Cairo

موقف المؤسسات التشريعية الأوروبية من الحرب على إيران ودوافعه

قائمة المحتويات

باحث مساعد في النظم السياسية بمركز ترو للدراسات

تًمثل الحرب على إيران اختبارًا جديدًا لموقع أوروبا في التفاعلات الدولية، ولقدرة مؤسساتها السياسية على صياغة موقف مستقل تجاه الأزمات الأمنية الكبرى. فعلى الرغم من الروابط الاستراتيجية الوثيقة التي تجمع الدول الأوروبية بالولايات المتحدة في إطار التحالف الغربي، فإن التصعيد العسكري الأمريكي_الإسرائيلي تجاه إيران أفرز حالة واضحة من التحفظ داخل المؤسسات التشريعية الأوروبية التي أبدت رفضًا لتوسيع نطاق الحرب وحذرت من تداعياتها القانونية والأمنية والاقتصادية. وقد تجسد ذلك في دعوات متكررة إلى ضبط النفس، واحترام القانون الدولي، وتغليب المسارات الدبلوماسية على الخيارات العسكرية.

تبنّت الدول الأوروبية الكبرى _رغم مواقفها التحفظية الواضحة تجاه المشاركة في العمليات العسكرية_ موقفًا مشتركًا قائمًا على رفض الحرب ورفض التورط المباشر في الصراع، وتبين ذلك من خلال عدد من المواقف الرسمية، إذ اتخذت إسبانيا موقفًا صارمًا بإغلاق المجال الجوي ومنع استخدام قواعدها العسكرية بينما رفضت إيطاليا هبوط القاذفات الأمريكية دون تصريح مسبق، واعتمدت فرنسا سياسة انتقائية اقتصرت على بعض التسهيلات لدعم الحلفاء دون السماح بمرور الطائرات المحملة بأسلحة. وعلى صعيد آخر، رفضت بولندا تسليم أنظمة الدفاع الجوي إلى الشرق الأوسط فيما أكدت النمسا التزامها بالحياد من خلال منع عبور أي طائرات عسكرية أمريكية في أجوائها.[1] ويستند هذا التحفظ الأوروبي إلى مجموعة من الاعتبارات الاستراتيجية والقانونية بما في ذلك غموض أهداف الحرب وإمكانية الانجرار إلى صراع غير محسوب، ورفض المشاركة في عمليات عسكرية أحادية الجانب تفتقر لتفويض أممي إلى جانب عوامل اقتصادية، وأمنية مرتبطة بأسعار الطاقة واحتمالية استهداف القواعد الجوية.[2]

وقد عكس البرلمان الأوروبي موقفًا واضحًا يقوم على إدانة الهجمات الإيرانية على المدنيين والتضامن مع الشعب الإيراني مع التشديد في الوقت ذاته على ضرورة خفض التصعيد، ودعم الحوار، واحترام القانون الدولي، وإنهاء النزاع عبر مسارات سياسية تضمن حق الإيرانيين في تقرير مصيرهم وحماية حقوق الإنسان. ومن ثم، يسعى التقرير إلى تحليل مظاهر تصاعد الرفض داخل المؤسسات التشريعية الأوروبية، وتفسير محدداته الرئيسية، واستشراف السيناريوهات المحتملة لتطور هذا الموقف مع استمرار الحرب.

أولًا: تصاعد الرفض داخل المؤسسات التشريعية الأوروبية للحرب على إيران:

تكشف التطورات المرتبطة بالتصعيد العسكري الأمريكي_الإسرائيلي تجاه إيران عن حدود المقاربة الأوروبية القائمة على إدارة الأزمات واحتواء تداعياتها. فقد اعتادت الدول الأوروبية _في سياقات سابقة_ تبني مواقف حذرة تسعى إلى الموازنة بين التمسك الشكلي بمبادئ القانون الدولي والتكيف العملي مع التحولات التي تفرضها القوة الأمريكية. غير أن هذا النهج يواجه تحديًا متزايدًا في ظل تصاعد النزعات الأحادية في السياسة الأمريكية، واتخاذ قرارات عسكرية كبرى دون تشاور مع الحلفاء أو الالتزام بالأطر المؤسسية التقليدية. في هذا السياق، تجد الدول الأوروبية نفسها أمام معضلة مركبة، فمن جهة تتعرض لضغوط مباشرة للانخراط في دعم العمليات العسكرية أو على الأقل عدم معارضتها، ومن جهة أخرى تواجه قيودًا داخلية نابعة من رفض الرأي العام الأوروبي لتكرار سيناريوهات التدخل العسكري في الشرق الأوسط بما تحمله من كلفة سياسية وأمنية واقتصادية غير مضمونة النتائج. وقد انعكس ذلك في تباين مواقف الحكومات الأوروبية بين الحذر الدبلوماسي، والرفض الجزئي، ومحاولات تجنب التصعيد مع الحفاظ على العلاقات عبر الأطلسي[3].

في هذا السياق، ناقش البرلمان الأوروبي خلال جلسته المنعقدة في 11 مارس 2026 تداعيات العملية العسكرية الأمريكية–الإسرائيلية ضد إيران وانعكاساتها الإقليمية والدولية إلى جانب سبل دعم الشعب الإيراني. وعكس إدراج هذا الملف على جدول الأعمال إدراكًا أوروبيًا متزايدًا لخطورة التصعيد العسكري واحتمالات تحوله إلى أزمة ممتدة تمس أمن أوروبا ومصالحها الاستراتيجية. وفي هذا السياق، أكدت روبرتا ميتسولا ” رئيسة البرلمان الأوروبي” أن التطورات الجارية في إيران يجب ألا تنزلق إلى دوامة تصعيد تهدد الشرق الأوسط وأوروبا وما بعدها بما عكس توجهًا مؤسسيًا فضل احتواء الأزمة عبر أدوات سياسية ودبلوماسية بدلًا من الانخراط في مسارات عسكرية مفتوحة. كما ربط أعضاء البرلمان بين هذا الملف وبين أولويات قمة الاتحاد الأوروبي _التي تم عقدها في 19 و 20 مارس_ لا سيما استكمال السوق الموحدة، وتعزيز التنافسية الأوروبية، وتوظيف الإطار المالي متعدد السنوات 2028–2034 لدعم الأمن والدفاع.[4] وأكد البرلمان على أن الهجمات الإيرانية المستمرة على المدنيين “يجب أن تتوقف” مؤكدًا على الالتزام بخفض التصعيد، دعم الحوار، احترام القانون الدولي، السعي نحو إنهاء النزاع، وضمان حق الشعب الإيراني في تقرير مصيره بحرية بما يتوافق مع الالتزامات الدولية وحماية حقوق الإنسان. كما قامت “روبرتا متسولا” في 25 مارس 2026 بالتأكيد على أن البرلمان يقف إلى جانب الشعب الإيراني ويدين الهجمات العشوائية التي يشنها النظام الإيراني على المدنيين في دول الخليج والمنطقة. وأقرت أن “هذا البرلمان يقف إلى جانب الشعب الإيراني وسيستمر في ممارسة الضغط نيابة عنه”. كما سجل البرلمان وفاة الجندي الفرنسي “أرنو فريون” على يد طائرة مسيرة إيرانية أثناء مهمة تدريبية لمكافحة الإرهاب في العراق، وتأثر آلاف الأوروبيين جراء العمليات العسكرية في المنطقة مع التأكيد على مسؤولية الدول الأعضاء وشركائها في الخليج في تسهيل إعادة المواطنين الأوروبيين إلى بلدانهم.[5]

