Cairo

إيران في المواجهة: أسباب تراجع الشعب الإيراني عن المطالبة بإسقاط النظام

قائمة المحتويات

مقدمة:

تمثل المواجهة العسكرية التي فرضتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران لحظة اختبار تاريخية لبنية الدولة والمجتمع بالجمهورية الإسلامية؛ إذ لم تقتصر أهداف المواجهة على شل القدرات العسكرية فحسب، بل استهدفت بشكل مباشر رأس الهرم السياسي والقيادي عبر اغتيال المرشد الأعلى وكبار قادة الحرس الثوري، مراهنةً على أن هذه الصدمة ستؤدي إلى انهيار مؤسسات الدولة ودفع الشارع نحو انتفاضة شعبية كبرى تنهي على النظام من الداخل.

إلا أن مسار الأحداث داخل المدن الإيرانية كشف عن نمط مغاير لتوقعات الأطراف الخارجية؛ فبينما كانت الضغوط العسكرية والاقتصادية تبلغ ذروتها، أظهر الداخل الإيراني درجة عالية من التماسك ورفضاً ضمنياً للاستجابة لدعوات الخروج على النظام التي أطلقها القادة الدوليون ورموز المعارضة في الخارج. ويعكس هذا الموقف تداخلاً معقداً بين القدرة الأمنية الكبيرة للنظام في إدارة الأزمات، وبين مجتمع ساخط، لكنه يخشى سيناريوهات التفكك ويرفض التدخل الأجنبي العنيف.

وانطلاقًا من ذلك، يهدف هذا التقرير إلى تحليل المشهد من الداخل الإيراني خلال فترة الحرب، من خلال دراسة أسلوب النظام السياسي وجهازه الأمني في الجمهورية الإسلامية أمام مواقف الرأي العام، وتفسير أسباب عدم استجابة الشارع الإيراني لدعوات إسقاط النظام رغم تراكم الأزمات. كما يستعرض التقرير السيناريوهات المحتملة لمستقبل النظام الإيراني في ضوء هذه المعطيات، بما يؤكد أن مسار الصراع لا يتحدد فقط بنتائج المواجهة العسكرية، بل يتشكل بدرجة أساسية داخل المجتمع الإيراني ذاته.

أولا: واقع الداخل الإيراني إبان المواجهة العسكرية (فبراير – مارس 2026)

  1. الضربات الأمريكية الإسرائيلية على إيران

شنت القوات الأمريكية والإسرائيلية في صباح 28 فبراير 2026 حملة جوية مكثفة استهدفت البنية القيادية والعسكرية للجمهورية الإسلامية. وقد أسفرت هذه الضربات عن اغتيال المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي، إلى جانب تصفية عدد من كبار قادة الحرس الثوري والمسؤولين السياسيين.[1] وفيما اعتمدت الاستراتيجية العسكرية الأمريكية، وفق تصريحات الرئيس دونالد ترامب، على توجيه ضربات كل ساعة لشل منظومات المسيرات والصواريخ.[2]  وقد أعلنت القيادة المركزية الأمريكية عن استهداف أكثر من 5000 موقع حيوي منذ اليوم الأول. ولم تقتصر الأهداف على تدمير القدرات النووية والصاروخية، بل امتدت لتهدف لتغيير النظام من خلال استهداف القيادة وتوجيه رسائل مباشرة للشارع الإيراني تحثه على استعادة السيطرة على مقدرات البلاد، في محاولة لاستثمار حالة الغضب الشعبي التي سبقت الحرب.[3]

وقد تكررت دعوات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في أكثر من خطاب؛ والتي يحث فيها الإيرانيين على النزول مجددًا للشوارع من أجل إسقاط النظام. على سبيل المثال؛ في 1 مارس، ثاني أيام الحرب، خرج نتنياهو في رسالة مصورة باللغة الفارسية يقول للإيرانيين: “لا تفوّتوا هذه الفرصة. إنها لحظة تأتي مرة واحدة في الجيل. عليكم الخروج بالملايين لإنهاء المهمة، وللمطالبة بتغيير النظام الذي جعل حياتكم صعبة”. وفي خطاب آخر في 10 مارس قال: “أيها الشعب الإيراني، إننا نخوض حربًا تاريخية من أجل الحرية. هذه فرصة لا تتكرر في العمر لإسقاط نظام آية الله وتحقيق حريتكم. بالتعاون مع الولايات المتحدة، نوجه ضرباتٍ قوية لطغاة طهران لم يسبق لها مثيل”، وتوعد بمواصلة الضربات بقوة متزايدة ضد النظام. [4] وفي خطاب 17 مارس قال: ” نحن نزعزع هذا النظام على أمل إعطاء الشعب الإيراني فرصة لإزالته. هذا لن يحدث مرة واحدة، ولن يحدث بسهولة. لكن إذا واصلنا ذلك، فسنعطيهم فرصة ليأخذوا مصيرهم بأيديهم”. ومن على منصات التواصل الاجتماعي؛ خرج بنيامين نتنياهو في اليوم الحادي عشر للحرب بتغريدة على منصة إكس دعا فيها الشعب الإيراني إلى استغلال الهجمات والخروج ضد النظام. [5]

ورغم فداحة الخسائر في هرم القيادة الإيراني، كشفت إدارة الأزمة في أيامها الأولى عن بنية النظام الإيراني المتعدد الطبقات، الذي لا ينهار باغتيال القادة؛ ويرجع ذلك إلى توجيهات المرشد الأعلى السابق علي خامنئي -قبل الحرب- التي رسمت التصور العام لضمان بقاء النظام أمام أي محاولات اغتيال؛ وذلك عن طريق تسمية أربعة بدائل لكل دور عسكري وحكومي بما في ذلك منصب المرشد الأعلى نفسه.[6] وبناء على هذا المسار، سرعان ما تم تنصيب مجتبى خامنئي، خلفًا لوالده في منصب المرشد الأعلى للبلاد. وأصبح الرد الإيراني على إسرائيل ومصالح الولايات المتحدة في المنطقة أكثر عنفًا ودقة، كلما تمت عملية اغتيال جديدة، خاصة بعد اغتيال علي لاريجاني، رئيس المجلس الأعلى للأمن القومي، وإسماعيل خطيب، وزير الاستخبارات الإيراني. [7]

