يُعد كتاب Global Challenges To Democracyمن الإسهامات المهمة في حقل النظم السياسية المقارنة ودراسات التحول الديمقراطي، إذ يتناول واحدة من أبرز الظواهر السياسية المعاصرة وهي التراجع الديمقراطي أو الارتداد نحو السلطوية بعد عقود من التوسع الديمقراطي العالمي في أواخر القرن العشرين. وينطلق الكتاب من ملاحظة أساسية مفادها أن تهديد الديمقراطية لم يعد يأتي فقط من الانقلابات العسكرية أو التدخلات الخارجية بل أصبح في كثير من الحالات نابعًا من داخل النظام الديمقراطي ذاته عبر قادة منتخبين يستخدمون المؤسسات والقواعد الديمقراطية لإضعافها تدريجيًا.
ويقدم الكتاب معالجة نظرية ومقارنة لهذه الظاهرة مستفيدًا من الأدبيات الكلاسيكية المرتبطة بالانتقال الديمقراطي وترسيخ الديمقراطية بهدف تفسير التحديات المستجدة التي تواجه الأنظمة الديمقراطية في المرحلة الراهنة. كما يناقش أنماط التراجع الديمقراطي، والتحول في طبيعة التهديدات السلطوية إلى جانب تحليل مصادر الصمود الديمقراطي والعوامل التي تساعد بعض النظم على مقاومة مسارات التآكل المؤسسي والسياسي.
وتبرز أهمية الكتاب كذلك في اتساع نطاقه الجغرافي والتحليلي حيث يدمج بين الأبعاد المؤسسية، وأدوار المجتمع المدني، والتأثيرات الدولية مع تقديم دراسات وحالات مقارنة تشمل أوروبا الغربية والشرقية، وجنوب وجنوب شرق آسيا، وأفريقيا، وأمريكا اللاتينية، الولايات المتحدة الأمريكية. ومن ثم، يوفر الكتاب إطارًا متماسكًا لفهم مستقبل الديمقراطية في عالم يشهد تصاعدًا ملحوظًا للنزعات السلطوية.
تولى تحرير الكتاب نخبة من الباحثين المتخصصين من Cornell University هم: Valerie J. Bunce المتخصصة في التحول الديمقراطي وأزمات الأنظمة السلطوية، و Thomas B. Pepinsky الباحث في الاقتصاد السياسي المقارن والتراجع الديمقراطي، وRachel Beatty Riedlالمتخصصة في الديمقراطية والمؤسسات السياسية في أفريقيا إلى جانب Kenneth M. Roberts المعروف بأعماله حول الشعبوية وأنظمة الأحزاب وعدم المساواة، خاصة في أمريكا اللاتينية.
ينقسم هذا الكتاب إلى ثلاثة أجزاء: الجزء الأول بعنوان: ” الأبعاد المؤسسية للتراجع الديمقراطي والصمود الديمقراطي” ويتناول هذا الجزء حالات مقارنة من دول مختلفة مثل: الهند وجنوب شرق آسيا والولايات المتحدة والدول منخفضة الدخل بهدف تحليل كيف تؤثر ديناميات مثل استقلالية مؤسسات “التحكيم” ، وقدرات الدولة، وتسييس التوظيف العام، وإدارة الانتخابات على استقرار الأنظمة الديمقراطية أو هشاشتها. أما الجزء الثاني بعنوان: ” المجتمع المدني، وسائل التواصل الاجتماعي، والرسائل السياسية” الذي يستعرض دور المجتمع المدني ووسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي في تشكيل مسارات الديمقراطية من حيث دعمها أو المساهمة في تراجعها مع التركيز على قضايا مثل التعبئة السياسية، المعلومات المضللة، وتحديات المساءلة في سياقات مختلفة. والجزء الثالث والأخير بعنوان: ” الأبعاد الدولية للصراع بين الديمقراطية والاستبداد” الذي يناقش العلاقة بين الأمن وصعود اليمين القومي في أوروبا المعاصرة، وتأثير الإرث التاريخي لحركات 1968 على التراجع الديمقراطي وصراع الهيمنة داخل الديمقراطية المسيحية في أوروبا، بالإضافة إلى عملية عولمة وتدويل اليمين المتطرف من خلال شبكات ومنصات عابرة للحدود مثل منتدى مدريد.
