تشهد الأزمة الليبية خلال المرحلة الراهنة تحركات سياسية جديدة تعكس تزايد الانخراط الأمريكي في مسار التسوية، وذلك بالتزامن مع استمرار حالة الانقسام السياسي والمؤسساتي بين شرق البلاد وغربها، وتعثر الجهود السابقة الهادفة إلى توحيد المؤسسات وإجراء الانتخابات. وخلال الأسابيع الأخيرة، برزت مؤشرات على تحركات أمريكية تستهدف الدفع نحو تفاهمات سياسية جديدة بين القوى الرئيسية المؤثرة في المشهد الليبي في إطار مساعٍ لإعادة ترتيب التوازنات القائمة وفتح مسار جديد لإدارة الأزمة. وفي ظل هذه التطورات، يثير التحرك الأمريكي الحالي تساؤلات بشأن طبيعته وأهدافه، وما إذا كان يمثل محاولة لدفع تسوية سياسية داخلية أم يعكس توجهًا أوسع لإعادة صياغة ترتيبات السلطة بما يتوافق مع المصالح الاستراتيجية الأمريكية في ليبيا. وبناءً عليه، يسعى هذا التقرير إلى تحليل طبيعة التحرك الأمريكي الأخير في ليبيا، والوقوف على الأهداف الكامنة وراء محاولات إعادة ترتيب المشهد السياسي الداخلي مع استشراف السيناريوهات المحتملة لمستقبل هذه المقاربة الأمريكية وانعكاساتها على مسار الأزمة الليبية خلال المرحلة المقبلة، كالتالي:
أولًا: الاستراتيجية الأمريكية الجديدة في إدارة الأزمة الليبية:
شهد الملف الليبي خلال الفترة الأخيرة تحركًا سياسيًا جديدًا تقوده الولايات المتحدة بالشراكة مع فرنسا، تمثل في اجتماع انعقد في 28 يناير داخل قصر الإليزيه في باريس، وجمع ممثلين عن مراكز القوى الرئيسية في شرق وغرب ليبيا، في خطوة عكست وجود مساعٍ دولية لإعادة تنشيط مسار التسوية السياسية بعد فترة من الجمود التي هيمنت على المشهد الداخلي. ويشير اختيار باريس لاستضافة الاجتماع إلى توجه أمريكي-فرنسي نحو إعادة تنشيط مسار التسوية الليبية عبر آلية تفاوض موازية للمسار الأممي تقوم على إشراك مراكز القوة الفعلية في ليبيا، انطلاقًا من إدراك أن التوافق بينها قد يكون أكثر قدرة على كسر حالة الجمود من الاقتصار على الأطر المؤسسية التقليدية. ولم يقتصر هذا التوجه على اختيار مكان الاجتماع، وإنما امتد إلى طبيعة المشاركين فيه، اذ ضم الاجتماع وفدًا من شرق ليبيا برئاسة صدام خليفة حفتر نجل القائد العسكري خليفة حفتر إلى جانب وفد ممثل لحكومة الوحدة الوطنية برئاسة إبراهيم الدبيبة مستشار الحكومة وابن عم رئيس الوزراء عبد الحميد الدبيبة بما يعكس محاولة فتح قنوات اتصال مباشرة بين الفاعلين المرتبطين بمركزي السلطة الأكثر تأثيرًا في معادلة الانقسام السياسي الليبي.[1]
وفي السياق ذاته، تشير المعطيات المرتبطة باللقاء إلى أن النقاشات انصبت بصورة أساسية على إعادة إطلاق العملية السياسية، وبحث آليات توحيد المؤسسات الليبية المنقسمة فضلًا عن دراسة احتمالات تشكيل حكومة وطنية واحدة، وهو ما يعكس توجهًا دوليًا نحو إعادة صياغة التوازنات الداخلية الليبية عبر تفاهمات جديدة بين الفاعلين المحليين بدلًا من الاكتفاء بإدارة حالة الجمود القائمة منذ سنوات بما يضمن إنتاج معادلة سياسية جديدة أكثر توافقًا مع الحسابات الدولية المرتبطة بالاستقرار الإقليمي وإدارة النفوذ داخل الساحة الليبية.[2] ولا يقتصر هذا التحرك على محاولة إعادة تنشيط العملية السياسية الليبية وإنما يعكس أيضًا تحولًا في أولويات السياسة الأمريكية تجاه ليبيا في ظل إدراك متزايد لأهمية البلاد في معادلات الطاقة والأمن الإقليمي والتنافس الدولي في شمال إفريقيا.
