يلاحظ وجود حالة من التحول في طريقة تعامل الأحزاب اليمينية في أوروبا مع القضايا الدولية خلال السنوات الأخيرة في ظل تصاعد دورها داخل المشهد السياسي الأوروبي واتساع نطاق تأثيرها في عدد من الدول. ومع هذا التوسع، أصبحت مواقفها من السياسة الخارجية وبخاصة من قضايا الشرق الأوسط أكثر تعقيدًا وتباينًا بفعل تداخل اعتبارات داخلية تتعلق بالانتخابات والرأي العام إلى جانب ضغوط اقتصادية وأمنية متغيرة داخل كل دولة. وتأتي الحرب الأمريكية_الإسرائيلية على إيران لتكشف بوضوح هذا التحول، إذ أظهرت أن مواقف هذه الأحزاب من إسرائيل تتسم بدرجات متزايدة من التباين والتعقيد داخل التيار الواحد، فبينما تميل بعض القوى اليمينية إلى دعم إسرائيل في إطار خطاب يرتبط بالأمن ومواجهة التهديدات الخارجية، تتخذ قوى أخرى مواقف أكثر تحفظًا أو حذرًا خشية انعكاسات ذلك على الداخل الأوروبي سواء من حيث الرأي العام أو الاستقرار السياسي أو الملفات الاقتصادية مثل الطاقة والهجرة.
وبذلك، أصبحت العلاقة بين اليمين الأوروبي وإسرائيل مرنة تتغير وفق السياق السياسي لكل دولة ولكل لحظة. وهذا ما يجعل دراسة هذا التباين ضرورية لفهم أعمق لطبيعة التحولات داخل اليمين الأوروبي وحدود قدرته على صياغة موقف خارجي موحد في القضايا الدولية المعقدة. وفي ضوء ذلك، يهدف هذا المقال إلى تحليل طبيعة التحولات داخل مواقف الأحزاب اليمينية الأوروبية تجاه إسرائيل في سياق الحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران من خلال تناول: أولًا، خريطة انتشار الأحزاب اليمينية وعلاقتها بإسرائيل. ثانيًا، موقف الأحزاب اليمينية من الحرب الإيرانية-الإسرائيلية و دوافعه. ثالثًا، مستقبل العلاقة بين الأحزاب اليمينية وإسرائيل.
أولًا: خريطة انتشار الأحزاب اليمينية وعلاقتها بإسرائيل
تُشير الأحزاب اليمينية في أوروبا إلى مجموعة من الأحزاب المحافظة والقومية التي تتبنى مواقف متشددة نسبيًا تجاه قضايا الهجرة والهوية الوطنية والأمن، وتدعو إلى منح الدول الأعضاء دورًا أكبر في صنع القرار مقابل الحد من التوسع في صلاحيات مؤسسات الاتحاد الأوروبي. وفي هذا السياق، تتوزع هذه الأحزاب داخل المشهد السياسي الأوروبي مع تباين واضح بين اليمين المحافظ التقليدي واليمين الشعبوي واليمين القومي المتشدد. ففي “فرنسا” يتمثل اليمين القومي الشعبوي في حزب التجمع الوطني بينما يتمثل اليمين المحافظ في الجمهوريون. وفي “ألمانيا” يبرز اليمين الشعبوي المتشدد في حزب البديل من أجل ألمانيا في مقابل اليمين المحافظ التقليدي المتمثل في الاتحاد الديمقراطي المسيحي والاتحاد الاجتماعي المسيحي. وفي “إيطاليا” يتصدر اليمين المحافظ القومي المشهد عبر إخوة إيطاليا إلى جانب اليمين الشعبوي المتمثل في رابطة الشمال. وفي “إسبانيا” يتمثل اليمين القومي المتطرف في فوكس إلى جانب الحزب الشعبي بوصفه تعبيرًا