تُعد التغيرات المناخية من أبرز التحديات العابرة للحدود التي تواجه المجتمع الدولي خلال العقود الأخيرة، نظرًا لما تفرضه من تداعيات متزايدة على الأمن الغذائي والموارد المائية والصحة العامة والاستقرار الاقتصادي والاجتماعي. وفي ظل تصاعد الظواهر المناخية المتطرفة وتزايد تأثيراتها على مختلف مناطق العالم، أصبحت الظواهر الطبيعية المرتبطة بالمناخ تحظى باهتمام متزايد من جانب الحكومات والمنظمات الدولية ومراكز الأبحاث، باعتبارها أحد العوامل المؤثرة في مسارات التنمية المستدامة والاستقرار الإنساني.[1]
وفي هذا السياق، تبرز ظاهرة النينيو باعتبارها واحدة من أهم الظواهر المناخية العالمية القادرة على إحداث تغيرات واسعة في أنماط الطقس والهطول ودرجات الحرارة على مستوى العالم. فعلى الرغم من كونها ظاهرة طبيعية دورية ترتبط بالتغيرات التي تشهدها مياه المحيط الهادئ الاستوائي، فإن آثارها تتجاوز حدود المناطق التي تنشأ فيها لتطال مختلف القارات، مسببة موجات من الجفاف والفيضانات وارتفاع درجات الحرارة واضطرابات الإنتاج الزراعي، الأمر الذي ينعكس بصورة مباشرة على الأمن الغذائي والاقتصادات الوطنية، خاصة في الدول النامية الأكثر هشاشة أمام الصدمات المناخية.[2]
وقد أعادت التقارير الصادرة عن الأمم المتحدة والمؤسسات الدولية المعنية بالمناخ خلال الفترة الأخيرة تسليط الضوء على خطورة تداعيات النينيو، ليس فقط من منظور بيئي، وإنما أيضًا من منظور تنموي وإنساني. إذ تشير هذه التقارير إلى أن تداخل آثار النينيو مع الاتجاهات المتسارعة للاحترار العالمي يؤدي إلى تفاقم المخاطر المرتبطة بالمياه والغذاء والصحة، ويزيد من الضغوط الواقعة على المجتمعات والدول التي تعاني بالأساس من تحديات اقتصادية وتنموية وأمنية مركبة.[3]
ومن هذا المنطلق، تكتسب دراسة ظاهرة النينيو أهمية خاصة في إطار النقاشات الدولية المتعلقة بالمناخ والتنمية المستدامة، حيث لم تعد الظاهرة مجرد حدث مناخي دوري، بل أصبحت عاملًا مؤثرًا في معادلات التنمية والأمن الإنساني والاستقرار الاقتصادي. وفي ضوء ذلك، يسعى هذا التقرير إلى تناول طبيعة ظاهرة النينيو وخصائصها المناخية، وتحليل تداعياتها الاقتصادية والتنموية، فضلًا عن استعراض الجهود الدولية الرامية إلى تعزيز القدرة على التكيف مع آثارها والحد من انعكاساتها على المجتمعات الأكثر عرضة للمخاطر.
