المقدمة
تشهد منطقة الشرق الأوسط تصاعدًا ملحوظًا في حدة التوترات الجيوسياسية، لا سيما في ظل تنامي حدة المواجهة غير المباشرة بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، وهو ما ينعكس بصورة مباشرة على استقرار النظام الاقتصادي العالمي. وتكتسب هذه التوترات أهمية خاصة في ظل الطبيعة الحيوية للمنطقة باعتبارها مركزًا رئيسيًا لإنتاج وتصدير الطاقة، فضلًا عن موقعها الجغرافي الذي يضم ممرات بحرية استراتيجية تؤثر على حركة التجارة الدولية. وفي بيئة عالمية تتسم بعدم اليقين وتسارع المتغيرات السياسية والأمنية، تصبح تداعيات هذه التوترات أكثر عمقًا، حيث تمتد آثارها إلى أسواق النفط والغاز، وأسعار السلع، وتوازنات العرض والطلب عالميًا.
وفي هذا الإطار، يسعى هذا التقرير إلى تحليل الأبعاد الاقتصادية للتصعيد الراهن من خلال التركيز على عدد من المحاور الرئيسية، تشمل تأثير التوترات على أسواق الطاقة العالمية، وأهمية مضيق هرمز كممر بحري استراتيجي، وانعكاسات الأوضاع الجيوسياسية على سلاسل الإمداد والتجارة الدولية، فضلًا عن تقييم الآثار المحتملة على معدلات النمو الاقتصادي العالمي. كما يهدف التقرير إلى دراسة التأثيرات الخاصة على مصر في ضوء ارتباطها بأسواق الطاقة العالمية واعتمادها النسبي على الواردات، مع تقديم قراءة تحليلية تساعد في فهم التحديات الراهنة واستشراف السيناريوهات المستقبلية.
أولًا: التوترات الجيوسياسية وتأثيرها على أسواق الطاقة:
تُعدّ أسواق الطاقة من القطاعات الأكثر حساسية تجاه التوترات السياسية في الشرق الأوسط، بسبب اعتمادها الكبير على مصادر الطاقة المتدفقة من المنطقة، وخاصة النفط والغاز. وتشير بيانات عدة مؤسسات دولية إلى أن أي تصعيد في النزاعات يمكن أن يؤدي إلى ارتفاعات ملحوظة في أسعار الطاقة وتقلبات حادة في الأسواق المالية.
وفقًا لتقارير Bloomberg وReuters، شهدت أسواق الطاقة والشحن تأثرًا واضحًا خلال فترات التصعيد في النزاعات الإقليمية، حيث ارتفعت أسعار النفط بنسب تتراوح بين 8 % و15% خلال تلك الفترات (Bloomberg, 2025)، كما ارتفعت تكلفة التأمين على الشحن البحري في منطقة الخليج بنحو 30 % في أوقات التوتر الأمني (Reuters, 2025). وتُظهر هذه التطورات أن قطاعات الطاقة والنقل تُعد من أكثر القطاعات عرضة للتقلبات الناتجة عن الأزمات الجيوسياسية، إذ تتأثر بشكل مباشر باضطرابات الإمدادات وارتفاع تكاليف النقل والتأمين، مما ينعكس بدوره على التجارة العالمية وأسعار السلع الأساسية.تعكس هذه المؤشرات وجود ارتباط وثيق بين تصاعد المخاطر الجيوسياسية وارتفاع ما يُعرف بـ“علاوة المخاطر” في أسواق الطاقة، وهي الزيادة التي تُضاف إلى أسعار النفط والغاز نتيجة حالة عدم اليقين بشأن استقرار الإمدادات. فكلما ارتفعت حدة التوترات السياسية أو احتمالات تعطل طرق النقل والإنتاج، يلجأ المتعاملون في الأسواق إلى تسعير هذه المخاطر مسبقًا، مما يؤدي إلى ارتفاع الأسعار حتى في غياب نقص فعلي في المعروض. وتُعد هذه الظاهرة انعكاسًا مباشرًا لحساسية أسواق الطاقة تجاه الأزمات، خاصة في مناطق الإنتاج الحيوية.
تأثير الصراع في الشرق الأوسط على أسواق الطاقة الأوروبية:
يشهد الشرق الأوسط صراعًا مستمرًا يؤثر بشكل مباشر على أسواق الطاقة الأوروبية، حيث أدى ارتفاع أسعار الغاز إلى أعلى مستوى خلال 13 شهرًا، ما زاد من تقلبات السوق ومخاطر الأمن الطاقي. تواجه المملكة المتحدة اعتمادًا كبيرًا على محطات الغاز لتحديد أسعار الكهرباء، وتستجيب الحكومة بتركيزها على تسريع نشر الطاقة المتجددة وأنظمة تخزين الطاقة بالبطاريات لتقليل الاعتماد على الغاز، مع تقديم موعد مزاد عقود الفرق في السعر (CfD “AR8”) إلى يوليو 2026. أما الاتحاد الأوروبي، فتعاني شبكاته من نقص الربط البيني وتأخر بعض الدول عن هدف 15%، ما يعيق تكامل الطاقة، في حين تختلف مزيج الطاقة بين الدول (الهيدرو، النووي، الغاز، الفحم)، ما يعقد توحيد السياسات مثل التسعير الحدّي وفصل الكهرباء عن أسعار الغاز. وقد أدى ارتفاع أسعار النفط إلى أكثر من 100 دولار للبرميل إلى زيادة الضغط على تكاليف النقل وتعزيز الاستثمار في الوقود المتجدد والإنتاج المحلي، بينما ارتفاع أسعار الغاز يزيد من أرباح محطات الغاز وأنظمة التخزين ويضغط على مؤشرات التضخم مثل مؤشر أسعار المستهلكين.[1]
تأثير الصراع على أسواق الطاقة في الولايات المتحدة الأمريكية:
يشعر المستهلكون في الولايات المتحدة بتأثير ارتفاع أسعار النفط بشكل رئيسي عبر زيادة أسعار البنزين، إذ يمر نحو 20% من الإمدادات النفطية العالمية عبر مضيق هرمز، وعند تقييد الإمدادات ترتفع الأسعار تلقائيًا. أدت أسعار النفط المرتفعة إلى ارتفاع أسعار البنزين، التي وصلت إلى 3.50 دولار للجالون في الولايات المتحدة (حتى الاثنين 9 مارس)، بزيادة تقارب 25% منذ يناير، وهي الأعلى منذ يونيو 2024، لكنها لا تزال أقل من حاجز 4 دولارات للجالون[2].