عن اليمين المحافظ التقليدي. وفي “المجر” يهيمن اليمين القومي المحافظ الحاكم ممثلًا في ” حزب تيسا ” بقيادة بيتر ماغيار، ويتمثل اليمين المتطرف في حركة ” وطننا “. وفي “هولندا” يتمثل اليمين الشعبوي في حزب الحرية أما اليمين المتطرف يتمثل في حزب منتدى الديمقراطية ، وفي “بولند” يتمثل اليمين المحافظ القومي في القانون والعدالة بينما اليمين المتطرف يتمثل في حزب الكونفيدرالية، وفي “النمسا” يتمثل اليمين الشعبوي القومي في حزب الحرية النمساوي وتوجد بعض الحركات اليمينية المتطرفة مثل حركات الهوية، وفي “السويد” يتمثل اليمين القومي الشعبوي في ديمقراطيو السويد ويتمثل اليمين المحافظ التقليدي في حزب الاعتدال، وفي “بلجيكا” يتمثل اليمين القومي الانفصالي المتشدد في فلامس بيلانغ أما اليمين القومي المحافظ التقليدي في التحالف الفلامندي الجديد بما يعكس تعدد بنية اليمين الأوروبي وتفاوت مستويات تأثيره بين الدول والسياقات السياسية المختلفة.[1]
وقد عكست انتخابات البرلمان الأوروبي التي جرت في يونيو 2024 هذا الصعود بشكل واضح، إذ حققت الأحزاب اليمينية والقومية نتائج متقدمة في عدد من الدول الرئيسية. ففي فرنسا تصدر حزب التجمع الوطني (National Rally) الانتخابات بحصوله على نحو 31.4% من الأصوات، مقابل14.6% فقط لقائمة الرئيس إيمانويل ماكرون. وفي إيطاليا جاء حزب إخوة إيطاليا (Brothers of Italy) في المركز الأول بنسبة 28.8% بينما حصل حزب القانون والعدالة (PiS) في بولندا على 36.2% من الأصوات، وحقق حزب فيدس المجري (Fidesz) نحو44.8% من الأصوات، في حين سجل حزب البديل من أجل ألمانيا (AfD) 15.9% وحل في المركز الثاني على المستوى الوطني. وانعكس هذا التقدم على تركيبة البرلمان الأوروبي، إذ ارتفعت قوة الأحزاب اليمينية داخل الكتل البرلمانية المختلفة، فحصلت مجموعة المحافظين والإصلاحيين الأوروبيين _ التي تعبر عن اليمين القومي المحافظ _ على 78 مقعدًا بنسبة 10.83%، بينما حصلت مجموعة “الوطنيون من أجل أوروبا”_ التي تعبر عن اليمين القومي الشعبوي_ على 84مقعدًا بنسبة 11.67% وبذلك باتت القوى اليمينية والقومية تشغل أكثر من ربع مقاعد البرلمان الأوروبي، وهو ما اعتُبر أحد أبرز التحولات السياسية التي أفرزتها انتخابات 2024 رغم استمرار الأحزاب التقليدية المؤيدة للاتحاد الأوروبي في الاحتفاظ بالأغلبية البرلمانية.[2]
تتسم العلاقة بين اليمين الأوروبي وإسرائيل بطابع براجماتي يقوم على تبادل المصالح أكثر من كونه تحالفًا قائمًا على انسجام أيديولوجي أو قيمي كامل. فقد اتجهت قطاعات من اليمين القومي والشعبوي في أوروبا إلى تبني خطاب داعم لإسرائيل خاصة فيما يتعلق بقضايا الأمن والهجرة ومكافحة الإرهاب حيث تُقدم إسرائيل في هذا الخطاب كنموذج لدولة قوية في حماية حدودها وهويتها الوطنية. في السياق ذاته ، تسعى إسرائيل وخاصة في ظل بعض سياسات حكومة نتنياهو إلى توسيع شبكة تحالفاتها داخل أوروبا عبر التقارب مع هذه التيارات اليمينية بما يساهم في تخفيف الضغوط السياسية الأوروبية المرتبطة بقضايا مثل الاستيطان في الضفة الغربية وسياسات إسرائيل تجاه الفلسطينيين بالإضافة إلى تقليل العزلة داخل مؤسسات الاتحاد الأوروبي.[3]