 وتشير التقييمات الاستخباراتية الأمريكية والإسرائيلية إلى أن الحرس الثوري يسعى للحفاظ على بقاء النظام ككيان مؤسسي أبعد من كونه مرتبطاً بشخص المرشد، مستفيداً من كوادره وقواعده المستعدة لاستخدام القوة المفرطة. وفي الوقت الذي دعا فيه الجانب الأمريكي القوات المسلحة والشرطة الإيرانية لإلقاء السلاح، واصلت أجهزة الأمن إحكام قبضتها الأمنية على الداخل، مما يعكس إصرار النظام على إظهار التماسك الداخلي رغم الضربات الخارجية العنيفة.[8]

فبالتوازي مع تصاعد الضغوط العسكرية الخارجية، شنت أجهزة الأمن الإيرانية والحرس الثوري حملات اعتقال واسعة استهدفت تحجيم أي نشاط مناهض للنظام أو استخباراتي محتمل؛ وقد تجلى ذلك في إعلان العميد أحمد رضا رادان، قائد مركز الاتصالات الإلكترونية، عن توقيف ما لا يقل عن 500 شخص بتهمة تسريب معلومات لجهات معادية ووسائل إعلام خارجية. وامتدت هذه العمليات الأمنية لتشمل المناطق الحدودية، لاسيما في أذربيجان الغربية، لإحباط تحركات انفصالية كردية تسعى لاستغلال الاضطراب الراهن، بالإضافة إلى ملاحقة أفراد اتُهموا بالعمل كمرتزقة لصالح الإعلام الإسرائيلي. ويسعى الحرس الثوري من خلال هذه الاعتقالات إلى إرسال رسالة ردع أن الضربات الجوية لا تترجم إلى ضعف السيطرة على الشارع، محاولاً بذلك سد الثغرات الاستخباراتية ومنع تحول السخط الشعبي إلى انتفاضة منظمة في ظل ظروف الحرب.[9]

وقد أدت العمليات العسكرية إلى خسائر مدنية جسيمة؛ فوفقاً لبيانات وزارة الصحة الإيرانية ومنظمات حقوقية، تجاوز عدد القتلى المدنيين في الأيام الأولى للحرب 1400 شخص، من بينهم مئات النساء والأطفال. وقد وثقت التقارير الميدانية وصور الأقمار الصناعية دماراً طال منشآت حيوية ومدنية؛ منها مدرستين في ميدنتيّ ميناب الجنوبية، وفي أورمية شمال البلاد، شهدت إحداهما سقوط 168 طفلاً، ومستشفى “غاندي” في طهران، فضلاً عن استهداف مجمعات رياضية وأسواق تاريخية ومواقع مسجلة ضمن التراث العالمي لليونسكو مثل قصر (كَلستان).  كما أن كثافة النيران والدمار الذي طال البنية التحتية للوقود والكهرباء أدى إلى تدهور حاد في الظروف المعيشية، خاصة في العاصمة طهران.

وقد تسببت الحرب في موجة نزوح داخلي كبرى، حيث أفادت مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين بفرار نحو 100 ألف شخص من طهران في الساعات الثماني والأربعين الأولى من القصف، متوجهين نحو المناطق الشمالية، وأضافت أن ما بين ألف وألفي مركبة كانت تغادر المدينة يومياً. وتشير تقديرات الوكالات التابعة للأمم المتحدة إلى أنه بحلول منتصف مارس 2026 نزح ما يقرب من 3.2 مليون شخص. [10] وفي ظل انقطاع شبه تام لشبكة الإنترنت وفرض عزلة معلوماتية، سادت حالة من الانقسام النفسي الحاد؛ فبينما بثت وسائل الإعلام الرسمية صور الجنازات الجماعية الحاشدة لتعزيز حالة الشعور الوطني برفض الضربات الأمريكية الإسرائيلية، نُقلت مشاهد أخرى حالة من الترقب المشوب بالأمل لدى قطاعات من الشباب الذين رأوا في هذه الصدمة فرصة للخلاص من واقع أمني مرير، مفضلين خطر الحرب على خوف القمع. هذا الاستقطاب يضع المجتمع الإيراني أمام مفترق طرق بين الانصياع للدعوات الدولية للتغيير وبين الانخراط في تعبئة قومية ترفض التدخل الأجنبي العنيف.[11]

  1. رد فعل القوى السياسية والاجتماعية الإيرانية

اكتسبت ردود فعل القوى السياسية والاجتماعية داخل إيران أهمية خاصة في سياق الحرب أمام الولايات المتحدة وإسرائيل. وبالنظر إلى الطبيعة البنيوية المعقدة للنظام السياسي الإيراني الذي تبلور عقب ثورة عام 1979، والذي يتداخل فيه البعد الديني مع المؤسسات الثورية والعسكرية ضمن إطار أيديولوجي يمنح المواجهة مع الخارج دورًا محوريًا في إنتاج الشرعية السياسية واستدامتها. ورغم هذا التماسك. كانت قد كشفت موجات من الاحتجاج اجتاحت البلاد بين أواخر عام 2025 وبدايات 2026 عن توترات داخلية عميقة، إلا أن استجابة النظام عبر أدواته؛ منها العنيفة عبر القمع، ومنها الناعمة عبر زيادة الحد الأدنى للأجور بنسبة 60%، في استجابة للأزمات الاقتصادية والعقوبات التي قوضت ميزانيات والتي تفاقمت بسبب الحرب.[12] أعادت تلك السياسية التأكيد على سيطرة النظام الصلبة، وإبداء مرونته في الاستجابة للمطالب الداخلية. وكان أبرز الأدلة على تلك السيطرة أن اغتيال المرشد الأعلى، آية الله علي خامنئي، خلال الغارات الأمريكية–الإسرائيلية الأولى، ثم تعيين نجله مجتبى خامنئي خلفًا له، كان بمثابة مؤشر على استمرارية بنية النظام في طهران. [13]