جاء هذا الموقف ضمن إطار التصريحات الصادرة عن أعضاء البرلمان الأوروبي، حيث حذرت عضوة البرلمان الأوروبي “هانا نيومان”( التيار البيئي_اليساري) من أن العمليات العسكرية التي تشنها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، وردود الفعل الإيرانية المترتبة عليها تحمل مخاطر كبيرة على استقرار المنطقة، وتعرض المدنيين لأضرار مباشرة. وبالتالي، فإن الحاجة ملحة لاعتماد سياسات أوروبية أكثر وضوحًا وفعالية تركز على خفض التصعيد وتحديد أهداف استراتيجية متسقة من قبل القوى الغربية. وأقرت تذبذب أهداف القيادة الأمريكية والإسرائيلية يمثل عاملًا مفاقمًا للأزمة حيث تتراوح هذه الأهداف بين تغيير النظام الإيراني، واستهداف البرنامج الصاروخي، والمفاوضات النووية ما يعكس افتقارًا إلى وضوح الرؤية في صياغة السياسات العسكرية ويزيد من صعوبة التنبؤ بنتائج النزاع. كما أعربت عن قلقها البالغ إزاء استهداف البنية التحتية المدنية معتبرة أن هذه الممارسات قد تؤدي إلى تصعيد واسع النطاق يطال الشركاء الإقليميين في الخليج، ويؤثر على حركة الملاحة الدولية ويزيد من تكاليف الطاقة العالمية، بما يؤكد الترابط الاقتصادي والسياسي للأزمات الإقليمية مع الأمن الأوروبي. على صعيد السياسة الداخلية الإيرانية، دعت نيومان إلى إعادة النظر في أولويات النظام الإيراني، محذرة من أن استمرار السياسات الحالية يشكل تهديدًا سياسيًا واقتصاديًا وأخلاقيًا، وأكدت على أهمية أي عملية انتقال سياسي مستقبلي تكون شاملة، وتستوعب الأقليات والمكونات المجتمعية المختلفة، لضمان شرعية موسعة واستقرار طويل الأمد. يعكس موقف نيومان نهجًا سياسيًا مبنيًا على التحليل المؤسسي للنظم، حيث يُنظر إلى النزاعات الدولية بوصفها أحداثًا مؤثرة على الاستقرار الإقليمي والدولي، وتستدعي تدخلات دبلوماسية استراتيجية مدروسة بدلاً من الانخراط العسكري العشوائي.[6] وفي هذا الإطار، لا يُفهم رفضها للتصعيد العسكري بوصفه تأييدًا للنظام الإيراني وإنما باعتباره موقفًا براغماتيًا تحكمه اعتبارات المصلحة الوطنية والحفاظ على الاستقرار الإقليمي، وما يرتبط بذلك من حماية المصالح الاقتصادية وتفادي التداعيات الأمنية والإنسانية للصراع.

وقد تناول “مارك بوتينغا” ( اليسار الأوروبي ) موقف الاتحاد من الحرب على إيران، مشيرًا إلى أن الاستجابة الأوروبية اتسمت بضعف الحضور الدبلوماسي وغياب مبادرة سياسية فعّالة لإدارة الأزمة. وذهب إلى أن الاتحاد لم يوظف أدواته الدبلوماسية بالشكل الكافي لاحتواء التصعيد، كما لم يبلور موقفًا متماسكًا إزاء الانتهاكات المرتبطة بالنزاع في إطار القانون الدولي بما يشمل حماية المدنيين. كما أوضح أن الخطاب الأوروبي في توصيف الأزمة اتسم بقدر من عدم التوازن حيث جرى التركيز على إبراز إيران بوصفها مصدر تهديد لدول الجوار، في حين لم يُول الاهتمام الكافي للأبعاد الإنسانية والأمنية المترتبة على العمليات العسكرية. وينعكس ذلك _وفق هذا الطرح_ في محدودية القدرة الأوروبية على صياغة مقاربة شاملة تستوعب تعقيدات الصراع وتعدد أطرافه. وفي السياق ذاته، انتقد محدودية الموقف الأوروبي إزاء التصعيد العسكري والخطاب السياسي المصاحب له، وغياب أدوات ضغط منسقة وفعّالة. وفي المقابل، رحب بإعلان وقف إطلاق النار المؤقت بين الولايات المتحدة وإيران باعتباره خطوة من شأنها فتح هامش لإعادة تفعيل المسار التفاوضي في ظل استمرار الجدل داخل مؤسسات الاتحاد الأوروبي حول فاعلية مقاربته للأزمات الدولية وحدود تأثيره في إدارة الصراعات الإقليمية.[7]

بالانتقال إلى السياق البرلماني الوطني _وبالتركيز على بريطانيا التي تُعد دولة غربية وعضوًا في حلف شمال الأطلسي (الناتو) رغم خروجها من الاتحاد الأوروبي عقب البريكزيت_ يعكس خطاب زعيم حزب الديمقراطيين الليبراليين ” إدوارد ديفي” في البرلمان البريطاني تجاه الرئيس الأميركي “دونالد ترامب”  حالة متصاعدة من المعارضة والرفض للسياسات الأميركية، حيث وصف الرئيس خلال مداخلته بأنه “رجل عصابات وفاسد يجب التصدي له”. هذا الخطاب يتجاوز النقد التقليدي للأشخاص إلى مهاجمة مباشرة لأسلوب صنع القرار الأميركي وقرارات ترامب المتعلقة بالتصعيد العسكري، مؤكدًا أن هذه السياسات تشكل تهديدًا للقيم الديمقراطية وأطر التعاون الغربي. [8] يكشف تتبع آليات العرائض داخل البرلمان البريطاني عن وجود طرح سابق يدعو إلى امتناع المملكة المتحدة عن الانخراط في أي عمل عسكري تقوده الولايات المتحدة ضد إيران مع الدفع نحو اعتماد مسار دبلوماسي لتسوية الأزمة، إلا أن هذا الطرح قد تم رفضه إجرائيًا لوجود عريضة قائمة بالفعل تتناول القضية ذاتها. ولا تقتصر أهمية هذا الطرح على مضمونه المباشر بل تمتد لتعكس نمطًا متكررًا من التعبير داخل المجال العام البريطاني حيث تتبلور مطالبات واضحة بإعادة تقييم حدود الدور العسكري الخارجي للدولة. ويُلاحظ أن هذا التوجه لا يقتصر على رفض المشاركة العسكرية المباشرة بل يشمل أيضًا التحفظ على أشكال الدعم غير المباشر بما في ذلك الإسناد اللوجستي أو تزويد الموارد، وهو ما يعكس إدراكًا متناميًا لتعقيد تشابكات الصراع واحتمالات اتساعه.[9] كما أن تكرار طرح هذا النوع من العرائض يشير إلى درجة من الاستمرارية في الضغط المجتمعي على الرغم  من رفض بعضها لأسباب إجرائية بما يعزز فرضية أن هذا الموقف لم يعد هامشيًا، بل بات جزءًا من نقاش أوسع حول جدوى الانخراط العسكري وتكلفته السياسية والاستراتيجية. وعليه، يمكن قراءة هذا الطرح بوصفه مؤشرًا دالًا على تحول نسبي في أولويات قطاعات من الرأي العام من منطق استخدام الأدوات العسكرية إلى منطق الاحتواء الدبلوماسي خاصة في ظل المخاوف المرتبطة بإمكانية انزلاق أي مواجهة محدودة إلى نطاق إقليمي أو دولي أوسع. وفي هذا الإطار، وصفت النائبة “زارا سلطانة” (التيار الاشتراكي الديمقراطي/اليسار التقدمي الراديكالي) الحرب على إيران بأنها غير قانونية مؤكدة رفضها لهذا التدخل العسكري، ومشيرة إلى أنها شاركت في مظاهرات شعبية في لندن ضد الحرب. وأضافت أنها عاشت تجربة حرب العراق وهي في سن مبكرة، معتبرة أن ذلك يفسر موقفها الرافض لتكرار تدخلات عسكرية جديدة في المنطقة. كما عبّرت عن فخرها بالمشاركة مع عشرات الآلاف في احتجاجات شعبية رافضة للحرب، تحت شعار “لا باسمنا”. علاوة على ذلك ، انتقدت سلطانة تصاعد العمليات العسكرية ضد إيران معتبرة أنها جاءت في توقيت كانت فيه طهران منخرطة في مسارات تفاوضية، وأن اللجوء إلى القوة العسكرية يمثل تصعيدًا يهدد الاستقرار الإقليمي ويخالف مبادئ القانون الدولي.[10] لم يقتصر رفض الحرب على التيارات اليسارية فحسب بل برزت مواقف مماثلة من داخل حزب العمال حيث أشار النائب “أفضال خان” (حزب العمال) إلى أن جانبًا واسعًا من الرأي العام في بريطانيا يعتبر أن الحرب على إيران تفتقر إلى الشرعية، ولا تنسجم مع المصالح الوطنية للمملكة المتحدة خاصة في ظل الضغوط الاقتصادية وارتفاع تكاليف المعيشة. وأكد أن هناك موقفًا سياسيًا وشعبيًا متناميًا داخل بريطانيا يرى أن هذه الحرب لا تمثل التزامًا بريطانيًا مباشرًا، وأن الأولوية ينبغي أن تظل مركّزة على حماية المصالح الوطنية في إطار دفاعي بالأساس. ومن وجهة نظره أن السياسة البريطانية تجاه إيران تتأثر بسياق التطورات منذ الاتفاق النووي لعام 2015 وما تبعه من تراجع الالتزام به وتطورات عسكرية لاحقة، معتبرًا أن هذه التحولات ساهمت في تعقيد المشهد الإقليمي. كما أشار إلى وجود ضغوط من بعض القوى السياسية داخل بريطانيا لدفع الحكومة نحو الانخراط في الحرب في مقابل اتجاه غالب داخل الرأي العام يرفض هذا المسار ويشكك في مشروعيته. وأضاف أن الأوضاع الاقتصادية الداخلية خصوصًا ارتفاع أسعار الطاقة وتكاليف المعيشة، تجعل المواطنين أكثر حساسية تجاه أي تصعيد عسكري خارجي نظرًا لارتباطه المباشر بزيادة الأعباء الاقتصادية. وفي هذا السياق، أكد أن الحكومة البريطانية تتعامل بحذر مع الأزمة، محذرة من تداعياتها المحتملة على أمن الطاقة والاستقرار الاقتصادي في ظل استمرار الرفض الشعبي لأي تدخل عسكري جديد.