وفي 27 يونيو 2026، برزت ملامح انخراط أمريكي أكثر مباشرة في إدارة مسار التسوية السياسية الليبية من خلال مبادرة تقودها إدارة الرئيس الأمريكي” دونالد ترامب” ويشرف عليها “مسعد بولس” _مستشار الرئيس الأمريكي لشؤون العالم العربي والشرق الأوسط وإفريقيا_ بهدف الدفع نحو إنهاء حالة الانقسام السياسي وإعادة توحيد مؤسسات الدولة الليبية ضمن سلطة مركزية واحدة. وتعكس طبيعة المبادرة انتقال واشنطن من موقع الدعم الخارجي التقليدي إلى موقع الفاعل المنخرط بصورة مباشرة في صياغة ترتيبات المرحلة السياسية المقبلة، مع طرح العاصمة الأمريكية واشنطن كمقر محتمل لتوقيع الاتفاق النهائي حال توصل الأطراف الليبية إلى توافق شامل حول الصيغة المطروحة. كما أن هذا المسار التفاوضي لم يبدأ بصورة آنية، وإنما يمتد إلى أكثر من عام حيث شهدت العاصمة الإيطالية “روما” خلال سبتمبر من العام الماضي أول اجتماع جمع ممثلين عن الأطراف الليبية المتنافسة في إطار عملية تفاوضية ممتدة استهدفت بناء تفاهمات تدريجية بين القوى الرئيسية المنقسمة بين الشرق والغرب. كما تكشف المؤشرات الحالية أن عددًا من التفاهمات التي جرى التوصل إليها خلال تلك الاجتماعات بدأ يتحول بالفعل إلى إجراءات تنفيذية على مستوى مؤسسات الدولة.[3]
وتتمثل أبرز هذه الخطوات في:
- اعتماد أول موازنة وطنية موحدة في ليبيا منذ ثلاثة عشر عامًا.[4]
- تنفيذ تدريبات عسكرية مشتركة في مدينة “سرت” تحت إشراف القيادة العسكرية الأمريكية في إفريقيا (أفريكوم).[5]
- تأسيس غرفة عمليات أمنية مشتركة تجمع الأطراف العسكرية والأمنية في شرق وغرب البلاد بالتنسيق مع القيادة الأمريكية في إفريقيا وعدد من القوى الدولية المنخرطة في الملف الليبي، وفي مقدمتها إيطاليا وتركيا ويعكس ذلك أن المقاربة الأمريكية الحالية تتجاوز مجرد الدفع نحو تسوية سياسية لتشمل إعادة هيكلة المؤسسات العسكرية والأمنية باعتبارها أحد أكثر عناصر الانقسام تأثيرًا في بنية الدولة الليبية.[6]
وعلى الصعيد السياسي، ترتكز المبادرة الأمريكية على طرح يقوم على تجاوز حالة الانقسام المؤسسي دون الاتجاه نحو إعادة إنتاج صيغ تقاسم السلطة التقليدية أو فرض ترتيبات خارجية مباشرة مع الإبقاء على القرار المتعلق بشكل السلطة التنفيذية المقبلة سواء على مستوى رئاسة الحكومة أو المجلس الرئاسي باعتباره قرارًا سياديًا يفترض أن يُحسم من قبل الفاعلين الليبيين أنفسهم. ويعكس هذا التوجه محاولة أمريكية لتقديم المبادرة باعتبارها إطارًا داعمًا لحوار داخلي مع تجنب الظهور بمظهر الطرف الذي يفرض هندسة سياسية جاهزة على المشهد الداخلي. وتسير هذه المبادرة بالتوازي مع المسار الذي تقوده بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا برئاسة “هانا تيتيه” إلا أن طبيعة التحرك الأمريكي تشير إلى توزيع غير معلن للأدوار بين المسارين: إذ يركز المسار الأمريكي على معالجة القضايا العاجلة والمرحلتين القصيرة والمتوسطة المدى، بينما يظل المسار الأممي معنيًا بالمسائل البنيوية طويلة الأجل المرتبطة بإعادة بناء النظام السياسي الليبي بصورة شاملة.[7]