أولًا: ظاهرة النينيو في السياق المناخي العالمي: المفهوم والخصائص والتطورات الراهنة
تُعد ظاهرة النينيو واحدة من أبرز الظواهر المناخية الطبيعية التي تؤثر في النظام المناخي العالمي، نظرًا لما تسببه من تغيرات واسعة النطاق في أنماط الطقس ودرجات الحرارة ومعدلات هطول الأمطار في مختلف مناطق العالم. وتندرج الظاهرة ضمن ما يُعرف بتذبذب النينيو الجنوبي (ENSO)، وهو نظام مناخي دوري ينشأ نتيجة التفاعل المعقد بين الغلاف الجوي والمحيط الهادئ الاستوائي، ويُعد أحد أهم مصادر التغير المناخي السنوي على مستوى العالم بعد الدورة الموسمية المرتبطة بحركة الأرض حول الشمس.[4]
وتحدث ظاهرة النينيو عندما ترتفع درجات حرارة المياه السطحية في المناطق الوسطى والشرقية من المحيط الهادئ الاستوائي بصورة تفوق معدلاتها الطبيعية، وهو ما يؤدي إلى تغير اتجاهات الرياح التجارية وحركة التيارات البحرية والكتل الهوائية. وينعكس ذلك على توزيع الأمطار والحرارة في مناطق متعددة من العالم، حيث تشهد بعض الدول موجات جفاف حادة، بينما تتعرض مناطق أخرى لفيضانات وأمطار غزيرة وعواصف مناخية متطرفة. وعادة ما تتكرر الظاهرة كل عامين إلى سبعة أعوام، وقد تستمر آثارها لفترات تتراوح بين عدة أشهر وأكثر من عام وفقًا لدرجة قوتها وطبيعة التفاعلات المناخية المصاحبة لها.[5]
وعلى الرغم من أن النينيو تُصنف كظاهرة طبيعية، فإن الدراسات المناخية الحديثة تشير إلى أن تأثيراتها أصبحت أكثر حدة وتعقيدًا في ظل استمرار ارتفاع درجات الحرارة العالمية الناتجة عن النشاط البشري والانبعاثات الكربونية. فمع تزايد معدلات الاحترار العالمي، أصبحت الظواهر المناخية المرتبطة بالنينيو أكثر قدرة على إنتاج موجات حر غير مسبوقة، واضطرابات مناخية واسعة النطاق، بما يضاعف من حجم الخسائر الاقتصادية والإنسانية المرتبطة بها. وفي هذا السياق، تؤكد المؤسسات الدولية المعنية بالمناخ أن التفاعل بين ظاهرة النينيو والتغير المناخي يمثل أحد أبرز التحديات التي تواجه جهود تحقيق التنمية المستدامة خلال العقود المقبلة.[6]
وقد أعادت الأمم المتحدة والمنظمة العالمية للأرصاد الجوية تسليط الضوء على الظاهرة في تقاريرها الأخيرة، في ظل تسجيل السنوات الأخيرة مستويات قياسية من درجات الحرارة العالمية وازدياد وتيرة الظواهر الجوية المتطرفة. وتشير هذه التقارير إلى أن آثار النينيو لم تعد تقتصر على البعد البيئي فحسب، وإنما أصبحت ترتبط بشكل مباشر بقضايا الأمن الغذائي وإدارة الموارد المائية والصحة العامة والاستقرار الاجتماعي. كما أن العديد من المناطق الهشة، خاصة في إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، أصبحت أكثر عرضة لتداعيات الظاهرة نتيجة محدودية القدرات الاقتصادية والتقنية اللازمة للتكيف مع الصدمات المناخية المتكررة.[7]
وفي القارة الإفريقية على وجه الخصوص، تُظهر التقارير الدولية أن النينيو تؤثر بصورة متباينة على الأقاليم المختلفة، إذ ترتبط غالبًا بحالات الجفاف وانخفاض معدلات الأمطار في أجزاء واسعة من الجنوب الإفريقي ومنطقة الساحل، بينما تؤدي في بعض مناطق شرق إفريقيا إلى هطول أمطار غزيرة وفيضانات واسعة النطاق. وقد أسهمت هذه التغيرات في تفاقم الضغوط الواقعة على قطاعات الزراعة والمياه والطاقة، وزيادة معدلات النزوح وانعدام الأمن الغذائي في العديد من الدول الإفريقية، وهو ما يبرز الطبيعة العابرة للحدود لهذه الظاهرة وتأثيرها المتزايد على مسارات التنمية والاستقرار في القارة.[8]