أما في فرنسا، شهدت المداولات _في جلسة عامة داخلمجلس الشيوخ الفرنسي_ بشأن تطورات الحرب في الشرق الأوسط تباينًا في المواقف داخل القاعة بين توجهات سياسية مختلفة حيث شددت النائبة “سيسيلي كوكيرمان” عن مجموعة الشيوعيين واليسار الجمهوري والبيئي على أن ما يجري يمثل تصعيدًا خطيرًا يرقى إلى مستوى خرق جسيم للقانون الدولي، معتبرة أن ما يسمى “بالحرب الوقائية” يفتقر إلى الأساس القانوني وأن اللجوء إلى القوة العسكرية لا يمكن أن يكون مدخلًا لنشر الديمقراطية أو بناء الاستقرار بل يؤدي إلى مزيد من تفكيك الأوضاع الإقليمية وإطالة أمد النزاع. وانتقلت إلى التأكيد على أن الاستهدافات العسكرية وما يرافقها من عمليات نوعية تندرج من منظور القانون الدولي ضمن أفعال خارج إطار الشرعية الدولية لما تحمله من آثار تتجاوز البعد العسكري المباشر لتطال البنية السياسية والاجتماعية للدولة الإيرانية، فضلًا عن انعكاساتها على المدنيين وعلى فرص التسوية المستقبلية. كما حذرت من اتساع رقعة النزاع إلى دول الجوار لا سيما لبنان والعراق ودول الخليج بما يفتح الباب أمام موجات تصعيد غير قابلة للضبط مع ما يترتب على ذلك من تداعيات إنسانية واقتصادية واسعة النطاق خاصة في ما يتعلق بأسواق الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية. واتساقًا مع ذلك ، قدمت النائبة “صوفي بريانت غيليمو” عن مجموعة التجمع الديمقراطي والاجتماعي الأوروبي قراءة أكثر ارتباطًا بالطبيعة الإقليمية للصراع حيث رأت أن ما بدأ كسلسلة من التفاعلات الأمنية عقب هجوم 7 أكتوبر 2023 تطور تدريجيًا إلى حالة حرب إقليمية ممتدة تشمل أطرافًا متعددة من بينها إسرائيل وحركة حماس وحزب الله وإيران مع ما ترتب على ذلك من آثار إنسانية جسيمة في غزة ولبنان وإيران. وأشارت إلى أن استمرار العمليات العسكرية في هذا الإطار يرفع منسوب المخاطر على دول مثل لبنان الذي يواجه ضغوطًا عسكرية وسياسية متزايدة محذرة من احتمالات المساس بوحدته وسلامته الإقليمية في ظل حديث متزايد عن ترتيبات أمنية أحادية الجانب في الجنوب. كما لفتت إلى الأبعاد الاقتصادية للأزمة خاصة ما يتعلق بأسعار الطاقة ومخاطر اضطراب الإمدادات عبر الممرات البحرية الحيوية إلى جانب تأثير ذلك على الجاليات الأوروبية المنتشرة في المنطقة والتي يتجاوز عددها مئات الآلاف مع تركيز خاص على المواطنين الفرنسيين في إسرائيل ولبنان ودول الخليج. وفي هذا السياق، ثمنت الجهود الدبلوماسية الفرنسية في دعم عمليات الإجلاء والتنسيق القنصلي عبر مركز الأزمات في وزارة الخارجية مع الإشارة إلى وجود بعض التحديات في تدفق المعلومات إلى ممثلي الفرنسيين في الخارج.[11]

وعلى النهج نفسه، عقد البوندستاغ الألماني جلسة بتاريخ 4 مارس 2026، ناقش فيها النواب تطورات الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران وسط تباين واضح في مواقف الكتل السياسية الألمانية بين اعتبارات الأمن القومي، والقانون الدولي، والتداعيات الاقتصادية والاجتماعية للأزمة. في هذا السياق، استبعد وزير الدفاع الألماني “بوريس بيستوريوس” (الحزب الديمقراطي الاجتماعي) أي مشاركة ألمانية في الحرب مؤكدًا أن ألمانيا ليست طرفًا في هذا الصراع، وأن الجيش الألماني لن يشارك في العمليات العسكرية. وشدد على أن أولوية الحكومة تتمثل في حماية المواطنين والجنود الألمان في المنطقة مع التأكيد على ضرورة أن يظل القانون الدولي هو الإطار المرجعي الأساسي في إدارة الأزمات الدولية، باعتباره شرطًا لاستقرار النظام الدولي. وفي الوقت ذاته أشار إلى أن تطبيق هذا المبدأ لا ينفصل عن الواقع السياسي بما في ذلك ما اعتبره انتهاكات إيرانية متكررة للقواعد الدولية. ومن داخل التحالف المسيحي (الاتحاد الديمقراطي المسيحي/الاتحاد الاجتماعي المسيحي)، رأى “نوربرت روتغن” أن حالة عدم الاستقرار في الشرق الأوسط تنعكس مباشرة على أمن أوروبا، معتبرًا أن إضعاف النظام الإيراني أو تقليص نفوذه قد يساهم _من وجهة نظره_ في تعزيز الأمن الإقليمي والدولي. وربط بين السياسات الإيرانية بما في ذلك البرنامج النووي ودعم جماعات مسلحة، وبين تصاعد التهديدات في المنطقة، مشيرًا إلى أن هذا المسار أسهم في خلق بيئة أمنية مضطربة تمتد تداعياتها إلى أوروبا. [12] أما حزب “البديل من أجل ألمانيا”، فقد عبرت “بياتريكس فون شتورش” عن موقف متحفظ تجاه التدخلات العسكرية الخارجية، معتبرة أن تجارب تغيير الأنظمة بالقوة في الشرق الأوسط لم تؤدِّ إلى استقرار بل إلى مزيد من الفوضى. ودعت إلى التركيز على الأولويات الداخلية لألمانيا خاصة في مجالات الطاقة والهجرة والأمن الداخلي بدل الانخراط في صراعات عسكرية خارجية معقدة. في المقابل، دعا “دينيس نوريبور” عن حزب الخضر إلى تحميل النظام الإيراني مسؤولية التصعيد الإقليمي، مشيرًا إلى دوره في زعزعة الاستقرار عبر دعم جماعات مسلحة في المنطقة. كما شدد على ضرورة دعم الدول المتأثرة مباشرة بالنزاع مع الدعوة إلى تشديد الإجراءات ضد الحرس الثوري الإيراني داخل ألمانيا كجزء من مقاربة أمنية وأمنية داخلية أشمل. ومن جانب حزب اليسار، طرحت “إينيس شفيردتنر” مقاربة نقدية للتدخلات العسكرية الخارجية، معتبرة أن محاولات فرض تغيير الأنظمة من الخارج لم تؤدِّ تاريخيًا إلى بناء أنظمة ديمقراطية مستقرة بل إلى تعميق الصراعات وعدم الاستقرار. ورفضت في الوقت نفسه منطق التدخل العسكري من أي طرف سواء من الولايات المتحدة أو إسرائيل، داعية إلى التعامل مع تداعيات الحرب داخل أوروبا خصوصًا ما يتعلق بارتفاع أسعار الطاقة وانعكاساتها الاجتماعية مع التأكيد على رفض الاستبداد الداخلي وكذلك التدخلات العسكرية الخارجية.

