ما قد يُكرس تبعيتها لهذه الدول ويدمجها في الاقتصاد العالمي لا بوصفها دولةً منتجة متطورة، بل كدولة ريعية تابعة للدول الغربية. وقد يُقلل ذلك من اعتمادها على دول أخرى كانت تمثل منفذًا لتصريف نفطها، مثل الصين وروسيا.
ومع ذلك، فإن تموضعها ومكانتها يظلان مرهونين بتوجهاتها وسعيها إلى فك الارتباط عبر تطوير وإنتاج وسائل الإنتاج، ومحاولة تصحيح مسار تنميتها من التشوهات التي طرأت على اقتصادها، بما قد يقرّبها من موقع أقرب إلى المركز، ويُمكِّنها من تحقيق تنمية وطنية مستقلة تخدم السوق الداخلي لا السوق العالمي.
وختامًا، سعى هذا المقال إلى بناء إطار تفسيري للأزمة الإيرانية الراهنة انطلاقًا من تطور التحليل الماركسي للإمبريالية الرأسمالية من لينين، الذي وضع إطار تفسيري شامل لظاهرة الإمبريالية عبر كتابة “الإمبريالية أعلى مراحل الرأسمالية”، إلى نظرية المركز والأطراف عند سمير أمين، التي عمقت من منظومة التحليل وطورتها، بوصفها أدوات منهجية لفهم آليات الهيمنة وإعادة إنتاج التبعية في النظام الرأسمالي العالمي. وقد بينا أن إيران، سواء في مرحلة الشاه أو بعد الثورة الإسلامية، ظلت تتحرك داخل بنية عالمية غير متكافئة تُقيد إمكانات التحول الصناعي المستقل، وإن اختلفت أشكال التموضع ودرجات الصدام مع دول المركز الرأسمالي؛ فمرحلة الشاه اتسمت بتحديثٍ ريعي تابع ومندمج في منظومة الغرب، سياسيًا واقتصاديًا، بينما قامت الثورة الإسلامية بتدشين قطيعة سياسية وأيديولوجية مع الغرب، ومحاولات لفك الارتباط، سرعان ما واجهتها منظومة عقوبات مركبة أعادت تشكيل قنوات الاندماج على نحوٍ طرفي وغير رسمي، وقيدت التمويل والتكنولوجيا والأسواق.
وبناءً على هذا التحليل، خلص المقال إلى أن الأزمة الأخيرة لا تُقرأ باعتبارها مجرد اختلالٍ اقتصادي داخلي، ولا باعتبارها نتيجةً للعقوبات وحدها، بل بوصفها نتاجًا لتقاطع مركب بين ضغط خارجي يعمق الاختناق الريعي ويُضعف آفاق التصنيع الداخلي في إيران، وبين تناقضاتٍ طبقية داخلية تتصل بطبيعة الدولة الريعية وآليات توزيعها للموارد. إذ إن انتقال كلفة العقوبات والتدهور النقدي إلى الفئات الوسطى والدنيا، مع بقاء منافذ الريع والوساطة والاحتكار أكثر تمركزًا في نطاق الكتل الحاكمة وشبكاتها، يجعل الانفجار الاجتماعي قابلًا للتكرار عند كل صدمة أسعار أو عملة، او تدهور اقتصادي حاد، ويحول الأزمة من لحظة احتجاج إلى بنية توتر مستمرة.
وبذلك، فإن هذه الأزمة لا يمكن تجاوزها في إيران إلا بإعادة بناء واقع اجتماعي واقتصادي جديد تُعاد فيه توزيعات الثروة، ويُعاد فيه توجيه الريع المستخرج من النفط والغاز بصورة أكثر عدالة على فئات الشعب الإيراني، بما يسهم في بناء عقد اجتماعي أكثر شمولًا، ويفضي إلى محاولة بناء اقتصاد وطني يزيد من زيادة إنتاج لوسائل الإنتاج بدلًا من تريكزة على الإستهلاك العام والمترف. فضلًا عن ذلك، يظل اتباع مسار تفاوضي لتقليص والتخفيف حدة العقوبات الاقتصادية والضغوط علي إيران، والذي قد يقلل من حالة المواجهة والعداء لها مع الغرب، وينقلها إلى حالة جديدة من التبعية أو حتى المهادنة، أو اتخاذ مكانة جديدة لها داخل الإطار الدولي بين المركز والأطراف.