الجزء الأول: الأبعاد المؤسسية للتراجع الديمقراطي والصمود الديمقراطي
يستعرض هذا الجزء الإطار التحليلي لفهم أزمة الديمقراطية المعاصرة، إذ يراجع نقديًا التفاؤل الذي صاحب موجة التحول الديمقراطي الثالثة حين ساد الاعتقاد بأن الديمقراطية أصبحت المسار الطبيعي للتطور السياسي غير أن التطورات اللاحقة أظهرت أن ديمقراطيات راسخة وحديثة النشأة باتت معًا عرضة للتراجع. ويؤكد الجزء أن الخطر لا يأتي فقط من القوى الخاسرة الرافضة لنتائج الانتخابات بل أيضًا من القوى الفائزة التي تسعى إلى تحويل الانتصار المؤقت إلى هيمنة دائمة. وتبرز أهميته النظرية في إعادة النظر في مسلمات شائعة مثل فكرة ترسخ الديمقراطية بوصفها حالة مستقرة أو أن الازدهار الاقتصادي وطول عمر النظام يضمنان حمايته. وبدلًا من ذلك، يقدم تصورًا يرى الديمقراطية ساحة صراع مستمرة بين قوى تدفع نحو توسيع المشاركة والحقوق، وأخرى تسعى إلى التضييق وإعادة تشكيل قواعد اللعبة لصالحها.
وعلى المستوى التطبيقي، يستعرض حالات مقارنة تكشف تنوع مسارات التراجع الديمقراطي. ففي الهند، لا تتمثل الأزمة في غياب الانتخابات بل في التحول نحو ديمقراطية انتخابية تستمر فيها المنافسة الشكلية مع تآكل الضمانات الليبرالية نتيجة تراجع استقلال المحكمة العليا، والمفوضية الانتخابية، ومؤسسات المحاسبة. وفي جنوب شرق آسيا، تتكرر موجات الانفتاح والتراجع بسبب تداخل الفاعلين الديمقراطيين والسلطويين داخل الدولة والمجتمع بما يجعل الالتزام بقواعد الديمقراطية هشًا أمام الاستقطاب وضعف الأداء الحكومي.
وفي الدول منخفضة الدخل خاصة في أفريقيا، يناقش الجزء مفارقة عدم تعرض كثير منها لتراجع حاد رغم ضعف مؤسساتها. ويفسر ذلك بالتمييز بين المساءلة الرأسية عبر الانتخابات والمساءلة الأفقية عبر مؤسسات الدولة. فضعف القدرة الدولتية لا يمنع وجود انتخابات تنافسية لكنه يحد من فعالية الرقابة والفصل بين السلطات ما يصعب بناء ديمقراطية ليبرالية مكتملة. كما يركز الجزء على البيروقراطية بوصفها ساحة مركزية للصراع الديمقراطي حيث يؤدي تسييس التوظيف العام واستبدال الجدارة بالولاء إلى رفع كلفة خسارة الانتخابات على النخب الحاكمة وتكوين شبكات زبائنية مرتبطة ببقاء السلطة. وتظهر هذه الديناميكية في المجر وبولندا حيث جرى إفراغ مؤسسات الدولة من حيادها تدريجيًا من داخل النظام نفسه. كذلك يتناول هشاشة الإدارة الانتخابية في الولايات المتحدة من خلال انتخابات عام 2020 حيث لم يقتصر الجدل على النتائج بل شمل إجراءات التصويت والفرز والتصديق وانتقال السلطة. ويخلص إلى أن الديمقراطية لا تقوم فقط على وجود صندوق اقتراع بل على الثقة العامة في نزاهة العملية الانتخابية وقدرتها على ضمان التداول السلمي للسلطة، وأن التلاعب بالقواعد الإجرائية قد يتحول إلى أداة رئيسية للتراجع الديمقراطي.