وبالتالي، شهدت العلاقة بين إسرائيل واليمين الأوروبي في ظل حكومة ” بنيامين نتنياهو” تطورًا ملحوظًا اتجه نحو مزيد من التقارب السياسي والمؤسسي يعكس انتقالًا تدريجيًا من علاقات محدودة إلى شبكة أوسع من التعاون تشمل أحزابًا يمينية قومية وشعبوية داخل الاتحاد الأوروبي وخارجه بما في ذلك قوى سياسية في دول مثل المجر وإسبانيا وهولندا وإيطاليا وبولندا . ويرتبط هذا التقارب بخطاب”الدفاع عن الحضارة الغربية” و “القيم اليهودية-المسيحية” في مواجهة ما يُوصف “بالراديكالية الإسلامية” وبعض التيارات اليسارية أو الليبرالية. في هذا الإطار، تُعاد صياغة التهديدات الأمنية والثقافية بشكل مشترك حيث يتم التركيز على قضايا الهجرة والهوية والأمن الداخلي بوصفها نقاط التقاء رئيسية بين الطرفين.[4]
وفي هذا السياق، تشير التطورات الأخيرة في السياسة الخارجية الإسرائيلية إلى تحول ملحوظ في طريقة التعامل مع أحزاب اليمين الأوروبي حيث اتجهت وزارة الخارجية الإسرائيلية إلى إعادة فتح قنوات اتصال رسمية مع عدد من الأحزاب التي كانت تقليديًا خارج نطاق التعاون الدبلوماسي، مثل: حزب “فوكس” في إسبانيا، “التجمع الوطني” في فرنسا، و”الديمقراطيين السويديين”. ويعكس هذا، الرغبة في التقارب مع تلك الأحزاب اليمينية وذلك بسبب دخول بعض هذه الأحزاب في ائتلافات حكومية مما يعزز من نفوذها ويزيد قدرتها على التأثير. ويقوم هذا النهج الجديد على إعادة تقييم هذه الأحزاب وفق معايير تتجاوز تاريخها الأيديولوجي لتشمل بشكل أساسي سلوكها السياسي الحالي. إذ تعتمد إسرائيل في قراراتها على مجموعة من الاعتبارات من بينها موقف هذه الأحزاب من إسرائيل، وطبيعة علاقتها بالجاليات اليهودية في بلدانها، ومدى تعاملها مع إرث معاداة السامية وإنكار الهولوكوست، إضافة إلى استعدادها لاتخاذ إجراءات داخلية ضد الأعضاء الذين يعبرون عن مواقف معادية لليهود.[5]
ولا يُنظر إلى هذا الانفتاح باعتباره تبنيًا كاملًا لبرامج هذه الأحزاب أو تطبيعًا غير مشروط معها بل بوصفه إدارة لعلاقات انتقائية تقوم على تحقيق المصالح السياسية المتبادلة. فمن جهة، تسعى إسرائيل إلى توسيع حضورها داخل الساحة السياسية الأوروبية وتقليل الضغوط المرتبطة ببعض القضايا الخلافية، بينما تسعى هذه الأحزاب من جهة أخرى إلى تعزيز شرعيتها السياسية وإظهار نفسها كقوى قادرة على الانخراط في العلاقات الدولية الرسمية. وبناءً على ذلك، يمكن القول إن العلاقة بين إسرائيل وأحزاب اليمين الأوروبي تشهد إعادة صياغة تقوم على منطق براجماتي يوازن بين الاعتبارات التاريخية والمصالح السياسية الراهنة. ويعكس هذا التحول انتقالًا أوسع في السياسة الخارجية الإسرائيلية نحو تبني إتجاه أكثر مرونة في التعامل مع الفاعلين السياسيين داخل أوروبا وفق حسابات استراتيجية مرتبطة بميزان القوى وليس فقط بالمعايير القيمية التقليدية.[6]