كانت أسبانيا من أوضح الحالات برلمانيًا. في الكونغرس الأسباني مثل رئيس الحكومة أمام الجلسة العامة يوم 25 مارس لشرح موقف إسبانيا من الحرب في الشرق الأوسط، وكان ذلك بطلب منه وبدعوة عاجلة مدعومة من 130 نائبًا. داخل المضبطة البرلمانية ( التفريغ الرسمي الكامل لمحاضر الجلسة) تتكرر عبارة  ” لا للحرب ” أكثر من مرة وتظهر مداخلات تؤكد أن الموقف الإسباني يجب أن يقوم على القانون الدولي، التعددية، والدبلوماسية، كما وصفت مداخلات أخرى الهجوم الأميركي-الإسرائيلي بأنه حرب غير مبررة. ثم امتد الملف إلى لجنة الأمن القومي وإلى لجنة الخارجية في مجلس الشيوخ الإسباني حيث مثل وزير الخارجية لشرح موقف الحكومة من تطور الصراع مع إيران وتحركات إسبانيا داخل الناتو والاتحاد الأوروبي. لذلك يمكن القول إن الرد البرلماني الإسباني كان قويًا ومباشرًا ومؤطرًا بشعار”لا للحرب” أكثر من غيره .[13]في البرلمان الإيطالي، كان هناك إبلاغ حكومي رسمي يوم 5 مارس من وزيري الخارجية والدفاع إلى مجلس النواب ثم مناقشة وتصويت على قرارات. وتُظهر وثائق البرلمان لاحقًا أن الحكومة أكدت أن إيطاليا “ليست في حرب” ولا تنوي الانضمام إليها، وأنها ستعود إلى البرلمان إذا طُلب استخدام القواعد الأميركية في إيطاليا. وفي المقابل، تُظهر نصوص بعض مشاريع القرارات البرلمانية المعارضة أن نوابًا وصفوا الهجوم الأميركي-الإسرائيلي بأنه انتهاك واضح للقانون الدولي وطالبوا بوقف فوري لإطلاق النار ومنع استخدام القواعد الإيطالية ضد إيران. كما تكشف سجلات الجلسة أن بعض القرارات أُقرت وأخرى رُفضت ما يعكس أن البرلمان الإيطالي لم يخرج بموقف واحد بسيط بل شهد تباينًا وصراعًا برلمانيًا حول حدود دعم الحكومة ومشروعية الحرب.[14]

ويتباين الموقف الهولندي نسبيًا عن المواقف التي عبرت عنها برلمانات بريطانيا وإسبانيا وألمانيا وفرنسا، حيث ناقش مجلس النواب الهولندي في 12 مارس 2026 كيفية تعامل هولندا مع الحرب في الشرق الأوسط، وذلك في جلسة جمعت رئيس الوزراء “جيتن” ووزيري الخارجية “بيريندسن” والدفاع “يشيلغوز”. وانطلق النقاش من سؤال مركزي حول كيفية الرد على الهجوم الذي شنته الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران والهجمات الإيرانية المضادة في المنطقة في ظل حالة انقسام واضحة داخل البرلمان. عرض وزير الخارجية بيريندسن أن الصراع يتسم بعدم قابلية عالية للتنبؤ بينما أوضح رئيس الوزراء جيتن أن هولندا تحاول التعامل مع تداعيات الأزمة عبر إجراءات عملية من بينها إعادة المواطنين العالقين، وتسيير فرقاطة دفاع جوي لحماية الملاحة قرب قبرص إضافة إلى استخدام الاحتياطيات الاستراتيجية من النفط للحد من ارتفاع أسعار الطاقة. وعلى مستوى المواقف السياسية داخل البرلمان، أيد بعض النواب من حزب الشعب من أجل الحرية والديمقراطية ( ليبرالي محافظ ) التدخل الأميركي-الإسرائيلي معتبرين أنه يأتي في سياق مواجهة تهديد إيراني أوسع يرتبط بالبرنامج النووي والصاروخي ودعم جماعات مسلحة. وفي الاتجاه ذاته، ذهب بعض النواب إلى اعتبار أن استهداف النظام الإيراني يندرج ضمن مواجهة “نظام قمعي” يتجاوز تهديده الحدود الإيرانية. في المقابل، رفض نواب من الحزب الاشتراكي وحزب من أجل الديمقراطية هذه العمليات واعتبروها غير مشروعة، ودعوا إلى إدانتها وفرض عقوبات على إسرائيل، بينما شكك نواب من حزب الديمقراطيين 66 في الاندفاع خلف الموقف الأميركي دون خطة استراتيجية واضحة مطالبين بتنسيق أوروبي لاحتواء التصعيد. كما شدد حزب الاتحاد المسيحي على وجود ارتباك في الموقف الحكومي بين السعي لخفض التصعيد والضغط على إيران في الوقت نفسه. ومن زاوية القانون الدولي، دعا حزب من أجل الحيوانات إلى فتح تحقيق مستقل في انتهاكات محتملة للقانون الدولي بينما أكدت الحكومة عبر وزير الخارجية التزامها بتوثيق الانتهاكات ضمن بعثة أممية تشمل جميع الأطراف بما في ذلك إيران والدول الأخرى المنخرطة في النزاع. كما تناولت مداخلات أخرى البعد البنيوي للنظام الدولي، حيث اعتبر بعض النواب أن ضعف آليات الأمم المتحدة يتطلب إصلاحات مؤسسية، في حين شدد آخرون على ضرورة تعزيز الدور الأوروبي في النظام الدولي لضمان فاعلية أكبر في إدارة الأزمات. وفي الشق الاقتصادي والاجتماعي، دعا نواب من حزب الحرية إلى اتخاذ إجراءات عاجلة للتخفيف من ارتفاع أسعار الوقود والطاقة، بينما حذرت قوى أخرى من تداعيات أمنية داخلية محتملة، بما في ذلك مخاطر نشاط شبكات مرتبطة بإيران داخل أوروبا. وبشكل عام، عكس النقاش البرلماني حالة انقسام واضحة داخل مجلس النواب الهولندي دون تبلور موقف موحد، ويعود هذا الانقسام إلى تباين تقييم النواب لطبيعة التهديد الإيراني وحدود مشروعية التدخل العسكري مع تداخل اعتبارات الأمن والطاقة والقانون الدولي في صياغة مواقف متباينة تجاه الحرب.