تأثير الصراع على أسواق الطاقة في دول الخليج:
في الوقت نفسه، تواجه مشاريع الطاقة في الخليج مخاطر مباشرة نتيجة الأضرار في المطارات ومراكز البيانات ومحطات التحلية، مع احتمال إعادة مراجعة أحكام القوة القاهرة والتأمينات لمواجهة المخاطر المحتملة، ما قد يؤدي إلى ارتفاع الأقساط وتحويل بعض المخاطر إلى حكومات دول الخليج. وبناءً على هذه التحديات، تتجه السياسات الأوروبية نحو توسيع الطاقة المتجددة، زيادة التخزين والمرونة، تحديث شبكات الكهرباء، وتنويع مصادر الإمداد. يظل مدى تأثير الصراع على أسواق الطاقة الأوروبية مرتبطًا بمدة استمرار الاضطرابات في الشرق الأوسط، حيث يعكس التحرك الأوروبي تحوطًا استراتيجيًا لتأمين الإمدادات، استقرار الأسعار، وضمان مرونة الشبكات الكهربائية في مواجهة الأزمات الجيوسياسية.[3]
أثر تقلبات أسعار الطاقة على معدل التضخم:
يُعد ارتفاع أسعار النفط أحد العوامل الرئيسية المحفزة للتضخم، نظرًا لكون الطاقة مدخلًا أساسيًا في معظم الأنشطة الاقتصادية. فعندما ترتفع أسعار النفط، تنعكس هذه الزيادة مباشرة على تكاليف النقل والإنتاج والتوزيع، مما يؤدي إلى ارتفاع أسعار السلع والخدمات في مختلف القطاعات. ويظهر هذا التأثير بوضوح فيما يُعرف بـ”التضخم المدفوع بالتكاليف” (Cost-Push Inflation)، حيث تضطر الشركات إلى تحميل المستهلك النهائي جزءًا كبيرًا من الزيادة في التكاليف، خاصة في القطاعات كثيفة الاعتماد على الطاقة مثل الصناعة والزراعة والخدمات اللوجستية.
ولا يقتصر أثر ارتفاع أسعار النفط على التأثير المباشر فقط، بل يمتد إلى آثار غير مباشرة تُعزز الضغوط التضخمية. فزيادة أسعار الوقود تؤدي إلى ارتفاع تكاليف إنتاج السلع الغذائية (مثل الأسمدة والنقل والتخزين)، مما يرفع أسعار الغذاء، وهو ما يُعد مكونًا أساسيًا في سلة الاستهلاك، خاصة في الدول النامية. كما تؤثر هذه الزيادات على توقعات التضخم، حيث يتوقع الأفراد والشركات استمرار ارتفاع الأسعار، مما يدفع إلى زيادة الأجور أو تعديل الأسعار بشكل استباقي، وهو ما يُفاقم من حدة التضخم. وفي هذا السياق، تمثل أسعار الطاقة قناة رئيسية لانتقال الصدمات الخارجية إلى الاقتصاد المحلي، وتؤدي إلى تآكل القوة الشرائية، خاصة لدى الفئات ذات الدخل المحدود، مما يزيد من الأعباء الاجتماعية والاقتصادية. وتنعكس هذه القفزات مباشرة على معدلات التضخم العالمية، حيث تؤكد تقديرات صندوق النقد الدولي أن كل زيادة مستدامة بنسبة 10% في أسعار النفط تؤدي إلى ارتفاع التضخم العالمي بنحو 0،40نقطة مئوية وانخفاض الناتج المحلي بنحو 0،20 نقطة[4]، وفي السياق الحالي، أدى تجاوز النفط مستوى 100 دولار للبرميل إلى تصاعد المخاوف من موجة تضخم عالمية جديدة، مع تحذيرات من البنوك المركزية من أن الصراع قد يدفع التضخم إلى الارتفاع مجددًا ويؤخر خفض أسعار الفائدة[5]، و في الولايات المتحدة، أسعار البنزين تجاوزت 4 دولارات للجالون، مما أدى إلى زيادة التكاليف على المستهلكين وأسهم في رفع توقعات التضخم.[6]
فيما تعد أسواق الطاقة هي القناة الرئيسية لنقل التأثير. بما أن حصة كبيرة من صادرات النفط والغاز الطبيعي المسال تتحرك عبر مضيق هرمز، فإن أي اضطراب جزئي يمكن أن يحوّل الأسواق بسرعة من فائض إلى نقص وغالبًا ما تنتقل تأثيرات ارتفاع أسعار الطاقة إلى أسواق السلع الأخرى، مثل الأسمدة والزيوت النباتية والمنتجات البترولية المكررة (البنزين والوقود النفاث)، نتيجة لضبط سلاسل التوريد في النقل والتكرير والزراعة وبالتالي يتحمل المستهلك النهائي معظم التأثير الاقتصادي. إذ تعمل زيادة أسعار البنزين والطاقة بمثابة ضريبة إضافية على الإنفاق الأسري، مع تأثير أكبر على ذوي الدخل المحدود.
ثانيًا: مضيق هرمز كممر بحري استراتيجي للطاقة العالمية:
يُعدّ مضيق هرمز أحد أهم الممرات البحرية الاستراتيجية في العالم، إذ يربط بين الخليج العربي وخليج عُمان ويشكّل المنفذ البحري الوحيد لدول الخليج نحو المياه الدولية، مما يمنحه أهمية استثنائية في حركة التجارة العالمية. وتكمن أهميته بشكل خاص في كونه شريانًا رئيسيًا لنقل الطاقة، حيث يمر عبره ما يقارب 20 مليون برميل يوميًا من النفط، أي نحو خُمس الاستهلاك العالمي، إلى جانب نسبة كبيرة من تجارة الغاز الطبيعي المسال عالميًا، خاصة من دول مثل قطر. كما يستحوذ المضيق على أكثر من ربع تجارة النفط المنقولة بحرًا، وهو ما يجعله عنصرًا حاسمًا في أمن الطاقة العالمي واستقرار الأسواق الدولية. ووفقًا لبيانات International Energy Agency، فإن ما بين 17 إلى 20 مليون برميل من النفط يوميًا يمر عبر المضيق (IEA, 2025)، وهو ما يمثل حوالي 20% من الاستهلاك العالمي للنفط وفقًا لـ U.S. Energy Information Administration (U.S. EIA, 2025)، كما يمر عبره أكثر من 25% من تجارة الغاز الطبيعي المسال عالميًا (IEA, 2025). وتُبرز هذه الأرقام الدور المحوري للمضيق في منظومة الطاقة العالمية، وتأثير أي اضطراب فيه على استقرار الأسواق الدولية وأسعار الطاقة.