كما تعكس الاتصالات السياسية المكثفة الجارية بين واشنطن وعدد من الفاعلين التنفيذيين الليبيين وجود شبكة تفاهمات مباشرة يجري بناؤها لضمان تمرير المبادرة داخل مؤسسات السلطة القائمة خاصة في ظل التواصل المستمر مع رئيس حكومة الوحدة الوطنية “عبد الحميد الدبيبة” إلى جانب الدور المتزايد “لعبد السلام الزوبي” _ وكيل وزارة الدفاع في حكومة الوحدة الوطنية_ في إدارة الترتيبات الأمنية والعسكرية المرتبطة بالمرحلة الحالية والمراحل اللاحقة.
وفي هذا الصدد، تحاول الولايات المتحدة الحفاظ على قدر من التوازن في علاقتها مع المؤسسات السياسية التقليدية، وعلى رأسها مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة بما يحد من المخاوف المرتبطة بإعادة تشكيل السلطة خارج المؤسسات القائمة. غير أن تأييد 109 أعضاء من أصل 167 داخل مجلس النواب للمسار الأمريكي يعكس وجود قاعدة دعم داخلية متنامية ترى في المبادرة الأمريكية إطارًا أكثر قدرة على تحريك حالة الجمود السياسي الممتدة منذ سنوات.
ولا يمكن فهم الانخراط الأمريكي المتزايد في الملف الليبي بمعزل عن مجموعة من الدوافع الاقتصادية والأمنية والجيوسياسية المتداخلة التي تجاوزت الهدف المعلن المتمثل في دفع مسار التسوية السياسية لتعكس سعي واشنطن إلى تعزيز دورها في ليبيا باعتبارها إحدى الساحات المؤثرة في توازنات شرق المتوسط وشمال إفريقيا. ويمكن تفسير هذا التحرك في ضوء الأبعاد التالية:
- الأبعاد الاقتصادية: ارتبط هذا التحرك بتزايد أهمية النفط الليبي في الحسابات الأمريكية مع تصاعد التوترات الإقليمية الناتجة عن الحرب الأمريكية–الإسرائيلية ضد إيران، وما ترتب عليها من اضطراب في تدفقات الطاقة العالمية وارتفاع أسعار النفط، الأمر الذي أعاد ليبيا إلى دائرة الاهتمام الأمريكي باعتبارها صاحبة أكبر احتياطي نفطي مؤكد في القارة الإفريقية. كما عززت هذه الأهمية الزيادة الملحوظة في عائدات المؤسسة الوطنية للنفط الليبية التي وصلت إلى نحو 2.9 مليار دولار خلال أبريل الماضي إلى جانب دخول شركتي “شيفرون” و”كونوكو فيليبس” إلى السوق الليبية، في ظل تقديرات أمريكية تراهن على رفع الإنتاج النفطي الليبي من مستواه الحالي البالغ نحو 1.2 مليون برميل يوميًا إلى قرابة 3 ملايين برميل يوميًا بحلول نهاية العقد الجاري بما يعزز أمن إمدادات الطاقة للأسواق العالمية ويحد من تقلباتها. [8]
- الأبعاد الجيوسياسية:
