جاءت الضربات على البنية التحتية للمياه في الحرب على إيران ضمن توجه عالمي متصاعد أصبحت فيه مصادر المياه على رأس الأهداف العسكرية، إذ تضاعف عدد الحوادث المرتبطة بمصادر المياه في الحروب أربع مرات خلال الفترة بين عامي 2012 و2021 مقارنة بالعقد السابق لها.[1] وبخلاف الحروب، فإن الطلب المتزايد على المياه، وتغير المناخ، وسوء إدارة المياه، قد أدى أيضًا إلى زيادة التوتر حول الموارد المائية. وفي هذا السياق، أصبحت المياه أداة للسيطرة السياسية والاجتماعية. ويمكن تصنيف العنف المرتبط بالمياه إلى 3 أنواع: استخدام المياه كسلاح، تدمير البنية التحتية للمياه كأحد نتائج النزاع، نشوب صراع مسلح كنتيجة مباشرة للنزاعات على المياه.[2]
وفي الشرق الأوسط، الذي يعد أحد أكثر مناطق العالم معاناة من ندرة المياه، أصبح استهداف مصادر المياه متكررًا بشكل ملحوظ. فقد قام العراق أثناء غزو الكويت عام 1990، باستهداف محطات تحلية المياه، فضلًا عن تلويث مياه الخليج، كما قامت داعش باستهداف البنية التحتية للمياه في سوريا والعراق، هذا بالإضافة إلى محاولات دول المنبع – كتركيا وإثيوبيا – حرمان دول المصب من حصصها في مياه الأنهار الدولية.[3] كما يشهد قطاع غزة بعد 7 أكتوبر أحد أصعب أزمات المياه عالميًا بسبب العسكرة الإسرائيلية لموارد المياه واستخدامها كأداة لتعطيش السكان ودفعهم نحو النزوح. وفي الحرب على إيران، برزت المياه كأحد أهم الأهداف التي لا تقل أهمية عن النفط والغاز.
وقد قامت الولايات المتحدة الأمريكية في 7 مارس 2026، باستهداف محطة لتحلية المياه في جزيرة قشم الإيرانية، ما أدى إلى خروجها عن الخدمة وانقطاع إمدادات المياه عن 30 قرية، وفقًا لتصريحات وزير خارجيتها عباس عراقجي، الذي أكد أن استهداف البنية التحتية لإيران يحمل عواقب جسيمة، مشيرًا إلى أن الولايات المتحدة هي التي أرست هذا النهج، وليست إيران. وردًا على ذلك استهدفت إيران محطة لتحلية المياه في البحرين في 8 مارس، كما استهدفت إحدى محطات القوى الكهربائية وتقطير المياه في الكويت في 31 مارس. ويثير ذلك مخاوف من أن يمتد الصراع ليشمل منشآت تحلية المياه التي تعتبر المصدر الرئيسي للمياه في واحدة من أكثر مناطق العالم شُحًا في المياه.[4]
في ضوء ذلك، يستعرض هذا المقال التحليلي في شقه الأول حجم الموارد المائية والبنية التحتية للمياه في دول مجلس التعاون الخليجي، فضلًا عن اعتمادها بشكل شبه كلي على تحلية المياه. وفي شقه الثاني، يتناول أسباب وتبعات الأزمة المائية التي تمر بها إيران وبنيتها التحتية للمياه. وفي شقه الثالث والأخير ينتقل لتحليل أبعاد وتبعات عسكرة المياه في الصراع الجاري بعد أن أصبحت البنية التحتية للمياه على رأس أهداف الأطراف المتحاربة.