وقد انعكس الاستهداف الواسع للنخبة السياسية والعسكرية للنظام، مباشرة على الشارع الإيراني. ففي الأول من مارس 2026، شهدت طهران ومدن كبرى أخرى مظاهر متناقضة؛ حيث خرجت حشود للاحتفال بمقتل المرشد، قبل أن تتحول المشاهد ذاتها إلى جنازات حاشدة اتسمت بطابع تعبوي داعم للنظام. يعكس هذا التباين حالة الانقسام المجتمعي العميق، ويؤكد في الوقت ذاته أن بقاء النظام لا يرتبط بشخص المرشد بقدر ارتباطه بالبنية المؤسسية والأمنية التي تحكمه. [14]

وفي هذا الإطار، تبرز إحدى الإشكاليات المركزية في ضعف المعارضة الإيرانية؛ حيث لا توجد قوة موحدة تمتلك القدرة التنظيمية أو المؤسسية لتولي السلطة. إذ تتوزع قوى المعارضة بين إصلاحيين ونشطاء عماليين وشبكات طلابية وحركات عرقية وملكيين، مع اختلافات جوهرية لا تقتصر على القيادة بل تمتد إلى طبيعة النظام السياسي البديل. وقد أسهمت عقود من القمع في تفكيك هذه القوى وإضعاف قدرتها على التنسيق، مما أدى إلى غياب فضاء سياسي يسمح بظهور بديل متماسك. ومع بداية الحرب تم إعادة تشكيل خريطة القوى الاجتماعية والسياسية على النحو التالي:

  • الحرس الثوري الإيراني؛ والذي يعد بمثابة مؤسسة محورية في بنية النظام الإيراني، تأسس عقب الثورة الإسلامية الإيرانية بقرار من روح الله الخميني، بهدف حماية النظام الجديد وضمان استمراريته في مواجهة التهديدات الداخلية والخارجية، وقد تطور ليصبح كيانًا متعدد الأبعاد يتجاوز الدور العسكري التقليدي؛ إذ يمتلك قوات برية وبحرية وجوية مستقلة، ويشرف على برنامج الصواريخ، فضلًا عن نفوذه السياسي المرتبط مباشرة بمؤسسة المرشد الأعلى، ودوره الأمني في ضبط الداخل من خلال أدوات مثل قوات (الباسيج)، إلى جانب حضوره الاقتصادي الواسع في قطاعات استراتيجية كالبناء والطاقة، وهو ما جعله أحد أبرز أعمدة السلطة في إيران وفاعلًا حاسمًا في توجيه سياساتها الداخلية والإقليمية. وبات يمثل النواة الصلبة للنظام. وخلال الأزمة، تبنى الحرس الثوري خطابًا قوميًا تعبويًا يرتكز على التخويف من سيناريوهات التفكك على غرار العراق وسوريا، بما يدعم تماسكها الداخلي. وقد أعادت تلك الكتلة ترتيب أوراقها بعد اغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي، وذلك عبر تعيين مجتبى خامنئي. ذو العلاقات الوثيقة بقيادات الحرس الثوري. وتشير تقديرات إلى استمراره في نهج والده أو أكثر تشددًا. [15]
  • أما التيار الإصلاحي؛ والذي يعد أحد أبرز مكونات المشهد السياسي الداخلي، والذي يتم وصفه غالبًا بأنه معارض اليميني المحافظ المهيمن على المؤسسات السياسية الإيرانية. وقد سعى الإصلاحيون تاريخيًا إلى إحداث تغيير تدريجي من داخل النظام. وترتبط به شخصيات بارزة مثل الرئيسان السابقان محمد خاتمي وحسن روحاني، والرئيس الحالي مسعود بيزشكيان، ووزير الخارجية السابق محمد جواد ظريف، والمرشح الرئاسي السابق مير حسين موسوي، ورجل الدين مهدي كروبي. ويعارض هذا التيار الحرب، معتبرًا إياها تهديدًا لكيان الدولة وليس وسيلة للتغيير، كما يحذر من أن تؤدي إلى تعزيز القبضة الأمنية وتقويض فرص التحول الديمقراطي.
  • الأقليات العرقية؛ والتي تنشط خاصة في المناطق الحدودية، لا تتبنى هذه الجماعات رؤية موحدة؛ فبينما يميل الأذريون إلى الاندماج ضمن الدولة، تنخرط بعض الجماعات الكردية والبلوشية والعربية، ومنها “جند الله” و”جيش العدل”، التي تنفذ هجمات دورية ضد قوات الأمن. ويُعد الأكراد الأكثر تنظيمًا وقدرة عسكرية، حيث تصاعد نشاطهم في مطلع عام 2026 مستفيدين من انشغال الدولة بالأزمة الداخلية، مع دعم خارجي غير مباشر، يأتي عن طريق العراق. وقد ردت إيران على ذلك عبر استهداف مواقع هذه الجماعات في إقليم كردستان العراق، خاصة في منطقة السليمانية.
  • الأحزاب السياسية القديمة؛ تبرز مواقف متباينة داخل المعارضة الفكرية والسياسية تجاه التدخل الخارجي؛ إذ ترفض بعض القوى، ومنها حزب توده الشيوعي، فكرة التغيير المفروض بالقوة، محذرة من تداعياته على وحدة الدولة وفرص بناء نظام ديمقراطي مستقبلي، في حين ترى أطراف أخرى في هذا التدخل فرصة لإسقاط النظام. يعكس هذا الانقسام تشتتًا عميقًا في الرؤية السياسية والأخلاقية للمعارضة.
  • منظمة مجاهدي خلق الإيرانية؛ من بين قوى المعارضة النشطة في الخارج، تقودها مريم رجوي. وتعد هذه المنظمة من أكثر جماعات المعارضة تنظيماً وتمويلاً، وتسيطر على ائتلاف المعارضة المعروف باسم المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية. مع ذلك، لا تحظى المنظمة بشعبية تُذكر داخل إيران نفسها، حيث يشكك الكثيرون في مصادر تمويلها وتوجهاتها السياسية وعلاقاتها بالحكومات الغربية.
  • أنصار الملكية المؤيدين لرضا بهلوي؛ والذي يعد أحد أبرز رموز المعارضة الإيرانية في الخارج، وهو نجل محمد رضا بهلوي الذي أُطيح به خلال الثورة الإسلامية الإيرانية؛ ومنذ ذلك الحين يعيش في المنفى، ويطرح نفسه بوصفه ممثلًا للتيار الملكي الداعي إلى إسقاط نظام الجمهورية الإسلامية واستبداله بنظام ديمقراطي علماني، مع تأكيده في خطابه السياسي على مفاهيم مثل حقوق الإنسان والتعددية السياسية. ويتمتع مؤيديه بنفوذ كبير في وسائل الإعلام الأجنبية، وله حضور قوي على مواقع التواصل الاجتماعي. وسعى بهلوي إلى استقطاب الشباب الإيراني بوعود الحريات السياسية ومجتمع أكثر انفتاحًا وازدهارًا. حيث برزت فئة الشباب الإيراني كفاعل اجتماعي يدفع نحو تغيير جذري في بنية النظام. لا يرتبط بذاكرة الثورة أو الحروب السابقة. ومع ذلك، يواجه الملكيون انتقادات حادة داخل إيران، حتى بين مؤيدي تغيير النظام، إذ يفضل الكثير منهم إقامة نظام ديمقراطي على العودة إلى الملكية، لا سيما في ظل ما يُنظر إليه على أنه تقارب بين الملكيين وإسرائيل ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.
  • الإيرانيون في الخارج؛ أحدث اندلاع الصراع العسكري بين إيران والتحالف الأمريكي الإسرائيلي موجة من الحراك الشعبي الواسع، كشفت عن استقطاب حاد في توجهات الإيرانيين المقيمين في الخارج؛ ففي العاصمة الفرنسية باريس، تجلت هذه الانقسامات في خروج مظاهرات متباينة الأهداف؛ حيث رفعت كتل مؤيدة للنظام الملكي ولشخص “رضا بهلوي” أعلام العهد السابق (الأسد والشمس) جنباً إلى جنب مع الأعلام الأمريكية والإسرائيلية، في إشارة واضحة للمطالبة بتغيير جذري للنظام القائم برعاية دولية. وفي المقابل، برزت تيارات معارضة أخرى ترفض خيار الملكية وخيار الحكم الديني معاً. وفي ستوكهولم وأمستردام، حيث تداخلت الرمزية الوطنية بصور رضا بهلوي مع مطالب دبلوماسية ضاغطة على الحكومات الأوروبية مطالبين بإجراءات تصعيدية تشمل إغلاق السفارة الإيرانية وتقديم اعتراف رسمي ببهلوي كفاعل سياسي رئيسي عبر دعوته لزيارة رسمية.