تكشف مواقف البرلمانات الأوروبية تجاه الحرب على إيران أن هناك توترًا واضحًا بين التزام الدول الأوروبية بتحالفها مع الولايات المتحدة وبين تمسك جزء كبير من القوى السياسية داخل البرلمانات بمبادئ القانون الدولي ورفض الحروب الاستباقية. أي أصبحت البرلمانات الأوروبية ساحة يتداخل فيها حساب التحالفات السياسية مع الاعتبارات القانونية والأخلاقية، وليس مجرد جهة داعمة لقرارات السلطة التنفيذية. وبناءً عليه، يمكن استنتاج عدد من الملاحظات جاءت كالآتي:

أولًا، لم يُوظف القانون الدولي بوصفه معيارًا قانونيًا موحدًا بقدر ما أصبح مجالًا للتأويل والتباين. ويعكس ذلك حالة من تسييس القانون الدولي داخل البرلمانات الأوروبية، حيث يتم التعامل معه بصورة انتقائية مرتبطة باعتبارات المصلحة السياسية، إذ يُعارض الانخراط العسكري أو يُستدعى الخطاب القانوني عندما يتعارض مع هذه المصالح، بينما لا يُثار الاعتراض بنفس الدرجة أو يتم تجاوز بعض الاعتبارات القانونية عندما يتسق التدخل أو الموقف السياسي مع تلك المصالح بما يجعل تطبيقه خاضعًا لمنطق المنفعة السياسية أكثر من كونه التزامًا قانونيًا معياريًا ثابتًا.

ثانيًا، يُلاحظ أن البعد الأمني لا يزال محددًا أساسيًا في صياغة المواقف لكنه لم يعد منفصلًا عن البعد الاقتصادي والاجتماعي. فالقضايا المرتبطة بأسعار الطاقة، وأمن الإمدادات، وحماية المواطنين في الخارج أصبحت جزءًا من منطق اتخاذ الموقف من الحرب وليس مجرد آثار جانبية لها. هذا الدمج بين الأمن الصلب والأمن المعيشي يعكس اتساع مفهوم “الأمن” داخل الخطاب البرلماني الأوروبي ليشمل الاستقرار الاجتماعي الداخلي وليس فقط التهديدات العسكرية الخارجية.

ثالثًا، تُظهر المقارنة بين البرلمانات الأوروبية حالة عدم تجانس مؤسسي واضح. فبينما تميل إسبانيا إلى خطاب معياري صارم يرفع شعار “لا للحرب” ويؤكد مركزية القانون الدولي، تتسم ألمانيا بمقاربة أكثر توازناً بين الحذر العسكري والاعتبارات الأطلسية، في حين تعكس إيطاليا وهولندا وبريطانيا حالات تفاوت داخلي حاد بين الحكومة والمعارضة.

رابعًا، يمكن رصد تآكل نسبي في مركزية التحالف عبر الأطلسي داخل الخطاب البرلماني دون الوصول إلى قطيعة معه. فهناك ميل متزايد لانتقاد الولايات المتحدة أو التحفظ على قراراتها العسكرية لكن في إطار لا يتجاوز حدود إعادة التفاوض على شروط الشراكة وليس إعادة تعريفها جذريًا.

خامسًا، تكشف النقاشات عن تصاعد حضور المجتمع والرأي العام داخل المؤسسة التشريعية، سواء عبر العرائض أو الضغط الحزبي أو الاعتبارات الانتخابية. وهذا يعكس اتساع الطابع التداولي للسياسة الخارجية داخل الديمقراطيات الأوروبية حيث لم تعد قرارات الحرب والسلم حكرًا على النخبة التنفيذية بل موضوعًا للمساءلة البرلمانية المستمرة.

ثانيًا: أسباب الرفض داخل المؤسسات التشريعية الأوروبية:

1_ التخوف من الفوضى نتيجة استخدام القوة خارج إطار القانون الدولي

يقوم الرفض المتنامي داخل المؤسسات التشريعية الأوروبية للتصعيد العسكري تجاه إيران على مرتكز قانوني يتصل بالقواعد الحاكمة لاستخدام القوة في النظام الدولي. فالأصل في هذا النظام هو حظر اللجوء إلى القوة باستثناء حالتين محددتين تتمثلان في وجود تفويض صادر عن مجلس الأمن، أو توافر شروط الدفاع الشرعي وفقًا لمقتضيات القانون الدولي. وفي غياب هذين الشرطين يُنظر إلى أي عمل عسكري باعتباره موضع إشكال من حيث المشروعية القانونية. في هذا الإطار، تعكس النقاشات داخل البرلمان الأوروبي اتجاهًا يتعامل مع التصعيد العسكري بوصفه غير منضبط قانونيًا خاصة في ظل عدم وضوح الأساس القانوني الذي يستند إليه. كما تتصاعد المخاوف من أن يؤدي توسيع نطاق العمليات العسكرية أو استهداف البنية التحتية المدنية إلى انتهاكات جسيمة لقواعد القانون الدولي الإنساني، لا سيما ما يتعلق بمبدأي التمييز والتناسب، وهو ما قد يترتب عليه توصيف بعض هذه الأفعال ضمن نطاق الجرائم الدولية. وعليه، يتبلور الموقف الأوروبي في اتجاه يؤكد على ضرورة إخضاع العمليات العسكرية لقيود قانونية صارمة مع إعطاء أولوية لحماية المدنيين وتجنب توسيع نطاق النزاع بما يتسق مع الالتزامات الدولية ويحد من تداعيات التصعيد على الاستقرار الإقليمي والدولي.[15]

كما أن دعم أي دولة لعمليات عسكرية لا تستند إلى أساس قانوني واضح يؤدي إلى إضعاف القانون الدولي نفسه لأنه يحول القواعد من التزام عام إلى اختيار يتم تطبيقه حسب المصلحة. ومع تكرار هذا السلوك، يصبح من السهل على أي دولة قوية أن تبرر استخدام القوة خارج الإطار القانوني بحجج أمنية أو سياسية. وهو ما يهدد استقرار النظام الدولي ويجعل العلاقات بين الدول أقرب إلى منطق القوة من منطق القانون. وفي هذا السياق، يمكن فهم الرفض الأوروبي للتصعيد العسكري باعتباره محاولة لمنع ترسيخ “سوابق” خطيرة لأن قبول مثل هذه الممارسات قد يفتح الباب أمام مواقف مشابهة من دول أخرى. فلو تم التسليم بمنطق أن القوة يمكن استخدامها دون ضوابط واضحة، فإن ذلك قد يشجع على تكرار سلوكيات توسعية أو أحادية تحت ذرائع مختلفة بما يضعف فكرة أن جميع الدول متساوية أمام قواعد القانون الدولي.

2_ الاعتبارات الأمنية والاستراتيجية

لا ينفصل الموقف الرافض داخل المؤسسات التشريعية الأوروبية عن جملة من الاعتبارات الأمنية والاستراتيجية التي تتجاوز الإطار القانوني، وترتبط بطبيعة موقع أوروبا ضمن توازنات النظام الدولي خصوصًا مع تزايد المخاوف من اتساع نطاق الصراع ليأخذ بعدًا إقليميًا أوسع في ظل ما ترتب على التوترات من تداعيات أمنية على دول الخليج تمثلت في رفع مستويات الجاهزية الدفاعية وتزايد المخاطر المرتبطة بأمن الملاحة وإمدادات الطاقة بما يعكس قابلية الأزمة للامتداد خارج نطاقها الجغرافي الأصلي وإعادة تشكيل خريطة التوترات في الشرق الأوسط بصورة أكثر تعقيدًا وحدّة. كما تطرح بعض التقديرات داخل الدوائر السياسية الأوروبية احتمالات تصاعد أنماط تهديد غير تقليدية في مقدمتها الهجمات السيبرانية والعمليات غير المتماثلة باعتبارها امتدادات محتملة للصراع خارج نطاقه الجغرافي المباشر. ويعزز ذلك من إدراك أن تداعيات الأزمة قد تتجاوز حدود الإقليم لتطال مجالات حيوية تمس الأمن الأوروبي بشكل مباشر. وعلى هذا الأساس.[16] وفي هذا الإطار، تطرح النقاشات داخل عدد من البرلمانات الأوروبية شكوكًا متزايدة حول واقعية أهداف الحرب مثل إسقاط النظام الإيراني في ظل تعقيد البنية الداخلية للدولة وتماسك مؤسساتها الأمنية والسياسية مقارنة بتجارب تدخل سابقة في الإقليم، فضلًا عن غياب أهداف استراتيجية واضحة ومحددة يمكن قياسها أو البناء عليها. وبالتالي، فإن احتمالات النجاح الحاسم تبدو محدودة مقابل ارتفاع احتمالات الانزلاق إلى حالة من عدم الاستقرار الممتد. كما أن قراءة هذا التصعيد من منظور النتائج المحتملة تشير إلى أن الفاعل الأكثر استفادة على المدى القصير قد يكون إسرائيل من حيث إعادة توسيع هامش ردعها الإقليمي وإعادة ترتيب ميزان القوة في مواجهة خصومها خاصة في ظل الدعم الأمريكي. غير أن هذا الافتراض لا يعني تحقق مكاسب مستقرة، إذ إن غياب تسوية سياسية واضحة يجعل المكاسب المحتملة عرضة للتآكل السريع أمام موجات تصعيد مضادة. وفي المقابل، تعي البرلمانات الأوروبية أن استمرار هذا المسار دون أفق تفاوضي قد يفاقم مخاطر الفوضى الإقليمية، لا سيما مع الطبيعة المعقدة للتكوين الاجتماعي الإيراني الذي يضم الفرس كأغلبية إلى جانب (الأذريين، والأكراد، والعرب في خوزستان، والبلوش، والتركمان). ورغم أن هذا التنوع لا يمثل بحد ذاته عامل تهديد إلا أن استمرارية الضغط الخارجي في سياق صراع ممتد قد تخلق بيئة أكثر هشاشة على مستوى التماسك الداخلي.