لا يقتصر دور مضيق هرمز على كونه ممرًا اقتصاديًا حيويًا فحسب، بل يمثل أيضًا نقطة ارتكاز استراتيجية ذات أبعاد أمنية وعسكرية بالغة الحساسية. نظرًا لأهميته في حركة الطاقة العالمية، فإن أي تهديد بإغلاقه أو تعطيل الملاحة فيه يُعد من أخطر أدوات الضغط الجيوسياسي التي يمكن استخدامها في النزاعات الدولية.
وفي هذا السياق، تعتمد القوى الإقليمية والدولية على استراتيجيات متعددة لضمان أمن الملاحة، تشمل الوجود العسكري البحري، والدوريات المستمرة، والتعاون الدولي لمكافحة القرصنة وتأمين خطوط الإمداد. كما تلجأ بعض الدول إلى سياسات الردع، من خلال تعزيز قدراتها العسكرية وإظهار الجاهزية للرد على أي محاولة لتهديد حرية الملاحة، بما يهدف إلى منع التصعيد قبل وقوعه.
ويُعد مبدأ حرية الملاحة أحد المرتكزات الأساسية في القانون الدولي، حيث تسعى الدول الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة، إلى ضمان بقاء المضيق مفتوحًا أمام حركة التجارة العالمية، عبر تسيير قوات بحرية في المنطقة. في المقابل، تستخدم إيران المضيق كأداة ضغط في طوال مدة الحرب، وهو ما يؤدي إلى زيادة حالة عدم اليقين في الأسواق العالمية ورفع علاوة المخاطر حيث يؤدي الإغلاق الفعلي أو حتى مجرد التهديد الجاد بإغلاق المضيق إلى اضطرابات حادة في إمدادات الطاقة العالمية، وارتفاعات كبيرة في أسعار النفط، فضلًا عن تداعيات أمنية واقتصادية تمتد إلى مختلف دول العالم، خاصة الدول المستوردة للطاقة في ضوء ما سبق، يتضح أن مضيق هرمز لا يمثل مجرد ممر بحري لنقل الطاقة، بل يعد عنصرًا استراتيجيًا محوريًا في معادلة الأمن الاقتصادي والعسكري العالمي. كما أن استمرارية حرية الملاحة فيه ترتبط ارتباطًا مباشرًا باستقرار أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد الدولية. وبالتالي، فإن الحفاظ على أمن هذا المضيق يُعد ضرورة حيوية لضمان استقرار الاقتصاد العالمي، والحد من مخاطر التصعيد الجيوسياسي.
ثالثًا: التوترات وتأثيرها على سلاسل الإمداد العالمية:
تُعد التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، ولا سيما الصراع الحالي وتهديد الملاحة عبر مضيق هرمز، عاملًا رئيسيًا في تعطيل سلاسل الإمداد العالمية. تشكل هذه المنطقة محورًا حيويًا لحركة النفط والغاز الطبيعي المسال، وعليه فإن أي اضطراب يؤدي إلى ارتفاع أسعار الطاقة وزيادة تكاليف النقل كما تأثرت حركة النقل البحري بشكل واضح، حيث تم تغيير مسارات السفن وزيادة أوقات الشحن (من 8 إلى 15 يومًا إضافية). كما ارتفعت تكاليف التأمين والشحن، وتم فرض رسوم إضافية على النقل. كذلك تأثرت الرحلات الجوية وعمليات الشحن الجوي بسبب الإغلاق الجزئي لبعض المطارات والقيود اللوجستية،[7] كما أن استمرار النزاع يمكن أن يؤدي إلى تأثيرات طويلة الأمد على التجارة الدولية، مما يزيد من تكاليف المدخلات ويبطئ النمو الاقتصادي في البلدان المعتمدة على الواردات والتصدير. من جهة أخرى، يمكن أن تؤدي المخاطر الجيوسياسية إلى تآكل مرونة سلاسل الإمداد، مع زيادة تكاليف المخزون والتعثر في تدفق السلع عبر الحدود، الأمر الذي يدفع الشركات إلى تعزيز استراتيجيات المقاومة والتنوع في الموردين لتخفيف التأثيرات السلبية.[8] و مما ينعكس على تدفقات البضائع العالمية ويدفع الشركات إلى إعادة توجيه الشحنات أو تأخيرها. وتشير تحليلات الصناعة إلى أن ارتفاع المخاطر يحد من التدفق السلس للسلع والمواد الخام، ويُربك جداول التسليم، مما يجعل الشركات تتبنى استراتيجيات جديدة لإدارة المخزون وتحديد مصادر بديلة للمدخلات، وذلك للحد من تأثير الفوضى على عملياتها التشغيلية.[9] أدت تلك التوترات الجيوسياسية إلى إعادة تفكير الشركات في هيكلة سلاسل الإمداد، لا سيما تلك التي تعتمد على الممرات البحرية الحيوية.
انعكاسات التوترات على العولمة والتحول في النظام الاقتصادي العالمي:
تُسهم التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، ولا سيما التهديدات المرتبطة بالممرات البحرية الاستراتيجية مثل مضيق هرمز، في إعادة تشكيل مسار العولمة كما عرفه الاقتصاد العالمي خلال العقود الماضية. فقد كانت العولمة قائمة بشكل أساسي على تعظيم الكفاءة الاقتصادية من خلال تقليل التكاليف، وتوسيع الاعتماد على سلاسل إمداد عالمية مترابطة، إلا أن تصاعد المخاطر الجيوسياسية أدّى إلى إعادة إدخال عامل “الأمن الاقتصادي” ضمن محددات اتخاذ القرار الاقتصادي.
وفي هذا السياق، بدأت العديد من الدول والشركات في إعادة تقييم استراتيجياتها الإنتاجية والتجارية، بما في ذلك تقليل الاعتماد على الأسواق ذات المخاطر المرتفعة، وإعادة توطين بعض الأنشطة الصناعية (Reshoring)، أو نقلها إلى دول أكثر استقرارًا سياسيًا (Nearshoring). كما أدى ذلك إلى تعزيز توجهات تنويع سلاسل الإمداد بدلاً من الاعتماد على مركز إنتاج واحد، بهدف تقليل التعرض للصدمات الخارجية.
