تبدي إسرائيل مراقبة يقظة وحثيثة للداخل الإيراني وتواصل القيادة السياسية والعسكرية الإسرائيلية عقد مشاورات تقييمية مكثفة لسيناريوهات التصعيد المحتملة، بما فى ذلك مواجهة مباشرة أو غير مباشرة مع إيران أو وكلائها في المنطقة. وصرح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بأن إسرائيل تتابع الأحداث عن كثب وتُعرب عن “تعاطفها مع كفاح الشعب الإيراني” على خلفية تصاعد واستمرار المظاهرات داخل إيران لعدة أسابيع احتجاجًا على تدهور الظروف الاقتصادية وارتفاع معدلات التضخم الحاد وانخفاض قيمة الريال، ثم سرعان ما اتسعت وشملت المجتمع المدني والطلاب والعمال والطبقات الفقيرة مطالبة بإصلاحات سياسية أو حتى إسقاط النظام الإيراني. واكتسبت زخمًا واسعًا خاصة بعد حدوث مواجهات دامية مع قوات الأمن، وإغلاق كامل للإنترنت بهدف كبح الانتشار، وتسجيل سقوط العديد من القتلى والجرحى واعتقالات واسعة، مما يدل على شدة التدهور والاستقطاب الاجتماعي والسياسي الحاد. وفي المقابل، دعا الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان إلى ضبط النفس مع المحتجين، مؤكدًا ضرورة الامتناع عن أي سلوك عنيف، وأشار إلى أهمية الاستماع لمطالب الشعب والعمل على التهدئة والحوار[1]. ورفعت إسرائيل مستوى التأهب إلى الدرجة القصوى على الجبهة الداخلية، وعززت جاهزية سلاح الجو ومنظومات الدفاع الجوي، وأصدرت قيادة الجبهة الداخلية تعليمات للسلطات المحلية بالاستعداد الكامل وتجهيز الملاجئ، تحسبًا لأي رد إيراني محتمل إذا أقدمت الولايات المتحدة على توجيه ضربة عسكرية لطهران، وذلك تزامنًا مع تلويح الرئيس الأمريكي ترامب -الذي لا يأبه بقواعد القانون الدولى- بإمكانية توجيه ضربة عسكرية إذا واصلت طهران قمع الاحتجاجات بعنف مفرط[2]. على ضوء ذلك، يسعى التقدير الراهن لتناول المصالح الإسرائيلية في إضعاف إيران، وبحث السيناريوهات المحتملة للموقف الإسرائيلي وإمكانية التدخل لإسقاط النظام الإيرانى سواء بشكل مباشر أو غير مباشر.
أولًا: المصالح الإسرائيلية في إضعاف إيران
إن العداء الإسرائيلى لإيران ذو طابع أيديولوجي واستراتيجي وتتبني إسرائيل تجاه إيران سياسة “الردع المسبق والضربة الوقائية”، أي تنفيذ عمليات استخباراتية وعسكرية استباقية لإضعاف القدرات الإيرانية قبل أن تشكل خطرًا فعليًا عليها سواء عبر هجمات سيبرانية، أو استهداف منشآت نووية كما حدث في نطنز وأصفهان في حرب الاثنى عشر يومًا في يونيو 2025. يفسر ذلك العداء الظاهر المتبادل بين إسرائيل وإيران أسباب عديدة لعل أولها اعتبار إسرائيل المشروع النووي الإيراني الخطر الوجودي الأول عليها، فامتلاك إيران لقدرات تخصيب اليورانيوم على مستوى عالٍ (تصل إلى 60% في بعض التقارير) يقربها بحسب التقديرات الإسرائيلية من القدرة على إنتاج سلاح نووي خلال فترة قصيرة مما يترتب عليه تغيير ميزان الردع في المنطقة وتقويض العقيدة الأمنية الإسرائيلية القائمة على التفوق العسكري النوعي. وثانيها أن إيران لديها أحد أكبر برامج الصواريخ الباليستية في الإقليم وتتعاون مع روسيا وخصوم الولايات المتحدة، وتعمل على تطوير الطائرات المسيرة الهجومية التي استخدمتها جماعات حليفة لها في المنطقة. ووفق تقديرات الجيش الإسرائيلي تمنح تلك القدرات إيران القدرة على استهداف العمق الإسرائيلي مباشرة أو عبر حلفائها كما حدث فعليًا في الضربات المتبادلة بينهما في يونيو 2025[3]، وهو ما يبرر أيضًا تطوير إسرائيل أنظمة دفاع مثل “القبة الحديدية” و“حيتس 3″، ونشر منظومة ثاد الأمريكية.