- النفوذ الروسي: يُعد احتواء النفوذ الروسي أحد أبرز دوافع الانخراط الأمريكي المتزايد في ليبيا. ويرتبط هذا التحرك بالمكانة التي تحتلها ليبيا في الاستراتيجية الروسية تجاه إفريقيا حيث تمثل نقطة مهمة تربط البحر المتوسط بمنطقة الساحل بما يتيح لموسكو تعزيز حضورها العسكري واللوجستي وتوسيع نفوذها في شمال إفريقيا. لذلك، تسعى الولايات المتحدة إلى الحد من هذا النفوذ ومنع ترسيخه داخل ليبيا باعتبار ذلك جزءًا من جهودها للحفاظ على توازنات القوى في شمال إفريقيا والبحر المتوسط.[9]
- أمن البحر المتوسط وأوروبا: يرتبط الانخراط الأمريكي في ليبيا أيضًا باعتبارات أمنية تتجاوز الحدود الليبية في ظل تزايد ارتباط استقرار البلاد بأمن البحر المتوسط والاتحاد الأوروبي. ومن هذا المنطلق، تعتبر الولايات المتحدة أن دعم بناء مؤسسات الدولة الليبية وتحقيق قدر أكبر من الاستقرار السياسي والأمني يمثلان مدخلًا للحد من تدفقات الهجرة غير النظامية، ومكافحة شبكات الجريمة المنظمة والاتجار بالسلاح، وهي تحديات تنعكس بصورة مباشرة على أمن الحلفاء الأوروبيين. كما يسهم استقرار ليبيا في تعزيز الأمن على الضفة الجنوبية للبحر المتوسط، والحد من التهديدات العابرة للحدود بما يدعم الاستقرار الإقليمي ويعزز المصالح الأمنية المشتركة للولايات المتحدة وشركائها الأوروبيين.[10]
- ربط ليبيا باستراتيجية الساحل والقرن الإفريقي: تنطلق الولايات المتحدة من إدراك أن تداعيات استمرار هشاشة الدولة الليبية لا تقتصر على الداخل الليبي بل تمتد إلى دول الجوار عبر تدفقات السلاح، وانتقال الجماعات المسلحة، وتنامي شبكات التهريب والهجرة غير النظامية، بما يهدد الاستقرار الإقليمي ويزيد من تعقيد جهود مكافحة الإرهاب. وفي هذا السياق، تنظر واشنطن إلى استقرار ليبيا باعتباره عنصرًا داعمًا لاستراتيجيتها في احتواء التحديات الأمنية في منطقة الساحل خاصة في ظل تصاعد نشاط الجماعات المتطرفة وتزايد التنافس الدولي على النفوذ داخل القارة الإفريقية. ومن ثم، فإن إعادة الانخراط الأمريكي في ليبيا لا تستهدف فقط تسوية الأزمة الليبية بل تمثل أيضًا جزءًا من رؤية استراتيجية أوسع لتعزيز الاستقرار الإقليمي والحد من اتساع نفوذ القوى المنافسة في القارة الإفريقية.
وبالتالي، يمثل التحرك الأمريكي في ليبيا تطورًا مهمًا بالنسبة لمصر في ظل ارتباط استقرار ليبيا بالأمن القومي المصري. فمن شأن أي تقدم في مسار التسوية السياسية وتوحيد مؤسسات الدولة الليبية أن يسهم في تعزيز أمن الحدود الغربية، والحد من مخاطر الإرهاب والاتجار بالسلاح والجريمة المنظمة والهجرة غير النظامية. كما يتوافق هذا التحرك مع الموقف المصري الداعي إلى الحفاظ على وحدة الدولة الليبية ومؤسساتها، ودعم مسار سياسي يقود إلى إجراء انتخابات وتوحيد المؤسسات بما يعزز استقرار ليبيا ويحد من التدخلات الخارجية. وفي هذا الإطار، يتيح التحرك الأمريكي فرصة لتنسيق الجهود بين القاهرة وواشنطن لدعم استقرار ليبيا مع استمرار تمسك مصر بثوابتها القائمة على احترام سيادة الدولة الليبية ووحدة أراضيها.