ثانيًا: موقف الأحزاب اليمينية من الحرب الإيرانية-الإسرائيلية ودوافعه
كشفت الحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران عن انقسام واضح داخل أحزاب اليمين في أوروبا حيث أظهرت التطورات أن مواقف هذه الأحزاب من السياسة الخارجية تتسم بدرجة من التباين عند الأزمات الدولية. ويعود ذلك إلى تداخل الاعتبارات الأيديولوجية مع الحسابات الداخلية والمصالح الانتخابية إلى جانب المخاوف الاقتصادية والاجتماعية داخل الدول الأوروبية بالنسبة للأحزاب اليمينية المتطرفة.[7] وفي المقابل، اتجهت غالبية أحزاب اليمين التقليدي المحافظ إلى تبني مواقف أكثر حذرًا مفضلة الحد من التصعيد العسكري والتركيز على التداعيات الاقتصادية والأمنية التي قد تنعكس على الداخل الأوروبي.
عند اندلاع الحرب في فبراير 2026، لم تتمكن هذه الأحزاب من صياغة موقف موحد بل ظهرت استجابات متباينة يمكن تقسيمها إلى ثلاثة اتجاهات رئيسية. يتبنى الاتجاه الأول المعبر عناليمين المتطرفالمتمثل في أحزاب مثل: حزب فوكس الإسباني، وحزب الحرية الهولندي، وحزب الإصلاح البريطاني_ موقفًا داعمًا للتصعيد العسكري ضد إيران انطلاقًا من تصور يعتبرها تهديدًا للأمن الغربي بسبب برنامجها النووي وشبكات نفوذها الإقليمي.[8]وينظر هذا التيار إلى الحرب باعتبارها امتدادًا لمفهوم “الدفاع عن الحضارة الغربية”، ويجمع في خطابه بين دعم الولايات المتحدة وإسرائيل وبين الإشادة بقيادة دونالد ترامب. [9]
في المقابل، يتخذ الاتجاه الثاني موقفًا معارضًا للحرب محذرًا من تداعياتها على الاستقرار الأوروبي. ويركز هذا التيار على مخاطر التصعيد خصوصًا فيما يتعلق بزيادة موجات الهجرة وارتفاع أسعار الطاقة واحتمال تورط أوروبا في صراعات طويلة الأمد لا تخدم مصالحها المباشرة. ويشدد هذا الاتجاه على أن الحرب تعكس في الأساس مصالح أمريكية وإسرائيلية أكثر من كونها استجابة لأولويات أوروبية. وفي السياق ذاته، دعا “لوران فوكييه” _من حزب الجمهوريين الفرنسي_ إلى دور فرنسي في تشكيل قوة دولية لتأمين مضيق هرمز باعتبار أن ذلك مرتبط بأمن الطاقة والاقتصاد العالمي. وفي الوقت نفسه ينتقد خطاب دونالد ترامب معتبرًا أنه تصعيدي وخطير، ويفضل التعامل مع الأزمة عبر أطر دولية أكثر توازنًا.[10] ويمثل موقف “ألبيرتو نونييث فيخو” _ زعيم حزب الشعب الإسباني_ توجهًا رافضًا لتوسيع التصعيد العسكري في الحرب مع إيران، إذ أكد أن التعامل مع الأزمة يجب أن يقوم على التفاوض والدبلوماسية بدلًا من الحرب مع التشديد على ضرورة إدارة الملف وفق منطق الواقعية السياسية وحماية المصالح الاستراتيجية لإسبانيا وأوروبا.[11]