أولًا: الموارد المائية والبنية التحتية للمياه في دول الخليج
يعاني حاليًا نحو 83% من سكان الشرق الأوسط من ندرة حادة في المياه المتجددة وفقًا لمعهد الموارد العالمية WRI، ومن المتوقع أن يقترب هذا الرقم من 100% بحلول عام 2050 مع اشتداد تغير المناخ؛ ولذلك تعد تحلية المياه ذات أهمية قصوى في منطقة تعاني من شُح المياه وزيادة سكانية مرتفعة، فإن من بين ما يقرب من 18,000 محطة تحلية في العالم، يوجد ما يقرب من ثلثها في الشرق الأوسط، منها 2,382 محطة في المملكة العربية السعودية وحدها.[5]

وقد تم بناء أكبر محطات لتحلية المياه في العالم في باقي دول مجلس التعاون الخليجي، كما استثمرت إسرائيل بكثافة في تحلية المياه. وتعتمد الكثير من دول الخليج على تحلية مياه البحر لتأمين ما يقارب 90% من مياه الشرب، وهو ما يُلبّي احتياجات مواطنيها، إضافة إلى ملايين الأجانب الذين يعملون في المنطقة. ويرجع ذلك إلى أن منطقة الشرق الأوسط لا تملك سوى نحو 2% من إمدادات المياه العذبة المتجددة في العالم. وفي وقت مبكر من عام 1983، حذرت وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية في تقرير سري من أن “تعطيل محطات التحلية في معظم الدول العربية قد يكون له عواقب أكثر خطورة من فقدان أي صناعة أو سلعة أخرى”.[6]
وتأتي معظم إمدادات المياه العذبة في دول الخليج من مجموعة من أحواض المياه الجوفية، غير أن العديد من هذه الأحواض تعاني من الاستنزاف الشديد، حيث يتم سحب المياه منها بمعدلات تفوق بكثير تغذية هذه الأحواض من مياه الأمطار أو أي مصادر أخرى. ويبلغ إجمالي موارد المياه السطحية والجوفية في دول الخليج الست مجتمعة 7.21 مليار متر مكعب سنويًا؛ أي أقل من التدفق السنوي لنهر بوتوماك في الولايات المتحدة، والذي يمكن أن يعتمد عليه ما يقارب 62 مليون نسمة.[7]
على سبيل المثال، لا تتجاوز حصة الفرد في سلطنة عُمان من موارد المياه العذبة المتاحة سنويًا 296 مترًا مكعبًا، بينما تبلغ حصة الفرد في كل من البحرين والمملكة العربية السعودية نحو 75 مترًا مكعبًا سنويًا، أما في قطر فلا تتعدى الـ 20 مترًا مكعبًا للفرد سنويًا، كما تبلغ حصة الفرد بكل من الإمارات والكويت نحو 15 مترًا مكعبًا و4 أمتار مكعبة سنويًا على التوالي. وفي مدن مثل الجبيل، تبوك أو الهفوف، تشهد الآبار تراجعًا في معدلات تدفقها وتزايد ملوحة المياه، ويرجع ذلك كما سبقت الإشارة إلى استنزاف أحواض المياه الجوفية، وتزايد تركيز الأملاح الذائبة نتيجة السحب الجائر الذي لا يتناسب مع معدلات تغذية تلك الأحواض الجوفية، مما جعل من الضروري إنشاء محطات تحلية جديدة وتعزيز المحطات القائمة.[8]
وقد قفز الإنتاج السنوي للمياه المحلاة في دول مجلس التعاون الخليجي في الفترة من عام 1990 إلى عام 2022، بنسبة 314%، ليرتفع من 1.4 إلى 5.9 مليار متر مكعب. وتضم دول الخليج الست الآن نحو 3,401 محطة تحلية عاملة، وتشكل هذه المحطات مجتمعة نحو 19% من إجمالي مرافق التحلية حول العالم. وبشكل إجمالي، يمكن لهذه المحطات إنتاج نحو 22.67 مليون متر مكعب من المياه المحلاة يوميًا؛ أي ما يعادل نحو 40% من الطاقة الإنتاجية العالمية اليومية. كما يأتي عدد من محطات تحلية المياه في الخليج ضمن أكبر 10 محطات في العالم.[9]