ومن ثم، لم تعد ظاهرة النينيو مجرد دورة مناخية طبيعية تدرس في إطار العلوم البيئية، بل أصبحت قضية ترتبط ارتباطًا وثيقًا بأجندة المناخ العالمية وبالجهود الدولية الرامية إلى تحقيق أهداف التنمية المستدامة. فالتحدي لم يعد يقتصر على فهم أسباب الظاهرة وآلياتها، وإنما يمتد إلى تطوير سياسات استباقية قادرة على الحد من آثارها وتعزيز قدرة المجتمعات والدول على التكيف مع المخاطر المناخية المتزايدة في عالم يشهد تحولات بيئية متسارعة.[9]
ثانيًا: التداعيات الاقتصادية والتنموية لظاهرة النينيو على الأمن الغذائي والموارد الحيوية
لا تقتصر آثار ظاهرة النينيو على التغيرات المناخية المباشرة، بل تمتد لتشمل أبعادًا اقتصادية وتنموية وإنسانية واسعة النطاق، الأمر الذي جعلها تحظى باهتمام متزايد من قبل المؤسسات الدولية المعنية بالتنمية المستدامة والأمن الغذائي. فالتغيرات التي تُحدثها الظاهرة في أنماط الأمطار ودرجات الحرارة تؤثر بصورة مباشرة على القطاعات الأكثر ارتباطًا بالموارد الطبيعية، وفي مقدمتها الزراعة والمياه والطاقة والصحة العامة، وهو ما ينعكس على قدرة الدول والمجتمعات على تحقيق أهداف التنمية والاستقرار الاقتصادي.[10]
ويُعد الأمن الغذائي من أكثر المجالات تأثرًا بتداعيات النينيو، نظرًا لاعتماد الإنتاج الزراعي في العديد من دول العالم، خاصة الدول النامية، على معدلات الأمطار الموسمية واستقرار الظروف المناخية. فموجات الجفاف الناتجة عن الظاهرة تؤدي إلى تراجع إنتاج المحاصيل الزراعية ونفوق أعداد من الثروة الحيوانية وانخفاض إنتاجية الأراضي الزراعية، في حين تتسبب الفيضانات والأمطار الغزيرة في إتلاف المحاصيل والبنية التحتية الزراعية ومرافق الري والنقل. ونتيجة لذلك ترتفع أسعار المواد الغذائية وتتزايد الضغوط على سلاسل الإمداد العالمية، الأمر الذي يفاقم من مستويات الفقر وانعدام الأمن الغذائي في العديد من المناطق الهشة. وقد حذرت منظمات الأمم المتحدة المعنية بالغذاء من أن الظواهر المناخية المرتبطة بالنينيو تمثل أحد أبرز العوامل المساهمة في تفاقم أزمات الجوع وسوء التغذية على المستوى العالمي.[11]
كما تفرض الظاهرة ضغوطًا متزايدة على الموارد المائية، خاصة في المناطق التي تعتمد على الأمطار كمصدر رئيسي للمياه. ففي بعض الدول تؤدي النينيو إلى انخفاض معدلات الهطول وامتداد فترات الجفاف، مما ينعكس على مخزون السدود والمياه الجوفية وإمدادات مياه الشرب والاستخدامات الزراعية والصناعية. وفي المقابل، تتسبب الأمطار الغزيرة والسيول في مناطق أخرى في خسائر كبيرة للبنية التحتية المائية وتلوث مصادر المياه وانتشار الأمراض المرتبطة بها. ويبرز هذا الواقع حجم الترابط بين إدارة الموارد المائية وتحقيق التنمية المستدامة، خصوصًا في ظل تزايد الطلب العالمي على المياه وتنامي تأثيرات التغير المناخي.[12]
