Cairo

إيران في قلب الصراع العالمي: قراءة تحليلية في رؤية ألكسندر دوغين للحرب الأمريكية – الإسرائيلية على إيران

قائمة المحتويات

باحث في النظرية السياسية بمركز ترو للدراسات

   منذ اندلاع الحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران في 28 فبراير 2026، ظهرت العديد من التحليلات التي حاولت تقديم رؤى منطقية لتفسير الأسباب الكامنة وراء اندلاع الحرب واستمرارها، وبيان مدى قدرة كل طرف على الصمود أمام الآخر في سلسلة عمليات الاستنزاف التي يقوم بها كلا الجانبين. وفي هذا السياق، برزت تحليلات المفكر السياسي الروسي “ألكسندر دوغين”، الملقب بـ”عقل بوتين”، الذي قدمها عبر حلقات من برنامجه “تصعيد ألكسندر دوغين” على منصة “سبوتنيك” الروسية،[i] بشأن الحرب الجارية بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى. فقد منحت تحليلاته بُعدًا فلسفيًا وفكريًا جديدًا في تفسير الدوافع الكامنة وراء القتال والصمود لدى كلا الجانبين.

   فدوغين لا يتعامل مع الحرب الجارية على أنها حرب من أجل إيقاف البرنامج النووي الإيراني، أو تحقيق توازن استراتيجي بين القوى في الشرق الأوسط، بل يرى أنها حرب تعبر عن رؤية أوسع للصراع في العالم، فهي حرب كاشفة للصراع بين الهيمنة الغربية الأحادية بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، ومحاولة التحرر من هذه الهيمنة وتأسيس نظام عالمي متعدد الأقطاب والقوى. كما يرى أنها حرب وجودية تلعب فيها الرموز الدينية دورًا كبيرًا في تحفيز كل طرف على تحقيق مكاسبه، وتعبر عن رؤية دينية ووجودية للحرب.

   وانطلاقًا من ذلك، يسعى هذا التقرير إلى تحليل رؤية ألكسندر دوغين للحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران، من خلال الكشف عن الأطروحات التي قدمها بشأن تفسير دوافع هذه الحرب وأسباب اندلاعها واستمرارها، مع تحديد موقفه من طبيعة الصمود الإيراني، وحدود القوة الأمريكية–الإسرائيلية، ودلالات استمرار الحرب أو توقفها المؤقت، باعتبار ذلك جزءًا من معركة أوسع تتجاوز حدود الشرق الأوسط.

أولًا: في الطبيعة الوجودية والدينية للحرب الأمريكية – الإسرائيلية على إيران

   يرى دوغين أن الحرب الدائرة الآن لا تجسد حربًا من أجل تحييد القوة الإيرانية واحتواء قدراتها العسكرية والنووية فحسب، بل تحمل في طياتها دلالات دينية، وتجسد معركة وجودية لطرفي الحرب، أي إنه يضفي عليها طابعًا وجوديًا ودينيًا واضحًا. فعلى سبيل المثال، يجادل دوغين بأن بعض الخطابات الإسرائيلية الصهيونية في الحرب تستدعي مفاهيم من النصوص التوراتية، مثل مفهوم “العماليق”، وتسقطها على الجانب الإيراني، وذلك بهدف تصوير إيران على أنها عدو وجودي لا يكفي ردعه فقط، بل يجب القضاء عليه تمامًا. ومن ثم، يستنتج دوغين أن القيادة الإسرائيلية تتعامل مع إيران لا باعتبارها مجرد خصم سياسي، بل باعتبارها عدوًا يحمل في داخله دلالة دينية ورمزية سلبية في المخيال الديني اليهودي.