ثانيًا: سيناريوهات مستقبل التحرك الأمريكي في ليبيا:
تفتح التحركات الأمريكية الأخيرة في ليبيا الباب أمام عدد من السيناريوهات المحتملة بشأن مستقبل الأزمة خاصة في ظل تعقيد المشهد الداخلي الليبي وتشابك المصالح الإقليمية والدولية بما يجعل مآلات هذه المقاربة الأمريكية مرهونة بقدرة الأطراف المختلفة على التوافق أو الاستمرار في حالة الصراع القائمة. وجاءت هذه السيناريوهات كالآتي:
السيناريو الأول: نجاح الصفقة وتشكيل سلطة سياسية جديدة
يقوم هذا السيناريو على فرضية نجاح الولايات المتحدة في الدفع نحو تسوية سياسية جديدة تُفضي إلى تشكيل سلطة تنفيذية موحدة تضم الفاعلين الرئيسيين في شرق وغرب ليبيا، وذلك في ضوء التحركات الأمريكية الأخيرة التي عكست انخراطًا مباشرًا في إعادة ترتيب المشهد السياسي الليبي. ويعزز هذا السيناريو وجود مؤشرات على قبول نسبي من معسكر الشرق الليبي خاصة مع تصاعد الدور السياسي لصدام حفتر ضمن الترتيبات المطروحة، إلى جانب إدراك واشنطن أن توحيد السلطة السياسية يمثل مدخلًا ضروريًا لحماية مصالحها الاقتصادية لا سيما في قطاع الطاقة. ومع ذلك، فإن تحقق هذا السيناريو لا يعني بالضرورة إنهاء الأزمة الليبية بصورة كاملة، إذ قد يؤدي إلى إنتاج حالة من الاستقرار السياسي المؤقت القائم على تقاسم النفوذ بين القوى المسيطرة أكثر من كونه تسوية وطنية شاملة تعالج جذور الأزمة الممتدة منذ سنوات.
السيناريو الثاني: فشل التفاهمات واستمرار حالة الانقسام السياسي
يفترض هذا السيناريو تعثر الجهود الأمريكية نتيجة غياب توافق داخلي حقيقي بين الأطراف الليبية المختلفة بما يؤدي إلى استمرار حالة الانقسام السياسي والمؤسساتي القائمة. وتزداد احتمالات هذا المسار في ظل بروز اعتراضات متزايدة داخل معسكر غرب ليبيا خاصة من بعض القوى السياسية والعسكرية في طرابلس التي أبدت تحفظات واضحة تجاه فكرة إدماج صدام حفتر في أي سلطة تنفيذية جديدة باعتبار أن ذلك قد يمنح معسكر الشرق نفوذًا أكبر داخل مؤسسات الدولة. كما أن طبيعة الأزمة الليبية ذاتها التي تتسم بتعدد مراكز القوة وتضارب مصالح الفاعلين المحليين تجعل من الصعب تمرير أي ترتيبات سياسية لا تحظى بقبول أوسع.
السيناريو الثالث: تحول ليبيا إلى ساحة تنافس دولي أوسع
يرتبط هذا السيناريو بإمكانية أن يؤدي التحرك الأمريكي الحالي إلى إثارة ردود فعل مضادة من قوى دولية وإقليمية أخرى تمتلك مصالح استراتيجية داخل ليبيا بما يعيد إنتاج حالة التنافس الخارجي حول إدارة الأزمة الليبية. فالمقاربة الأمريكية الجديدة لا تبدو مقتصرة على دعم مسار سياسي داخلي، وإنما تعكس أيضًا سعيًا لإعادة تثبيت النفوذ الأمريكي في منطقة شمال إفريقيا خاصة في ظل الأهمية المتزايدة للملف الليبي على مستوى الطاقة والأمن الإقليمي. وفي المقابل، قد تنظر روسيا إلى هذه التحركات باعتبارها محاولة لتقليص نفوذها المتراكم داخل الشرق الليبي بما قد يدفعها إلى تبني تحركات موازية للحفاظ على مصالحها. كما أن تشابك مصالح قوى إقليمية مثل مصر وتركيا يجعل مستقبل التسوية الليبية مرتبطًا ليس فقط بقدرة الأطراف المحلية على التوافق وإنما أيضًا بطبيعة التوازنات الدولية المحيطة بالأزمة، الأمر الذي قد يدفع ليبيا مجددًا إلى التحول لساحة تنافس جيوسياسي ممتد بدلًا من الانتقال نحو استقرار سياسي مستدام.
