Cairo

اذا انتصرت روسيا؟.

قائمة المحتويات

باحث في العلاقات الدولية بمركز ترو للدراسات والتدريب

يستعرض كتاب  ” إذا انتصرت روسيا: سيناريو” الصادر عن” C.H. Beck” و هي دار نشر ألمانية علمية وسياسية كبرى، ألمانيا أبريل 2025. للكاتب الألماني Carlo Masala عملًا تحليليًا يجمع بين السرد التخييلي والتحليل الاستراتيجي، حيث يطرح سيناريو افتراضيًا يتمثل في احتمال انتصار روسيا في حربها ضد أوكرانيا وما قد يترتب على ذلك من تحولات عميقة في النظام الدولي وأمن أوروبا. وينطلق الكتاب من فرضية أن الحرب تنتهي بتسوية سياسية تُجبر أوكرانيا على تقديم تنازلات إقليمية، وهو ما يؤدي إلى إعادة تشكيل ميزان القوى الأوروبي بشكل تدريجي، ثم ينتقل إلى استشراف ما بعد الحرب، حيث يعرض كيف يمكن أن تستعيد روسيا قدراتها العسكرية وتعيد بناء جيشها، في مقابل احتمال تراجع الانسجام داخل الدول الغربية وحلف شمال الأطلسي (الناتو). ويبرز من خلال هذا الإطار كيف يمكن لهذا الاختلال أن يخلق فجوة استراتيجية جديدة تسمح لروسيا باختبار حدود الردع الغربي مجددًا عبر ضغوط سياسية أو تحركات عسكرية محدودة، خاصة في مناطق حساسة مثل دول البلطيق، كما يسلط الضوء على مدى صلابة التزامات الناتو، ولا سيما المادة الخامسة المتعلقة بالدفاع المشترك.

يُعدّ الكاتب الألماني “Carlo Masala ” من أبرز خبراء السياسة الدولية والأمن في ألمانيا، وهو أستاذ في جامعة القوات المسلحة الألمانية في ميونخ ومتخصص في الدراسات الاستراتيجية وحلف الناتو. وتركّز أبحاثه على قضايا الأمن الأوروبي والعلاقات بين روسيا والغرب، وله حضور بارز في وسائل الإعلام كمحلل للحرب في أوكرانيا. اشتهر بكتاباته التي تجمع بين التحليل الأكاديمي واستشراف السيناريوهات المستقبلية، خاصة في مجال الصراعات الدولية.

تم تقسيم الكتاب إلى سبع مراحل رئيسية تعكس التسلسل التحليلي للأحداث وتطورها. تبدأ المرحلة الأولى: مرحلة ما قبل الانهيار (الخلفية السياسية) وتركز على ملامح ما قبل الأزمة وتراجع الدور الغربي، وتتناول الخلفية العامة للتحولات الدولية. وتأتي المرحلة الثانية بعنوان: مرحلة إعادة تشكيل القوى (صعود روسيا وضعف الأطراف الأخرى). ثم المرحلة الثالثة: التخطيط والحرب الهجينة وتوضح كيفية الانتقال إلى أساليب غير مباشرة في إدارة الصراع. أما المرحلة الرابعة: تشتيت القوى الكبرى عالميًا فتركز على انشغال القوى الدولية في أكثر من ساحة بما يخفف الضغط عن بعض الأطراف. وتأتي المرحلة الخامسة: الصدمة (بداية الهجوم) لتشكل نقطة التحول في مسار الأحداث مع بدء المواجهة المباشرة. وتعرض المرحلة السادسة: إدارة الأزمة والتصعيد أي كيفية تفاعل القوى الدولية مع الانفجار العسكري. وأخيرًا المرحلة السابعة: التوسع والتوازنات الجديدة التي تختتم برؤية إعادة تشكيل النظام الدولي وبروز موازين قوى جديدة على المستوى العالمي.