   وعلى الجانب الأمريكي، يرى دوغين أن الدعم العسكري والسياسي الأمريكي المباشر لإسرائيل في هذه الحرب يرتبط بصعود تيارات الصهيونية المسيحية، والتيارات الدينية المتطرفة داخلها، التي تنظر إلى الصراعات الدائرة في الشرق الأوسط باعتبارها صراعات أخروية مرتبطة بنهاية الزمان. وبذلك، تصبح إيران جزءًا من سردية لاهوتية كبرى مرتبطة بالمعركة الكبرى التي ستحدث في نهاية الزمان، والمسماة بـ”هرمجدون”. وبالمعنى ذاته، تصبح إيران أيضًا تجسيدًا حيًا للصراع بين الخير والشر من وجهة نظرهم. واستنادًا إلى ذلك، يذهب دوغين إلى أن العديد من القرارات الأمريكية لا تحكمها الحسابات الاستراتيجية فقط، بل قد تُصاغ هذه القرارات أيضًا بناءً على بعض التصورات الدينية المؤثرة في رؤية بعض النخب الحاكمة في الولايات المتحدة.

   أما على الجانب الإيراني، فيؤكد دوغين أن التصورات الدينية الشيعية تحكم العديد من القرارات الإيرانية، كما أن الحرب أعادت إحياء البعد الديني والثوري في المجتمع الإيراني. فهو يربط بين العقيدة الشيعية، وثقافة الانتظار الشيعي، وفكرة الإمام المنتظر أو “المهدي المنتظر”، وبين قدرة الداخل الإيراني على التعبئة والصمود. وعليه، يرى دوغين أن إيران لا تقدم الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل بوصفهما خصمين سياسيين عاديين، بل تقدمهما باعتبارهما جزءًا من قوى “الاستكبار العالمي” أو “الشر المطلق”، بل تقدمهما أيضًا في بعض الأحيان بوصفهما من قوى “الدجال” ضمن السردية الدينية الإيرانية. أي إن العدو أصبح مرتبطًا بنظرة دينية في المخيال الديني الإيراني. وبهذا، تصبح الحرب جزءًا من مواجهة كبرى بين الحق والباطل، أو بين الأمة والعدو الأخروي.

   هذا البعد الوجودي والديني الذي تصطبغ به الحرب يجعل من الحدث الحالي جزءًا من صراع أعمق، لا تتحكم فيه الأبعاد الجيوسياسية فقط، بل تتداخل فيه الأبعاد الدينية والوجودية، بما يجعل طرفي الحرب مستمرين في هذه المعركة، حتى وإن حدثت هدنة أو مفاوضات، كما هو الوضع حاليًا. فوقف إطلاق النار لا يعني بالضرورة انتهاء الحرب، بل قد يعني فقط انتقالها إلى مستوى آخر، أو تأجيل انفجارها مرة أخرى. وبالطبع، تعبر وجهة النظر هذه عن رؤية دوغين الخاصة للحرب، إذ نجد أن هناك اتجاهات أخرى لا تربط بالضرورة الحروب المندلعة بين إيران والقوى الأخرى باعتبارات دينية، بل تفسرها في ضوء المصالح السياسية والاقتصادية، وهذا الرأي أيضًا له منطقه ووجاهته.

ثانيًا: الحرب كتمظهر للصراع بين الأحادية والتعددية القطبية

   عندما ينتقل دوغين في تحليله من المستوى الداخلي الوجودي إلى المستوى العالمي، فإنه ينتقل إلى رؤيته النظرية حول تعددية الأقطاب في العالم. فدوغين يستمد من بنيته الفكرية أدوات نظرية لكشف طبيعة الصراع العالمي، الذي تلعب فيه إيران دورًا محوريًا. فعندما ينطلق دوغين في تحليله للحرب، فإنه ينظر إليها على أنها صراع بين الهيمنة الأحادية الغربية، التي تُعد إسرائيل جزءًا رئيسيًا منها، وبين القوى التي تحاول الانفكاك من السيطرة الغربية وخلق عالم متعدد الأقطاب، والتي تشمل قوى مثل إيران وروسيا.