الجزء الثاني: المجتمع المدني، وسائل التواصل الاجتماعي، والرسائل السياسية
يتناول هذا الجزء الأبعاد المجتمعية والثقافية لأزمة الديمقراطية، موضحًا أن التراجع الديمقراطي لا يرتبط فقط بضعف المؤسسات بل يمتد إلى المجتمع المدني، والهوية، والإعلام، والخطاب السياسي. ومن ثم، ينتقل التحليل من مستوى الدولة إلى مستوى المجتمع بوصفه ساحة رئيسية للصراع حول الشرعية والمواطنة. في حالة أمريكا اللاتينية، يوضح الكتاب أن بعض منظمات المجتمع المدني اليمينية تسهم في إنتاج مواطنة إقصائية عبر تصوير الأقليات والفئات المهمشة كتهديد للمجتمع بما يبرر استبعادها من الحقوق والحماية. ويكشف ذلك أن المجتمع المدني ليس دائمًا قوة داعمة للديمقراطية بل قد يصبح أداة للإقصاء. وفي المجر، يفسر صعود اليمين المدني من خلال مفهوم الاقتصاد الأخلاق حيث لا يكفي الغضب الشعبي وحده بل يلزم وجود سردية قيمية وشبكات تنظيمية تحول المظلومية إلى مشروع سياسي مستدام. كما يوضح بالمقارنة مع بولندا أن المجتمع المدني يمكن أن يشكل أداة مساءلة اجتماعية تدعم المؤسسات حين تتعرض للتآكل من خلال فرض كلفة سياسية على المعتدين على الديمقراطية.
ويتناول كذلك قدرة المجتمع المدني على مقاومة التراجع الديمقراطي، مؤكدًا أن نجاحه يتوقف على مدى اختراق السلطة للمؤسسات، وحجم شعبيتها، وتوقيت المقاومة. فالمقاومة المبكرة أكثر فاعلية لكنها تحتاج إلى الجمع بين الحشد الشعبي، والعمل القضائي، والتنظيم السياسي، ولا يكفي فيها الاعتماد على التعبئة الرقمية وحدها. وفي جانب آخر، يناقش أثر التضليل الرقمي في تقويض الثقة بالعملية الديمقراطية خاصة حين يصدر عن نخب محلية تستخدم التشكيك في الانتخابات والتصويت ونقل السلطة لإضعاف شرعية النظام من الداخل. كما يطرح الكتاب أهمية الهيمنة الرمزية في المنافسة السياسية، موضحًا أن النجاح الانتخابي لا يعتمد فقط على البرامج بل أيضًا على صورة القوة والحسم والقدرة على التعبئة. ومن ثم، فإن الدفاع عن الديمقراطية يتطلب خطابًا سياسيًا أكثر تأثيرًا لا الاكتفاء بلغة تقنية باردة.
الجزء الثالث: الأبعاد الدولية للصراع بين الديمقراطية والاستبداد
يناقش هذا الفصل تحول اليمين القومي في أوروبا من قوة هامشية مدانة سياسيًا إلى فاعل مركزي ومقبول داخل النظام السياسي انطلاقًا من أزمة النمسا عام 2000 عندما أثار دخول حزب الحرية اليميني الحكومة رد فعل أوروبيًا قويًا تمثل في عقوبات مؤقتة قبل أن تتراجع سريعًا وتعود الحياة السياسية إلى طبيعتها، وهو ما كشف مبكرًا محدودية “العزل الديمقراطي” لهذه الأحزاب. ويفسر هذا التحول من خلال مفهوم “الأمن”، إذ يربط صعود اليمين القومي بتراجع قدرة الدول والاتحاد الأوروبي على ضمان الحماية في مواجهة أزمات التقشف والهجرة والإرهاب ما أضعف ثقة المواطنين في النموذج الديمقراطي القائم. في هذا السياق، قدمت هذه الأحزاب نفسها كقوة قادرة على استعادة السيطرة والسيادة، مستفيدة من تصاعد التوتر بين المحلي والعابر للحدود ومع الوقت لم يعد وجودها استثناءً بل أصبح جزءًا طبيعيًا من المشهد السياسي.