وثالثها شبكة النفوذ الإقليمي الممتدة لإيران من خلال الوكلاء والجماعات المسلحة في اليمن (الحوثيين)، ولبنان (حزب الله)، وسوريا، والعراق وغيرها التي تستهدف إسرائيل وأيضًا القواعد الأمريكية في المنطقة. ورابعها سعى إيران لعرقلة اتفاقيات إبراهام والتطبيع مع بعض الدول العربية منذ 2020 حيث إن من شأن تلك الاتفاقيات تعاظم نفوذ إسرائيل في المنطقة مما يشكل تهديدًا مباشرًا على مصالح إيران، وكذلك الحال بالنسبة لتحالفاتها الاستراتيجية مع فصائل وجماعات المقاومة في فلسطين ولبنان والعراق واليمن[4]. وفي هذا الإطار، يمكن استنتاج أبرز المصالح الإسرائيلية المترتبة على إضعاف إيران كما يلي:
1- تقويض البرنامج النووي والصاروخي
تشير مؤسسات التقييم الإسرائيلية وفق تقرير معهد أبحاث الأمن القومي إلى أن العمليات السابقة ضد إيران شكلت نقطة تحول في مواجهة التهديد النووي، من خلال إضعاف أجزاء من البنية التحتية فالحرب الإسرائيلية الأمريكية على إيران فى 2025 قد أعادت برنامج إيران النووي إلى الوراء بدرجة كبيرة، حيث لم تعُد إيران دولة على عتبة النووي كما كانت عشية الحرب (أي دولة تمتلك القدرة على استكمال تخصيب اليورانيوم الذي بحوزتها إلى مادة انشطارية بدرجة 90%، المطلوبة للسلاح النووي، خلال أقل من أسبوعين من اتخاذ القرار). ومع ذلك، ما تزال لإيران قدرات متبقية، قد تُستخدم لاحقًا في مساعيها لاستعادة البرنامج، ويمكن لإيران أن تعود إلى مكانة دولة على عتبة النووي خلال سنة إلى سنتين وإضعاف إيران ينتج عنه تعطيل قدرتها على إنتاج السلاح النووي[5].
2-تحجيم نفوذ الوكلاء والجماعات المسلحة
كلما ضعفت إيران تقل قدرتها على تمويل وتسليح الجماعات الموالية لها، مما يخفض احتمال شن هجمات على إسرائيل وبالتالى تقل التهديدات المحيطة بإسرائيل على جبهات متعددة ويتم تحييد جبهات الإسناد.
3-المصالح الإقليمية وإعادة تشكيل ميزان القوى في الشرق الأوسط
تسعى إسرائيل من خلال إضعاف إيران إلى تثبيت موقعها كقوة مهيمنة في الشرق الأوسط وغرب آسيا. فكل تراجع في النفوذ الإيراني يتيح لإسرائيل تعزيز مكانتها وتوسيع علاقاتها الإقليمية، بالإضافة إلى الحفاظ على التفوق النووي والعسكري الإسرائيلي، وزيادة قدرة إسرائيل على الردع والاختراق السياسي[6].
4-تعزيز فرص إسرائيل في التقارب مع الدول العربية والخليجية
وفر الانقسام الطائفي المصطنع لأسباب سياسية بين إيران الشيعية ودول الخليج السنية فرصة لإسرائيل لبناء علاقات أمنية غير معلنة مع بعض دول الخليج. تتجلى تلك العلاقات في التعاون الاستخباراتي والتكنولوجي وحتى في مجالات الطاقة والأمن السيبراني. بناء على ذلك، يوفر إضعاف إيران مساحة مشتركة بين إسرائيل ودول الخليج لتعزيز التعاون في مجالات الأمن والاستخبارات، ويمنح تل أبيب فرصة لتوسيع تحالفاتها الإقليمية ضد التهديد الإيراني المشترك مدفوعًا بإبرام اتفاقيات إبراهام وتوسيعها لتضم دول أخرى وازنة كالمملكة العربية السعودية[7] وإندونيسيا وواعدة مثل كازاخستان وأذربيجان وأرمينيا[8].