3_ الاعتبارات الاقتصادية وأمن الطاقة

يمثل البعد الاقتصادي أحد المحددات الرئيسية للموقف الأوروبي من التصعيد العسكري تجاه إيران نظرًا لارتباطه الوثيق باستقرار أسواق الطاقة العالمية وانعكاساته المباشرة على الأداء الاقتصادي داخل الدول الأوروبية. إذ إن أي اضطراب في سوق النفط في ظل المكانة التي تشغلها إيران ضمن منظومة الإمدادات من شأنه أن يفرض ضغوطًا على الأسعار ويؤثر في انتظام تدفقات الطاقة وهو ما ينعكس بدوره على مؤشرات النمو والاستقرار الاقتصادي. وبالتالي، ترتبط المخاوف الأوروبية بإمكانية انتقال آثار التصعيد إلى الداخل الاقتصادي عبر قنوات متعددة تشمل ارتفاع تكاليف الطاقة، وزيادة معدلات التضخم، وتراجع معدلات الإنتاج بما قد يؤدي إلى تباطؤ النشاط الاقتصادي. [17] في هذا الإطار، تبرز أهمية الممرات البحرية الحيوية وعلى رأسها مضيق هرمز بوصفه أحد أبرز نقاط الارتكاز في منظومة الطاقة العالمية، حيث يمر نحو 13% من واردات النفط إلى الاتحاد الأوروبي وحوالي 6% من وارداته من الغاز عبر مضيق هرمز. وعند إدراج دول الخليج ضمن الحسابات الأوسع، يتبين أن حصتها من إجمالي واردات النفط الخام إلى الاتحاد الأوروبي تصل إلى نحو 20–25% خلال السنوات الأخيرة مع الإشارة إلى أن هذه النسبة لا تقتصر على الشحنات العابرة مباشرة من الخليج بل تشمل أيضًا إمدادات تمر عبر بنى تحتية خارج المنطقة مثل خطوط الأنابيب والموانئ. [18]

وفي هذا السياق، تشهد أسواق النفط العالمية حالة من التذبذب الحاد حيث ارتفعت أسعار خام برنت إلى نحو 95 دولارًا للبرميل وخام غرب تكساس إلى نحو 91–92 دولارًا للبرميل بعد فترات من التراجع المؤقت. ويرتبط هذا الارتفاع بشكل مباشر بتعطل أو تهديد تدفقات النفط عبر مضيق هرمز الذي يمر عبره ما يقارب 20% من إمدادات النفط والغاز الطبيعي المسال عالميًا بما في ذلك نحو 13 مليون برميل يوميًا في الظروف الطبيعية. وبناءًعليه فإن استمرار غياب الاستقرار في هذا الممر الحيوي يؤدي إلى شح تدريجي في السوق النفطية ويدفع الأسعار نحو نطاق يتراوح بين 80 و100 دولار للبرميل. كما أن السوق يظل شديد الحساسية لأي تطورات في المفاوضات بين واشنطن وطهران في ظل تاريخ من تعثر هذه المحادثات ما يعزز حالة عدم اليقين لدى المستثمرين. وفي المقابل، فإن أي انفراج سياسي أو إعادة فتح مسارات الملاحة الآمنة عبر المضيق من شأنه أن يخفف الضغوط السعرية تدريجيًا.  كما شهدت أسواق الطاقة الأوروبية اضطرابات حادة عقب تهديدات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بفرض حصار كامل على مضيق هرمز حيث ارتفعت أسعار الغاز الطبيعي في أوروبا بشكل حاد، إذ صعدت العقود الآجلة الهولندية بنسبة وصلت إلى نحو 17% خلال التداولات المبكرة في مؤشر يعكس مستوى مرتفعًا من القلق داخل الأسواق. كما تم تمديد ساعات التداول في العقود الأوروبية لتصبح 21 ساعة يوميًا بدلًا من 10 ساعات بما يعكس حدة التقلبات غير المعتادة في أسواق الطاقة[19]. وبالتالي، يعكس الوضع الحالي ترابطًا مباشرًا بين الجغرافيا السياسية للطاقة في الشرق الأوسط واستقرار الأسواق العالمية، حيث تتحول التوترات العسكرية والدبلوماسية إلى عامل رئيسي في تحديد اتجاهات أسعار النفط عالميًا.[20]

4_الاعتبارات السياسية الداخلية

تُعد الديناميات السياسية الداخلية في الدول الأوروبية عنصرًا مؤثرًا في توجيه مواقف المؤسسات التشريعية تجاه التصعيد العسكري، إذ تتفاعل اعتبارات السياسة الخارجية مع ضغوط داخلية متزايدة تمارسها البرلمانات والرأي العام تميل في مجملها إلى الحد من الانخراط في صراعات خارجية ممتدة. ويستند هذا التوجه إلى تراكم خبرات سابقة لا سيما في حالتي العراق وأفغانستان حيث ارتبطت هذه التدخلات بتكاليف سياسية واقتصادية وأمنية انعكست سلبًا على المزاج العام داخل أوروبا. يتضح كذلك أثر التحولات في الخريطة الحزبية داخل المؤسسات التشريعية الأوروبية، إذ أفرزت انتخابات البرلمان الأوروبي الأخيرة تراجعًا نسبيًا لبعض التيارات الخضرية والليبرالية مقابل صعود أكبر للأحزاب المحافظة واليمينية في عدد من الدول الأوروبية. ومع ذلك، لا تزال التيارات اليسارية والخضرية تحتفظ بحضور سياسي مؤثر داخل البرلمان لا سيما في القضايا المرتبطة بالحرب والسلم حيث تتبنى مقاربات أكثر تحفظًا إزاء استخدام القوة العسكرية وتميل إلى إعطاء أولوية للأدوات الدبلوماسية وتقييد انخراط الحكومات في النزاعات الخارجية. ويؤدي هذا التباين الحزبي إلى إعادة تشكيل حدود الحركة المتاحة أمام صانعي القرار عبر آليات الرقابة البرلمانية والضغط السياسي.  ويُضاف إلى ذلك البعد الانتخابي بوصفه عنصرًا ضابطًا لسلوك الفاعلين البرلمانيين، إذ إن الطبيعة الدورية للانتخابات داخل الأنظمة الديمقراطية تجعل من احتمالات إعادة الانتخاب معيارًا حاضرًا في حسابات النواب عند بلورة مواقفهم بما يدفعهم في كثير من الأحيان إلى تجنب المواقف التي تتعارض بصورة حادة مع اتجاهات الرأي العام حفاظًا على فرص الاستمرار السياسي. ومن ثم، لا يُفهم هذا العامل بوصفه اعتبارات شخصية، بل كآلية مؤسسية غير مباشرة تسهم في تشكيل نمط السلوك البرلماني وتدفع نحو قدر أعلى من التحفظ في القضايا الخلافية وعلى رأسها قضايا التدخل العسكري. وعليه، يمكن فهم الموقف الرافض داخل البرلمان الأوروبي باعتباره نتاجًا لتفاعلات داخلية تعكس توازنات حزبية ومجتمعية بقدر ما يعبر عن موقف من طبيعة الصراع ذاته بما يبرز الترابط بين المحددات الداخلية واتجاهات السياسة الخارجية في السياق الأوروبي.[21]