وعلى الصعيد الصحي، ترتبط ظاهرة النينيو بزيادة مخاطر انتشار الأمراض والأوبئة الناتجة عن التغيرات البيئية والمناخية. فارتفاع درجات الحرارة وتغير أنماط الأمطار يساهمان في توسع البيئات المناسبة لانتشار بعض الأمراض المنقولة بواسطة الحشرات مثل الملاريا وحمى الضنك، فضلًا عن زيادة احتمالات تفشي الأمراض المرتبطة بتلوث المياه والفيضانات. كما تؤدي موجات الحر الشديدة والجفاف الممتد إلى تفاقم المشكلات الصحية المرتبطة بسوء التغذية ونقص المياه النظيفة، خاصة بين الفئات الأكثر هشاشة مثل الأطفال وكبار السن. وتشير تقارير المؤسسات الصحية الدولية إلى أن آثار النينيو على الصحة العامة غالبًا ما تكون أكثر حدة في الدول منخفضة ومتوسطة الدخل نتيجة محدودية القدرات الصحية والبنية التحتية اللازمة للاستجابة للأزمات المناخية.[13]
وتنعكس هذه التداعيات مجتمعة على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية للدول، حيث تؤدي الخسائر الزراعية وتراجع الإنتاجية وارتفاع تكاليف الاستجابة للكوارث إلى زيادة الأعباء المالية على الحكومات. كما تسهم الظاهرة في تفاقم معدلات النزوح والهجرة المرتبطة بالمناخ نتيجة تدهور الظروف المعيشية وفقدان مصادر الدخل، وهو ما يخلق تحديات إضافية أمام جهود التنمية والاستقرار الاجتماعي. وفي العديد من المناطق تتداخل آثار النينيو مع مشكلات قائمة مثل الفقر والصراعات وضعف البنية التحتية، مما يجعل المجتمعات المحلية أكثر عرضة للصدمات المناخية وأقل قدرة على التعافي منها.[14]
وتبدو القارة الإفريقية من أكثر المناطق تأثرًا بهذه التداعيات، حيث تشير التقارير الدولية إلى أن موجات الجفاف والفيضانات المرتبطة بالنينيو أسهمت في السنوات الأخيرة في زيادة معدلات الجوع والنزوح وتراجع الإنتاج الزراعي في عدد من دول شرق وجنوب القارة. كما أدى تداخل الظواهر المناخية المتطرفة مع التحديات الاقتصادية والأمنية القائمة إلى تعقيد جهود التنمية وتحقيق الاستقرار، وهو ما دفع المؤسسات الدولية إلى التأكيد على ضرورة تعزيز الاستثمارات الموجهة نحو التكيف المناخي وبناء القدرة على الصمود في مواجهة الصدمات البيئية المستقبلية.[15]
ومن ثم، تكشف التداعيات الاقتصادية والتنموية لظاهرة النينيو أن المخاطر المناخية لم تعد قضية بيئية منفصلة عن قضايا التنمية، بل أصبحت عنصرًا مؤثرًا في الأمن الغذائي والاستقرار الاقتصادي والاجتماعي على المستويين الوطني والدولي. ولذلك باتت مواجهة آثار هذه الظاهرة تتطلب تبني سياسات تنموية أكثر مرونة وقدرة على التكيف، بما يضمن حماية المجتمعات الأكثر هشاشة والحفاظ على مكتسبات التنمية المستدامة في مواجهة التحديات المناخية المتزايدة.[16]
ثالثًا: النينيو وتحديات الحوكمة المناخية الدولية: نحو تعزيز القدرة على التكيف والاستجابة
أظهرت التداعيات المتكررة لظاهرة النينيو أن التحديات المناخية المعاصرة لم تعد تقتصر على الجوانب البيئية أو العلمية، وإنما أصبحت ترتبط بصورة مباشرة بقضايا الحوكمة العالمية وإدارة المخاطر وتحقيق التنمية المستدامة. فمع اتساع نطاق التأثيرات الاقتصادية والإنسانية للظاهرة، برزت الحاجة إلى تطوير آليات دولية أكثر فاعلية للتنبؤ بالمخاطر المناخية والاستعداد لها والحد من آثارها، خاصة في الدول والمجتمعات الأكثر عرضة للهشاشة. ومن هذا المنطلق، أصبحت ظاهرة النينيو تمثل اختبارًا حقيقيًا لقدرة منظومة الحوكمة المناخية الدولية على التعامل مع الأزمات البيئية المتزايدة التعقيد في ظل التغيرات المناخية المتسارعة.[17]