5-تحسين الاقتصاد الإسرائيلي وتقليل مخاطر سوق الطاقة
يتوقع البعض أن يترتب على إضعاف إيران ومحور المقاومة تخفيض المخاطر على إمدادات الطاقة في المنطقة وبنية التجارة لأنه يحد من قدرة طهران على التحكم بمضيق هرمز أو تهديد الملاحة البحرية، مما ينعكس إيجابًا على بيئة الأعمال الإسرائيلية، خاصة مع أي ترتيبات أمنية مرافقة في الخليج والبحر الأحمر كما يسمح لإسرائيل بإنعاش الابتكار والتكنولوجيا الدفاعية، ويعزز ثقة المستثمرين الدوليين في بيئتها الاقتصادية المستقرة إلى حد ما. ويقوى مكانة الصناعات الأمنية الإسرائيلية، ويفتح لها أسواقًا وشراكات جديدة. وتجدر الإشارة إلى أنه رغم تهديد النظام الإيراني بإغلاق مضيق “هرمز” عدة مرات في العقود الماضية ولكنه لم يفعل ذلك أبدًا حتى في حرب يونيو 2025، لعدد من الأسباب: أولًا، تعتمد إيران بشدة على المضيق لصادراتها الطاقوية الخاصة. ثانيًا، أن البلدان الأخرى في المنطقة دعمت إيران رسميًا خلال أزمات مختلفة، وإغلاق المضيق يمكن أن يضر بمصالحها. ثالثًا، تتقاسم إيران رسميًا السيطرة على المضيق مع سلطنة عُمان المحايدة والتي كانت تستضيف المفاوضات مع الولايات المتحدة، وإذا أغلقت طهران “هرمز” من جانب واحد فإنها تنتهك المياه الإقليمية العُمانية. رابعًا، يثير إغلاق المضيق استياء الصين المشتري الأكبر للنفط الإيراني[9].
6-تشويه البنية العقائدية الإيرانية لصالح الرواية الإسرائيلية
تعد المواجهة الأيديولوجية بين طهران وتل أبيب ركيزة في الفكر الأمني الإسرائيلي، ومن ثم أي تراجع في الخطاب الثوري الإيراني وربطه بالقمع وفرض قيود على الحريات ينال من جاذبيته ويُضفي نوع من القبول الزائف بالسياسات الإسرائيلية ويقلل من التعاطف العربي مع الرواية الإيرانية المناهضة لإسرائيل[10]
7-تحويل الأنظار عن الأزمات الداخلية الإسرائيلية
يمنح التصعيد ضد إيران وإضعافها سواء بشكل مباشر أو غير مباشر الحكومة الإسرائيلية فرصة جديدة للترويج لخطاب شبعوى يركز على الخطر الخارجي الإيراني لتوحيد الإسرائيليين بدلًا من تنامي الانتقادات حول إخفاقات الإدارة الداخلية لحكومة نتنياهو والتحقيقات الرسمية معها بسبب الفشل يوم 7 أكتوبر 2023، كما أنه يؤدى لتأجيل تظاهرات الحريديم ضد حكومة نتنياهو رفضًا للتجنيد، وكذلك خلافات تمرير الميزانية الجديدة المرتقبة لعام 2026.
ثانيًا: السيناريوهات المحتملة للتدخل الإسرائيلي وإمكانية تغيير النظام الإيراني
تنذر الأيام القادمة بعدة سينايوهات بشأن التدخل الإسرائيلي في إيران وجميعها واردة وقابلة للتطبيق، كما أنها ليست بمعزل عن بعضها فقد تدعم إسرائيل المعارضة الإيرانية وفي نفس الوقت تشن هجومًا عسكريًا. وذلك كما يلي:
السيناريو الأول: الإحجام عن التدخل تحسبًا لالتفاف المتظاهرين حول النظام الإيراني لمواجهة خطر إسرائيل
يفترض هذا السيناريو امتناع القيادة الإسرائيلية عن التصعيد العسكري المباشر ضد إيران خشية أن يؤدي الخطر الخارجي إلى التفاف المتظاهرين حول النظام وتماسك نخبة الحكم والأجهزة الأمنية، مما يُضعف فرص التفكك أو الانهيار المحتمل للنظام الإيراني من الداخل، وأنه من المبكر تقييم ما إذا كانت التطورات في إيران تشكل تهديدًا فوريًا لبقاء النظام. ومع ذلك، قد تشكل تلك التطورات نقطة تحول في ميزان القوى بين من يسعون للتغيير الثوري في إيران ومؤيدي النظام الذين يصرون على الحفاظ عليه بأي ثمن، أو على الأقل تمهيد الطريق لتحول سياسي كبير في إيران لا تزال خصائصه وتداعياته ضبابية، وإيران حاليًا في وضع ثوري متصاعد يمكن أن يستمر لأشهر[11]. تتمثل دوافع هذا السيناريو في التخوف الإسرائيلي من النتائج العكسية وإحتمالية التماسك الداخلي الإيراني حيث تشير الشواهد التاريخية السابقة إلى أن النظام الإيراني يستثمر أي