وفي موازاة المطالبة بتغيير النظام، تشكلت جبهة دولية مناهضة للحرب تخشى من تبعات التدخل العسكري على سيادة الدولة وسلامة المدنيين. ففي بريطانيا وقبرص، تركزت المظاهرات على رفض استخدام القواعد العسكرية (مثل قاعدة فيرفورد والقواعد البريطانية في قبرص) لشن هجمات ضد إيران، خاصة بعد أن تم استهدافها بطائرات مسيرة، اتهمت بها طهران. ولم تقتصر التفاعلات على القارة الأوروبية، بل امتدت إلى دول مثل جنوب أفريقيا، حيث ظهر الانقسام بشكل أكثر حدة.؛ ففي جوهانسبرج، سجلت مجموعات تضامنية موقفاً مؤيداً للجمهورية الإسلامية ومناهضاً لإسرائيل، مستلهمة ذلك من الخطاب المعادي للاستعمار. وفي المقابل، شهدت مدينة كيب تاون مظاهرات مضادة لنشطاء إيرانيين مؤيدين للديمقراطية رفعوا العلم الإسرائيلي تعبيراً عن دعمهم للضربات التي تستهدف النظام.[16]

تكشف هذه المعطيات أن إيران تواجه لحظة مفصلية تتداخل فيها الضغوط الخارجية مع الانقسامات الداخلية، في ظل غياب بديل سياسي موحد. فالأزمة لم تعد عسكرية فحسب، بل باتت متعددة الأبعاد تشمل تدهورًا اقتصاديًا، وتحديات اجتماعية، وتهديدًا للشرعية السياسية. وفي هذا السياق، يظل مستقبل الاستقرار في إيران مرهونًا بتفاعلات معقدة بين بنية النظام، وقدرة المجتمع على التنظيم، وحدود التدخلات الخارجية، بما يفتح المجال أمام سيناريوهات مفتوحة.