5_ أولوية حل النزاعات بالطرق الدبلوماسية

تقوم توجهات المؤسسات التشريعية الأوروبية على منظومة قيمية تعطي أولوية للحلول الدبلوماسية وتعزيز التعددية في إدارة الأزمات الدولية. وينطلق هذا التصور من اعتبار أن معالجة النزاعات ينبغي أن تتم عبر الأطر التفاوضية والمؤسسات الدولية لا من خلال الاعتماد على القوة العسكرية كأداة رئيسية. وفي هذا السياق، تؤكد مواقف عدد من التيارات داخل البرلمان الأوروبي أهمية إخضاع استخدام القوة لضوابط قانونية وسياسية صارمة بحيث يظل اللجوء إليها خيارًا أخيرًا بعد استنفاد المسارات السياسية والدبلوماسية. ويعكس ذلك تصورًا أوسع لدور أوروبا في النظام الدولي يقوم على دعم التسويات السلمية، وتعزيز آليات العمل متعدد الأطراف، والحد من اتساع نطاق الصراعات المسلحة.[22] وذلك حتي لا تزداد الخسائر في صفوف المدنيين نتيجة العمليات العسكرية في ظل ما شهده قطاع غزة من تداعيات إنسانية حادة وارتفاع كبير في أعداد الضحايا المدنيين وتدهور الأوضاع الإنسانية، وهو ما دفع عددًا من البرلمانيين إلى التحذير من تكرار أنماط التصعيد غير المنضبط وما قد يترتب عليه من انتهاكات محتملة للقانون الدولي الإنساني خاصة فيما يتعلق بمبدأي التمييز بين المدنيين والمقاتلين ومبدأ التناسب في استخدام القوة وفق ما تؤكد عليه تقارير منظمات دولية مثل اللجنة الدولية للصليب الأحمر وتقارير الأمم المتحدة لحقوق الإنسان.

ثالثا: سيناريوهات تطور موقف المؤسسات التشريعية الأوروبية مع استمرار الحرب

يتحدد مسار موقف المؤسسات التشريعية الأوروبية تجاه الحرب على إيران بمجموعة من المتغيرات المؤثرة، في مقدمتها مدة الصراع، وحجم الخسائر الإنسانية، ومدى تأثر المصالح الأوروبية المباشرة، وطبيعة السلوك الأمريكي والإسرائيلي، فضلًا عن مستوى التماسك الداخلي داخل الاتحاد الأوروبي. مع الأخذ في الإعتبار احتمالية عودة الحرب مرة أخرى في أي وقت في حال فشل التهدئة أو انهيار المسار التفاوضي بما يعكس استمرار حالة عدم اليقين في مسار الصراع. وفي ضوء تفاعل هذه العوامل، يمكن طرح عدد من السيناريوهات الرئيسية التالية:

السيناريو الأول: استمرار رفض المؤسسات التشريعية دون تحويله إلى سياسات ملموسة:

بقاء موقف المؤسسات التشريعية الأوروبية في إطار الإدانة السياسية والدعوات المتكررة إلى التهدئة واحترام القانون الدولي دون الانتقال إلى أدوات ضغط حقيقية على الحكومات الأوروبية أو على أطراف الحرب. ويستند هذا الاحتمال إلى الطبيعة المؤسسية للنظام الأوروبي حيث لا تمتلك البرلمانات في معظم الحالات سلطة مباشرة على القرار العسكري أو السياسة الخارجية التي تظل في يد الحكومات التنفيذية. كما يعزز هذا السيناريو حرص العديد من الدول الأوروبية على تجنب صدام سياسي مع الولايات المتحدة أو إحداث توتر داخل التحالف الغربي. وفي هذا الإطار، يستمر البرلمان الأوروبي في إصدار بيانات تركز على حماية المدنيين، ووقف إطلاق النار، ورفض توسيع الحرب مع عقد جلسات نقاشية واستجوابات للحكومات دون نتائج إلزامية.

السيناريو الثاني: تصاعد الرفض وتحوله إلى ضغط مؤسسي منظم:

استمرار الحرب واتساع تكلفتها الإنسانية والاقتصادية إلى انتقال المؤسسات التشريعية الأوروبية من مرحلة الاعتراض الرمزي إلى ممارسة ضغط أكثر تنظيمًا على الحكومات. وقد يتجسد ذلك في زيادة الاستجوابات البرلمانية للحكومات التي من الممكن أن تقدم دعم عسكري، وتشكيل لجان تحقيق، وطرح مشروعات قرارات تطالب بتقييد التعاون العسكري مع أطراف الحرب، أو مراجعة سياسات تصدير السلاح. كما قد تشهد بعض البرلمانات الوطنية، مثل البرلمان الألماني أو البرلمان البريطاني أو البرلمان الفرنسي تحالفات عابرة للأحزاب بين اليسار والخضر وبعض الليبراليين للضغط على الحكومات من أجل تبني موقف أكثر استقلالًا عن التوجه الأمريكي. ويزداد احتمال هذا السيناريو إذا ارتفعت أسعار الطاقة أو توسعت الاحتجاجات الشعبية داخل أوروبا. ويأتي هذا السيناريو في ضوء ما أظهرته التطورات الأخيرة من تصاعد أدوات الضغط الشعبي داخل أوروبا حيث تجاوزت مبادرة المواطنين الأوروبيين في 14 أبريل 2026 حاجز المليون توقيع الداعية إلى تعليق اتفاقية الشراكة بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل. ويعكس هذا التطور إمكانية اتساع هذا النمط من التحركات مستقبلًا بما قد يشمل جمع توقيعات جديدة تستهدف إلزام المؤسسات الأوروبية بمراجعة أو تعليق اتفاقيات إضافية مع إسرائيل بما يسهم في زيادة الضغط السياسي عليها لدفعها نحو وقف الحرب.[23]

السيناريو الثالث: تراجع الرفض لصالح الإعتبارات الأمنية:

قد تتراجع حدة الخطاب الرافض داخل المؤسسات التشريعية لصالح مقاربة أكثر براغماتية ترتبط بحسابات الكلفة والعائد، وبمدى ما يمكن أن تحصل عليه الدول الأوروبية من مكاسب أمنية واقتصادية مقابل الانخراط في التصعيد وفي مقدمتها ضمان حرية الملاحة في الممرات البحرية الحيوية وتأمين تدفقات الطاقة. ويأتي هذا في سياق ضغوط أمريكية على الحلفاء الأوروبيين للمشاركة في ترتيبات عسكرية مرتبطة بإعادة فتح مضيق هرمز بالقوة إلى جانب محاولات ربط هذا الانخراط بحوافز داخل إطار التنسيق الأطلسي. ومع ذلك، يُظهر الموقف الأوروبي نزعة تحفظ واضحة تجاه هذا الطرح إذ فضلت عدة دول الاكتفاء بأدوار دعم لوجستي أو دبلوماسي ورفض الانخراط المباشر في عمليات عسكرية في المضيق استنادًا إلى تقييم مفاده أن تكاليف التصعيد تفوق المكاسب المحتملة وأن اتساع نطاق المواجهة قد يفاقم المخاطر الأمنية والاقتصادية على أوروبا نفسها. ويظل هذا السيناريو مرتبطًا بمدى قدرة الضغوط الأمريكية من جهة، والحسابات الأوروبية الداخلية من جهة أخرى على إعادة تعريف حدود المشاركة الأوروبية في إدارة الأزمة.