عدوان خارجي لتوحيد الشعب رغم الانقسامات كما حدث في حرب الثمانينيات مع العراق، وقد خرجت بالفعل مظاهرات مضادة مؤيدة للنظام الإيراني في 12 يناير 2026 انضم لها الرئيس الإيراني مسعود بيزيشكيان واعدًا بأن حكومته “مستعدة للاستماع”. وهي بمثابة رسالة للخارج بأن شرعية النظام الإيراني لا تزال قائمة رغم الأزمة الاقتصادية واتساع المظاهرات[12]. يضاف لذلك موقف المؤسسة العسكرية في إسرائيل المناوئ لشن هجوم حالي على إيران وتفضيل الترقب لما تسفر عنه المظاهرات التي قد تنجح في الضغط على النظام، وفي نفس الوقت تجنب إسرائيل فتح مزيد من الجبهات بشكل غير محسوب خاصة وأن إيران أعلنت بوضوح أنها ستعتبر إسرائيل والأراضي المحتلة أهدافًا شرعية إذا تعرضت لهجوم وكذلك القواعد العسكرية الأمريكية [13]، كما طالب رئيس الوزراء نتنياهو من الحكومة عدم الحديث عن إمكانية توجيه ضربة إيران علنًا، مما يعكس حذرًا سياسيًا ورغبة في تجنب استفزاز الداخل الإيراني. يعزز احتمالية هذا السيناريو أن الولايات المتحدة حتى الآن في ضوء ماهو معلن لم تقرر التدخل العسكري ففي إيران رغم تحريض نتنياهو على ذلك، وقد ناقش بالفعل مع وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو إمكانية التدخل الأمريكي في إيران. وربما ترغب الولايات المتحدة في إعطاء فرصة للتفاوض مع إيران يؤشر على ذلك إعلان الرئيس ترامب أن إيران مؤخرًا دعت الولايات المتحدة للتفاوض بشأن برنامجها النووي وربما يحدث لقاء بين الجانبين[14].
السيناريو الثانى: توجيه إسرائيل ضربة استباقية لإيران
يتبنى هذا السيناريو إمكانية حدوث هجوم إسرائيلي على عدة أهداف حيوية وقد تتوسع لتشمل اغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي، وتغيير النظام في إيران واستبداله بنظام ليبرالى منفتح على إسرائيل في إطار الردع. يأتي ذلك السيناريو تحسبًا لما تردد في بعض وسائل الإعلام عن احتمالية قيام إيران بعمل عسكري يستهدف إسرائيل[15]، لاكتساب تعاطف الرأي العام الإيراني والحد من المظاهرات ضد النظام واحتواء غضب الشارع. ويعززه أن توجيه إسرائيل ضربة استباقية لإيران في وقت تواجه فيه مظاهرات واسعة النطاق واستقطاب سياسى حاد يضعفها ويحقق مصالح إسرائيل السابق الإشارة إليها مثل استهداف البرنامج النووي، وتقليص الدعم الإيراني لوكلاء إيران في المنطقة، واكتساب إسرائيل لنفوذ إقليمى واسع، علاوة على تحسين شعبية نتنياهو في الداخل الإسرائيلى وإظهاره كشخص قوي في مواجهة التهديد الإيراني في ظل الانتخابات الوشيكة وتشبثه الراسخ بالسلطة ورغبته في تشكيل الحكومة القادمة. فقد أظهرت نتائج استطلاع رأي أجراه معهد الديمقراطية الإسرائيلي في أبريل 2025 أن حوالي نصف الإسرائيليين يؤيدون ضربة على إيران حتى بدون دعم الولايات المتحدة، مع وجود فروق بين اليهود والعرب الإسرائيليين (52 ٪ من اليهود مقابل 9 ٪ من العرب يؤيدون الضربة دون دعم أمريكي)[16]. ومن جانب آخر، يحد من إمكانية تحقق ذلك السيناريو ضرورة تنسيق إسرائيل مع الولايات المتحدة والحصول على الضوء الأخضر منها لتنفيذ الضربة المتوقعة والقيام بالاستعدات اللازمة بمساعدة من الولايات المتحدة تحسبًا للرد الإيراني واستهداف العمق الإسرائيلي بالصواريخ الباليستية والمسيرات وغيرها سواء من إيران مباشرة أو وكلائها من الجماعات المسلحة. فضلًا عن موقف الجيش الإسرائيلي الحذر في التورط حاليًا في عمل عسكري ضد إيران قبل إعطاء فرصة كافية للاحتجاجات الداخلية في إيران، بالإضافة إلى ارتفاع تكلفة ذلك السيناريو المادية والبشرية، وإنزلاق المنطقة إلى الفوضى وتزايد التهديدات الأمنية فقد تسعى الأقليات القومية (الأكراد، البلوش، العرب في الأهواز) إلى الحكم الذاتي أو الانفصال، مما يفتح الباب أمام النزاعات المسلحة.
