Cairo

الذكاء الاصطناعي وإعادة تشكيل بيئة الصراع الدولي: قراءة في مؤشر السلام العالمي 2026

قائمة المحتويات

باحث في العلاقات الدولية بمركز ترو للدراسات والتدريب

يشهد النظام الدولي خلال السنوات الأخيرة حالة متزايدة من الاضطراب وعدم الاستقرار نتيجة تصاعد الصراعات المسلحة وتنامي حدة التنافس الجيوسياسي بين القوى الكبرى، الأمر الذي انعكس بصورة مباشرة على مستويات الأمن والسلم الدوليين. وفي هذا السياق، جاء تقرير مؤشر السلام العالمي لعام 2026 ليؤكد أن العالم يمر بإحدى أكثر المراحل اضطرابًا منذ عقود، حيث سجلت مؤشرات السلام العالمي تراجعًا ملحوظًا بفعل اتساع نطاق النزاعات المسلحة وتزايد عدد الدول المنخرطة في صراعات داخلية وإقليمية، إلى جانب تصاعد التوترات الدولية المرتبطة بإعادة تشكيل موازين القوة العالمية.[1]

ولا يرتبط هذا التراجع فقط باستمرار الحروب التقليدية أو توسع بؤر النزاع الإقليمي، بل يتزامن مع تحولات نوعية في طبيعة الصراع الدولي نفسه، وفي مقدمتها التطور المتسارع لتقنيات الذكاء الاصطناعي وتزايد توظيفها في المجالات العسكرية والأمنية. فقد أصبحت تطبيقات الذكاء الاصطناعي جزءًا متناميًا من أدوات إدارة العمليات العسكرية، سواء من خلال الطائرات المسيّرة، أو أنظمة الاستهداف الذاتي، أو تحليل البيانات الاستخباراتية، أو الهجمات السيبرانية، وهو ما يفتح المجال أمام أنماط جديدة من الصراع تختلف في خصائصها وآلياتها عن الحروب التقليدية التي عرفها النظام الدولي خلال القرن الماضي.[2]

وتكمن خطورة هذه التحولات في أن التطور التكنولوجي العسكري يجري بوتيرة أسرع من قدرة المؤسسات الدولية والقواعد القانونية القائمة على مواكبته وتنظيمه، الأمر الذي يثير تساؤلات متزايدة بشأن مستقبل الاستقرار الدولي وحدود المسؤولية القانونية والأخلاقية للأنظمة العسكرية الذكية. كما يفرض تحديات جديدة على مفاهيم الردع والأمن الجماعي وإدارة الأزمات، خاصة في ظل غياب توافق دولي واضح حول قواعد استخدام الذكاء الاصطناعي في المجال العسكري.[3]

وفي ضوء ذلك، يسعى هذا التقرير إلى تحليل العلاقة بين التراجع المسجل في مستويات السلام العالمي وفقًا لمؤشر السلام العالمي 2026 وبين التحولات التي أحدثها الذكاء الاصطناعي في بيئة الصراع الدولي، من خلال استعراض أبرز مؤشرات تراجع السلام العالمي، وتحليل دور الذكاء الاصطناعي في إعادة تشكيل طبيعة الحروب المعاصرة، ثم مناقشة الانعكاسات الاستراتيجية والقانونية والأمنية لهذه التحولات على مستقبل الأمن والسلم الدوليين.

أولًا: تراجع السلام العالمي في تقرير 2026

يكشف تقرير مؤشر السلام العالمي لعام 2026 عن دخول النظام الدولي مرحلة جديدة من التراجع في مستويات الأمن والاستقرار، حيث سجل العالم أدنى مستوى للسلام منذ إطلاق المؤشر قبل ما يقرب من عقدين. ويعكس هذا التراجع حالة متصاعدة من عدم اليقين الاستراتيجي، في ظل تزايد الصراعات المسلحة واتساع نطاق المنافسة الجيوسياسية بين القوى الكبرى، إلى جانب بروز تحديات أمنية وتكنولوجية جديدة أعادت تشكيل طبيعة التهديدات الدولية. ويشير التقرير إلى أن 99 دولة شهدت تراجعًا في مستويات السلام خلال العام الأخير، وهو أعلى عدد يتم تسجيله منذ بدء إصدار المؤشر، كما أن نحو 73% من دول العالم أصبحت أقل سلمًا مقارنة بمستوياتها عند إطلاق المؤشر عام 2007، بما يعكس وجود اتجاه عالمي طويل الأمد نحو تدهور البيئة الأمنية الدولية.[4]