[1] “الريال الإيراني ينهار إلى مستوى قياسي.. الدولار يتجاوز 1.3 مليون ريال“، العربية، 15 ديسمبر 2025. https://www.alarabiya.net/aswaq/financial-markets/2025/12/15/%D8%A7%D9%84%D8%B1%D9%8A%D8%A7%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%8A%D8%B1%D8%A7%D9%86%D9%8A-%D9%8A%D9%86%D8%AE%D9%81%D8%B6-%D8%A7%D9%84%D9%89-%D9%85%D8%B3%D8%AA%D9%88%D9%89-%D9%82%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A
See also: Reuters, “Iran’s rial hits new low after unrest sparked by economic crisis”, Reuters, January 27, 2026. https://www.reuters.com/world/middle-east/irans-currency-drops-record-low-against-dollar-tracking-websites-say-2026-01-27/
[2] Karl Marx, “The British Rule in India,” New-York Daily Tribune, June 25, 1853, Marxists Internet Archive, accessed February 12, 2026, https://www.marxists.org/archive/marx/works/1853/06/25.htm.
[3] لينين، “الإمبريالية أعلى مراحل الرأسمالية، المختارات، الجزء الثاني“، (موسكو، دار التقدم، 1968)، ص15-25.
[4] المرجع السابق، ص30-32.
[5] المرجع السابق، ص82-83.
أنظر أيضًا في نفس المرجع، ص90-91.
[6] المرجع السابق، 120-121.
[7] سمير أمين، “أزمة المجتمع العربي“، (القاهرة، دار المستقبل العربي، 1985)، ص11-24.
[8] يعبر مصطلح الطبقة الكومبرادورية عن شريحة من البرجوازية المحلية ترتبط مصالحها اقتصاديًا وسياسيًا بقوى خارجية من دول المركز الرأسمالي، وتعمل كـوسيط بين السوق المحلي ورأس المال الأجنبي.
[9] المرجع السابق، ص11-21.
أنظر أيضًا في نفس المرجع، ص46-48.
[10] المرجع السابق، ص12.
[11] المرجع السابق، ص15-16.
[12] سلامة كيلة، “الماركسية الجديدة: العودة إلى ماركس من أجل تخطي الماركسيات الرائجة”، (القاهرة، دار آفاق للنشر والتوزيع، 2017)، ص151-152.
أنظر أيضًا في نفس المرجع، ص168-174.
[13] “Oil production | Iran – yearly data, chart and table,” Statbase. https://statbase.org/data/irn-oil-production/
[14] Cyrus Bina, “Iran’s Oil, the Theory of Rent, and the Long Shadow of History: A Caveat on Oil Contracts in the Islamic Republic,” Revue internationale des études du développement, no. 229 (2017). https://journals.openedition.org/ried/11647
[15] General Accounting Office. Issues Related to U.S. Military Sales and Assistance to Iran. Report to the Congress, B-133258. Washington, DC: U.S. General Accounting Office, October 21, 1974. Accessed February 12, 2026. https://www.gao.gov/assets/b-133258.pdf
[16] U.S. Government Accountability Office. Issues Related to U.S. Military Sales and Assistance to Iran. Washington, DC: GAO, October 21, 1974. https://www.gao.gov/assets/b-133258.pdf.
[17] Ibid.
[18] U.S. Department of State. “Iran, January–August 1973, Document 1.” In Foreign Relations of the United States, 1969–1976, Volume XXVII, Iran; Iraq, 1973–1976. Washington, DC.
https://history.state.gov/historicaldocuments/frus1969-76v27/d1.
[19] “Economy ix. In the Pahlavi Period.” Encyclopaedia Iranica. https://www.iranicaonline.org/articles/economy-ix/.
[20] “The Economic Development of Iran: Report of the Basic Economic Mission to Iran, Volume I: The Main Report”. Washington, DC: World Bank, 1974. https://documents1.worldbank.org/curated/en/284271468043164061/pdf/multi0page.pdf.
[21] 5. Djavad Salehi-Isfahani, “Poverty and Income Inequality in the Islamic Republic of Iran,” Revue internationale des études du développement 229, no. 1 (2017): 113–145. https://shs.cairn.info/revue-internationale-des-etudes-du-developpement-2017-1-page-113?lang=en
[22] سميرأمين، “أزمة المجتمع العربي“، مرجع سبق ذكره، ص14.
[23] المرجع السابق، ص14-15.