وفي هذا الإطار، تؤكد الأمم المتحدة والمنظمات الدولية المعنية بالمناخ أن نظم الإنذار المبكر تمثل إحدى الأدوات الأساسية للحد من الخسائر البشرية والاقتصادية المرتبطة بالنينيو. فبفضل التقدم العلمي والتكنولوجي، أصبح من الممكن التنبؤ بحدوث الظاهرة وآثارها المحتملة قبل عدة أشهر من وقوعها، الأمر الذي يوفر فرصة للحكومات والمؤسسات المعنية لاتخاذ إجراءات استباقية في مجالات إدارة المياه والزراعة والصحة والاستجابة الإنسانية. وتشير التجارب الدولية إلى أن الاستثمار في نظم الرصد المناخي والإنذار المبكر يسهم بصورة كبيرة في تقليل حجم الأضرار وتعزيز قدرة المجتمعات على مواجهة الصدمات المناخية قبل تحولها إلى أزمات واسعة النطاق.[18]
كما تبرز أهمية سياسات التكيف المناخي باعتبارها أحد المحاور الرئيسية للاستجابة الدولية لتداعيات النينيو. فبدلًا من الاقتصار على إدارة الكوارث بعد وقوعها، تتجه العديد من الدول والمنظمات الدولية إلى تبني استراتيجيات طويلة المدى تهدف إلى تعزيز قدرة القطاعات الحيوية على الصمود أمام التقلبات المناخية. وتشمل هذه السياسات تطوير أنظمة زراعية أكثر قدرة على تحمل الجفاف والفيضانات، وتحسين إدارة الموارد المائية، وتحديث البنية التحتية لمواجهة الظواهر الجوية المتطرفة، فضلًا عن دعم المجتمعات المحلية التي تعتمد بشكل مباشر على الموارد الطبيعية في تأمين سبل معيشتها. وتُعد هذه الإجراءات جزءًا أساسيًا من الجهود العالمية الرامية إلى تحقيق أهداف التنمية المستدامة في ظل بيئة مناخية أكثر اضطرابًا.[19]
وفي المقابل، لا تزال قضية تمويل المناخ تمثل أحد أبرز التحديات التي تواجه جهود التكيف والاستجابة، خاصة بالنسبة للدول النامية التي تتحمل الجزء الأكبر من التداعيات المناخية رغم مساهمتها المحدودة في الانبعاثات المسببة للاحتباس الحراري. فهذه الدول غالبًا ما تفتقر إلى الموارد المالية والتكنولوجية اللازمة لتطوير البنية التحتية وتعزيز قدراتها المؤسسية لمواجهة المخاطر المناخية. ومن ثم، تتزايد الدعوات داخل الأطر الدولية إلى ضرورة توسيع آليات التمويل المناخي ونقل التكنولوجيا وبناء القدرات، بما يضمن تحقيق قدر أكبر من العدالة المناخية وتقليص الفجوة بين الدول المتقدمة والنامية في القدرة على التكيف مع الأزمات البيئية المتزايدة.[20]
وتكتسب هذه الجهود أهمية مضاعفة في القارة الإفريقية التي تعد من أكثر المناطق تعرضًا للآثار السلبية للنينيو والتغير المناخي بشكل عام. فالتقارير الدولية تشير إلى أن القارة تواجه تحديات متشابكة تتمثل في ضعف البنية التحتية، وتزايد الضغوط السكانية، واستمرار معدلات الفقر وانعدام الأمن الغذائي في عدد من المناطق. ولذلك أصبح تعزيز القدرة على الصمود المناخي جزءًا أساسيًا من استراتيجيات التنمية الإفريقية، سواء من خلال توسيع نظم الإنذار المبكر أو الاستثمار في البنية التحتية المقاومة للمناخ أو تعزيز الشراكات الدولية في مجالات التمويل والتكنولوجيا.[21]