وعلى مستوى الترتيب العالمي، حافظت الدول التي تتمتع بمستويات مرتفعة من الاستقرار السياسي والتماسك المؤسسي وانخفاض معدلات العنف على مواقعها المتقدمة في المؤشر. فقد جاءت أيسلندا في المرتبة الأولى عالميًا باعتبارها الدولة الأكثر سلمًا في العالم، تلتها نيوزيلندا وسويسرا وسلوفينيا وأيرلندا، بينما ضمت المراكز العشرة الأولى أيضًا كلًا من النمسا والبرتغال وسنغافورة وفنلندا واليابان. وفي المقابل، تركزت المراتب الأخيرة في الدول التي تشهد صراعات مسلحة ممتدة أو أزمات أمنية حادة، حيث جاءت روسيا في المركز الأخير عالميًا، تلتها السودان وجمهورية الكونغو الديمقراطية وأوكرانيا وإسرائيل. وتعكس هذه النتائج استمرار العلاقة الوثيقة بين الاستقرار السياسي والأمني وبين ارتفاع مستويات السلام، في مقابل تأثير النزاعات المسلحة وعدم الاستقرار الداخلي في تراجع ترتيب الدول على المؤشر.[5]

أما على مستوى الدول العربية، فقد حافظت دولة قطر على موقعها كأكثر الدول العربية سلمًا، وجاءت في صدارة دول منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، تلتها كل من الكويت وسلطنة عُمان والإمارات العربية المتحدة والأردن، وهي الدول التي استفادت من مستويات مرتفعة نسبيًا من الاستقرار المؤسسي والأمني وانخفاض معدلات العنف مقارنة بعدد من دول المنطقة. كما سجلت كل من تونس والمغرب أداءً إيجابيًا نسبيًا على المؤشر، بما يعكس قدرة أكبر على الحفاظ على الاستقرار الداخلي رغم التحديات الاقتصادية والإقليمية المحيطة. وفي المقابل، استمرت الدول العربية التي تشهد نزاعات مسلحة أو أزمات سياسية وأمنية ممتدة، مثل السودان واليمن وسوريا، في التواجد ضمن الفئات الأقل سلمًا على المؤشر نتيجة التأثير المباشر للصراعات المسلحة وتراجع فعالية مؤسسات الدولة وتزايد المخاطر الأمنية. أما مصر، فقد واصلت خلال السنوات الأخيرة تحقيق تحسن ملحوظ في مؤشرات السلام والاستقرار مقارنة بمستوياتها السابقة، وهو ما يعكس تحسنًا نسبيًا في عدد من المؤشرات المرتبطة بالأمن الداخلي والاستقرار المجتمعي وقدرة مؤسسات الدولة على احتواء التهديدات الأمنية. وتكشف هذه النتائج في مجملها عن وجود تفاوت واضح داخل العالم العربي بين دول نجحت في ترسيخ الاستقرار وتعزيز فعالية مؤسساتها، وأخرى ما تزال تواجه تداعيات الصراعات الممتدة والهشاشة الأمنية، الأمر الذي انعكس بصورة مباشرة على مستويات السلام المسجلة في المؤشر.[6]