وفي الختام، يكشف تتبع مواقف المؤسسات التشريعية الأوروبية تجاه الحرب على إيران عن حالة مركبة تجمع بين الرفض السياسي للتصعيد العسكري والقيود العملية التي تحد من قدرة هذه المؤسسات على التأثير المباشر في مسار الأزمة. فمن ناحية، عبّرت البرلمانات الأوروبية والبرلمان الأوروبي عن تمسك واضح بمبادئ القانون الدولي، وأولوية الحلول الدبلوماسية، ورفض الانزلاق نحو صراع إقليمي واسع يحمل تداعيات أمنية واقتصادية على أوروبا، وذلك بما يتوافق مع المصالح الأوروبية المرتبطة بالحفاظ على الاستقرار الإقليمي، وتأمين المصالح الاقتصادية وإمدادات الطاقة. ومن ناحية أخرى، أظهرت الأزمة استمرار الفجوة بين الخطاب القيمي الأوروبي وبين حدود النفوذ الفعلي في ظل هيمنة الحكومات التنفيذية، وتشابك المصالح الأمنية داخل التحالف الغربي، واستمرار الاعتماد الاستراتيجي على الولايات المتحدة.

وعليه، فإن أهمية هذا الرفض المؤسسي لا تكمن فقط في قدرته المباشرة على وقف الحرب بل في كونه مؤشرًا على تحولات أعمق داخل البيئة السياسية الأوروبية تتعلق بإعادة تقييم العلاقة مع واشنطن، وتعزيز مطالب الاستقلال الاستراتيجي، وتوسيع دور المؤسسات التشريعية في قضايا الأمن والسياسة الخارجية. وبذلك، تمثل الحرب على إيران اختبارًا جديدًا لقدرة أوروبا على التوفيق بين مبادئها المعلنة ومصالحها الواقعية وبين طموحها للعب دور دولي مستقل عن الولايات المتحدة والقيودالتي ما تزال تحكم حركتها داخل النظام الدولي.

المراجع


[1] محمد جمال، أجواء … دول تمردت على حرب ترامب ضد إيران، اليوم السابع، 3 ابريل 2026، رابط الاطلاع:

أجواء مغلقة.. دول تمردت على حرب ترامب ضد إيران – اليوم السابع

[2] المرجع السابق، محمد جمال، 3 ابريل 2026، رابط الاطلاع:

أجواء مغلقة.. دول تمردت على حرب ترامب ضد إيران – اليوم السابع

[3] The guardian view on europe’s response to the iran crisis: damage limitation only goes so far, The Guardian, 10 march 2026, available on: The Guardian view on Europe’s response to the Iran crisis: damage limitation only goes so far | Editorial | The Guardian

[4] Debate on the situation in the middle east and the 19-20 march EU summit, News European Parliament, 5 march 2026, available on:

Debate on the situation in the Middle East and the 19-20 March EU summit | 09-03-2026 | News | European Parliament

[5] فروغ كلبى، روبرتا متسولا: البرلمان الأوروبي يقف بحزم إلى جانب الشعب الإيراني، منظمة مجاهدي خلق الايرانية، 10 مارس2026، رابط الاطلاع:

روبرتا متسولا: البرلمان الأوروبي يقف بحزم إلى جانب الشعب الإيراني

[6] برلمانية أوروبية لرووداو: أهداف ترمب ونتنباهو متباينة في الحرب التي ستؤثر في أوروبا، رووداو ديجيتال، 13 مارس 2026، رابط الاطلاع:

برلمانية أوروبية لرووداو: أهداف ترمب ونتنياهو…| رووداو.نيت

[7] Meabh Mc Mahon & Aida Sanchez Alonso, EU made ‘no diplomatic effort’ to end iran war , MEP Botenga tells euronews, euronews, 8 April 2026, available on:

EU made ‘no diplomatic effort’ to end Iran war, MEP Botenga tells Euronews

[8] فرناس حفظي، رجل العصابات.. زعيم الديمقراطيين الليبراليين في البرلمان البريطاني يهاجم ترامب، صدى البلد، 22 يناير 2026، رابط الاطلاع:

رجل العصابات.. زعيم الديمقراطيين الليبراليين في البرلمان البريطاني يهاجم ترامب

[9] Rejected petition, Do not join any US-led war against iran, UK Government and parliament, 6 march 2026, available on:

Do not join any US-led war against Iran – Petitions

[10] برلمانية بريطانية: نرفض الحرب غير القانونية ضد إيران، وكالة الجمهورية الاسلامية للانباء ( ارنا)، 7 مارس 2026، متاح على:

برلمانية بريطانية: نرفض الحرب غير القانونية ضد إيران – IRNA Arabic

[11]   Séance du 25 mars 2026, Senat, 25 mars 2026, available on:

Séance du 25 mars 2026

[12] Aussprache zur lage im iran und in der region, Deutscher Bundestag, 4 march 2026, available on:

Deutscher Bundestag – Aussprache zur Lage im Iran und in der Region

[13] XVlle legislature, session ordinaire de 2025-2026, premiere séance du mercredi 25 mars 2026, 25 march 2026, available on:

Compte rendu de la première séance du mercredi 25 mars 2026 – Assemblée nationale

[14] XIXLEGISLATURA, Allegato A, Seduta di Venerdi 27 marzo 2026, Disposizion in materia di destinazione di proventi derivanti dalla vendita di prodotti ( NO,1704 ),  27 marzo 2026, available on:

XIX Legislatura – Lavori – Resoconti Assemblea – Dettaglio sedute

[15] Jorge Liborerio, Don’t commit war crimes in iran, EU urges trump as deadline looms, Euro news, 7 april 2026, available on:

Don’t commit war crimes in Iran, EU urges Trump as deadline looms | Euronews

[16] Parisa Hafezi and others,  talks as israel attacks on Lebanon jeopardise truce, Reuters, 9 april 2026, available on:

Islamabad locks down for first US-Iran talks as Israeli attacks on Lebanon jeopardise truce | Reuters

[17] Jan Strupczewski, Iran war could mean stagflation for EU, Dombrovskis says, Reuters, 27 march 2026, available on:

Iran war could mean stagflation for EU, Dombrovskis says | Reuters

[18] Answer given by ms simson on behalf of the European commission, europarl, 6 nov 2024, available on:

E-10-2024-001840-ASW_EN.pdf

[19] أحمد الخطيب، قفزة حادة بأسعار الغاز والنفط في أوروبا إثر تهديدات ترامب بحصار هرمز، مصراوي، 13 أبريل، متاح على:

قفزة حادة بأسعار الغاز والنفط في أوروبا إثر تهديدات ترامب بحصار هرمز | مصراوى

[20] محمود المملوك، ارتفاع أسعار النفط عالميًا والبرميل يسجل 95 دولارا، القاهرة 24، 16 أبريل 2026، متاح على:

ارتفاع أسعار النفط عالميًا والبرميل يسجل 95 دولارًا

[21] Election 2024: updated seat projection for new European parliament, News European parliament, 10 June 2024, available on:

Election 2024: Updated seat projection for new European Parliament | News | European Parliament

[22]  Michal malovec, Foreign policy: aims, instruments, and achievements, Fact Sheets on the European union, European parliament, november2025, available on:

Foreign policy: aims, instruments and achievements | Fact Sheets on the European Union | European Parliament

[23] احمد حافظ ، من الشوارع لسلطة القانون.. مليون توقيع يحاصرون إسرائيل في المفوضية الأوروبية، الجزيرة، 14 إبريل 2026، متاح على:

من الشوارع لسلطة القانون.. مليون توقيع يحاصرون إسرائيل في المفوضية الأوروبية | سياسة | الجزيرة نت

باحث مساعد في النظم السياسية بمركز ترو للدراسات

WhatsApp Image 2026-04-16 at 3.00
WhatsApp Image 2026-04-12 at 7.38
WhatsApp Image 2026-04-09 at 10.56
422827bc-3768-42c0-9b8b-22212896db9b
7495bd01-e559-4a69-9ad8-7718be86b10c
Scroll to Top