ويرى المتخصصون في مجالات التنمية المستدامة أن ظاهرة النينيو لم تعد تُفهم باعتبارها مجرد اضطراب مناخي دوري، وإنما أصبحت مؤشرًا على حجم التحديات التي تواجه جهود تحقيق التنمية في عالم يتسم بتزايد المخاطر البيئية والمناخية. فوفقًا للأدبيات الدولية الحديثة، ترتبط التنمية المستدامة بقدرة الدول على تحقيق التوازن بين الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والبيئية، وهو توازن يتعرض لاختبارات متكررة بفعل الظواهر المناخية المتطرفة مثل النينيو. ومن هذا المنطلق، يؤكد الخبراء أن التداعيات الناجمة عن الجفاف والفيضانات وتراجع الإنتاج الزراعي وارتفاع معدلات النزوح وانعدام الأمن الغذائي لا تمثل أزمات بيئية مؤقتة فحسب، بل تشكل تحديات تنموية تؤثر بصورة مباشرة على تحقيق أهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة، خاصة تلك المتعلقة بالقضاء على الفقر والجوع، وضمان الأمن المائي، وتعزيز الصحة العامة، وبناء مجتمعات أكثر قدرة على الصمود. كما يذهب العديد من المتخصصين إلى أن نجاح الدول في مواجهة هذه التحديات لم يعد يقاس فقط بقدرتها على إدارة الكوارث بعد وقوعها، وإنما بمدى نجاحها في تبني سياسات استباقية للتكيف المناخي وتعزيز الاستثمارات الموجهة نحو بناء المرونة المجتمعية والتنموية، بما يضمن الحد من الخسائر المستقبلية وتحويل التحديات المناخية إلى فرص لتعزيز مسارات التنمية المستدامة على المدى الطويل.[22]
وفي ضوء ما سبق، تكشف ظاهرة النينيو عن الطبيعة المتشابكة للعلاقة بين المناخ والتنمية والأمن الإنساني، كما تؤكد أن مواجهة المخاطر المناخية لم تعد مسؤولية وطنية فحسب، بل أصبحت قضية تتطلب تعاونًا دوليًا واسع النطاق يقوم على تبادل المعرفة والموارد والخبرات. ومن ثم، فإن تعزيز الحوكمة المناخية الدولية وتطوير آليات التكيف والاستجابة الاستباقية يمثلان شرطًا أساسيًا للحد من التداعيات المستقبلية للنينيو وحماية مكتسبات التنمية المستدامة في عالم يواجه تحديات مناخية متزايدة التعقيد.
ختامًا، تؤكد ظاهرة النينيو أن التحديات المناخية لم تعد مجرد ظواهر طبيعية دورية يمكن التعامل معها باعتبارها أحداثًا عابرة، بل أصبحت عاملًا مؤثرًا في مسارات التنمية والاستقرار الاقتصادي والأمن الإنساني على المستويين الوطني والدولي. فالتداعيات المرتبطة بالنينيو، سواء في صورة موجات جفاف أو فيضانات أو اضطرابات في الإنتاج الزراعي والموارد المائية، تكشف عن حجم الترابط المتزايد بين قضايا المناخ والتنمية، وتبرز مدى هشاشة العديد من المجتمعات أمام الصدمات البيئية المتكررة.
كما أظهرت التقارير الدولية الحديثة أن تأثيرات النينيو تتجاوز الأبعاد البيئية التقليدية لتطال قضايا الأمن الغذائي والصحة العامة والهجرة والنزوح والاستقرار الاجتماعي، وهو ما يجعلها جزءًا من منظومة التحديات العالمية التي تتطلب استجابات شاملة تتجاوز حدود الدولة الواحدة. وفي ظل تداخل آثار الظاهرة مع التداعيات المتسارعة للتغير المناخي، تزداد الحاجة إلى تبني سياسات استباقية قائمة على إدارة المخاطر وتعزيز القدرة على التكيف وبناء مجتمعات أكثر مرونة في مواجهة الأزمات المناخية المستقبلية.
ومن ثم، فإن التعامل مع ظاهرة النينيو لا ينبغي أن يقتصر على الاستجابة للكوارث بعد وقوعها، بل يتطلب الاستثمار في نظم الإنذار المبكر، وتطوير البنية التحتية القادرة على الصمود، وتعزيز التعاون الدولي في مجالات التمويل المناخي ونقل التكنولوجيا وبناء القدرات. فكلما ارتفعت جاهزية الدول والمؤسسات للتعامل مع المخاطر المناخية، تراجعت الخسائر البشرية والاقتصادية، وازدادت فرص الحفاظ على مكتسبات التنمية المستدامة.