أولًا: مرحلة ما قبل الانهيار (الخلفية السياسية)

تستعرض هذه المرحلة الخلفية التي مهدت لتصاعد الأزمة، حيث يوضح الكاتب أن نهاية الحرب في أوكرانيا جاءت عبر تسوية غير متوازنة منحت روسيا مكاسب استراتيجية دون ردع حقيقي، ما أضعف ثقة الغرب في قدرته على الحفاظ على توازن قوى فعال. بالتوازي، شهدت الساحة الغربية تحولات سياسية لافتة تمثلت في صعود التيارات الشعبوية وتراجع الالتزام بالدفاع المشترك، وهو ما أدى إلى تآكل تماسك التحالفات التقليدية. وفي هذا السياق، استغلت روسيا حالة الارتباك الغربي لتقديم نفسها بمظهر أكثر اعتدالًا، بينما كانت في الواقع تعيد بناء قدراتها العسكرية وتستعد لخطوات أكثر جرأة. تتجسد نتائج هذا الخلل بوضوح في لحظة الهجوم المفاجئ على مدينة نارفا داخل دولة عضو في حلف الناتو، حيث اعتمدت الاستراتيجية الروسية على السرعة والمباغتة لفرض أمر واقع قبل تبلور رد جماعي. ويكشف ذلك عن أزمة حقيقية داخل الحلف، تتجلى في التردد والانقسام والخشية من التصعيد، بما يثير تساؤلات جوهرية حول مدى مصداقية مبدأ الدفاع المشترك، وما إذا كان الردع الغربي لا يزال قائمًا أم أصبح هشًا أمام تحركات محدودة ومدروسة.

المرحلة الثانية: إعادة تشكيل القوى (صعود روسيا وضعف الأطراف الأخرى)

تتناول المرحلة الثانية عملية إعادة تشكيل موازين القوى الدولية بعد انتهاء الحرب، حيث يتضح أن المشهد يتجه نحو اختلال تدريجي في توازن القوى لصالح روسيا. فبينما تعيد موسكو بناء قدراتها بهدوء وتتبنى خطابًا أكثر اعتدالًا في الظاهر، فإنها في العمق تعمل على ترسيخ نفوذها واستعادة مكانتها كقوة فاعلة. في المقابل، تعاني أوكرانيا من حالة من الفوضى الداخلية التي تضعف تماسكها السياسي والمؤسسي وتحد من قدرتها على التعافي أو الاستقرار. وعلى الجانب الغربي، يكشف الوضع في بروكسل عن تراجع في الجاهزية الدفاعية وضعف في آليات الاستجابة داخل الناتو، بما يعكس اهتزاز منظومة الردع التقليدية. وبهذا ترسم المرحلة صورة عامة لتحول استراتيجي أوسع، تتراجع فيه فعالية الغرب تدريجيًا مقابل صعود روسي محسوب يعيد صياغة ميزان القوى الدولي.

في ظل هذا التباين الواضح بين صعود روسيا وتراجع كل من أوكرانيا والجاهزية الدفاعية الغربية، إلى أي مدى يمكن القول إن المرحلة الثانية تمثل نقطة تحول حقيقية في إعادة تشكيل ميزان القوى الدولي؟

المرحلة الثالثة: التخطيط والحرب الهجينة

تُعد مرحلة التخطيط والحرب الهجينة من أخطر مراحل الكتاب وأكثرها تعقيدًا، حيث ينتقل الصراع من مستوى إعادة التموضع الاستراتيجي إلى مستوى الفعل غير المباشر متعدد الأدوات. في هذه المرحلة، يظهر الدور الروسي بشكل أكثر تنظيمًا وهدوءًا في الظاهر، لكنه يقوم على استراتيجية دقيقة تستهدف استنزاف الخصوم دون مواجهة عسكرية مباشرة. ويتجلى ذلك من خلال توظيف أدوات غير تقليدية مثل أزمات الهجرة، وتغذية الاضطرابات في مناطق خارج أوروبا، والعمل على خلق بيئة من الارتباك السياسي تدفع الأطراف الغربية إلى اتخاذ قرارات غير محسوبة. كما تكشف الأحداث عن نجاح هذه الاستراتيجية في استدراج أوروبا إلى ردود فعل متسرعة، بما يعكس قدرة هذا النمط من الحرب الهجينة على إعادة تشكيل مسارات الصراع بوسائل غير مباشرة، وهو ما يجعل هذه المرحلة نقطة تحول خطيرة في تطور الأزمة.