ويظهر التناقض في حالة بريطانيا حيث عكس خطاب “كيمي بادينوك” _ زعيمة حزب المحافظين البريطاني_ موقف الحزب الداعم للعمل العسكري الأمريكي–الإسرائيلي ضد إيران باعتباره استجابة لتهديدات أمنية مرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني ودورها الإقليمي . كما تنتقد تردد الحكومة البريطانية في دعم الحلفاء، وتدعو إلى تشديد السياسات تجاه إيران بما في ذلك حظر الحرس الثوري وزيادة الإنفاق الدفاعي في إطار مقاربة أمنية أكثر حدة للملف الإيراني.[12] وعلي الرغم من ذلك، نفت “بادينوك” لاحقًا دعوتها إلى انضمام بريطانيا إلى الحرب على إيران، مؤكدة أنها لم تطالب بالمشاركة المباشرة في العمليات العسكرية الأمريكية–الإسرائيلية، وإنما أعربت عن دعمها لتلك العمليات. وأوضحت أن موقفها يقوم على ضرورة عدم الاكتفاء بالدفاع السلبي ضد الهجمات الإيرانية بل استهداف القدرات الهجومية ومصادر إطلاق الصواريخ مع التشديد على أنها لا تؤيد نشر قوات بريطانية على الأرض، وإنما تقف سياسيًا إلى جانب الولايات المتحدة وإسرائيل في مواجهة إيران.[13]
أما الاتجاه الثالث فيتسم بالحذر والتردد حيث تحاول بعض الأحزاب الموازنة بين دعمها التقليدي للولايات المتحدة وخطابها القومي القائم على السيادة الوطنية ورفض التدخلات الخارجية. ويظهر هذا الاتجاه في مواقف أحزاب مثل: فيدس المجري، الرابطة الإيطالية، وحزب ANO في التشيك حيث تتجنب هذه الأطراف اتخاذ مواقف حادة مفضلة التركيز على الحلول الدبلوماسية أو إعادة تأطير الحرب ضمن سياقات أوسع.
ثالثًا: مستقبل العلاقة بين الأحزاب اليمينية وإسرائيل
يُظهر التباين المتصاعد داخل الأحزاب اليمينية الأوروبية تجاه الحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران أن مستقبل العلاقة مع إسرائيل لا يتجه في مسار واحد بل يفتح المجال أمام عدة سيناريوهات محتملة تعكس طبيعة التحولات داخل هذا التيار وتزايد خضوعه للاعتبارات الداخلية في الدول الأوروبية. كالآتي:
- استمرار العلاقات القوية بين إسرائيل وبعض قوى اليمين الأوروبي
يرتكز هذا السيناريو على استمرار التقارب بين إسرائيل وعدد من أحزاب اليمين القومي التي توظف العلاقة معها ضمن خطاب”الدفاع عن الحضارة الغربية” ويظهر ذلك في مواقف الأحزاب _مثل: حزب فوكس الإسباني الممثل لليمين القومي المتطرف، حزب الحرية الهولندي الممثل لليمين القومي الشعبوي، وحزب البديل من أجل ألمانيا الممثل لليمين الراديكالي المتطرف_ التي ربطت إيران بالتهديدات الأمنية الغربية خصوصًا برنامجها النووي ونفوذها الإقليمي، وأبدت دعمًا واضحًا للتصعيد العسكري مع إسرائيل والولايات المتحدة. ويعكس هذا الاتجاه قابلية استمرار العلاقة في بعدها الأمني والأيديولوجي طالما ظل مرتبطًا بخطاب الهجرة ومكافحة التطرف.