ثانيًا: أسباب عدم استجابة الإيرانيون لدعوات الخروج على النظام

يمثل سلوك الشارع الإيراني امتدادًا مباشرًا لطبيعة البيئة السياسية–الأمنية التي تشكلت قبل اندلاع الحرب، والتي اتسمت بترسيخ نموذج القبضة الأمنية القوية والقادرة على احتواء الاحتجاجات عبر مزيج من الشرعنة القانونية والقوة القسرية؛ فقد تبنّت السلطات الإيرانية، في أعقاب موجات الاحتجاج التي سبقت الحرب، مقاربة تقوم على إعادة تعريف الاحتجاجات، من خلال التمييز بين التظاهر المشروع وأعمال الشغب، بما أتاح توسيع نطاق التدخل الأمني تحت غطاء حماية الأمن القومي. وقد تجسد ذلك بوضوح في خطاب المرشد علي خامنئي في 4 يناير 2026، الذي منح تفويضًا صريحًا للمؤسسات الأمنية والقضائية لتصعيد المواجهة، أعقبه تحرك سريع من السلطة القضائية لتكريس هذا التوجه عبر التلويح بعقوبات مشددة وإجراءات استثنائية، بما أضفى طابعًا مؤسسيًا على استخدام العنف. [17]

ومع انتقال إيران إلى حالة الحرب، لم تتراجع هذه القبضة الأمنية، بل أعادت إنتاج نفسها في سياق أكثر تعقيدًا؛ إذ تزامنت الضغوط العسكرية الخارجية مع تصعيد داخلي استهدف تحجيم أي نشاط معارض أو اختراق أمني محتمل، عبر حملات اعتقال موسعة وفرض عزلة معلوماتية شبه كاملة. كما لعب الحرس الثوري دور كبير في إدارة الداخل، مستفيدًا من خبرته السابقة في قمع الاحتجاجات، واعتمد على توظيف الخطاب القومي التعبوي لتبرير استمرار السيطرة الأمنية. وعلى هذا النحو، فإن فهم أسباب عدم استجابة الإيرانيين لدعوات النزول خلال الحرب لا يمكن فصله عن هذا الإرث المتراكم، الذي أعاد تشكيل سلوك الأفراد، وهو ما يمهد لتحليل العوامل المحددة لهذا السلوك في ظل بيئة صراعية عالية الكثافة.

وعلى الرغم من الدعوات المتكررة من الخارج، ولاسيما دعوات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والقادة في إسرائيل فضلا عن دعوات رضا بهاوي، الداعمة لخروج الإيرانيين على النظام، ووعدهم بالدعم الكافي، إلا أن الاستجابة لتلك الدعوات كانت محدودة؛ وتعود الأسباب في ذلك إلى مجموعة من العوامل البنيوية والسياسية والأمنية المتداخلة، والتي تعكس في جوهرها طبيعة النظام الإيراني وسياق التفاعل المجتمعي في بيئة الحرب؛ ويمكن إيجاز تلك الأسباب على النحو التالي:

  • طبيعة النظام الأيديولوجية؛ والذي لا يستند في بقاؤه إلى شخص القيادة بقدر ما يقوم على منظومة فكرية عقائدية متجذرة منذ ثورة عام 1979، تقوم على فكرة المقاومة بوصفها مكونًا يعبر عن هوية المجتمع وليس مجرد خيار سياسي. وقد أسهم هذا الإطار الأيديولوجي، الذي يعيد إنتاج الصراع مع القوى الخارجية في صورة تهديد وجودي، في تحصين قطاعات من المجتمع ضد الاستجابة لدعوات التغيير المدعومة خارجيًا، بل وتحويلها في بعض الأحيان إلى عامل تعبئة مضادة لصالح النظام، خاصة مع استدعاء رمزية “كربلاء”؛ فقد شبّه المرشد علي خامنئي -قبل اغتياله- الصراع مع الولايات المتحدة وإسرائيل على أنه “مواجهة من منظور كربلاء”، في إشارة إلى قصة الإمام الحسين عند الشيعة، الذي اختار الموت على الخضوع.
  • البيئة الأمنية المتشددة؛ والتي لعبت دورًا حاسمًا في تقويض فرص التعبئة الجماهيرية المعارضة؛ إذ عززت أجهزة الدولة، وعلى رأسها الحرس الثوري، من سيطرتها الداخلية عبر حملات الاعتقال الواسعة، وإحكام الرقابة على المجال العام، بالتوازي مع انقطاع الاتصالات وعزل المجتمع معلوماتيًا. وفي ظل هذه الظروف، يصبح الانخراط في احتجاجات واسعة النطاق عالي التكلفة، بما يدفع الأفراد إلى إعطاء الأولوية لاعتبارات السلامة الشخصية على حساب الفعل السياسي الجماعي.
  • ظروف الحرب ذاتها؛ ساهمت ديناميكيات الحرب ذاتها في إعادة ترتيب أولويات المجتمع؛ ففي سياق القصف المكثف وسقوط أعداد كبيرة من الضحايا المدنيين، اتجهت قطاعات من السكان نحو الانشغال بالبقاء وتأمين الاحتياجات الأساسية، وهو ما أضعف القدرة على التنظيم والحشد. كما أن استهداف البنية التحتية والمناطق المدنية، وخاصة مدارس الأطفال، قد تسبب في إعادة الالتفاف حول النظام مجددًا، باعتبار سرديته عن العدو كانت الأقرب للواقع، خاصة عندما يُنظر إلى الهجمات باعتبارها تهديدًا مباشرًا للمجتمع والدولة ولا يقتصر على النظام فقط. [18]
  • أزمة تشتت المعارضة؛ يعكس ضعف الاستجابة أيضًا أزمة بنيوية في قوى المعارضة؛ إذ تعاني من تشتت حاد وغياب قيادة موحدة أو بديل سياسي واضح يمكن أن يلتف حوله الشارع. فالتباينات الأيديولوجية والتنظيمية بين مكونات المعارضة، سواء في الداخل أو الخارج، إلى جانب ضعف شرعيتها لدى قطاعات واسعة من الإيرانيين، حدّت من قدرتها على تحويل السخط الشعبي إلى حركة سياسية منظمة. كما أن ارتباط بعض أطراف المعارضة بالخارج أضعف من مصداقيتها، في سياق يتسم بحساسية تاريخية تجاه التدخلات الأجنبية.
  • الافتقار إلى استراتيجية واضحة للتغيير؛ فلم تقدم القوى الداعمة له، خاصة من قبل الولايات المتحدة وإسرائيل غير الضربات الجوية والقنابل، التي طالت كل مقدرات الدولة الإيرانية، مما أسهم في تقليل فاعلية الدعوات للنزول؛ إذ لم تقترن هذه الدعوات بوجود آلية عملية أو دعم ميداني يمكن أن يغير موازين القوة على الأرض. وهو ما جعل هذه الدعوات تبدو، من منظور داخلي، أقرب إلى خطاب سياسي غير قابل للتحقق، لا سيما في ظل تفوق النظام في أدوات السيطرة والقوة.
  • الهدف هو النفط لا الحرية؛ كانت تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، التي تفيد بأن الاستيلاء على النفط الإيراني غير مستبعد، وأشار صراحة إلى أن العملية العسكرية الأمريكية في فينزويلا، والتي أسفرت عن القبض على زعيم البلاد نيكولاس مادورو، سمحت للإدارة الأمريكية في استغلال احتياطات النفط الفينزويلية. وقد تسببت تلك التصريحات في تدعيم توجه بين الشعب الإيراني بأن الأسباب الحقيقية للولايات المتحدة هي السيطرة على مقدرات الشعب الإيراني من النفط، وليس دعم الشعب الإيراني في المطالبة بالمزيد من الحرية والتغيير.  [19]