المرحلة الرابعة: تشتيت القوى الكبرى عالميًا

تتناول مرحلة تشتيت القوى الكبرى عالميًا بُعدًا محوريًا في مسار الصراع، حيث يتم إعادة توجيه الاهتمام الدولي بعيدًا عن الساحة الأوروبية نحو بؤر توتر أخرى. ففي هذه المرحلة، يظهر تحرك الصين في منطقة بحر الصين الجنوبي كعامل مؤثر يسهم في خلق حالة من الانشغال الاستراتيجي لدى الولايات المتحدة في منطقة آسيا، ما يؤدي إلى توزيع مواردها واهتماماتها العسكرية والسياسية على أكثر من جبهة. هذا الانشغال ينعكس بشكل مباشر على تراجع مستوى الضغط الغربي على الناتو والساحة الأوروبية، الأمر الذي يضعف من وحدة التركيز الاستراتيجي للغرب. وبذلك تعكس هذه المرحلة كيفية استخدام التوترات الإقليمية كأداة غير مباشرة لتشتيت مراكز القوة الكبرى وإعادة تشكيل أولوياتها على حساب الساحة الأساسية للأزمة.

المرحلة الخامسة: الصدمة (بداية الهجوم)

تتناول مرحلة الصدمة (بداية الهجوم) اللحظة المفصلية التي ينتقل فيها الصراع من التوترات غير المباشرة إلى المواجهة العسكرية العلنية، حيث تمثل هذه المرحلة نقطة التحول الحاسمة في مسار الأحداث. ففي هذه اللحظة، تشهد مدينة نارفا في إستونيا تطورًا عسكريًا مفاجئًا يتمثل في هجوم روسي مباشر على دولة عضو في حلف الناتو، ما يضع النظام الأمني الأوروبي برمته أمام اختبار غير مسبوق. ويعكس هذا الهجوم سرعة التنفيذ ودقة التخطيط من خلال السيطرة على مواقع استراتيجية بشكل خاطف، الأمر الذي يؤدي إلى حالة من الصدمة وعدم الاتزان داخل المعسكر الغربي. وبذلك تُجسد هذه المرحلة لحظة الانفجار الكبرى التي تكشف حدود الردع التقليدي وتفتح الباب أمام تصعيد واسع النطاق في المشهد الدولي.

مرحلة السادسة: إدارة الأزمة والتصعيد

تستعرض مرحلة إدارة الأزمة والتصعيد ذروة التوتر الدولي عقب اندلاع الهجوم، حيث تتسارع ردود الفعل عبر العواصم الكبرى في مشهد يعكس حالة ارتباك عالمي غير مسبوقة. ففي هذه المرحلة، تتباين المواقف بين الحذر والتردد، خاصة داخل الولايات المتحدة التي تبدو مترددة في حسم طبيعة الرد، في مقابل انقسام واضح داخل أوروبا حول آليات التعامل مع الأزمة وحدود التصعيد. كما يظهر المشهد الروسي في حالة ترقب محسوب للخطوات الغربية، بينما ينعقد داخل الناتو في بروكسل نقاش حاد حول تفعيل آليات الرد الجماعي، بالتوازي مع تحركات مكثفة في واشنطن تعكس حجم الضغط السياسي والعسكري. وبشكل عام، تكشف هذه المرحلة عن اهتزاز منظومة القرار الدولي أمام احتمال الانزلاق نحو مواجهة أوسع، مع تصاعد المخاوف من تحول الأزمة إلى صراع عالمي مفتوح.