تعتمد المدن الخليجية الكبرى بما فيها الرياض وأبو ظبي ودبي والدوحة والكويت وجدة الآن بشكل شبه كلي على المياه المحلاة من أجل توفير مياه الشرب. وتأتي قطر على رأس هذه الدول حيث تعتمد على مياه التحلية لتوفير 99% من إمدادات مياه الشرب، تليها البحرين والكويت بـ 90%، وسلطنة عمان بـ 86%، ثم السعودية بـ 70%، وفي الأخير الإمارات بـ 42%. وتُقدر استثمارات السعودية المتوقعة في محطات إضافية خلال السنوات القليلة المقبلة بنحو 80 مليار دولار.[10] كما تخطط باقي الحكومات أيضًا لمضاعفة هذه القدرة في السنوات القادمة. وفي هذا الإطار، أنشأت المملكة العربية السعودية خزانات أرضية استراتيجية توفر احتياطيات مائية متواضعة، كما اتبعت استراتيجية مختلفة تقوم على تشجيع تطوير محطات تحلية أصغر حجماً يملكها القطاع الخاص ويشغّلها في أنحاء البلاد. وتزوّد هذه المحطات الصغيرة شبكة المياه السعودية بنحو 4.5 مليون متر مكعب يوميًا؛ أي ما يقارب نحو 37% من إجمالي إنتاج التحلية في البلاد، وصغر حجمها وتوزيعها الجغرافي يجعلانها أهدافاً عسكرية أقل جاذبية.[11]
كما كشفت دولة الإمارات العربية المتحدة في عام 2017، عن استراتيجيتها للأمن المائي 2036 بهدف زيادة كفاءة استخدام المياه وتعزيز المخزون الوطني. أما البحرين والكويت وقطر، فلا يمتلكون قدرة تخزينية كافية لمواجهة انقطاعات الإمدادات الكبيرة. بالإضافة إلى ذلك، فقد عملت دول الخليج على تقليل مركزية شبكات المياه وتوسيع احتياطيات التخزين الطارئة. كذلك تعمل الإمارات وقطر على إجراء تجارب لتخزين المياه المحلاة في طبقة جوفية ضخمة، بما يتيح إنشاء احتياطي استراتيجي يمكن أن يزوّد البلاد بالمياه العذبة. توفر الأحواض الجوفية الطبيعية وسيلة أقل كلفة وأكثر أماناً لتخزين المياه مقارنة بالخزانات السطحية الكبيرة. وبسبب وجودها في أعماق الأرض، فهي أيضاً أقل عرضة بكثير لضربات الصواريخ والطائرات المسيّرة.[12]
على نفس المنوال، أنشأت بعض دول الخليج محطات تحلية صغيرة وعالية التحصين تحت الأرض لحمايتها من الهجمات الصاروخية والكوارث الطبيعية. وعلى الرغم من أنها لا تستطيع تعويض المنشآت الكبرى المقامة على السطح، فإنها تمثل بديلًا حال تعطل استهداف المنشآت الأساسية. أما دول الخليج الأصغر حجمًا فما زالت تعتمد بدرجة أكبر على المنشآت المركزية، على الرغم من أن الوضع تحسّن مقارنة بما كان عليه قبل عقد من الزمن. كما أنه على الرغم من تطوير قدراتها الإنتاجية لتحلية المياه، إلا أن دول الخليج لم تنشئ في معظمها، قدرة مقابلة للتخزين لمواجهة انقطاع الإمدادات.
ويوضح ما سبق ذكره حجم اعتماد دول الخليج بشكل رئيسي على التحلية لتلبية احتياجات السكان، وكذلك القطاعات الاقتصادية والتجارية المختلفة، حيث تخدم المياه المحلاة القطاعات الصناعية مثل البتروكيماويات ومراكز البيانات، كما توفر الكميات المطلوبة لري المسطحات الخضراء، فضلاً عن تلبية احتياجات السياح. وقد ساهمت تحلية المياه كذلك في مساعدة دول الخليج في ترسيخ نموذج تجاري قائم على سمعتها كجزر للازدهار والاستقرار حتى في بحار من الاضطراب الجيوسياسي؛ لذلك يمكن القول إنه على الرغم من كون النفط هو المصدر الأساسي للثروة في الخليج، إلا أن تحلية المياه هي من تجعل المنطقة صالحة للسكن.