وتبرز خريطة الصراعات الدولية الحالية حجم التحولات التي تشهدها البيئة الاستراتيجية العالمية، إذ لم تعد النزاعات المسلحة مقتصرة على مناطق جغرافية محددة، بل أصبحت تمتد عبر أقاليم متعددة تشمل أوروبا الشرقية والشرق الأوسط وإفريقيا وآسيا. فقد استمرت الحرب الروسية الأوكرانية في التأثير على الأمن الأوروبي والعالمي، بينما ظلت الحرب في قطاع غزة والتوترات الإقليمية المرتبطة بها أحد أبرز مصادر عدم الاستقرار في الشرق الأوسط. كما شهدت مناطق الساحل الإفريقي والسودان وميانمار وباكستان وغيرها مستويات مرتفعة من العنف وعدم الاستقرار. ويؤكد التقرير أن عدد الدول المنخرطة في صراعات خارج حدودها ارتفع بصورة غير مسبوقة، بما يعكس تنامي الطابع الدولي للنزاعات المعاصرة وتحولها من أزمات محلية إلى صراعات متعددة الأطراف ذات أبعاد إقليمية ودولية متشابكة.[7]

ويرجع التقرير هذا التراجع في مستويات السلام إلى مجموعة من العوامل المتداخلة. فمن ناحية، أدت المنافسة المتزايدة بين القوى الكبرى إلى زيادة حدة الاستقطاب الدولي وتراجع فعالية العديد من آليات إدارة الأزمات التقليدية. ومن ناحية أخرى، ساهمت الصراعات الممتدة لفترات طويلة في إضعاف مؤسسات الدولة وخلق بيئات مواتية لانتشار الجماعات المسلحة والإرهاب والجريمة المنظمة. كما أدى تصاعد الإنفاق العسكري عالميًا إلى تعزيز منطق الردع والمواجهة على حساب مقاربات التسوية السلمية وبناء السلام. وإلى جانب ذلك، أشار التقرير إلى أن التطورات التكنولوجية المتسارعة، وخاصة في مجالات الذكاء الاصطناعي والطائرات المسيّرة والقدرات السيبرانية، بدأت تؤثر بصورة مباشرة في ديناميكيات الصراع الدولي وتزيد من تعقيد جهود احتوائه وتسويته.[8]

ومن أهم الملاحظات التي يبرزها المؤشر أن النزاعات الدولية لم تعد تُفهم باعتبارها أزمات منفصلة، وإنما أصبحت مترابطة بصورة متزايدة داخل شبكة عالمية من التفاعلات الأمنية والاقتصادية والسياسية. فالحروب تؤثر في أسواق الطاقة والغذاء وسلاسل الإمداد العالمية، بينما تؤدي الأزمات الاقتصادية إلى زيادة معدلات الهشاشة وعدم الاستقرار داخل العديد من الدول، الأمر الذي يخلق بيئات جديدة للصراع. كما أن التطورات التكنولوجية وانتشار الفضاء السيبراني جعلا آثار النزاعات تتجاوز الحدود الجغرافية التقليدية لتؤثر في الأمن العالمي بأكمله. ومن ثم فإن تراجع السلام العالمي لا يعكس فقط زيادة عدد الحروب والصراعات، بل يشير أيضًا إلى تصاعد درجة الترابط بين الأزمات الدولية، بما يجعل أي صراع محلي قادرًا على إنتاج تداعيات عالمية واسعة النطاق.[9]

وفي ضوء هذه المؤشرات، يلفت تقرير السلام العالمي 2026 النظر إلى أن العالم يواجه مرحلة تتسم بارتفاع مستويات المخاطر الاستراتيجية وتراجع قدرة النظام الدولي على احتواء الأزمات بالآليات التقليدية، وهو ما يفسر تصاعد الاهتمام الدولي بدراسة المتغيرات الجديدة المؤثرة في الصراع، وفي مقدمتها الذكاء الاصطناعي العسكري، باعتباره أحد العوامل التي قد تعيد تشكيل مستقبل الأمن والسلم الدوليين خلال السنوات المقبلة.