- سعي إسرائيل إلى استقطاب الاتجاه المناهض للتصعيد
يفترض هذا السيناريو أن إسرائيل قد تتجه إلى توسيع قاعدة علاقاتها داخل اليمين الأوروبي عبر الانفتاح على الأطراف الأكثر تحفظًا خاصة تلك التي لم تتبن دعمًا مباشرًا للتصعيد العسكري وركزت على تداعيات الحرب الداخلية. ويظهر ذلك في مواقف التجمع الوطني الفرنسي الذي ركز على ارتفاع أسعار الطاقة ومخاطر الهجرة وعدم الاستقرار مع التشكيك في أن الحرب تخدم أولويات أوروبية. وفي هذا السياق، كانت سلوفينيا تُعد من أكثر دول الاتحاد الأوروبي انتقادًا لإسرائيل حيث تبنّت الحكومة التي قادها “حزب حركة الحرية” ذو التوجه الليبرالي برئاسة “روبرت غولوب” سياسات أكثر تشددًا شملت الاعتراف بدولة فلسطين في عام 2024 وفرض حظر دخول على رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وعدد من وزرائه في عام 2025. إلا أن هذا التوجه شهد تحولًا مع وصول حكومة محافظة يقودها “الحزب الديمقراطي السلوفيني” بزعامة يانيز يانشا والتي اتجهت إلى إعادة تطبيع العلاقات مع إسرائيل من خلال إلغاء حظر الدخول المفروض على المسؤولين الإسرائيليين ورفع القيود على واردات المستوطنات، وإنهاء القيود المتعلقة بتصدير ونقل المعدات العسكرية من وإلى إسرائيل بما يعكس التوجه نحو التقارب بين السياسة الخارجية السلوفينية و إسرائيل. [14]
بالإضافة إلى ذلك، أكدت السفارة الإسرائيلية في فرنسا _ في 19 إبريل 2026_ لقاء السفير الإسرائيلي في باريس مع مارين لوبان، في خطوة تُعد الأولى من نوعها في التواصل المباشر بين الجانبين. ويعكس هذا اللقاء اتساعًا في التقارب بين إسرائيل وعدد من أحزاب اليمين الأوروبي ضمن توجه براغماتي لوزارة الخارجية الإسرائيلية في عهد جدعون ساعر يقوم على فتح قنوات اتصال مع قوى يمينية صاعدة ذات ثقل سياسي متزايد داخل أوروبا.
- استمرار التوتر وتزايد الطابع البراغماتي غير المستقر للعلاقات
يعتبر هذا السيناريو مستبعد ويشير إلى إمكانية استمرار حالة عدم الاستقرار في العلاقة بين اليمين الأوروبي وإسرائيل نتيجة تزايد خضوع مواقف هذه الأحزاب للاعتبارات الداخلية أكثر من الالتزامات الأيديولوجية. فبينما يميل بعض الأطراف إلى دعم إسرائيل في سياقات أمنية محددة، تتبنى أطراف أخرى مواقف أكثر حذرًا أو حيادية كما يظهر أيضًا في بعض مواقف اليمين التقليدي المحافظ الذي يفضل الحلول الدبلوماسية وتجنب التصعيد. بالإضافة إلى تراجع المكانة الدولية لإسرائيل وتحولها إلى دولة منبوذة تواجه عزلة أخلاقية وسياسية نتيجة الحرب على غزة، وظهر ذلك في تزايد الاتهامات الموجهة لها بارتكاب انتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني حيث أصدرت المحكمة الجنائية الدولية في 21 نوفمبر 2024 مذكرتي اعتقال بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي “بنيامين نتنياهو” ووزير الدفاع السابق “يوآف غالانت” بتهم تتعلق بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في غزة، وفي 16 يوليو 2025 رفضت المحكمة طلب إسرائيل سحب المذكرتين مؤكدة أن اعتراض إسرائيل على اختصاص المحكمة لا يزال قيد المراجعة، ولم يصدر حتى الآن حكم نهائي في القضية.[15]