وتشير هذه التحولات إلى أن العولمة تشهد مرحلة جديدة يمكن وصفها بـ”العولمة المُقيّدة” أو “العولمة المُحكومة بالمخاطر”، حيث لم تعد الكفاءة وحدها هي المحدد الرئيسي، بل أصبحت اعتبارات الاستقرار الجيوسياسي وأمن الإمدادات تلعب دورًا حاسمًا في إعادة تشكيل خريطة الإنتاج والتجارة العالمية. وفي ظل هذا التحول، يتوقع أن تتجه السياسات الاقتصادية العالمية نحو تعزيز المرونة، وبناء سلاسل إمداد أكثر أمانًا واستدامة، مع زيادة التعاون الدولي للحد من تأثير الأزمات الجيوسياسية على النظام الاقتصادي العالمي.
رابعًا: التوترات وتأثيرها على النمو الاقتصادي العالمي:
تشير التوقعات الراهنة إلى حدوث تباطؤ في معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي العالمي، حيث يُتوقع أن ينخفض من نحو 3،3 % في العام الماضي إلى حوالي 2،9 % في عام 2026، قبل أن يشهد تعافيًا طفيفًا ليصل إلى 3 % في عام 2027. ويأتي هذا التراجع في ضوء تصاعد التوترات الجيوسياسية وما صاحبها من ارتفاع في أسعار الطاقة، إلى جانب الطبيعة غير المستقرة للصراعات، وهو ما حدّ من أثر العوامل الإيجابية الداعمة للنمو، مثل الاستثمارات القوية في قطاع التكنولوجيا، والانخفاض النسبي في الرسوم الجمركية، واستمرار بعض الزخم الاقتصادي المتراكم من عام 2025. وتستند هذه التقديرات إلى افتراضات تحليلية تفيد بأن اضطرابات أسواق الطاقة ستتراجع تدريجيًا، مع توقع انخفاض أسعار النفط والغاز والأسمدة بدءًا من منتصف عام 2026، بما يسهم في تخفيف الضغوط التضخمية وتحسين بيئة الإنتاج العالمي ورغم استقرار توقعات النمو لعام 2026 مقارنة بالتقديرات السابقة الصادرة في ديسمبر، فإن المؤشرات الأولية التي تلت تلك التقديرات كانت تشير إلى إمكانية رفع معدل النمو العالمي بنحو 3، 0 نقطة مئوية، إلا أن تصاعد التوترات الجيوسياسية حال دون تحقق هذا التحسن المرتقب. وفي سياق متصل، من المتوقع أن يؤدي الارتفاع الحالي في أسعار الطاقة إلى زيادة معدلات التضخم في دول مجموعة العشرين، بحيث ترتفع بنحو 2، 1 نقطة مئوية عن التقديرات السابقة لعام 2026، لتسجل نحو 4%، قبل أن تتراجع تدريجيًا إلى حوالي 7 ،2 % في عام 2027، وذلك مع افتراض انحسار الضغوط التضخمية واستقرار أسواق الطاقة العالمية[10]. ، حيث تشير التقديرات إلى انخفاض النمو إلى نحو2،9% عالميًا في عام 2026 نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة واضطراب سلاسل الإمداد. وعلى مستوى الدول، تم خفض توقعات النمو في بعض الاقتصادات المتقدمة بشكل ملحوظ؛ فعلى سبيل المثال، تم تخفيض نمو اقتصاد المملكة المتحدة من 1،2% إلى 0.7 % بسبب تأثيرات الصراع في الشرق الأوسط على أسعار الطاقة والتجارة[11].
تمتد الآثار أيضاً إلى الأسواق المالية العالمية، حيث تؤدي التوترات إلى تقلبات حادة في أسعار الأصول، وانخفاض مؤشرات الأسهم، وارتفاع أسعار الذهب باعتباره ملاذًا آمنًا. ويشير بنك التسويات الدولية إلى أن الصدمات الجيوسياسية تؤدي إلى زيادة التقلبات في الأسواق المالية العالمية، مما ينعكس سلبًا على الاستقرار المالي.[12]
وفي هذا الإطار، لا تقتصر آثار التوترات على التجارة والأسواق فقط، بل تمتد لتؤثر بشكل مباشر على السياسات النقدية للبنوك المركزية. إذ تدفع الضغوط التضخمية الناتجة عن ارتفاع أسعار الطاقة والسلع الأساسية البنوك المركزية إلى تبني سياسات نقدية أكثر تشددًا، من خلال رفع أسعار الفائدة أو الإبقاء عليها مرتفعة لفترة أطول. ويؤدي ذلك إلى محاولة كبح التضخم الناتج عن صدمات العرض، لكنه في المقابل يرفع تكلفة الاقتراض ويحد من الاستثمار والاستهلاك.
وتوضح هذه العلاقة الترابطية بين التضخم وسعر الفائدة والاستثمار أن ارتفاع التضخم الناتج عن التوترات الجيوسياسية يفرض ضغوطًا على البنوك المركزية لاتخاذ قرارات نقدية انكماشية، مما يؤدي إلى ارتفاع تكلفة التمويل، وانخفاض الاستثمارات الخاصة، وتباطؤ النشاط الاقتصادي. ويؤكد International Monetary Fund أن كل زيادة قدرها 10 دولارات في سعر النفط يمكن أن تؤدي إلى انخفاض النمو العالمي بنحو 0.2 – 0.3 نقطة مئوية، وذلك من خلال تأثيرها على التضخم وأسعار الفائدة والطلب الكلي[13]. وبذلك، يتضح أن التوترات الجيوسياسية تُنشئ حلقة مترابطة تبدأ بارتفاع أسعار الطاقة، مرورًا بارتفاع معدلات التضخم، ثم تشديد السياسات النقدية، مما يؤدي في النهاية إلى تراجع الاستثمار والنمو الاقتصادي.
خامسًا- تداعيات التوترات على الاقتصاد المصري:
تشكل التوترات الجيوسياسية في المنطقة عاملًا مؤثرًا في استقرار الاقتصاد المصري، نظرًا لاعتماد الاقتصاد على التدفقات الخارجية ومرونة الأسواق الدولية. وقد أدت التطورات الأخيرة إلى ضغوط متزايدة على سعر الصرف، وارتفاع تكاليف الاستيراد، وتراجع بعض مصادر النقد الأجنبي. ويستعرض هذا الجزء أبرز التداعيات الاقتصادية لهذه التوترات على مختلف القطاعات الحيوية في مصر.