ويمتد التحليل ليضع هذا المسار داخل سياق أوسع من التغيرات البنيوية منذ السبعينيات مع تآكل “الأمن الكثيف” الذي وفرته دولة الرفاه بعد الحرب ثم تفاقمه عبر الأزمات الاقتصادية وأزمة 2015 التي جمعت بين الإرهاب وأزمة اللاجئين والتقشف والتي شكلت نقطة تحول رئيسية وسّعت قاعدة اليمين القومي. كما يوضح أن هذا الصعود لا يعكس بالضرورة رفضًا للديمقراطية بل إعادة تشكيل لها من الداخل مع تراجع الفوارق بين الأحزاب التقليدية وصعود بدائل يمينية جديدة. ويشير أيضًا إلى أن الأحداث اللاحقة مثل جائحة كوفيد-19 وحرب أوكرانيا لم توقف هذا الاتجاه بل أعادت تشكيله، فالجائحة عززت منطق السيادة الوطنية بينما أبرزت الحرب التوتر المستمر بين الحاجة إلى الوحدة الأوروبية والميول نحو الانكفاء الوطني وهو ما يفسر استمرار حضور اليمين القومي في السياسة الأوروبية المعاصرة.
رؤية تحليلية نقدية للكتاب
تمتاز بنية الكتاب بدرجة ملحوظة من التنظيم والتماسك، إذ نجح في الإحاطة بأطروحته المركزية وتتبع تقسيماته بشكل يعكس فهمًا واضحًا لمنطقه الداخلي. كما أن الانتقال التدريجي من الإطار النظري إلى الحالات المقارنة ثم إلى الأبعاد الدولية يعكس وعيًا منهجيًا بطبيعة الكتابة في حقل النظم السياسية المقارنة، وقدرة على تقديم العمل في صورة كلية متماسكة دون إغفال عناصره الأساسية. وعلى الرغم من هذا الاتساق البنيوي، فإن القراءة النقدية تكشف عن عدد من الملاحظات التي تتعلق بالجانب التحليلي وحدوده التفسيرية، جاءت كالتالي:
- يميل الكتاب إلى توسيع مفهوم “التراجع الديمقراطي” إلى حد قد يخلق درجة من الغموض بين حالات التآكل المؤسسي التدريجي وبين الأزمات السياسية الدورية داخل الديمقراطيات المستقرة، وهو ما يضعف أحيانًا من دقة الضبط المفاهيمي.
- يظهر تفاوت نسبي في عمق المعالجة المقارنة بين الأقاليم المختلفة حيث تحظى بعض الحالات في أمريكا اللاتينية وأوروبا الشرقية بحضور أكثر تفصيلًا مقارنة بحالات أخرى بما في ذلك الديمقراطيات المستقرة نسبيًا، وهو ما يحد من التوازن التحليلي داخل الإطار المقارن.
- يركز التحليل بدرجة أكبر على الأبعاد المؤسسية والسياسية الداخلية مثل الأحزاب والانتخابات وبنية المؤسسات، في مقابل حضور أقل للعوامل البنيوية الأوسع المرتبطة بالاقتصاد السياسي العالمي، والتحولات في النظام الدولي، وتأثير الإعلام الرقمي والفاعلين التكنولوجيين.
- يغلب على الكتاب الطابع الوصفي أكثر من التفسيري أو التنبؤي، إذ يقدم توصيفًا دقيقًا للظاهرة دون أن يطور بالقدر الكافي نماذج استشرافية واضحة لمسارات التراجع أو الصمود الديمقراطي.
باحث مساعد في النظم السياسية بمركز ترو للدراسات