ثانيًا: دور الذكاء الاصطناعي في تراجع السلام العالمي

يشهد النظام الدولي في السنوات الأخيرة تحولًا نوعيًا في طبيعة الصراعات المسلحة نتيجة التطور المتسارع لتقنيات الذكاء الاصطناعي وتزايد دمجها في المجالات العسكرية والأمنية. فبعد أن ارتبطت القوة العسكرية لعقود طويلة بحجم القوات المسلحة والتفوق في التسليح التقليدي، أصبحت القدرة على توظيف البيانات والخوارزميات والأنظمة الذكية أحد أهم محددات القوة والنفوذ في البيئة الاستراتيجية المعاصرة. وقد أدى هذا التحول إلى ظهور أنماط جديدة من الحروب تعتمد بصورة متزايدة على التكنولوجيا المتقدمة والأنظمة غير المأهولة والقدرات السيبرانية، الأمر الذي أعاد صياغة مفاهيم الردع والتفوق العسكري وإدارة العمليات القتالية.[10]

وفي هذا السياق، برزت الحرب المدعومة بالذكاء الاصطناعي باعتبارها أحد أهم التحولات التي تشهدها الصراعات الدولية المعاصرة. ويقصد بها توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي في مختلف مراحل العمل العسكري، بدءًا من جمع المعلومات وتحليلها، مرورًا بالتخطيط العملياتي واتخاذ القرار، وصولًا إلى تنفيذ العمليات القتالية وإدارة ساحات المعركة. وتتمثل أهمية هذه التقنيات في قدرتها على معالجة كميات ضخمة من البيانات خلال فترات زمنية قصيرة، بما يسمح بتسريع عملية اتخاذ القرار العسكري ورفع كفاءة العمليات القتالية. وقد دفعت هذه القدرات العديد من القوى الكبرى إلى اعتبار الذكاء الاصطناعي عنصرًا أساسيًا في استراتيجياتها الدفاعية والعسكرية، باعتباره أحد المجالات الرئيسية للتنافس الاستراتيجي خلال العقود المقبلة.[11]

وتُعد الطائرات المسيّرة والأنظمة ذاتية التشغيل من أبرز التطبيقات العسكرية للذكاء الاصطناعي في الوقت الراهن. فقد شهدت النزاعات الحديثة، سواء في أوكرانيا أو الشرق الأوسط أو مناطق أخرى، استخدامًا واسعًا للطائرات غير المأهولة في مهام الاستطلاع والمراقبة والاستهداف وتنفيذ الضربات الدقيقة. كما ساهم دمج تقنيات الذكاء الاصطناعي في هذه المنصات في زيادة قدرتها على التعرف على الأهداف وتتبعها والتعامل مع المتغيرات الميدانية بصورة أكثر استقلالية. وإلى جانب الطائرات المسيّرة، تتجه العديد من الدول نحو تطوير أنظمة قتالية ذاتية التشغيل تشمل المركبات البرية غير المأهولة والزوارق البحرية الذكية وأنظمة الدفاع الجوي المدعومة بالخوارزميات المتقدمة. ويعكس هذا التوجه تحولًا تدريجيًا نحو تقليل الاعتماد على العنصر البشري في بعض المهام القتالية، بما يساهم في خفض التكاليف وتقليل الخسائر البشرية، لكنه يثير في الوقت ذاته تحديات أخلاقية وقانونية تتعلق بحدود استقلالية الآلات في اتخاذ قرارات استخدام القوة.[12]

كما أصبح الذكاء الاصطناعي يؤدي دورًا متزايد الأهمية في مجالات الاستخبارات العسكرية والاستهداف العملياتي. فالأجهزة الأمنية والعسكرية باتت تعتمد على خوارزميات متقدمة لتحليل الصور الفضائية وبيانات الاستشعار والمعلومات المستخرجة من وسائل الاتصال والمنصات الرقمية، بما يتيح اكتشاف الأنماط والمؤشرات المرتبطة بالتهديدات المحتملة بصورة أكثر سرعة ودقة. وقد أدى ذلك إلى تعزيز قدرات الجيوش على تحديد الأهداف ورصد التحركات العسكرية والتنبؤ بالسلوك العملياتي للخصوم. كما أسهم الذكاء الاصطناعي في تطوير أنظمة القيادة والسيطرة التي توفر للقادة العسكريين صورة ميدانية أكثر شمولًا وتكاملًا، الأمر الذي يعزز من سرعة الاستجابة للمتغيرات الميدانية. غير أن الاعتماد المتزايد على الخوارزميات في عمليات الاستهداف يثير مخاوف متعلقة بإمكانية وقوع أخطاء تقنية أو تحيزات برمجية قد تؤدي إلى نتائج عسكرية وإنسانية خطيرة.[13]