- الضغوط علي مصادر النقد الأجنبي وسعر الصرف:
بينما كانت مصر تلتقط أنفاسها أخيراً بعد سنوات من الضغوط الاقتصادية، وتبدأ مؤشرات التعافي في الظهور، جاءت الحرب على إيران لتقطع هذا المسار قبل أن يكتمل، ففي غضون يومين فقط، تبخرت مكاسب ثمانية أشهر للجنيه، وتبدلت حالة التفاؤل الحذر في الأسواق إلى موجة تخارجات وضغوط تمويلية، لتجد الحكومة نفسها أمام اختبار جديد، قبل أن تنتهي تداعيات الأزمات السابقة. فالاقتصاد الذي كان يعوّل على موسم سياحي قوي في 2026، وتدفقات استثمارية مستقرة، وتحسن تدريجي في سوق الصرف، بدأ يتلقى إشارات تحذيرية مع تراجع سعر صرف الجنيه بنحو 3.8% متجاوزاً 50 جنيهاً للدولار، وسط خروج استثمارات بمليارات الدولارات من أدوات الدين المحلية. وفي البورصة، هبط المؤشر الرئيسي 2% وسط مبيعات مكثفة من المستثمرين الأجانب والعرب. وفقدت الأسهم منذ بداية الحرب نهاية فبراير الماضي، نحو 21.2 مليار جنيه من قيمتها السوقية، لتسجل 3.1 تريليون جنيه، مع تراجع نحو 64% من الأسهم المتداولة والبالغ عددها 216 سهماً. وسجل المستثمرون الأجانب صافي بيع بقيمة 753 مليون جنيه أما على مستوى قناة السويس، فقد أوقفت غالبية الشركات المرور عبر القناة وكان آخرهم “ميرسك[14]“. كما تشير البيانات إلى أن الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران زادت من حدة الضغوط على الاقتصاد المصري، ما انعكس على تدفق الصادرات المصرية، خاصة الحاصلات الزراعية الطازجة المصدرة إلى دول الخليج وأفريقيا وجنوب شرق آسيا.[15].
- الضغود علي الدين العام :
دت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران إلى زيادة الضغوط على الدين العام المصري من خلال عدة قنوات مباشرة وغير مباشرة، أبرزها ارتفاع تكلفة الاقتراض، وزيادة العجز في الموازنة، وتراجع تدفقات النقد الأجنبي. وتعتمد مصر بشكل كبير على التمويل قصير الأجل عبر أدوات الدين المحلية، خاصة أذون الخزانة، والتي يعتمد عليها المستثمرون الأجانب فيما يُعرف بـ”الأموال الساخنة”. ومع تصاعد حالة عدم اليقين، شهدت الأسواق خروجًا لرؤوس الأموال الأجنبية، وهو ما يزيد من صعوبة تمويل العجز، ويؤدي إلى الاعتماد بشكل أكبر على الاقتراض المحلي أو الخارجي حيث تستحوذ مدفوعات الفوائد على نحو 50% من الإنفاق الحكومي. كما دفعت حالة عدم اليقين المستثمرين الأجانب إلى التخارج من أدوات الدين الحكومية، حيث بلغت قيمة التدفقات الخارجة نحو 5إلى 8 مليارات دولار منذ بداية الحرب، مقارنة بحيازات أجنبية بلغت 45،7 مليار دولار من أذون الخزانة في سبتمبر (النشرة الإحصائية للبنك المركزي المصري، وفق رويترز). وقد أدى ذلك إلى تراجع سعر صرف الجنيه من نحو 47 جنيهًا للدولار قبل الحرب إلى أكثر من 52 جنيهًا حاليًا، مع توقعات بتجاوزه 55 جنيهًا في حال استمرار الصراع. ورغم ذلك، تمتلك مصر احتياطيات نقدية أجنبية تُقدر بنحو 53 مليار دولار في فبراير 2026، إلى جانب صافي أصول أجنبية بلغ 29،5مليار دولار، مما يعزز قدرتها على امتصاص الصدمات إلا أن استمرار الأزمة قد يرفع فاتورة استيراد الطاقة بنحو مليار دولار إضافي لتصل إلى 2.4 مليار دولار خلال ما تبقى من العام المالي (تقديرات بنك مورجان ستانلي، نقلًا عن رويترز، 2026)، مع احتمال تضاعف دعم الوقود المقدر في الموازنة عند 75 مليار جنيه[16].
- تأثير التوترات علي الصادرات :
وعلى صعيد القطاع الخارجي، تأثرت الصادرات المصرية بشكل ملحوظ نتيجة ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين واضطراب سلاسل الإمداد، حيث أظهرت بيانات رسمية انخفاض أذون التصدير بنسبة 77% خلال الأيام الثلاثة الأولى من الحرب مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق (وثيقة وزارة المالية، نقلًا عن رويترز، 2026). كما تراجعت الصادرات إلى الأسواق الخليجية الرئيسية، إذ انخفضت إلى السعودية بنسبة 83% وإلى الإماراتبنسبة 90%، رغم أنهما تمثلان معًا أكثر من ثلث الصادرات المصرية (رويترز، 2026). وتشير التحليلات إلى أن التأثير قد يمتد إلى مصادر النقد الأجنبي الأخرى، مثل السياحة وإيرادات قناة السويس وتحويلات العاملين بالخارج، في حال استمرار الصراع وفي محاولة لاحتواء الأزمة، أكدت الحكومة أن أكثر من 50% من احتياجات المنتجات البترولية مغطاة بعقود تحوط (تصريحات وزارة المالية، نقلًا عن رويترز، 2026)، إلا أن استمرار الضغوط الخارجية قد يزيد من مخاطر نزوح رؤوس الأموال ويصعّب تحقيق التوازن بين الاستقرار الاقتصادي وحماية الفئات الأكثر تضررًا.