وفي ضوء المعطيات الراهنة، يبدو أن السيناريو الأول ” نجاح التفاهمات السياسية وتشكيل سلطة تنفيذية جديدة” هو الأكثر ترجيحًا استنادًا إلى توافر إرادة دولية واضحة لدفع هذا المسار، ووجود تقاطع نسبي في مصالح عدد من الفاعلين الليبيين الرئيسيين لإنهاء حالة الجمود السياسي. غير أن هذا النجاح إن تحقق سيظل نجاحًا نسبيًا لا نهائيًا، إذ ستبقى استدامته مرهونة بمدى قدرة الأطراف الليبية على ترجمة التفاهمات السياسية إلى توافقات مؤسسية فضلًا عن قدرة الولايات المتحدة على احتواء التنافس الإقليمي والدولي المحيط بالملف الليبي.
وفي الختام، تشير التحركات الأمريكية الأخيرة إلى أن واشنطن لم تعد تقتصر على دعم جهود التسوية السياسية بل تسعى إلى إعادة تنشيط العملية السياسية من خلال الدفع نحو ترتيبات مؤسسية أكثر استقرارًا بما يسهم في توحيد مؤسسات الدولة وتهيئة الظروف لإجراء الانتخابات. وفي الوقت نفسه، يرتبط هذا التحرك باعتبارات استراتيجية أوسع تشمل احتواء النفوذ الروسي، وتعزيز الاستقرار في شمال إفريقيا ومنطقة الساحل، وحماية المصالح الأمريكية وحلفائها في البحر المتوسط. ومع ذلك، تظل فرص نجاح هذه المقاربة مرهونة بقدرة الولايات المتحدة على تحقيق توافق بين الأطراف الليبية، والتوفيق بين مصالح الفاعلين المحليين والإقليميين والدوليين بما يضمن تحويل التفاهمات السياسية إلى تسوية مستدامة تنهي حالة الانقسام المؤسسي في ليبيا.
المراجع:
[1] Financial times: trump advisor promotes power- sharing plan in Libya, Libya update, 17 june 2026, available on:
Financial Times: Trump Adviser Promotes Power-Sharing Plan in Libya
[2] Ibid, 17 june 2026, available on:
Financial Times: Trump Adviser Promotes Power-Sharing Plan in Libya
[3] Abdulkaderassad, Boulos: Washington to host signing of Libyan agreement if intiative succeeds, The Libya beserver, 27 june 2026, available on:
Boulos: Washington to host signing of Libyan agreement if initiative succeeds | The Libya Observer
[4] Governor of the central bank of Libya announce adoption of the first unified budget in more than 13 years old, Central bank of Libya, 11 april 2026, available on:
[5] US, Africa command public affairs ,Libya, Italy, and US announce flintlock 2026 exercise in Libya, US Embassy Libya, 13 april 2026, available on:
The United States, Libya, and Italy Announce Flintlock 2026 Exercise in Libya – U.S. Embassy Libya
[6] Libyan express, Libya part in Africom flintlock 2026, 2 april 2026, available on:
Libya takes part in Africom Flintlock 2026
[7] Remarks of the special representative of the secretary-general for Libya, hanna s.tetteh, to the security council on the situation in Libya, United nations, 18 february 2026, available on:
[8] ‘A big pact’: How the us plans to unite Libya through two ruling families, Middle east eye, 3 june 2026, available on:
‘A big pact’: How the US plans to unite Libya through two ruling families | Middle East Eye
[9] Russia’s Security Operations in Africa, Congressional research service, 8 April 2026, available on:
Russia’s Security Operations in Africa
[10] Joint statement on the situation, U.S. department of state, 26 nov 2026, available on:
Joint Statement on the Situation in Libya – United States Department of State
باحث مساعد في النظم السياسية بمركز ترو للدراسات