وإلى جانب الاستخدامات المباشرة في العمليات العسكرية، أصبح الذكاء الاصطناعي أحد المحركات الرئيسية لتطور الحرب السيبرانية، التي تمثل أحد أبرز مجالات الصراع في القرن الحادي والعشرين. فقد ساهمت هذه التقنيات في تطوير أدوات هجومية ودفاعية أكثر تعقيدًا، قادرة على اكتشاف الثغرات الرقمية واستغلالها أو التصدي لها بصورة شبه تلقائية. كما تتيح تطبيقات الذكاء الاصطناعي تنفيذ عمليات واسعة النطاق تستهدف البنى التحتية الحيوية وشبكات الاتصالات وأنظمة الطاقة والمؤسسات المالية، بما يجعل الفضاء السيبراني ساحة متقدمة للتنافس والصراع بين الدول. وتزداد خطورة هذا النمط من الحروب لكونه يتجاوز الحدود الجغرافية التقليدية ويصعب في كثير من الأحيان تحديد الجهة المسؤولة عنه بشكل قاطع، الأمر الذي يحد من فعالية أدوات الردع التقليدية ويزيد من احتمالات التصعيد غير المحسوب.[14]

وفي ضوء هذه التطورات، يتضح أن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد أداة تقنية مساعدة للقدرات العسكرية، بل أصبح عنصرًا مؤثرًا في إعادة تشكيل طبيعة الصراع الدولي وميزان القوة بين الدول. فكلما توسعت تطبيقاته العسكرية والأمنية، ازدادت قدرته على تغيير قواعد الحرب وإعادة تعريف مفاهيم التفوق والردع والاستجابة للأزمات. ومن ثم فإن فهم انعكاسات هذه التحولات لم يعد يقتصر على الجوانب التقنية والعسكرية فحسب، بل أصبح ضرورة لفهم مستقبل الأمن والسلم الدوليين في عالم يشهد تزايدًا مستمرًا في الاعتماد على التكنولوجيا الذكية في إدارة الصراعات الدولية.

ثالثًا: مستقبل السلام العالمي في ظل استخدام الذكاء الاصطناعي

أدى التوسع المتسارع في توظيف الذكاء الاصطناعي داخل المجالات العسكرية والأمنية إلى إحداث تحولات عميقة في بيئة الأمن الدولي، حيث لم يعد تأثير هذه التقنيات مقتصرًا على تطوير القدرات القتالية للدول، وإنما امتد ليشمل إعادة تشكيل مفاهيم الردع وإدارة الأزمات والتوازنات الاستراتيجية بين القوى الدولية. وفي الوقت الذي توفر فيه تطبيقات الذكاء الاصطناعي فرصًا لتعزيز الكفاءة العسكرية وتحسين القدرات الدفاعية، فإنها تطرح في المقابل مجموعة متزايدة من التحديات التي قد تؤثر بصورة مباشرة في مستقبل الأمن والسلم الدوليين.[15]

ومن أبرز هذه التحديات تراجع فعالية آليات الردع التقليدية التي شكلت لعقود طويلة أحد الركائز الأساسية للاستقرار الاستراتيجي بين الدول. فقد ارتبطت نظريات الردع التقليدية بقدرة الدول على إظهار القوة العسكرية وامتلاك وسائل واضحة للرد على أي تهديد محتمل، إلا أن دخول تقنيات الذكاء الاصطناعي إلى المجال العسكري أدى إلى تعقيد هذه المعادلة. فالعمليات السيبرانية المدعومة بالذكاء الاصطناعي، والهجمات التي تنفذها أنظمة غير مأهولة، والقدرة على توجيه ضربات دقيقة وسريعة، تجعل من الصعب أحيانًا تحديد الجهة المسؤولة عن الهجوم أو تقدير حجم التهديد بصورة فورية. كما أن سرعة اتخاذ القرار التي توفرها الخوارزميات المتقدمة قد تقلص الوقت المتاح أمام القادة السياسيين والعسكريين لتقييم المواقف واتخاذ قرارات مدروسة، وهو ما يزيد من احتمالات سوء التقدير والتصعيد غير المقصود بين الدول.[16]