- تأثير التوترات علي ميزان المدفوعات :
يتأثر ميزان المدفوعات في مصر بشكل كبير بتقلبات أسعار النفط العالمية، وإيرادات السياحة، وتحويلات المصريين العاملين في الخارج، إذ يحدد تفاعل هذه المتغيرات في نهاية المطاف مسار عجز الحساب الجاري واحتياجات التمويل الخارجي. وفي ظل التوترات الجيوسياسية الحالية، لوحظ ارتفاع في أسعار الطاقة واضطرابات في التجارة العالمية، وهو ما يزيد من الضغط على ميزان المدفوعات، لا سيما في الاقتصادات المستوردة للطاقة مثل مصر. وتشير تصريحات صندوق النقد الدولي إلى أن الاضطرابات في الشرق الأوسط قد أدت إلى ارتفاع أسعار الطاقة وتقلبات في النشاط التجاري العالمي، مما يؤثر على أوضاع الحساب الجاري في الدول المستوردة للطاقة.[17]
وتؤثر أسعار النفط بشكل مباشر على الميزان التجاري لمصر، كونها مستوردًا صافيًا للطاقة، حيث يؤدي ارتفاع أسعار النفط إلى زيادة فاتورة واردات الطاقة، وهو ما ينعكس سلبًا على الحساب الجاري. ووفقًا لتحليل اقتصادي عام للآثار التي تترتب على ارتفاع أسعار النفط في الاقتصادات المستوردة للطاقة، فإن الصدمة السعرية للنفط تؤدي إلى زيادة فاتورة الواردات وضغط إضافي على ميزان المدفوعات.[18]
كما يؤكد تحليل البنك الدولي أن انخفاض أسعار الطاقة العالمية يُقلل من تكلفة دعم الطاقة ويخفف العبء على ميزان المدفوعات في الدول المستوردة للطاقة، مما يعكس العلاقة العكسية بين أسعار النفط وأداء الحساب الجاري في هذه الاقتصادات.
سادسًا – الفرص الاقتصادية البديلة:
رغم ما تفرضه التوترات الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط من ضغوط اقتصادية على الاقتصاد العالمي، فإنها تفتح في المقابل آفاقًا لعدد من الفرص الاقتصادية البديلة التي يمكن استثمارها من قبل الدول القادرة على التكيف مع المتغيرات الدولية. وتتمثل أبرز هذه الفرص في إعادة تشكيل خريطة سلاسل الإمداد العالمية، حيث دفعت حالة عدم اليقين المتزايدة الشركات متعددة الجنسيات إلى تبني استراتيجيات تنويع مصادر التوريد والإنتاج بدلاً من الاعتماد على مراكز إنتاج محددة. ويُسهم هذا الاتجاه في تعزيز فرص الدول التي تتمتع بالاستقرار النسبي والبنية التحتية الجيدة في جذب استثمارات جديدة، خاصة في قطاعات التصنيع والخدمات اللوجستية.
وفي هذا السياق، تبرز الفرصة أمام دول مثل مصر لتعزيز موقعها كمركز إقليمي للتجارة والخدمات اللوجستية، في ظل التحديات التي تواجه الممرات البحرية التقليدية، وعلى رأسها مضيق هرمز. حيث يمكن لقناة السويس أن تلعب دورًا محوريًا في استيعاب جزء أكبر من حركة التجارة الدولية، خاصة مع إعادة توجيه بعض خطوط الشحن نحو مسارات أكثر أمانًا. كما يتيح هذا الوضع فرصة لتطوير الموانئ المصرية، وزيادة الاستثمارات في البنية التحتية للنقل والخدمات اللوجستية، بما يعزز من قدرة الاقتصاد على جذب التدفقات الأجنبية.
ومن جهة أخرى، أدت التقلبات الحادة في أسعار النفط والغاز إلى تسريع التحول العالمي نحو الطاقة المتجددة، وهو ما يفتح فرصًا استثمارية واسعة في مجالات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والهيدروجين الأخضر. وتمثل هذه التحولات فرصة للدول التي تمتلك مقومات طبيعية ملائمة، مثل الموقع الجغرافي المتميز ومصادر الطاقة المتجددة، لتعزيز دورها في أسواق الطاقة المستقبلية، وتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري، بما يحقق قدرًا أكبر من الاستقرار الاقتصادي والبيئي. كما تتيح التوترات الجيوسياسية فرصًا لإعادة تقييم الأصول المالية وتوجيه الاستثمارات نحو ما يُعرف بـ”الأصول الآمنة”، حيث يزداد الإقبال على الذهب وبعض العملات القوية خلال فترات عدم الاستقرار. ويساهم ذلك في خلق فرص أمام الأسواق المالية لإعادة هيكلة المحافظ الاستثمارية، واستقطاب رؤوس الأموال الباحثة عن الاستقرار، خاصة في الأسواق التي تتمتع بمستوى مقبول من الأمان والاستقرار النسبي.
علاوة على ذلك، فإن التحولات الجارية في النظام الاقتصادي العالمي تشير إلى اتجاه متزايد نحو ما يمكن وصفه بـالعولمة المُقيدة بالمخاطر، حيث لم يعد تعظيم الكفاءة وحده هو الهدف الأساسي، بل أصبحت اعتبارات الأمن الاقتصادي والاستقرار الجيوسياسي من المحددات الرئيسية لقرارات الاستثمار والإنتاج. ويفتح هذا التحول المجال أمام الدول النامية لإعادة تموضعها في سلاسل القيمة العالمية، من خلال تطوير بيئة استثمارية جاذبة، وتعزيز القدرة التنافسية، وتبني سياسات تدعم التنويع الاقتصادي.
وأخيرًا، يمكن الإشارة إلى أن هذه المرحلة تمثل فرصة لتعزيز مرونة الاقتصاد الوطني من خلال تطوير السياسات الاقتصادية، وتحسين إدارة الموارد، وتنويع مصادر النقد الأجنبي. فالدول التي تنجح في استغلال هذه الفرص ستتمكن من تحويل التحديات الحالية إلى مسارات نمو جديدة، بما يعزز من قدرتها على تحقيق التنمية المستدامة في ظل بيئة عالمية تتسم بالتقلب وعدم اليقين.
سابعًا – السيناريوهات المستقبلية:
في إطار تحليل التفاعلات الجيوسياسية الراهنة، يمكن استشراف عدد من السيناريوهات المستقبلية التي تعكس مسارات محتملة لتطور الصراع بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، وما يترتب عليه من تداعيات على الاقتصاد العالمي، لا سيما في أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد.