   فهو يرى أن الليبرالية الغربية، بعد انتصارها على الفاشية والشيوعية، لم تتحول إلى أفق إنساني عالمي محايد، بل إلى أيديولوجيا مهمينة تسعى إلى تقديم نفسها بوصفها النموذج الوحيد الملائم لطبيعة الحياة السياسة والاقتصادية، والنموذج الأوحد للقيم الإنسانية. ومن هنا، تأتي دعوة دوغين إلى تجاوز التصورات الغربية الحديثة، وإلى بناء عالم تتعدد فيه الحضارات والمراكز الكبرى، بحيث لا تفرض حضارة واحدة تعريفها للشرعية والعدالة والنظام على بقية العالم. وهذا ما يُعرف في فكره بـ”النظرية السياسية الرابعة”.[ii]

   وفي هذا السياق، يضع دوغين الحرب على إيران والحرب في أوكرانيا في إطار واحد، فهو يرى أن روسيا، في حربها مع أوكرانيا، تحاول كسر الهيمنة الغربية وخلق عالم متعدد الأقطاب، مثلها في ذلك مثل إيران التي تسعى جاهدة إلى تحقيق الهدف ذاته. ولهذا، يتعامل دوغين مع إيران وروسيا باعتبارهما دولتين تقفان موضوعيًا على جانب واحد، حتى وإن اختلفت أدواتهما ومجالات حركتهما. وقد ظهر هذا المعنى بوضوح في المقابلات التي أُجريت معه على منصة “سبوتنيك”، حين ربط دوغين صمود إيران في مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل بنضال روسيا في أوكرانيا من أجل تأسيس عالم متعدد الأقطاب والحضارات. وتجدر الإشارة إلى أن دوغين يضع إيران في مكانة محورية نظرًا لتحديها الهيمنة الأمريكية وسعيها إلى امتلاك قوة قادرة على مواجهة السيطرة الغربية المفرطة. بالإضافة إلى أنه يرى أنها دولة يمكن أن تصبح شريكًا محتملًا، بل ومحوريًا، لروسيا في فضائها الأوراسي، وفي مرحلة تأسيس عالم متعدد الأقطاب، وهو ما أكد عليه بقوله إن روسيا وإيران في خندق واحد من المواجهة.

   كما أن الهجوم الأمريكي – الإسرائيلي على إيران يكشف، من وجهة نظره، عن انهيار النظام العالمي القائم، فلم تعد المؤسسات الدولية مثل الأمم المتحدة ومجلس الأمن، قادرة على ضبط سلوك الدول الكبرى. ولذلك، يذهب دوغين إلى أن العالم لم يعد يعيش في ظل قواعد دولية تحكمه، بل في ظل منطق القدرة والقوة. وهذا يتسق أيضًا مع نقد دوغين القديم للغرب، إذ يعتبر أن القانون الدولي في النظام الأحادي ليس قانونًا محايدًا، بل أداة تستخدمها القوى الغربية حين تخدم مصالحها، وتتجاوزها حين تعوق حركتها.

   ومن هنا، يرى دوغين أن الحرب الجارية لا تُقاس فقط بموازين الربح والخسارة العسكرية، بل ترتبط أكثر بقدرتها على إحداث تحولات في الوعي العالمي وتأسيس عالم متعدد للأقطاب. فمجرد صمود إيران، وعدم انهيارها السريع، يمثل عنده هزيمة رمزية للهيمنة الغربية.

ثالثًا: دلالات الصمود الإيراني ومآلات الحرب في ضوء تصور دوغين لتحول النظام الدولي

   تكشف الحرب، من وجهة نظر دوغين، على العديد من الدلالات الهامة أهمها أنها تعبر عن بداية مرحلة جديدة في السياسة العالمية، مرحلة لم تعد فيها الهيمنة الأمريكية قادرة على إدارة الصراعات بالطريقة القديمة. فالحرب على إيران في تصوره لم تؤد إلى إخضاع إيران بشكل سريع، ولم تحقق انهيارًا داخليًا للنظام والمجتمع الإيراني، بل فتحت الباب أمام سلسلة من التداعيات الإقليمية والدولية، كان من أهمها الضربات الإيرانية المضادة التي وجهت للمواقع الأمريكية والإسرائيلية المختلفة، وحدوث العديد من الاضطرابات في منطقة الخليج العربي، وأزمة مضيق هرمز، وغيرها.