[24] Samir Amin. “The Failed Emergence of Egypt, Turkey and Iran.” Amandla, Posted by Daniel Krähmer. June 28, 2012. Accessed February 12, 2026. https://www.amandla.org.za/the-failed-emergence-of-egypt-turkey-and-iran-by-samir-amin/
[25] ولاية الفقيه هي نظرية في الفقه السياسي الشيعي ترى أن الفقيه الجامع لشروط الإمامة يتولى قيادة الدولة والمجتمع في غياب الإمام المعصوم الثاني عشر أو المهدي المنتظر لديهم، وهو أبو القاسم محمد بن الحسن المهدي، باعتباره نائبًا عنه في إدارة الشؤون العامة.
[26] “Iranian Revolution: Aftermath,” Encyclopaedia Britannica. https://www.britannica.com/event/Iranian-Revolution?
[27] شيماء محمد عبدالله أبوعامر، “الهوية وأثرها في تشكيل السياسة الخارجية الإيرانية“، مجلة جيل الدراسات السياسية والعلاقات الدولية، ع 30، (2021):18 – 19 ، ISSN: 24410-3926، https://search.mandumah.com/Record/1153596
[28] “ABA Position Papers on Experience of Iran in Islamic Banking.” Asian Bankers Association. https://www.aba.org.tw/advocacy/aba-position-papers-on-experience-of-iran-in-islamic-banking/.
[29] National Archives and Records Administration. “Executive Order 12170—Blocking Iranian Government Property.” Last reviewed August 15, 2016. https://www.archives.gov/federal-register/codification/executive-order/12170.html.
[30] U.S. Department of the Treasury, Office of Foreign Assets Control. “Iran Sanctions” (FAQ Topic Page). Accessed February 12, 2026. https://ofac.treasury.gov/faqs/topic/1551.
[31] European Union. Council Regulation (EU) No 267/2012 of 23 March 2012 concerning restrictive measures against Iran and repealing Regulation (EU) No 961/2010. Official Journal of the European Union L 88 (24 March 2012): 1–112. https://eur-lex.europa.eu/LexUriServ/LexUriServ.do?uri=OJ%3AL%3A2012%3A088%3A0001%3A0112%3Aen%3APDF&
[32] “Sanctions reduced Iran’s oil exports and revenues in 2012”, U.S. Energy Information Administration, April 26, 2013. https://www.eia.gov/todayinenergy/detail.php?id=11011&
See also: “Under sanctions, Iran’s crude oil exports have nearly halved in three years”, U.S. Energy Information Administration, June 24, 2015. https://www.eia.gov/todayinenergy/detail.php?id=21792&
[33] “Note to Correspondents – Re-application of resolutions 1696 (2006), 1737 (2006), 1747 (2007), 1803 (2008), 1835 (2008) and 1929 (2010) concerning the Islamic Republic of Iran”, united nations, September 28, 2025. https://www.un.org/sg/en/content/sg/notes-correspondents/2025-09-28/note-correspondents-re-application-of-resolutions-1696-%282006%29-1737-%282006%29-1747-%282007%29-1803-%282008%29-1835-%282008%29-and-1929-%282010%29-concerning-the-islamic?
[34] “China’s heavy reliance on Iranian oil imports”, Reuters, January 13, 2026. https://www.reuters.com/business/energy/chinas-heavy-reliance-iranian-oil-imports-2026-01-13/
[35] Robin Mills, “Can Iran Sustain Its Oil and Gas Export Surge?”, The Arab Gulf States Institute, November 17, 2023. https://agsi.org/analysis/can-iran-sustain-its-oil-and-gas-export-surge/?
[36] Samir Amin, Opt cit.