وقد كشفت الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران أن دول الخليج ليست فقط دول تعتمد على البترول أو Petrostates، بل إنها أيضًا دول تعتمد على المياه المالحة أو ما أطلق عليه مايكل كريستوفر لو، مدير مركز الشرق الأوسط في جامعة يوتا، ممالك المياه المالحة Saltwater Kingdoms، أي مجتمعات يعتمد بقاؤها على تحويل مياه البحر إلى مياه صالحة للشرب. ويجادل لو أن الحياة في الخليج ترتكز على “السحر الأسود” المتمثل في تحويل النفط وعائداته إلى مياه. كما يضيف لو أن هذا الارتباط والاعتماد المتبادل بين الطاقة والمياه يعتبر أحد نقاط الضعف؛ أي أن ضرب مصادر الطاقة له تأثير مباشر على عملية تحلية المياه؛ ولذلك بدأت بعض الدول مثل السعودية والإمارات في الاتجاه نحو تشغيل محطات التحلية عن طريق الطاقة المتجددة أو الطاقة النووية.[13]
ثانيًا: الأزمة المائية والبنية التحتية للمياه في إيران
تُصنف إيران بين أكثر دول العالم معاناة من الإجهاد المائي، حيث يعيش معظم سكانها البالغ عددهم نحو 93 مليون نسمة في ظل أزمة مائية شديدة. وتُظهر بيانات WRI’s Aqueduct Data أن درجة الإجهاد المائي في إيران، والتي تقيس نسبة إجمالي الطلب على المياه إلى الإمدادات المتجددة المتاحة، تقع ضمن فئة “مرتفع للغاية”. ويعود ذلك إلى أن البلاد تستخدم أكثر من 80% من مواردها المائية المتجددة في السنوات العادية، كما تزيد النسبة في السنوات الأكثر جفافًا من المعتاد.[14]
ويرجع هذا الإجهاد المائي الشديد في إيران إلى سببين؛ أولاً، المناخ الجاف بطبيعته مع إمدادات مائية محدودة، وثانياً، سنوات من سوء إدارة المياه، حيث تبنت إيران سياسة الاكتفاء الذاتي الغذائي التي أدت إلى زيادة هائلة في استهلاك المياه لأعمال الري، والذي يمثل اليوم نحو 90% من استهلاك المياه في البلاد، إذ يتم الاعتماد على الري بالغمر الذي يهدر المياه في أراضٍ قاحلة من أجل زرع محاصيل شرهة للمياه مثل القمح والأرز وبنجر السكر، على الرغم من أن القطاع الزراعي لا يشكل أكثر من 12% من الناتج المحلي الإجمالي. ويعتبر البعض أن سيطرة شركات تابعة للحرس الثوري على أعمال البنية التحتية للمياه أحد أسباب سوء إدارة الموارد المائية فيما يطلق عليه البعض “مافيا المياه”.[15]
كذلك تخلت إيران عن ممارسات إدارة المياه التقليدية، ولا سيما نظام القنوات المائية، وهي شبكة من القنوات الجوفية تعمل بالجاذبية وتعتمد على استغلال المياه الجوفية بشكل مستدام، وذلك لصالح زيادة حفر الآبار العميقة التي تعمل بالديزل، والتي أدت إلى تفاقم أزمة المناخ. وإضافة إلى ذلك، أدى التوسع في بناء السدود إلى زيادة التبخر، مما قلل من إمدادات المياه العذبة. ويتزامن مع كل ذلك مرور إيران بأشد موجة جفاف متعددة السنوات موثقة منذ عام 2020. وبعد خمس سنوات من هذه الموجة، أفادت بعض وسائل الإعلام الإيرانية أن الخزانات التي تزوّد طهران بالمياه أصبحت دون 10% من طاقتها التخزينية.[16]
كما تستخرج إيران مياه جوفية أكثر من أي دولة أخرى في الشرق الأوسط، وتصنف ضمن أكبر خمسة دول اعتمادًا على المياه الجوفية على مستوى العالم؛ ولذلك أصبحت أكثر من نصف أحواض المياه الجوفية تعاني من التدهور الكمي وارتفاع درجة ملوحة المياه كنتيجة مباشرة لتسرب المياه المالحة إلى المياه الجوفية. وفي طهران ومحيطها، تهبط الأرض مع انهيار طبقات المياه الجوفية كنتيجة للسحب الجائر، ما يهدد الطرق وخطوط الأنابيب والمباني، بينما تقترب العاصمة من “اليوم الصفري” لأحواضها الجوفية. وتشير بعض التقديرات إلى أن أجزاء من المدينة تعاني هبوطاً أرضيًا يصل إلى نحو 10 بوصات سنويًا.[17]
وقد انعكست ندرة المياه على سبل العيش، فضلًا عن التأثيرات السلبية على القطاع الزراعي والأمن الغذائي. كما أدت أزمة المياه إلى إشعال احتجاجات في محافظات مثل خوزستان ومدن مثل أصفهان، وهو ما يعكس أهمية الأمن المائي كونه أحد الركائز الأساسية للأمن القومي وتماسك الجبهة الداخلية. وقد استثمرت إيران، كغيرها من دول المنطقة، في البنية التحتية لتحلية ونقل المياه من الخليج إلى مناطق في وسط البلاد، ولكن مع الزيادة المطردة في مستوى الطلب تبقى الأزمة المائية أحد أهم التحديات الداخلية التي يمكن أن تتفاقم إذا ما أصبحت البنية التحتية للمياه هدفاً للهجمات الأمريكية – الإسرائيلية. وتجدر الإشارة إلى أن إيران تعتمد على تحلية المياه في تلبية جزء من احتياجاتها من المياه، بينما تعتمد عليها دول الخليج العربية بشكل رئيسي.