1: سيناريو التصعيد الكامل
عد سيناريو التصعيد الكامل أحد هذه المسارات، إلا أن احتماليته تظل محدودة نسبيًا (في حدود 20%–30%) مقارنة بالسيناريوهات الأخرى، نظراً للتكلفة الاقتصادية والسياسية المرتفعة لمثل هذا التصعيد. وفي هذا السيناريو، يُتوقع أن تتعرض أسواق النفط والغاز لضغوط حادة، حيث قد ترتفع أسعار النفط إلى نطاق يتراوح بين 110 و150 دولارًا للبرميل، خاصة في حال تأثر الإمدادات القادمة من منطقة الخليج أو تعطّل حركة الملاحة في الممرات الاستراتيجية مثل مضيق هرمز. كما من المرجح أن تشهد أسواق الغاز الطبيعي زيادات حادة تتراوح بين 40% و70%، نتيجة اختلالات العرض والطلب. وعلى المستوى الكلي، قد ينخفض معدل نمو الاقتصاد العالمي إلى حدود 1.5%–2%، مع ارتفاع معدلات التضخم في الاقتصادات المتقدمة إلى ما بين 6% و9%، فضلًا عن تراجع تدفقات التجارة الدولية وارتفاع تكلفة الشحن والتأمين بنسب كبيرة. أما بالنسبة للاقتصادات الناشئة، ومنها مصر، فإن هذا السيناريو قد يؤدي إلى اتساع عجز الحساب الجاري، وزيادة فاتورة استيراد الطاقة بنحو 3 إلى 5 مليارات دولار إضافية، إلى جانب ضغوط على سعر الصرف قد تدفعه نحو مستويات تتراوح بين 55 و60 جنيهًا للدولار.
2: سيناريو الاحتواء الجزئي:
أما السيناريو الأكثر ترجيحًا في ضوء المعطيات الحالية فهو سيناريو الاحتواء الجزئي، والذي تُقدر احتماليته بنحو 50%–60%، حيث تسعى الأطراف الدولية إلى احتواء التصعيد عبر أدوات دبلوماسية وأمنية، دون الوصول إلى مواجهة شاملة. وفي هذا الإطار، تبقى أسواق الطاقة عرضة لتقلبات معتدلة، مع تحرك أسعار النفط في نطاق يتراوح بين 80 و100 دولار للبرميل، وهو ما يعكس حالة عدم اليقين دون انفجار الأوضاع. وعلى مستوى الاقتصاد العالمي، يُتوقع أن يتراوح معدل النمو بين 2.5% و3%، مع بقاء التضخم في حدود 4%–6%، واستمرار الضغوط على سلاسل الإمداد، ولكن بدرجة يمكن إدارتها من خلال سياسات التحوط وتنويع مصادر الطاقة والتجارة. وفيما يتعلق بالاقتصاد المصري، فإن هذا السيناريو يعني استمرار الضغوط على ميزان المدفوعات، مع إمكانية الحفاظ على استقرار نسبي في سعر الصرف ضمن نطاق يتراوح بين 48 و52 جنيهًا للدولار، مدعومًا بتدفقات نقد أجنبي جزئية من السياحة وتحويلات العاملين بالخارج، إلى جانب استمرار بعض الاستثمارات الأجنبية في أدوات الدين، وإن كانت في نطاق أقل من المعتاد. كما سيظل الاقتصاد المصري بحاجة إلى أدوات تمويل خارجية للحفاظ على استقراره الخارجي، مع استمرار الاعتماد على سياسات التحوط في استيراد الطاقة.
3: سيناريو التهدئة والاستقرار:
وفي المقابل، يمثل سيناريو التهدئة والاستقرار مسارًا أقل احتمالًا في المدى القريب (نحو 10%–20%)، إلا أنه الأكثر إيجابية من حيث التأثيرات الاقتصادية طويلة الأجل. وفي حال التوصل إلى اتفاق أو تهدئة نسبية بين أطراف النزاع، يُتوقع أن تنخفض المخاطر الجيوسياسية بشكل ملحوظ، مما يؤدي إلى استقرار نسبي في أسواق الطاقة، مع تراجع أسعار النفط إلى نطاق يتراوح بين 65 و80 دولارًا للبرميل، وانخفاض تكاليف الشحن والتأمين بشكل تدريجي. وعلى مستوى الاقتصاد العالمي، يمكن أن يتحسن معدل النمو إلى نحو 3%–3.5%، مع تراجع معدلات التضخم إلى حدود 2%–3%، واستعادة جزئية لاستقرار سلاسل الإمداد والتجارة الدولية. أما بالنسبة للاقتصاد المصري، فإن هذا السيناريو سيعزز من استقرار سعر الصرف في نطاق أقرب إلى 45–48 جنيهًا للدولار، مع تحسن تدريجي في ميزان المدفوعات، وزيادة تدفقات النقد الأجنبي، سواء من خلال السياحة أو قناة السويس أو الاستثمارات الأجنبية المباشرة. كما سيؤدي إلى تعزيز ثقة المستثمرين الأجانب، وإمكانية عودة التدفقات إلى أدوات الدين المحلية، بما يخفف من الضغوط التمويلية على الموازنة العامة.
وبناءً على ما سبق، يتضح أن السيناريوهات الثلاثة تعكس درجة متفاوتة من المخاطر والفرص، وأن الاقتصاد العالمي دخل مرحلة تتسم بارتفاع درجة عدم اليقين، حيث أصبحت الجغرافيا السياسية عاملًا رئيسيًا في تحديد المسارات الاقتصادية. كما تؤكد المؤشرات أن أسعار النفط تمثل المتغير الأكثر حساسية وتأثيرًا، بما يجعلها مؤشرًا رئيسيًا لتقييم أي من هذه السيناريوهات. وفي ضوء ذلك، يتعين على صانعي السياسات، خاصة في الاقتصادات الناشئة، تبني استراتيجيات مرنة قادرة على امتصاص الصدمات، مع تعزيز التنويع الاقتصادي وتقليل الاعتماد على المصادر الخارجية، بما يضمن تحقيق قدر أكبر من الاستقرار الاقتصادي في بيئة دولية متقلبة.