وفي الوقت نفسه، يثير الاستخدام العسكري للذكاء الاصطناعي تحديات متزايدة أمام القانون الدولي الإنساني الذي تأسس على افتراض وجود مسؤولية بشرية مباشرة عن القرارات المتعلقة باستخدام القوة أثناء النزاعات المسلحة. فمع تزايد الاعتماد على الأنظمة ذاتية التشغيل في تنفيذ بعض المهام القتالية، تبرز تساؤلات جوهرية حول المسؤولية القانونية في حال وقوع أخطاء أو استهداف غير مشروع للمدنيين. كما تزداد صعوبة تطبيق مبادئ التمييز والتناسب والضرورة العسكرية، التي تعد من الركائز الأساسية للقانون الدولي الإنساني، في ظل اعتماد بعض الأنظمة على خوارزميات معقدة قد يصعب تفسير آليات عملها أو مراجعة قراراتها بشكل كامل. ولذلك أصبح الجدل الدولي حول ما يعرف بالأسلحة ذاتية التشغيل الفتاكة” أحد أبرز القضايا المطروحة داخل المؤسسات الدولية المعنية بالأمن ونزع السلاح.[17]

ومن الانعكاسات المهمة كذلك تصاعد مخاطر سباق التسلح التكنولوجي بين القوى الكبرى والقوى الإقليمية الصاعدة. فقد بات الذكاء الاصطناعي يُنظر إليه باعتباره أحد المجالات الحاسمة في المنافسة الاستراتيجية الدولية، على غرار السباقات التاريخية المرتبطة بالأسلحة النووية أو تكنولوجيا الفضاء. وتسعى العديد من الدول إلى تطوير قدراتها في مجالات الذكاء الاصطناعي العسكري والطائرات المسيّرة والأنظمة الذاتية والقدرات السيبرانية المتقدمة، إدراكًا منها لأهمية هذه التقنيات في تعزيز النفوذ والقدرة الردعية. غير أن هذا التنافس قد يؤدي إلى زيادة مستويات عدم الاستقرار الدولي، خاصة إذا ارتبط بغياب قواعد تنظيمية واضحة أو بوجود فجوات تكنولوجية واسعة بين الدول. كما أن انخفاض تكلفة بعض التقنيات الذكية مقارنة بالأنظمة العسكرية التقليدية يرفع احتمالات انتشارها بين عدد أكبر من الفاعلين، بما في ذلك الجماعات المسلحة والتنظيمات غير الحكومية، وهو ما يضاعف من التحديات الأمنية على المستويين الإقليمي والدولي.[18]

وفي مواجهة هذه التحديات، برزت قضية الحوكمة الدولية للذكاء الاصطناعي العسكري باعتبارها إحدى القضايا الأكثر إلحاحًا على أجندة الأمن الدولي المعاصر. فالتطور المتسارع لهذه التقنيات تجاوز في كثير من الأحيان قدرة الأطر القانونية والتنظيمية الحالية على مواكبته، الأمر الذي دفع الأمم المتحدة وعددًا من المنظمات الدولية والدول الكبرى إلى إطلاق نقاشات متزايدة حول ضرورة وضع قواعد ومبادئ دولية تحكم استخدام الذكاء الاصطناعي في المجالات العسكرية. وتتمحور هذه الجهود حول ضمان بقاء الإنسان مسؤولًا عن القرارات المتعلقة باستخدام القوة، وتعزيز الشفافية في تطوير الأنظمة العسكرية الذكية، ووضع ضوابط تحد من مخاطر الاستخدام غير المسؤول لهذه التقنيات. ومع ذلك، لا تزال هذه المساعي تواجه تحديات كبيرة ترتبط بتباين المصالح الوطنية للدول، واحتدام المنافسة الاستراتيجية بينها، وغياب توافق دولي شامل بشأن طبيعة القيود التي ينبغي فرضها على التطبيقات العسكرية للذكاء الاصطناعي.[19]