وقد صرح وزير الطاقة الإيراني عباس علي آبادي في مارس 2026، أن بلاده تقترب منذ فترة من مرحلة “شح مائي مطلق”. وأوضح أن قلة الأمطار، و”تسرب المياه الناتج عن تقادم البنية التحتية المائية في العاصمة”، إضافة إلى حرب الـ 12 يوم التي اندلعت العام الماضي مع إسرائيل، فضلاً عن الضربات والهجمات السيبرانية الحالية، كلها عوامل ساهمت في تفاقم الأزمة.[18] كما تتقاطع أزمة المياه في إيران مع توترات إقليمية قائمة، إذ تخوض طهران نزاعات ممتدة مع أفغانستان حول مياه نهر هلمند، ومع تركيا بشأن السدود على نهر أراس، ومع العراق حول الممرات المائية المشتركة.
وكانت إيران تسابق الزمن لتوسيع تحلية المياه على طول ساحلها الجنوبي وضخ جزء من تلك المياه إلى الداخل، قبل الحرب التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل عليها، ولكن القيود على البنية التحتية، وتكاليف الطاقة، والعقوبات الدولية حدَّت بشدة من قابلية التوسع. ومن المتوقع أن تكون لهذه الحرب عدة انعكاسات سلبية على الأمن المائي الإيراني، حتى وإن لم تُستهدف البنية التحتية للمياه، فبعض الخبراء يشير إلى أن الغارات الجوية على مستودعات النفط المحيطة بطهران أسفرت عن دخان كثيف وأمطار حمضية؛ مما قد يؤدي إلى تلوث التربة وأجزاء من إمدادات المياه في المدينة.
ثالثًا: المياه على رأس أهداف الحرب
حاولت الولايات المتحدة وإسرائيل في بداية الحرب القضاء على القدرة الصاروخية لإيران، ولكن تشير المعطيات الحالية من استمرار إطلاق إيران للصواريخ إلى عدم تحقيق هذا الهدف؛ ولذلك تم الانتقال إلى استهداف البنية التحتية والمنشآت المدنية من أجل إضعاف النظام وإجباره على تقديم تنازلات أو إسقاطه. ويظهر من خلال الخطاب الأمريكي والإسرائيلي التركيز على قضية الأزمة المائية واستغلالها كورقة ضد إيران.