المرحلة السابعة: التوسع والتوازنات الجديدة

تتناول مرحلة التوسع والتوازنات الجديدة التحول النهائي في مسار الأزمة نحو إعادة تشكيل شاملة للنظام الدولي، حيث لا يعود الصراع مقتصرًا على ساحات المواجهة المباشرة، بل يمتد ليشمل إعادة توزيع النفوذ على المستوى العالمي. في هذه المرحلة، تتسع رقعة التوتر لتشمل مناطق استراتيجية مثل القطب الشمالي، بالتوازي مع تحركات داخل مؤسسات الأمن الغربي مثل الناتو، بما يعكس استمرار حالة عدم الاستقرار. وفي المقابل، تتجه روسيا نحو تعزيز مواقعها الميدانية والسياسية، مع تحركات لافتة داخل أراضيها تعكس إعادة تموضع استراتيجي أوسع. كما تبرز ملامح تقارب متزايد مع الصين، وصولًا إلى تشكل محور أكثر تماسكًا في موسكو وبكين، ما يشير إلى بروز مركز ثقل جديد في النظام الدولي. وبذلك تعكس هذه المرحلة نهاية حالة التوازن القديم وبداية نظام عالمي أكثر تعددية وتشابكًا، تحكمه تحالفات جديدة وتوازنات غير مستقرة.

رؤية تحليلية نقدية للكتاب

يقدّم كتاب “إذا انتصرت روسيا: سيناريو” قراءة مثيرة للجدل في مستقبل النظام الدولي، لكنه يظل أقرب إلى تمرين تخيّلي استراتيجي منه إلى تحليل تنبؤي صارم. فالقيمة الأساسية للكتاب تكمن في قدرته على تفكيك هشاشة منظومة الردع الغربي وإبراز نقاط الضعف البنيوية داخل الناتو، خاصة ما يتعلق بتباين الإرادات السياسية بين الدول الأعضاء، وإمكانية تآكل مبدأ الدفاع المشترك تحت ضغط الأزمات المتزامنة. إلا أن الطرح في المقابل يميل إلى قدر من المبالغة في رسم صورة “الصعود الروسي المتماسك” أو قوة روسيا، إذ يفترض درجة عالية من الكفاءة والتنسيق الاستراتيجي المستمر لدى موسكو في مقابل تفكك غربي متسارع، وهو افتراض لا يخلو من تبسيط للتفاعلات الواقعية المعقدة داخل كل من المعسكرين. كما أن اعتماد السيناريو على سلسلة من الأحداث الخطية والمتتابعة يمنح الانطباع بحتمية التطور نحو انهيار الردع، في حين أن الواقع الدولي غالبًا ما تحكمه مسارات غير خطية تتداخل فيها الردع النووي، والاقتصاد، والسياسة الداخلية للدول بشكل أكثر تعقيدًا. ومع ذلك، تبقى أهمية الكتاب في أنه يفتح نقاشًا تحذيريًا حول سيناريوهات “ما بعد الحرب”، ويجبر القارئ على التفكير في أن الاستقرار الدولي ليس معطى ثابتًا، بل توازن هش يمكن يمكن اختباره وإعادة تشكيله تحت ضغط الأزمات المتراكمة، وهو ما تعكسه بوضوح التطورات الراهنة في ظل التصعيد بين إسرائيل وإيران، بما يعزز من فرضية تعدد بؤر التوتر وتشابكها على نحو يعيد تشكيل أولويات النظام الدولي.

باحث في العلاقات الدولية بمركز ترو للدراسات والتدريب

WhatsApp Image 2026-04-12 at 7.38
WhatsApp Image 2026-03-25 at 8.50
حسابات الحلفاء
تحولات السياسة الخارجية الأمريكية تجاه الشرق الأوسط في ولاية الرئيس ترامب الثانية قراءة في التصريحات الرئاسية والسياسات تجاه غزة
الرؤى المتنافسة للنظام الدولي
Scroll to Top