وفي ضوء ما سبق، يتضح أن الذكاء الاصطناعي العسكري يمثل أحد أبرز العوامل المؤثرة في مستقبل الأمن والسلم الدوليين خلال العقود المقبلة. فبينما يوفر فرصًا غير مسبوقة لتعزيز القدرات الدفاعية والعسكرية، فإنه يطرح في المقابل تحديات استراتيجية وقانونية وأخلاقية معقدة تتجاوز حدود الدولة الوطنية وتمتد إلى بنية النظام الدولي ذاته. ومن ثم فإن مستقبل الاستقرار العالمي سيظل مرتبطًا بدرجة كبيرة بقدرة المجتمع الدولي على تطوير أطر فعالة للحوكمة والتنظيم تضمن الاستفادة من هذه التقنيات دون أن تتحول إلى مصدر جديد لعدم الاستقرار والصراع.[20]

ختامًا، تكشف قراءة مؤشرات السلام العالمي لعام 2026 أن التحديات التي تواجه الأمن الدولي لم تعد ناتجة فقط عن زيادة عدد الصراعات المسلحة أو اتساع نطاقها الجغرافي، بل ترتبط أيضًا بتغيرات هيكلية أعمق في البيئة الاستراتيجية العالمية. فالتشابك المتزايد بين الأزمات الإقليمية والدولية، واستمرار التنافس بين القوى الكبرى، وتنامي دور الفاعلين غير التقليديين، كلها عوامل أسهمت في جعل النظام الدولي أكثر عرضة لحالات عدم الاستقرار. وفي هذا السياق، برز الذكاء الاصطناعي كأحد المتغيرات المؤثرة في تطور الصراعات المعاصرة، بعدما أصبح جزءًا من أدوات التخطيط العسكري وإدارة العمليات وجمع المعلومات وتطوير القدرات القتالية، الأمر الذي يعكس انتقال المنافسة الدولية إلى مستويات جديدة تتداخل فيها القوة العسكرية مع التفوق التكنولوجي.

ومن ثم، فإن التحدي الرئيسي الذي يواجه المجتمع الدولي خلال المرحلة المقبلة لا يتمثل في مواكبة التطور التقني فحسب، وإنما في كيفية إدارة تداعياته الأمنية والاستراتيجية بصورة تمنع تحوله إلى عامل إضافي لزيادة الاضطراب الدولي. فكلما توسعت تطبيقات الذكاء الاصطناعي العسكرية، ازدادت الحاجة إلى بناء أطر تنظيمية وقواعد حاكمة تضمن الاستخدام المسؤول لهذه التقنيات وتحافظ على التوازن بين متطلبات الأمن القومي وضرورات الاستقرار العالمي. وفي ظل غياب مثل هذه الأطر، قد يصبح التقدم التكنولوجي ذاته أحد مصادر التهديد للسلم الدولي، بما يجعل مستقبل السلام العالمي مرتبطًا ليس فقط بإنهاء النزاعات القائمة، وإنما أيضًا بقدرة الدول والمؤسسات الدولية على إدارة التحولات التكنولوجية المصاحبة لها بصورة جماعية وفعالة.

المراجع:


[1] Global Peace Index 2026, 11 June 2026, Report.

https://www.economicsandpeace.org/wp-content/uploads/2026/06/Global-Peace-Index-2026-Report.pdf

[2] What is the Global Peace Index? 11 June 2026, vision of humanity.