وبناء على ما تقدم، تعكس استمرارية تماسك شبكات النظام، رغم الضربات التي طالت قياداته، قدرة مؤسساته –خاصة الأمنية والعسكرية– على إعادة إنتاج نفسها بسرعة، بما حال دون حدوث انشقاقات جوهرية يمكن أن تشجع الشارع على التحرك. وفي هذا السياق، فإن غياب لحظة الانهيار داخل بنية السلطة شكّل عامل ردع إضافي، حيث لم تتوافر الإشارات الكافية التي تدفع الجماهير للاعتقاد بإمكانية نجاح الانتفاضة. في ضوء ما سبق، يتضح أن عدم استجابة الإيرانيين لدعوات النزول لم يكن نتاج عامل واحد، بل نتيجة تفاعل معقد بين الأيديولوجيا، والأمن، وديناميكيات الحرب، وضعف البديل السياسي، وهو ما أسهم في ترجيح كفة الاستقرار القسري للنظام على حساب احتمالات التغيير من الداخل خلال فترة الصراع.

ثالثًا: سيناريوهات محتملة لمستقبل النظام الإيراني

في ضوء ما تم عرضه من محددات المشهد الداخلي الإيراني خلال فترة الحرب، ولا سيما تفسير أسباب تماسك البيئة الداخلية وعدم استجابتها لدعوات التصعيد، تبرز الحاجة إلى استشراف المسارات المحتملة لتطور هذا المشهد في المدى القريب. إذ لا يمكن فصل مستقبل النظام الإيراني عن طبيعة التفاعلات التي شهدها الداخل خلال الصراع، سواء من حيث قدرة الدولة على إعادة إنتاج أدوات السيطرة، أو حدود الضغوط الخارجية في إحداث تغيير بنيوي. ومن هذا المنطلق، يستعرض هذا الجانب من التقرير أبرز السيناريوهات المحتملة، استنادًا إلى توازنات القوة القائمة، وأنماط التفاعل بين الداخل والخارج، بما يعكس اتجاهات الاستمرار أو التحول في بنية النظام السياسي الإيراني.

السيناريو الأول: التسوية التفاوضية (صفقة احتواء دون إسقاط النظام)

يقوم هذا السيناريو على احتواء الصراع عبر صفقة سياسية تُنهي العمليات العسكرية دون المساس الجوهري ببنية النظام الإيراني. فمن ناحية، لا يُبدي الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، استعدادًا للانخراط في حرب طويلة الأمد في الشرق الأوسط، خاصة في ظل الضغوط الحالية على أسعار النفط، وحجم الدمار الذي يلحق بإسرائيل، وهو ما يدفعه تدريجيًا للتخلي عن هدف تغيير النظام لصالح تسوية عملية، قد تأخذ شكل اتفاق نووي مُعدل مصحوبًا بتنازلات اقتصادية، لاسيما في قطاع النفط. ومن ناحية أخرى، تبدو إيران وكأنها تتبنى استراتيجية تقوم على التصعيد من أجل التفاوض، عبر توسيع نطاق العمليات العسكرية ورفع كلفة المواجهة، بهدف دفع واشنطن إلى طاولة المفاوضات من موقع قوة نسبية.

ويعزز من قابلية هذا السيناريو غياب بديل سياسي داخلي قادر على ملء فراغ السلطة، فضلًا عن فشل الدعوات الخارجية في تحفيز انتفاضة شعبية، وهو ما يجعل خيار إدارة الأزمة أكثر واقعية من تفكيك النظام. كما أن استمرار الضربات دون حسم عسكري واضح، وتزايد الكلفة البشرية والمادية، يدفع الطرفين إلى تبني تجميد الصراع بدلًا من حسمه. دلالة هذا السيناريو تكمن في بقاء النظام الإيراني مع إدخال تعديلات محدودة على سلوكه الخارجي، مقابل تخفيف الضغوط الدولية، بما يفضي إلى حالة احتواء متبادل دون تغيير جذري في طبيعة النظام.