في هذا الإطار، هدد ترامب بأنه “إذا لم يُفتَح مضيق هرمز فورًا، فسيتم تدمير كل محطات توليد الكهرباء، وآبار النفط، وجزيرة خرج ’وربما جميع محطات التحلية‘، وهي منشآت لم ’نمسّها‘ عمدًا حتى الآن”. وفي 2025، في محاولة لتأليب الشعب الإيراني على النظام، قال نتنياهو إن “إسرائيل هي الأولى عالميا في إعادة تدوير المياه. بمجرد تحرير إيران، سيأتي الخبراء والتكنولوجيا لإعادة تدوير المياه من إسرائيل إلى إيران”، وأضاف قائلًا “في هذا الصيف الحار لا يوجد حتى مياه نظيفة وباردة لأطفالكم. هذه هي قمة النفاق وعدم الاحترام لشعب إيران، أنتم لا تستحقون هذا الوضع”.[19]
وسواء كانت الولايات المتحدة أو إسرائيل هي التي قامت باستهداف محطة التحلية في جزيرة قشم ومستودعات لوزارة الزراعة مخصصة للمياه المعدنية في مهران غربي إيران، فالمرجح أن أي استهداف يتم بتنسيق بين الطرفين. ويعني ذلك أن الولايات المتحدة وإسرائيل تسعيان إلى استغلال الأزمة المائية التي تمر بها إيران؛ ولذلك تعتبر محطات التحلية والبنية التحتية للمياه على رأس بنك أهدافهم الذي سيتم ضربها مع كل تصعيد في الحرب أو تجدد للصراع. وبالرغم من أن إيران لا تعتمد بشكل رئيسي على محطات التحلية، إلا أنها تعتبر ذات قيمة اقتصادية كبيرة، خصوصًا في ظل العقوبات الاقتصادية المفروضة عليها، كما أن المناطق الساحلية من البلاد تعتمد عليها بشكل أكبر من المناطق الوسطى، وهذه المناطق هي التي تسعى الولايات المتحدة إلى إضعاف القدرات الإيرانية فيها حتى تمنعها من السيطرة على مضيق هرمز والخليج ككل، هذا فضلًا عن زيادة الضغط الشعبي على النظام.
على الجانب الآخر من الخليج، تعتمد دول مجلس التعاون بشكل رئيسي على محطات تحلية المياه. ومن المتوقع أن تقوم إيران باستهدافها كلما أقدمت الولايات المتحدة أو إسرائيل على استهداف محطاتها في إطار التصعيد المحسوب الذي تتبعه إيران من خلال اختيار أهداف مماثلة لتلك التي تُستهدف على أراضيها. ولا يستبعد أن تستهدف إيران محطات التحلية الإسرائيلية، إذ تعتمد إسرائيل بشكل كبير عليها لتلبية الطلب على المياه.
وحتى اللحظة قامت إيران باستهداف محطة تحلية في البحرين وأخرى في الكويت. كما أن استهداف السفن في الخليج والموانئ يمكن أن ينعكس بصورة مباشرة على الأمن المائي للخليج؛ فتلك المحطات لا يمكن أن تقوم بتحلية المياه الملوثة بالنفط. على سبيل المثال، استهدفت إيران سفينة نفط كويتية في ميناء دبي في دولة الإمارات، ما أدى إلى أضرار مادية في بدن السفينة واندلاع حريق على متنها، مع وجود احتمالية لحدوث تسرب نفطي في المياه المحيطة. [20]وتعتبر محطات التحلية وشبكة التوزيع أهداف ذات قيمة مرتفعة وفي نفس الوقت سهلة الاستهداف بسبب موقعها الجغرافي المنتشر على طول ساحل الخليج، بالإضافة إلى قربها من الموانئ ومراكز الخدمات اللوجستية، وكذلك محطات الطاقة. ولذلك يمكن أن يؤدي استهداف أيٍ من الأصول السابقة إلى التأثير بشكل مباشر على محطات التحلية، هذا فضلاً عن أنه إذا أقدمت الولايات المتحدة وإسرائيل على ضرب مفاعل بوشهر؛ فقد يؤدي ذلك إلى تلوث مياه الخليج التي تعتمد عليها دول المنطقة بما فيها إيران ودول الخليج.[21]
ويمكن أن نُجمل التكتيكات التي يمكن أن تتبعها إيران في استهداف البنية التحتية للمياه في الخليج في الآتي: أولًا، الاستهداف عن طريق الصواريخ والمسيرات قد يكون مباشر أو غير مباشر، فيمكن أن يتم تعطيل إنتاج المياه من هذه المنشآت ليس فقط بسبب الهجمات على وحدات معالجة المياه، ولكن أيضًا عن طريق استهداف محطات الطاقة وشبكة الكهرباء التي تغذيها، فضلًا عن استهداف شبكة توزيع المياه.
ثانيًا، قد تسعى إيران إلى تلويث المياه المالحة في الخليج كما حدث في عام 1991، خلال حرب الخليج الأولى، حيث دمرت القوات العراقية عمدًا معظم قدرة الكويت على التحلية وألقت براميل من النفط في شمال الخليج، مما عرّض مداخل المياه لمحطات التحلية في الكويت والسعودية للخطر. كما أن تقنيات التناضح العكسي لمياه البحر SWRO التي تهيمن على محطات التحلية اليوم، قد تكون أكثر عرضة بشكل ملحوظ لانسداد المداخل وتلوثها مقارنة بالعمليات الحرارية الشائعة في تسعينيات القرن الماضي.