   كما أن الصمود الإيراني في وجه القوى الغربية، من منظوره، يبعث رسالة إلى العالم مفادها أن الولايات المتحدة يمكن تحديها. وهذا لا يعني بالضرورة أن إيران حققت نصرًا عسكريًا، بل يعني أنها استطاعت امتصاص الضربة الأمريكية – الإسرائيلية الخاطفة والرد عليها. فالنظام العالمي الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة الأمريكية يقوم على الخوف والذعر من العقاب الأمريكي، فإذا ظهرت دولة قادرة على امتصاص الضربة والرد وتوسيع تكلفة الحرب، فإن هذا الخوف يبدأ في التراجع. ولهذا، يصف دوغين الحرب بأنها “حرب من أجل العالم”، أي إنها لا تخص إيران وحدها، بل تخص كل القوى التي ترى أن زمن الهيمنة الأمريكية ينبغي أن ينتهي. [iii]

   كذلك يذهب دوغين إلى أن الحرب قد تسرع من وتيرة انهيار النظام الاقتصادي والمالي العالمي المرتبط بالغرب. فهو لا ينظر إلى اضطراب أسعار النفط أو حركة الملاحة في مضيق هرمز كأزمات اقتصادية يمكن معالجتها بعد الإنتهاء من الحرب، بل باعتبارها مؤشرات على هشاشة العولمة الغربية. فإذا كان الاقتصاد العالمي يعتمد على ممرات بحرية ومراكز مالية وسلاسل توريد قابلة للتعطيل، فإن الحرب تكشف أن النظام العالمي المحكم من الغرب هش إلى أقصى الحدود. ولذلك يرى أن الأزمة قد تفتح الباب أمام بناء نظام مالي واقتصادي جديد، أكثر استقلالًا عن هيمنة الدولار والمؤسسات المالية الغربية، وأكثر تعبيرًا عن مصالح القوى غير الغربية.    

   وختامًا، يمكن القول، بناءً على ما سبق عرضه، إن رؤية ألكسندر دوغين للحرب الأمريكية – الإسرائيلية على إيران لا تقف عند حدود التحليل العسكري أو السياسي المباشر فقط، بل تتجاوز ذلك إلى رؤية أبعد تتمثل في قراءة فلسفية وجيوسياسية أوسع، تربط بين البعد الوجودي والديني للحرب وبين التحولات الكبرى في بنية النظام الدولي. كما أن الحرب تعبر عن صراع عميق بين مشروع الهيمنة الغربية الأحادية ومشروع التعددية القطبية الذي تسعى قوى مثل روسيا وإيران إلى ترسيخه. ومن ثم، فإن أهمية تحليل دوغين تكمن في أنه ينقل الحرب من كونها أزمة إقليمية في الشرق الأوسط إلى كونها لحظة كاشفة لطبيعة الصراع العالمي الراهن.

   غير أن قراءة دوغين للحرب تظل محكومة بالأساس ببنيته الفكرية والسياسية المُشكلة لآرائه المختلفة، فهو لا يقدم تحليلًا محايدًا بقدر ما يعبر عن موقف أيديولوجي معادٍ للغرب ومؤيد لفكرة العالم متعدد الأقطاب. ومع ذلك، فإن أهمية رؤيته لا تكمن بالضرورة في دقة توقعاته أو حياديتها، وإنما تكمن في قدرتها على تقديم أطر تحليلية جديدة تساعد على فهم طبيعة الصراع الحالي، والكشف عن رؤية بعض النخب لمجريات هذا الصراع.


[i] عاد الباحث اثناء إعداده للتقرير إلى عدد من حلقات برنامج “تصعيد ألكسندر دوغين” خلال الفترة الممتدة من 2 مارس إلى 18 مايو،. لينك الوصول: https://radiosputnik.ru/eskalatsiya-aleksandra-dugina/

[ii]  Alexander Dugin, “The Fourth Political Theory”, trans. Mark Sleboda and Michael Millerman, (London: Arktos, 2012), p.29–30.

[iii] Alexander Dugin, “Iran’s War for the World,” March 10, 2026. https://alexanderdugin.substack.com/p/irans-war-for-the-world

باحث في النظرية السياسية بمركز ترو للدراسات

النينيو
انتخابات
الذكاء الاصطناعي
WhatsApp Image 2026-05-12 at 11.12
صورة التقرير
Scroll to Top