السيناريو الثاني: التفكك عبر الأطراف (زعزعة داخلية مدفوعة بالتوترات العرقية)

يفترض هذا السيناريو اتجاه الولايات المتحدة وإسرائيل نحو استراتيجية غير مباشرة لإضعاف النظام الإيراني، تقوم على استثمار التعددية العرقية داخل الدولة، والتي تمثل نحو 40% من التركيبة السكانية، عبر دعم حركات مسلحة أو انفصالية في المناطق الطرفية. وفي هذا السياق، تبرز أقاليم مثل كردستان وبلوشستان كمناطق مرشحة للتصعيد، خاصة في ظل الروابط العابرة للحدود لهذه الجماعات مع امتداداتها في دول الجوار، كالعراق وأفغانستان وباكستان.

وقد يتعزز هذا المسار مع مؤشرات على استعداد أمريكي لدعم جماعات محلية مسلحة، كما يتضح من الاتصالات مع قيادات كردية تمتلك قدرات قتالية قرب الحدود الإيرانية. إلا أن هذا السيناريو، رغم قدرته على إرباك النظام واستنزافه، ينطوي على مخاطر عالية تتجاوز الداخل الإيراني، إذ قد يؤدي إلى تفجر نزاعات إقليمية ممتدة مع دول الجوار، مما يعمق من حالة عد الاستقرار في المنطقة، وتستمر الضغوط النفطية على العالم. كما أن نجاح هذا السيناريو يتطلب انخراطًا بريًا غير مباشر أو مباشر، وهو ما يظل مكلفًا سياسيًا وعسكريًا. وبالتالي، فإن دلالته الأساسية لا تكمن في إسقاط سريع للنظام، بل في إدخال الدولة في حالة من التفكك التدريجي وعدم الاستقرار الهيكلي، وهو ما قد لا تتحمله إسرائيل في ظل تصاعد دقة الضربات الإيرانية، وإنهاك الدفاعات.

السيناريو الثالث: الصمود وإعادة إنتاج السيطرة (الاستقرار القسري للنظام)

يرتكز هذا السيناريو على قدرة النظام الإيراني على امتصاص الصدمة العسكرية وإعادة بناء تماسكه الداخلي عبر أدواته الأمنية والأيديولوجية. فالهجمات الخارجية، بدلًا من تفكيك القاعدة الاجتماعية للنظام، قد تؤدي إلى تعزيز ظاهرة الالتفاف مجددًا حول النظام، حيث يعيد جزء من المجتمع توجيه عدائه نحو القوى الخارجية، حتى في ظل استمرار السخط الداخلي. وفي هذا السياق، لا يُتوقع حدوث تحولات سريعة في الولاءات السياسية، إذ يميل الأفراد، في ظل الحرب، إلى التمسك بمواقفهم السابقة، سواء دعمًا للنظام أو تحميله مسؤولية الأزمة، دون الانخراط في فعل جماعي منظم.

كما يستفيد النظام من غياب معارضة موحدة، ومن عدم وجود قوة برية قادرة على ترجمة الضغوط الخارجية إلى تغيير ميداني، فضلًا عن استمرار تماسك مؤسساته، وعلى رأسها الحرس الثوري، القادر على إعادة الانتشار وفرض السيطرة. ويُضاف إلى ذلك أن أي تأثير تعبوي ناتج عن الحرب يظل مؤقتًا، حيث من المرجح أن تعود الأزمات الاقتصادية والاجتماعية إلى الواجهة بعد انتهاء العمليات، دون أن يؤدي ذلك بالضرورة إلى انهيار فوري.

وتكمن دلالة هذا السيناريو في بقاء النظام مع تعزيز طابعه الأمني، وتحوله إلى نموذج أكثر انغلاقًا وعدائية تجاه الغرب، مع تعميق الاعتماد على أدوات القمع والتحالفات مع القوى الشرقية، خاصة روسيا والصين. ورغم ما يوفره هذا المسار من استقرار نسبي، فإنه يُبقي على جذور الأزمة قائمة، بما يجعلها عرضة للانفجار في مراحل لاحقة، خاصة في ظل اقتراب البلاد من مرحلة انتقال قيادي قد تعيد طرح سؤال الشرعية السياسية من جديد.

وختاما..

تكشف مجمل التحليلات الواردة في هذا التقرير أن الرهان على الداخل الإيراني كمدخل سريع لإحداث تغيير سياسي خلال الحرب لم يتحقق بالقدر الذي افترضته الأطراف الخارجية؛ فلم يستجيب الشارع الإيراني لدعوات النزول المتكررة من القادة في الولايات المتحدة وإسرائيل؛ والذين لم يقدموا مسارًا واضحًا للانتقال إلى نظام أكثر انفتاحًا على العالم وأكثر دعما للحريات، كما قد أغفل هذا الرهان فكرة غياب معارضة موحدة، بالإضافة إلى أن عدم دقة الضربات الأمريكية والإسرائيلية، والتي كشفت عن استهداف المدنيين قد عززت من سردية النظام وجعلت الكثير من الناقمين على سياسة الجمهورية الإسلامية يتحولون إلى الدفاع عنها.

 وفي المقابل، أظهرت بنية الدولة والمجتمع في إيران قدرة ملحوظة على امتصاص الصدمة وإعادة التماسك في مواجهة التهديد الخارجي. وقد ساهمت مجموعة من العوامل المتداخلة في الحد من قابلية الشارع الإيراني للاستجابة لدعوات النزول، رغم استمرار الضغوط الاقتصادية والاجتماعية؛ كان في مقدمة تلك العوامل: قوة الأجهزة الأمنية، وضعف البدائل المعارضة المنظمة، وتأثير النزاع الجاري في إعادة تشكيل الاصطفاف الداخلي.