ثالثًا، قد تواجه محطات التحلية في دول مجلس التعاون الخليجي تهديدات سيبرانية إيرانية، إذ سبق أن استهدفت إيران بنشاط بنية تحتية لقطاع المياه، ومرافق، وأنظمة طاقة في الولايات المتحدة وإسرائيل. وقد أظهرت إيران قدرة على القيام بهجمات سيبرانية على إسرائيل خلال هذه الحرب حسبما ذكرت مديرية الأمن السيبراني الإسرائيلية. وقد تقوم إيران بالمزج بين هذه التكتيكات الثلاث إذا ما احتاجت لذلك.[22]
ختامًا، سلطت الحرب على إيران الضوء على الأمن المائي في منطقة الخليج، حيث برز كأحد أهم القضايا التي لم تحظَ باهتمام كافٍ مقارنةً بخشية دول العالم من انخفاض إمدادات النفط والغاز، ولكن تعي إيران ودول الخليج هذه الأهمية؛ فالنفط ضروري، لكن المياه لا بديل لها. وفي ظل عدم اليقين الذي يسود المشهد التفاوضي، تبقى احتمالية استهداف البنية التحتية للمياه في إيران أو في دول الخليج وإسرائيل أحد الاحتمالات المرجحة إذا أقدمت الولايات المتحدة على التصعيد. ومع دخول الحرب إلى هذا المسار الاستنزافي، فمن المتوقع أن يسعى كل طرف لرفع التكلفة على الجانب الآخر حتى يجبره على تقديم تنازلات.
وتبقى تبعات الضربات الأمريكية – الإسرائيلية على البنية التحتية الإيرانية غير متوقعة، خاصةً إذا شعر النظام في إيران بتهديد وجودي؛ ولذلك الرد الإيراني باستهداف محطات التحلية في دول مجلس التعاون الخليجي سيعتمد على عدة محددات، أبرزها طبيعة الأهداف التي ستستهدفها الولايات المتحدة وإسرائيل في الأيام المقبلة، فضلًا عن حجم القدرات الإيرانية المتبقية، والمسار الذي تريد أن تسلكه لإنهاء الحرب.
وبينما تستطيع إيران، رغم أزمتها المائية المتفاقمة، الاعتماد على مصادرها المحدودة التي تشمل المياه الجوفية والأنهار، فإن دولاً مثل الكويت وقطر والبحرين تفتقر إلى أي بديل حقيقي للمياه المحلاة؛ ولذلك فإن تدمير عدد محدود من المحطات الرئيسية قد يعني حرمان ملايين الأشخاص من مياه الشرب، وهو ما يهدد بكارثة إنسانية غير مسبوقة، بالإضافة إلى انهيار الخدمات الأساسية، وموجات من النزوح الجماعي، وتبعات اقتصادية تطال قطاعات حساسة مثل السياحة ومراكز البيانات. وفي ضوء ذلك، ترسل طهران رسالة واضحة مفادها أن أي هجوم على البنية التحتية للمياه سيقابل برد متماثل، وأن الأمن المائي في الخليج مرتبط بشكل وثيق بالأمن المائي الإيراني. وسواء تم التوصل إلى وقف إطلاق نار مؤقت أو دائم، فإن قضية المياه ستظل على رأس أولويات المنطقة.
قائمة المصادر
[1] David Michel, “What Causes Water Conflict?” CSIS, November 8, 2024, https://www.csis.org/analysis/what-causes-water-conflict
[2] أ.د. محمد سالمان طايع، “المياه في العلاقات الدولية،” (كلية الاقتصاد والعلوم السياسية – جامعة القاهرة، 2025).