[3] Global Peace Index 2026, 9 June 2026, reliefweb.

https://reliefweb.int/report/world/global-peace-index-2026

[4] توفيق بوفرتيح، تقدم مغربي بتصنيف السلام العالمي، نُشر في 10 يونيو 2026، هسبريس.

https://www.hespress.com/%D8%AA%D9%82%D8%AF%D9%85-%D9%85%D8%BA%D8%B1%D8%A8%D9%8A-%D8%A8%D8%AA%D8%B5%D9%86%D9%8A%D9%81-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%8A-1759680.html

[5] رغم تصاعد النزاعات عالمياً… ما هي أكثر دول العالم أماناً في 2026؟، نُشر في 11 يونيو 2026، LBC.

https://www.lbcgroup.tv/news/lifestyle/939610/%D8%B1%D8%BA%D9%85-%D8%AA%D8%B5%D8%A7%D8%B9%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%B2%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AA-%D8%B9%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%8A%D8%A7%D9%8B-%D9%85%D8%A7-%D9%87%D9%8A-%D8%A3%D9%83%D8%AB%D8%B1-%D8%AF%D9%88%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%A7%D9%84%D9%85-%D8%A3%D9%85%D8%A7%D9%86%D8%A7%D9%8B-%D9%81%D9%8A-2026%D8%9F/ar

[6] مؤشر السلام العالمي 2026 يكشف ترتيب الدول الأكثر والأقل أمانًا، نُشر في 13 يونيو 2026، كندا نيوز 24.

[7] مؤشر السلام العالمي، نُشر في 8 يونيو 2026، منصة البيانات المفتوحة القطرية.

https://www.data.gov.qa/explore/dataset/global-peace-index/information/?flg=ar-001&disjunctive.score&disjunctive.rank

[8] كيف تبدو الحياة في أكثر دول العالم أمناً واستقراراً؟، نُشر في 10 يونيو 2026،BBC NEWS Arabic.

https://www.bbc.com/arabic/articles/cp8lxkn12zxo.amp

[9] Record Conflicts Drive Peace to Historic Low as AI warfare surges, 9 June 2026, vision of humanity.

[10] Institute for Economics and Peace (IEP). Global Peace Index Methodology and Indicators.

[11] United Nations Institute for Disarmament Research (UNIDIR). Artificial Intelligence in the Military Domain and Its Implications for International Peace and Security: An Evidence-Based Road Map for Future Policy Action. Geneva: UNIDIR, 2025.

[12] United Nations Institute for Disarmament Research (UNIDIR). Artificial Intelligence Beyond Weapons: Application and Impact of AI in the Military Domain. Geneva: UNIDIR, 2023.

[13] United Nations Secretary-General. Artificial Intelligence in the Military Domain and Its Implications for International Peace and Security. Report of the Secretary-General, United Nations, 2025.

https://digitallibrary.un.org/record/4086346

[14] The State of Peace in 2026, 7 June 2026, Pacific Council on International Policy.

https://www.pacificcouncil.org/activities/state-peace-2026

[15] United Nations Institute for Disarmament Research (UNIDIR). The Interpretation and Application of International Humanitarian Law in Relation to Lethal Autonomous Weapon Systems. Geneva: UNIDIR, 2025.

https://unidir.org/wp-content/uploads/2025/03/UNIDIR_The_Interpretation_and_Application_of_International_Humanitarian_Law_Lethal_Autonomous_Weapon_Systems.pdf

[16] United Nations Secretary-General. Lethal Autonomous Weapons Systems. Report of the Secretary-General, United Nations, 2024.

https://digitallibrary.un.org/record/4059475

[17] United Nations. Governing AI for Humanity: Final Report of the High-Level Advisory Body on Artificial Intelligence. New York: United Nations, 2024.

https://www.un.org/en/ai-advisory-body

[18] UNESCO. Recommendation on the Ethics of Artificial Intelligence. Paris: UNESCO, 2021.

https://www.unesco.org/en/artificial-intelligence/recommendation-ethics

[19] United Nations Office for Digital and Emerging Technologies. High-Level Advisory Body on Artificial Intelligence.

https://www.un.org/digital-emerging-technologies/ai-advisory-body

[20] International Committee of the Red Cross (ICRC). Autonomous Weapon Systems and International Humanitarian Law.

https://www.icrc.org/en/autonomous-weapon-systems

باحث في العلاقات الدولية بمركز ترو للدراسات والتدريب

غودين
النينيو
عرض الكتاب صورة
انتخابات
الذكاء الاصطناعي
Scroll to Top