وفي هذا السياق، تؤكد السيناريوهات المطروحة أن مستقبل النظام الإيراني سيظل رهينًا بتفاعل معقد بين استمرار الضغوط الخارجية وقدرة الداخل على التكيف معها، دون ترجيح حاسم لمسار الانهيار السريع. فبين احتمالات إعادة الترميم، أو التحجيم القسري، أو التوصل إلى تسويات سياسية توقف الحرب دون تغيير جذري في بنية النظام، يظل العامل الداخلي هو المحدد الأبرز في ترجيح أي من هذه المسارات. وعليه، فإن فهم ديناميات المجتمع الإيراني خلال فترات الصراع لا يمثل فقط مدخلًا لتحليل الحالة الراهنة، بل يعد أيضًا شرطًا أساسيًا لاستشراف مستقبل التوازنات السياسية في إيران، وتقدير حدود التأثير الخارجي في إعادة تشكيلها.


قائمة المراجع:

[1]   العربية. (2026، 28 فبراير). وزير الدفاع الإسرائيلي: بدأنا هجوماً استباقياً ضد إيران. https://www.alarabiya.net/iran/2026/02/28/وزير-الدفاع-الاسرائيلي-بدانا-هجوما-استباقيا-ضد-ايران

[2] BBC News. (2026). Israel launches new strikes on Iran as US identifies… https://www.bbc.com/news/live/cy0dp1l57nxt

[3] Al Jazeera. (2026, March 1). US-Israel attacks on Iran: Death toll and injuries live tracker. https://www.aljazeera.com/news/2026/3/1/us-israel-attacks-on-iran-death-toll-and-injuries-live-tracker

4 RT Arabic. (2026، 10 مارس). نتنياهو في رسالة للشعب الإيراني: سنهيئ الظروف لكم لتتولوا زمام أموركم. https://arabic.rt.com/world/1766145-نتنياهو-في-رسالة-للشعب-الإيراني-سنهيئ-الظروف-لكم-لتتولوا-زمام-أموركم/

5 الحوراني، ع. (2026، 17 مارس). الحرب على إيران من المنظور الإسرائيلي: الأهداف، السيناريوهات والرهانات. الجزيرة نت. https://www.ajnet.me/politics/2026/3/17/الحرب-على-إيران-من-المنظور-الإسرائيلي

[6] سكاي نيوز عربية. (2026، 16 مارس). بـ “طبقات الخلافة والرجل القوي”.. يستعد خامنئي للحرب. https://www.skynewsarabia.com/world/1854491-ب-طبقات-الخلافة-والرجل-القوي-يستعد-خامنئي-للحرب

[7] سكاي نيوز عربية. (2026، 19 مارس). إسرائيل تعلن اغتيال وزير الاستخبارات الإيراني إسماعيل خطيب. https://www.skynewsarabia.com/world/1859331-إسرائيل-تعلن-اغتيال-وزير-الاستخبارات-الإيراني-إسماعيل-خطيب

[8] Council on Foreign Relations. (2026, February 28). Gauging the impact of massive U.S.-Israeli strikes on Iran. https://www.cfr.org/articles/gauging-the-impact-of-massive-u-s-israeli-strikes-on-iran

[9] Institute for the Study of War. (2026, March 15). Iran update evening special report: March 15, 2026. https://understandingwar.org/research/middle-east/iran-update-evening-special-report-march-15-2026/

[10]  IranWire. (2024, November 13). UN refugee agency: 3.2 million Iranians displaced since war began. https://iranwire.com/en/news/150320-un-refugee-agency-32-million-iranians-displaced-since-war-began/

[11] BBC News. (2026, March 6). Iranian schools, hospital and landmarks among civilian sites hit during US-Israeli strikes. https://www.bbc.com/news/articles/cpw004xqxnjo

[12] يورونيوز. (2026، 17 مارس). إيران ترفع الحد الأدنى للأجور بنسبة 60% مع تأثر ميزانيات الأسر بشدة جراء الحرب والعقوبات. https://arabic.euronews.com/business/2026/03/17/iran-raises-minimum-wage-by-60-as-war-and-sanctions-severely-impact-household-budgets

[13] Council on Foreign Relations. (2026, February 17). The Islamic Republic’s power centers. https://www.cfr.org/articles/islamic-republics-power-centers

[14] Manara Magazine. (2026, March 17). Resistance as ideology: Why Iran’s regime will remain in power. https://manaramagazine.org/2026/03/why-irans-regime-will-remain-in-power/

[15] أبو الفضل، ع. (2024، 12 مارس). تحديات التحول الرقمي في المؤسسات الصحفية المصرية. مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية.https://acpss.ahram.org.eg/News/21650.aspx

[16] فرانس 24. (2026، 8 مارس). مسيرات متباينة في عدة دول حول العالم بين مؤيدين لإيران ومعارضين للحرب في الخارج. https://www.france24.com/ar/الشرق-الأوسط/20260308-مسيرات-متباينة-في-عدة-دول-حول-العالم-بين-مؤيدين-لإيران-ومعارضين-للحرب-في-الخارج

[17] TRENDS Research & Advisory. (2026، 11 يناير). الاحتجاجات الشعبية وتحولات السياسة والحكم في إيران. https://trendsresearch.org/ar/insight/الاحتجاجات-الشعبية-وتحولات-السياسة-و/

[18] Manara Magazine. (2026, March 6). Resistance as ideology: Why Iran’s regime will remain in power. https://manaramagazine.org/2026/03/why-irans-regime-will-remain-in-power/

[19] سكاي نيوز عربية. (2026، 18 مارس). ترامب: الاستيلاء على نفط إيران سابق لأوانه لكنه غير مستبعد. https://www.skynewsarabia.com/middle-east/1857765-ترامب-الاستيلاء-نفط-إيران-سابق-لأوانه-لكنه-مستبعد

WhatsApp Image 2026-04-18 at 12.11
WhatsApp Image 2026-04-16 at 3.00
WhatsApp Image 2026-04-12 at 7.38
WhatsApp Image 2026-04-09 at 10.56
422827bc-3768-42c0-9b8b-22212896db9b
Scroll to Top