السيناريو الثالث: التدخل الإسرائيلي غير المباشر ودعم المعارضة الإيرانية
مفاد هذا السيناريو أن اللحظة الراهنة مناسبة تمامًا لاستغلال إسرائيل الانقسام الحاد واتساع الاحتجاجات في إيران من خلال دعم المعارضة والمتظاهرين بأشكال متعددة مثل الدعم الإعلامي والمبالغة وتضخيم أصوات المعارضة عبر منصات ناطقة بالفارسية، وإبراز الانتهاكات الأمنية ضد المتظاهرين. يدل على ذلك وصف نتنياهو قتل المتظاهرين بأنه “جريمة ضد الإنسانية”، وأكد أن النظام الإيراني يثبت مرة أخرى أنه “عدو لشعبه قبل أن يكون عدوًا لإسرائيل”، وأبدى إعجابه بالشجاعة الكبيرة التي يبديها الشعب الإيراني وأمله في “أن يتحرر الشعب الفارسي قريبًا من الاستبداد”. وطالب المجتمع الدولي بفرض مزيد من العقوبات على إيران، ودعم الشعب الإيراني في مطالبه بالحرية والعدالة[17]. ومن أهم أشكال التدخل غير المباشر أيضًا تجنيد شبكات داخلية من العملاء لتزويد إسرائيل بالمعلومات الحساسة، وتقديم أموال أو حوافز لهم مثل العملات الرقمية. وقد أقدم النظام الإيراني في 2026 على إعدام شخص اتهم بالتجسس لصالح الموساد مما يعكس كثافة التحركات الإسرائيلية السرية والاستخباراتية في الداخل الإيراني[18]. وكذلك تحريض إسرائيل ضد إيران دوليًا مثل حث وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر الاتحاد الأوروبي على تصنيف الحرس الثوري الإيراني كمنظمة إرهابية[19].
وتجدر الإشارة إلى أن المعارضة الإيرانية ليست كتلة موحدة بنفسها، بل تتضمن جماعات متنوعة تتراوح بين منظمات تدعو إلى إسقاط النظام مثل المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية (مجاهدي خلق) وهي جماعة منفية في أوروبا تطالب بإسقاط النظام الإيراني وإقامة جمهورية ديمقراطية غير نووية مع فصل الدين عن الدولة، والمساواة بين الجنسين، وكذلك الحكم الذاتي للقوميات الإيرانية [20]، وقد أفقدها تحالفها مع العراق خلال الحرب العراقية الإيرانية بين عامي 1980 و1988 تعاطف شريحة واسعة من الإيرانيين. وهناك التيارات الملكية أو مناصرو الشاه السابق لديها حضور إعلامي وبعضها يؤيد فكرة إطلاق حملات خارجية ضد النظام، والحركات القومية الكردية والبلوشية بالإضافة إلى تيارات اجتماعية احتجاجية داخلية تُركز على مطالب اقتصادية واجتماعية[21]. ويعكس هذا التنوع ضعف قدرة المعارضة على تشكيل بديل موحد لأنها شديدة التشتت، ومنقسمة إيديولوجيًا وتفتقر إلى قيادة موحدة قادرة على تحويل الاحتجاجات إلى مسار سياسي منظم لكن في الوقت نفسه يمكن توظيفها سياسيًا من جانب إسرائيل.