وفي الختام، تُظهر الانقسامات داخل اليمين الأوروبي إزاء الحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران أن هذا الطيف السياسي لا يزال يواجه إشكالية في تحويل خطابه القومي إلى سياسة خارجية متماسكة. فبين اتجاه يدعم التحالف مع الولايات المتحدة ويُبدي قدرًا من التقارب مع سياساتها، واتجاه آخر يرفض الانخراط في التدخلات الخارجية ويُشدد على أولوية السيادة الوطنية، وبين من ينظر إلى إسرائيل كشريك في الدفاع عن ” الحضارة الغربية ” ومن يتحفظ على تداعيات التصعيد الإقليمي، يتضح أن هذا الطيف يتحرك داخل شبكة من التناقضات أكثر من كونه كتلة سياسية ذات رؤية جيوسياسية موحدة. ولا تعكس هذه التباينات مجرد اختلاف في تقييم حرب محددة بل تشير إلى أزمة أعمق تتعلق بقدرة اليمين الأوروبي على التوفيق بين متطلبات الخطاب الشعبوي الداخلي القائم على الهوية والسيادة وبين ضرورات صياغة سياسة خارجية مستقرة داخل نظام دولي شديد التعقيد. ومن ثم، فإن مستقبل اليمين الأوروبي داخل المشهد الأوروبي سيظل مرهونًا بقدرته على إدارة هذا التوتر المستمر بين اعتبارات الداخل ومتطلبات السياسة الدولية.
المراجع
[1] The political groups of the European parliament, About parliament, European parliament, available on:
[2] EU elections 2024: Result and the new European parliament, House of commons library ,UK Parliament, 31 July 2024, available:
EU elections 2024: Results and the new European Parliament – House of Commons Library
[3] Azriel bermant, Israel’s relations with the European far right: implications for Czechia and the eu, IIR, 2 feb 2026, available on:
[4] Marek Matusiak, What count is the present: israe’s alliance with the European right, OSW, 13 feb 2026, available on;
[5] Lazar berman and nava Freiberg, Israel decides to establish formal ties with trio of European far-right parties, 28 feb 2025, available on:
[6] Ibid, lazar berman, available on:
[7] Bassem Rashed, How divisions within europe’s far right are reshaping the politics of the iran war, Future for advanced research & studies, 6 may 2026, available in:
Future Center – How Divisions Within Europe’s Far Right Are Reshaping the Politics of the Iran War
[8] Ibid, bassem rashed, 6 may 2026, available on:
Future Center – How Divisions Within Europe’s Far Right Are Reshaping the Politics of the Iran War
[9] Ibid, bassem rashed, 6 may 2026, available on:
Future Center – How Divisions Within Europe’s Far Right Are Reshaping the Politics of the Iran War
[10] Par aurelie Giraud, Laurant wauquiez: “ La France a un rile a jouer dans la securisation du Detroit d’ormuz, SUD RADIO, 8 avril 2026, available on:
Laurent Wauquiez – “Détroit d’Ormuz : la France a un rôle à …
[11] Feijóo acusa a Sánchez de alejar a España de las democracias europeas y convertir el Gobierno en un problema: “Es un zombi político”, EPP, 19 march 2026, available on:
[12] Middle east, Kemi Badenoch experts, Parallel Parliament, 2 march 2026, available on:
Kemi Badenoch extracts from Middle East (2nd March 2026)
[13] Rowena mason, Badenoch denies calling for uk to join us-israeli war on iran, The Guardian, 10 march 2026, available on:
Badenoch denies calling for UK to join US-Israeli war on Iran | Kemi Badenoch | The Guardian
[14] Slovenia’s new governmet lifts entry ban on ntanyahu and other measures against israel, AP, 11 june 2026, available on”
Slovenia lifts entry ban on Netanyahu and other measures against Israel | AP News
[15] ICC judges reject israel’s request to withdraw Netanyahu arrest warrant, Reuters, 16 july 2025, available on:
ICC judges reject Israel’s request to withdraw Netanyahu arrest warrant | Reuters
باحث مساعد في النظم السياسية بمركز ترو للدراسات