[3] أ.د. محمد سالمان طايع، “سد النهضة وتأثيره على الأمن المائي المصري: دراسة من منظور الجيوبوليتيكس،” في قضية مياه النيل، (كلية الآداب – جامعة القاهرة، 2014). http://www.feps.edu.eg/arr/staffpages/msalman/curiclum/cv_updated_13dec2022.pdf
[4] “مجلس الوزراء الكويتي يدين استهداف إيران مبنى خدميا بإحدى محطات القوى الكهربائية وتقطير المياه،” وكالة الأنباء القطرية، 31 مارس 2026، Qatar news agency
[5] “Middle East confronts intensifying water crisis as desalination becomes lifeline for region,”
Anadolu Ajansı, March 9, 2026. https://www.aa.com.tr/en/middle-east/middle-east-confronts-intensifying-water-crisis-as-desalination-becomes-lifeline-for-region/3856366?amp=1
[6] Ali, Rabia. “Water under fire: Iran war underscores growing threats to vital infrastructure.” Anadolu Ajansı, March 11, 2026. https://www.aa.com.tr/en/middle-east/water-under-fire-iran-war-underscores-growing-threats-to-vital-infrastructure/3860141.
[7] David Michel, “Could Iran Disrupt the Gulf Countries’ Desalinated Water Supplies?” CSIS, March 19, 2026. https://www.csis.org/analysis/could-iran-disrupt-gulf-countries-desalinated-water-supplies
[8] Ibid
[9] Ibid
[10] Ginger Matchett, “Attacks on desalination plants in the Iran war forecast a dark future,” Atlantic Council, March 18, 2026, https://www.atlanticcouncil.org/dispatches/attacks-on-desalination-plants-in-the-iran-war-forecast-a-dark-future/
[11] محمد أبو هواش، “يجب ألا تتحوّل المياه إلى هدف في حروب المنطقة،” Middle East Council on Global Affairs، 16 مارس 2026، يجب ألا تتحوّل المياه إلى هدف في حروب المنطقة – Middle East Council on Global Affairs
[12] نفس المرجع السابق
[13] Laura Paddison, “There’s a commodity even more vital than oil and gas in the Middle East — and it’s at risk as war heats up,” CNN, March 11, 2026, https://edition.cnn.com/2026/03/11/climate/gulf-iran-war-water-desalination
[14] Sarah Brown, “Iran War Could Worsen Middle East’s Water Woes,” World Resources Institute, March 20, 2026, https://www.wri.org/insights/iran-war-water-crisis-middle-east
[15] Umud Shokri, “Iran’s Desalination Pipeline Is More Stopgap Than Solution,” Stimson, December 11, 2025, https://www.stimson.org/2025/irans-desalination-pipeline-is-more-stopgap-than-solution/
[16] ANNIKA HAMMERSCHLAG, “Trump threatens to destroy Iran’s desalination plants. Here’s what that could mean for the Mideast,” AP, March 31, 2026, https://apnews.com/article/trump-iran-threat-desalination-plants-war-f624bed66bee79f68454d581ae1d624a
[17] Sarah Brown, “Iran War Could Worsen Middle East’s Water Woes,” World Resources Institute, March 20, 2026, https://www.wri.org/insights/iran-war-water-crisis-middle-east
[18] “أمن المياه في الخليج: خاصرة رخوة في الحرب مع إيران،” 15 مارس 2026، http://www.bahrainnewsapp.com/1/Article/2234/252066221
[19] “نتنياهو يوجه رسالة للإيرانيين تتعلق بأزمة المياه،” سكاي نيوز عربية، 13 أغسطس 2025، نتنياهو يوجه رسالة للإيرانيين تتعلق بأزمة المياه | سكاي نيوز عربية
[20] “الكويت تعلن تعرض ناقلة نفط لهجوم إيراني في ميناء دبي،” العربية، 31 مارس 2026، الكويت تعلن تعرض ناقلة نفط لهجوم إيراني في ميناء دبي
[21] “بوشهر.. مفاعل نووي على ساحل الخليج في مرمى حرب إيران،” الشرق الإخبارية، 19 مارس 2026، مفاعل بوشهر النووي.. تاريخه ومخاطر استهدافه على الخليج | الشرق للأخبار
[22] David Michel, “Could Iran Disrupt the Gulf Countries’ Desalinated Water Supplies?” CSIS, March 19, 2026. https://www.csis.org/analysis/could-iran-disrupt-gulf-countries-desalinated-water-supplies
باحث علاقات دولية بمركز ترو للدراسات