مجمل القول إنكل السيناريوهات قائمة فإضعاف إيران يمثل مصلحة إسرائيلية عليا يحافظ على تفوقها النووي، وأي تراجع في الدور الإيراني سيُعيد تشكيل توازنات القوة لصالح إسرائيل سواء في سوريا ولبنان وغزة وغيرها، ويحيد تهديدات وكلاء إيران. وتتفق التحليلات على أن إسرائيل تتحرك ضمن تصور استراتيجي طويل المدى يربط بين تفكيك النفوذ الإيراني وضمان هيمنة أمنية إقليمية طويلة الأمد.
المراجع
[1] – الرئيس الإيراني يدعو إلى ضبط النفس والاستماع لمطالب الشعب، القاهرة الإخبارية ، ٨ يناير ٢٠٢٦
[2] – محمد وتد، إسرائيل في حالة تأهب قصوى مع تصاعد الاحتجاجات الإيرانية وخطر التصعيد ، الجزيرة نت، 11 يناير ٢٠٢٦
[3] – أحمد عبد الحكيم، كيف نفهم حدود وقدرة الرد الإيرانيين على إسرائيل؟، إندبندنت، 14 يونيو 2025
[4] – عبد القادر بدوي، إسرائيل إذ تسعى لمهاجمة المشروع النووي الإيراني: قراءة في الفرص والمعيقات ، المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية ،22 ديسمبر 2024
[5] – عبد القادر بدوي، إسرائيل وإيران: مواجهة لم تُحسم بعد ، المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية ، 28 يوليو 2025
[6] – Farshad Roomi, The Iran-Israel Conflict: An Ultra-Ideological Explanation, Middle East Policy, Volume30, Issue2, Summer 2023 ,pp 3-6
[7] – Eiran, Ehud. Structural Shifts and Regional Security: A View from Israel. Rome: Istituto Affari Internazionali (IAI), April 2020.
https://www.iai.it/sites/default/files/iaip2007.pdf
[8] – كازاخستان تنضم إلى “اتفاقات أبراهام” وتصف الخطوة بأنها “طبيعية ومنطقية”، يورونيوز، 7 نوفمبر 2025
[9] – همايون فلكشاهي وآخرون، تداعيات الصراع الإيراني الإسرائيلي على الاقتصاد والطاقة، معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى ، ٢٧ يونيو ٢٠٢٥
[10] – Farshad Roomi, Op.Cit ,pp 6-8
[11] – Dashboard: Protests in Iran, INSS Institute for National Security Studies, 12 January 2026
https://www.inss.org.il/publication/iran-protests/
[12] – Iran draws tens of thousands of pro-government demonstrators to the streets in show of power after nationwide protests, The Associated Press, January 12, 2026
[13] – إيران تهدد بالرد على أي هجوم أمريكي بقصف إسرائيل وقواعد واشنطن في المنطقة، روسيا اليوم ، 11 يناير 2026
[14] – ترمب: إيران طلبت التفاوض بشأن برنامجها النووي، الغد، 12 يناير 2026
[15] – إيران تهدد بـ”ضربة استباقية” محتملة ضد إسرائيل، إرم نيوز، 6 يناير 2026
https://www.eremnews.com/news/world/xl1yqqp
[16] – Nearly half of Israelis back Iran strike without US support – survey, Jerusalem Post, April 30, 2025
https://www.jpost.com/israel-news/article-852033?utm_source=chatgpt.com
[17] – نتنياهو يأمل “تحرر إيران” والجيش الإسرائيلي يتأهب، دويتشه فيله ، 11 يناير 2026
[18] – Iran executes a man convicted of spying for Israel’s Mossad, Associated Press , January 7, 2026
https://apnews.com/article/iran-execution-israel-mossad-spy-fc37853bd469cf82aac41b8a80a4cabb
[19] -Iran threatens to hit Israel in response to any US strike; Israel said to be on high alertm, Times of Israel , 11 January 2026
[20] – المعارضة مريم رجوي تدعو الإيرانيين إلى إسقاط خامنئى ، رويترز ، 24 يونيو 2025
https://www.reuters.com/ar/world/CWMNNMCV6VK4HIJFII6K7IYZUU-2025-06-24/?utm_source=chatgpt.com
[21] – ماذا نعرف عن القوى المعارضة الإيرانية.. وكيف تُرسم خارطة نفوذها في الداخل والخارج؟، مونت كارلو الدولية، 11 يناير 2026
عضو الهيئة الاستشارية بمركز ترو للدراسات