وفي هذا السياق، تبدو ظاهرة النينيو بمثابة تذكير مستمر بأن مستقبل التنمية العالمية أصبح مرتبطًا بصورة وثيقة بمدى قدرة المجتمع الدولي على إدارة التحديات المناخية المتزايدة، وتحويل المعرفة العلمية والتنبؤات المناخية إلى سياسات عملية واستراتيجيات فعالة تحمي الإنسان والموارد والاقتصادات من الآثار المتنامية للتغيرات البيئية في العقود المقبلة.
المراجع:
[1] El Niño Southern Oscillation (ENSO), 9 Nov 2023, World Health Organization.
[2] Historical El Niño trends, Food And Agriculture Organization Of The United Nations.
[3] State of the Climate in Africa 2024, 12 May 2025, World Meteorological Organization.
[4] الأمم المتحدة تحذر من خطر الظواهر المناخية المتطرفة في 2026 بفعل ظاهرة “النينيو”، نُشر في 2 يونيو 2026، France 24.
[5] “النينيو العملاق” عام 2026 قد يصبح أقوى حدث على وجه الأرض، نُشر في 29 مايو 2026، سكاي نيوز عربية.
[6] تحذير أممي من ارتفاع درجات الحرارة بفعل ظاهرة النينيو، نُشر في 2 يونيو 2026، DW.
[7] المنظمة العالمية للأرصاد الجوية تدعو إلى الاستعداد لظاهرة النينيو، نُشر في 2 يونيو 2026، المنظمة العالمية للأرصاد الجوية.
[8] الأمم المتحدة تحذر من ارتفاع درجات الحرارة بسبب ظاهرة النينيو، نُشر في 2 يونيو 2026، الشرق للأخبار.
[9] نسخة “خارقة” من النينيو تنتظرنا.. والأمم المتحدة تطلق تحذيرا شديد اللهجة، نُشر في 14 أبريل 2026، الجزيرة نت.
[10] الأمم المتحدة تحذر من ارتفاع درجات الحرارة بفعل ظاهرة النينيو، نُشر في 2 يونيو 2026، العربية.
[11] «النينيو الخارقة» تهدد الكوكب.. تحذيرات أممية من قفزات حرارية قياسية، نُشر في 2 يونيو 2026، الغد.
[12] موجة “النينيو” المناخية قادمة.. ارتفاع شديد بدرجات الحرارة وظواهر جوية متطرفة في 2026، نُشر في 3 يونيو 2026، France 24.
[13] ظاهرة النينيو: ما هي وماذا تعني بالنسبة للكوارث؟، نُشر في 24 يوليو 2023، IFRC.
[14] تحذير عالمي.. النينيو قد يتسبب في كارثة مناخية كبيرة في 2027، نُشر في 12 فبراير 2026، العربية.
[15] تحذير أممي من ارتفاع درجات الحرارة بفعل ظاهرة النينيو، نُشر في 2 يونيو 2026، DW.
[16] “النينيو الخارق” يهدد العالم بصيف أشد حرارة على الإطلاق في 2026، نُشر في 5 مايو 2026، RT Arabic.
[17] “تصب الزيت على النار”.. الأمم المتحدة تحذر من عودة وشيكة لظاهرة “النينيو” وتدعو لتحرك مناخي عاجل، نُشر في 2 يونيو 2026، euro news.
[18] ظاهرة النينيو تفتك بشرق أفريقيا، نُشر في 4 مايو 2024، DW.
[19] “النينيو” يقترب.. هل يواجه العالم موجة جديدة من الكوارث المناخية؟، نُشر في 3 يونيو 2026، إرم نيوز.
[20] تحذير مناخي عاجل خلال الأشهر القادمة.. ما هي ظاهرة النينيو؟،نُشر في 3 يونيو 2026، الخليج.
[21] اشتداد “إل نينيو” يفاقم تحديات آسيا في ظل تداعيات حرب إيران، نُشر في 5 مايو 2026، العربي الجديد.
[22] Water Security and Climate Change: Insights from Country Climate and Development Reports, World Bank Group.
باحث دكتوراة في العلاقات الدولية بمركز ترو للدراسات والتدريب