لم تعد الجغرافيا السياسية متغيرًا خارجيًا هامشيًا، بل أصبحت محددًا رئيسيًا في تشكيل مسارات الاقتصاد العالمي، بما يعكس انتقال النظام الاقتصادي الدولي إلى مرحلة تتداخل فيها اعتبارات الأمن والاستقرار مع منطق الكفاءة الاقتصادية. إذ تسهم التوترات الجيوسياسية الراهنة في إعادة رسم خريطة التفاعلات الاقتصادية الدولية من خلال قنوات متعددة، أبرزها أسواق الطاقة، والتجارة الدولية، وسلاسل الإمداد، الأمر الذي يؤدي إلى توليد صدمات متزامنة في العرض والتكلفة، ويزيد من حدة التقلبات وعدم اليقين في البيئة الاقتصادية العالمية. كما يتضح أن الممرات البحرية الاستراتيجية، وعلى رأسها مضيق هرمز، قد اكتسبت أهمية متزايدة باعتبارها مراكز ارتكاز حاسمة في منظومة الأمن الاقتصادي العالمي، حيث لم تعد مجرد مسارات لنقل التجارة، بل تحولت إلى أدوات ذات أبعاد جيوسياسية مؤثرة في حركة تدفقات الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية، بما يمنحها دورًا مباشرًا في التأثير على استقرار الأسواق وتسعير السلع الاستراتيجية. وعلى مستوى أعمق، تشير هذه التحولات إلى أن بنية العولمة تشهد إعادة تشكيل تدريجية، حيث تنتقل من نموذج قائم على تعظيم الكفاءة وتقليل التكاليف إلى نموذج أكثر تحفظًا تحكمه اعتبارات المخاطر الجيوسياسية والأمن الاقتصادي، وهو ما يدفع الدول والشركات إلى إعادة هيكلة سلاسل التوريد، وتنويع مصادر الإنتاج والطاقة، والسعي نحو تحقيق درجة أعلى من الاكتفاء النسبي، بما يقلل من الاعتماد على المراكز الاقتصادية التقليدية.
أما بالنسبة للاقتصادات الناشئة، وفي مقدمتها الاقتصاد المصري، فإن هذه التطورات تمثل اختبارًا حقيقيًا لقدرة السياسات الاقتصادية على التكيف مع الصدمات الخارجية المتتالية، في ظل ما تشهده من ضغوط على سعر الصرف، وتراجع أو تقلب تدفقات رؤوس الأموال، وارتفاع تكاليف الاستيراد. وعلى الرغم من امتلاك مصر لعدد من الأدوات التي تمكّنها من امتصاص جزء من هذه الصدمات، فإن استمرار حالة عدم الاستقرار يفرض تبني سياسات أكثر مرونة وفاعلية، ترتكز على تنويع مصادر النقد الأجنبي، وتعزيز القدرة الإنتاجية المحلية، وتحسين كفاءة إدارة المخاطر الاقتصادية والمالية.
وفي المجمل، تعكس هذه المرحلة دخول الاقتصاد العالمي في طور جديد يتسم بارتفاع غير مسبوق في درجة عدم اليقين، وتعاظم الترابط بين المتغيرات الجيوسياسية والاقتصادية، بما يستدعي إعادة النظر في استراتيجيات التنمية وسياسات الاستقرار الاقتصادي على المستويين الوطني والدولي، بما يضمن القدرة على التكيف مع المتغيرات المتسارعة وتحقيق قدر أكبر من الاستدامة الاقتصادية.
المراجع:
[1] Jean-Pascal Boutin , Middle East conflict impact on energy markets and projects – will high gas prices result in regulatory change?, March 2026,Available at :
[2] Westwood, Conflict in the Middle East: Our View on Energy Markets and Investment Implications, Available at :
[3] Jean-Pascal Boutin , Middle East conflict impact on energy markets and projects – will high gas prices result in regulatory change?, March 2026,Available at :
[4] Paul Wiseman, Associated Press, War with Iran delivers high oil prices and another shock to the global economy
Mar 10, 2026,Available at :
[5] Dan Burns, Fed’s Cook says the balance of risks has shifted toward inflation due to Iran war, March 27, 2026,Availabe at :
[6] Neil Irwin , Consumers caught in triple stack of pain, Available at:
[7] Oliver Wyman. (2026, March). Middle East conflict reshapes global supply chains: Impacts on energy, commodities, and transportation.
https://www.oliverwyman.com/our-expertise/insights/2026/mar/how-middle-east-tensions-impact-supply-chain.html
[8] The Impact of Geopolitical Factors and Trade Risks on Global Supply Chain, Available at:
[9] Xavier Nougues, Sebastian Janssen, Thilo Grunwald, and Andre Martins, How conflict in the Middle East is affecting supply chains,Available at: https://www.oliverwyman.com/our-expertise/insights/2026/mar/how-middle-east-tensions-impact-supply-chain.html?utm_source=chatgpt.com
OECD“ [10] تخفض توقعات نمو الاقتصاد العالمي لعام 2027 إلى 3%.” العربية نت. 26 مارس 2026. https://www.alarabiya.net/aswaq/economy/2026/03/26/oecd-%D8%AA%D8%AE%D9%81%D8%B6-%D8%AA%D9%88%D9%82%D8%B9%D8%A7%D8%AA-%D9%86%D9%85%D9%88-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%82%D8%AA%D8%B5%D8%A7%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%8A-%D9%84%D8%B9%D8%A7%D9%85-2027-%D8%A7%D9%84%D9%89-3
[11]Phillip Inman, The Guardian , Economic growth (GDP) Middle East conflict will damage UK’s economy ‘more than any other’, Available at :
[12] Bank for International Settlements. (2022). Annual Economic Report. Basel: BIS.
[13] IMF. (2024). World Economic Outlook. International Monetary Fund.
[15] سي إن إن بالعربية ، تقرير ما تأثير حرب إيران على الاقتصاد المصري؟ ، متاح علي الرابط التالي :
[16] رويترز، 2026، متاح علي الرابط التالي :
[17] International Monetary Fund (IMF), Statement on Middle East Developments, March 3, 2026 — ارتفاع أسعار الطاقة وتقلبات النشاط التجاري العالمي المرتبطة بالتوترات الجيوسياسية.
[18] The Effect of Oil Price Shocks on the Balance of Payments of Oil-Importing Economy, Economic analysis of oil price shocks on balance of payments — ارتفاع أسعار النفط يضغط على ميزان المدفوعات في الاقتصادات المستوردة للطاقة.
19 International Energy Agency (IEA). Oil Market Report, 2025.
20 U.S. Energy Information Administration (EIA). Monthly Energy Review, 2025.
21 International Monetary Fund (IMF). World Economic Outlook, 2024.
22 World Bank. Global Economic Prospects, 2025.
23 Bloomberg. Market Reports on Oil Price Fluctuations, 2025.
24 Reuters. Shipping Insurance and Global Market Signals Reports, 2025.
باحث اقتصاد مشارك من الخارج بمركز ترو للدراسات والتدريب