[37] “ناشطون: حصيلة قتلى الاحتجاجات في إيران تتجاوز 5 آلاف”، سكاي نيوز بالعربي، 23 يناير 2026. https://www.skynewsarabia.com/world/1848105-%D9%86%D8%A7%D8%B4%D8%B7%D9%88%D9%86-%D8%AD%D8%B5%D9%8A%D9%84%D8%A9-%D9%82%D8%AA%D9%84%D9%89-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%AD%D8%AA%D8%AC%D8%A7%D8%AC%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%95%D9%8A%D8%B1%D8%A7%D9%86-%D8%AA%D8%AA%D8%AC%D8%A7%D9%88%D8%B2-5-%D8%A7%D9%93%D9%84%D8%A7%D9%81
أنظر أيضًا: “منظمة حقوقية: ارتفاع حصيلة قتلى احتجاجات إيران إلى أكثر من 6 آلاف“، الشرق الأوسط، 27 يناير 2026. https://aawsat.com/%D8%B4%D8%A4%D9%88%D9%86-%D8%A5%D9%82%D9%84%D9%8A%D9%85%D9%8A%D8%A9/5234126-%D9%85%D9%86%D8%B8%D9%85%D8%A9-%D8%AD%D9%82%D9%88%D9%82%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D8%B1%D8%AA%D9%81%D8%A7%D8%B9-%D8%AD%D8%B5%D9%8A%D9%84%D8%A9-%D9%82%D8%AA%D9%84%D9%89-%D8%A7%D8%AD%D8%AA%D8%AC%D8%A7%D8%AC%D8%A7%D8%AA-%D8%A5%D9%8A%D8%B1%D8%A7%D9%86-%D8%A5%D9%84%D9%89-%D8%A3%D9%83%D8%AB%D8%B1-%D9%85%D9%86-6-%D8%A2%D9%84%D8%A7%D9%81
See also: ELENA BECATOROS, “US-based activist agency says it has verified 3,919 deaths from Iran protests’, ap news, january 18, 2026. https://apnews.com/article/iran-protests-deaths-trump-khamenei-95207b62fb2c8a4f3745d981ea0f9849
[38] “iran: for a nationwide uprising! Down with the Islamic republic!”, in Defence of Marxism, January 7, 2026. https://marxist.com/iran-for-a-nationwide-uprising-down-with-the-islamic-republic.htm
[39] “رويترز: انقطاع تام للإنترنت في إيران“، العربية 8 يناير 2026. https://www.alarabiya.net/aswaq/economy/2026/01/08/%D8%B1%D9%88%D9%8A%D8%AA%D8%B1%D8%B2-%D8%AA%D9%82%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D8%B1-%D8%B9%D9%86-%D8%A7%D9%86%D9%82%D8%B7%D8%A7%D8%B9-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%86%D8%AA%D8%B1%D9%86%D8%AA-%D9%81%D9%8A-%D8%B7%D9%87%D8%B1%D8%A7%D9%86-%D9%88%D8%A7%D8%AC%D8%B2%D8%A7%D8%A1-%D8%A7%D8%AE%D8%B1%D9%89-%D9%85%D9%86-%D8%A7%D9%8A%D8%B1%D8%A7%D9%86
[40] Aisha Down, “Iran appears to ease internet blackout as cost of shutdown mounts”, the guardian, January 28, 2026. https://www.theguardian.com/world/2026/jan/28/iran-appears-to-ease-internet-blackout?
[41] Parisa Hafezi and Nayera Abdallah, “Iran protests abate after deadly crackdown, Trump says Tehran calls off mass hangings”, Reuters, January 16, 2026. https://www.reuters.com/world/china/iran-protests-abate-after-deadly-crackdown-residents-rights-group-say-2026-01-16/
[42] Kayhan Valadbaygi, “Beyond the IRGC: The rise of Iran’s military-bonyad complex”, Clingendael, October 2, 2025. https://www.clingendael.org/publication/beyond-irgc-rise-irans-military-bonyad-complex
أنظر أيضًا: “المرشد وحاشيته يستحوذون على منابع الثروة في إيران“، البيان، يناير 2018.
https://www.albayan.ae/one-world/overseas/2018-01-03-1.3148697
[43] فارس حكيم، “المسألة الإيرانية بين استثمار الأمبريالية والغضب الجماهيري“، منصة الاشتراكي، يناير 2026. https://revsoc.me/arab-and-international/51158/
[44] “تعرف إلى حاملة الطائرات “أبراهام لينكولن” والقوة الضاربة 9“، سكاي نيوز بالعربي، 28 يناير 2026.
[45] Mohammed Benmansour, Parisa Hafezi and Nayera Abdallah, “Iran says talks with US in Oman were ‘good start’, will continue”, Reuters, February 6, 2026. https://www.reuters.com/world/middle-east/iran-us-negotiate-oman-amid-deep-rifts-mounting-war-fears-2026-02-06/
[46] “Iran says it won’t negotiate over its missile capabilities”, ”, Reuters, February 11, 2026. https://www.reuters.com/world/middle-east/iran-says-it-wont-negotiate-over-its-missile-capabilities-2026-02-11/
باحث في النظرية السياسية بمركز ترو للدراسات والتدريب