مثلت منطقة الخليج العربي وشبه الجزيرة العربية منذ عقود أهمية خاصة للولايات المتحدة الأمريكية، وذلك لما لهذه المنطقة من ثقل جيوسياسي، وموقع متميز، وموارد طاقة أحفورية من النفط والغاز الطبيعي. وقد شكل “مبدأ كارتر“، الذي أُعلن عام 1980، نقطة تحول مفصلية في مسار العلاقات الأمريكية بمنطقة الخليج ودولها، والذي ينص على أن أي محاولة للسيطرة على منطقة الخليج العربي ودولها، تُعد مساسًا مباشرًا بمصالح الولايات المتحدة الأمريكية.[1] وقد ظل هذا المبدأ حاكمًا للعلاقات الأمريكية-الخليجية لسنوات طويلة، وظهر أثره بوضوح في حربي الخليج، خصوصًا حرب الخليج الثانية عام 1991، التي كشفت عن استعداد الولايات المتحدة للتدخل السريع لحماية مصالحها في المنطقة. ومع الوقت أدى ذلك إلى ترسيخ الشراكة الأمنية والعسكرية مع دول الخليج، من خلال انتشار القواعد الأمريكية وزيادة تسليح الجيوش الخليجية.
غير أن هذه العلاقة لم تظل على حالها بشكل ثابت وعلى وتيرة واحدة، بل شهدت بعض التحولات، مع بقاء منطقة الخليج ذات أولوية استراتيجية لدى الولايات المتحدة الأمريكية. فمع مجيء الرئيس ترامب، وبخاصة في ولايته الثانية، برزت مقاربة مختلفة للدور الأمريكي في الخليج، تقوم بدرجة أكبر على البراغماتية، وتقاسم الأعباء، والربط بين الالتزامات الأمنية، التي لم تعد دول الخليج تستفيد منها كما كان الحال في السابق، والمكاسب الاقتصادية المباشرة للولايات المتحدة الأمريكية.
وعليه، يهدف هذا المقال التحليلي إلى الوقوف على أهم التحولات التي طرأت في مسار العلاقات الخليجية الأمريكية منذ نشأتها حتى إعلان مبدأ كارتر، ثم الانتقال إلى النظر في المراحل اللاحقة التي تعمقت فيها الشراكات الأمنية والعسكرية بين دول الخليج والولايات المتحدة الأمريكية، وصولًا إلى التحولات التي طرأت على مسار هذه العلاقات في عهد الرئيس الأمريكي ترامب، وخاصة في ولايته الثانية، ووضع رؤية استشرافية لمستقبل هذه العلاقات.
أولًا: مبدأ كارتر وتأسيس الالتزام الأمريكي لحماية الخليج العربي خلال حرب الخليج الأولى
شكلت منطقة الخليج العربي إحدى مناطق نفوذ الإمبراطورية البريطانية، حيث بدأ نفوذها في الازدهار في المنطقة منذ أوائل القرن التاسع عشر، واستمرت هذه الهيمنة حتى بداية سبعينيات القرن العشرين. غير أن النفوذ البريطاني بدأ يتراجع بشكل كبير في مقابل النفوذ الأمريكي، الذي أخذ في التنامي المستمر بعد الحرب العالمية الثانية.[2] ومع ذلك، لم تبدأ العلاقات الأمريكية مع دول الخليج وشبه الجزيرة العربية مع تقلص نفوذ الإمبراطورية البريطانية بعد الحرب العالمية الثانية، بل تعود إلى ما قبل ذلك، وتحديدًا مع تأسيس المملكة العربية السعودية. إذ اعترفت الولايات المتحدة بالمملكة عام 1931، ثم تطورت العلاقات الدبلوماسية والتجارية بينهما خلال الثلاثينيات والأربعينيات، وبلغت ذروتها الرمزية في لقاء الرئيس روزفلت بالملك عبد العزيز عام 1945، وهو اللقاء الذي جسد ارتباط الأمن بالنفط في العلاقة الأمريكية – السعودية.[3]
ومن ثم، فإن هذا الأمر يدل على أن الولايات المتحدة الأمريكية كانت تولي اهتمامًا متزايدًا بمنطقة الخليج العربي في مرحلة استقلال دوله وظهور حقول النفط فيه. وقد اتبعت الولايات المتحدة الأمريكية خلال مرحلتي الستينيات والسبعينيات سياسة عُرفت بـ”سياسة الركيزتين”، حيث اعتمدت بشكل رئيسي على إيران، في فترة حكم الشاه، والسعودية، من أجل رعاية مصالحها في منطقة الخليج، وبخاصة عبر إيران، لتكون حائط صد أمام الاتحاد السوفييتي في المنطقة. ومع خروج بريطانيا من منطقة الخليج العربي عام 1971، لم تتجه واشنطن إلى ملء الفراغ مباشرة بقواتها، بل ركزت على تسليح حلفائها، خاصة إيران، ثم السعودية بدرجة أقل، لضمان استقرار المنطقة وحماية المصالح الأمريكية.[4]
ولكن التحول الأهم في مسار العلاقات الأمريكية الخليجية جاء بعد قيام الثورة الإسلامية في إيران عام 1979، فمع تغير النظام الإيراني اختل التوازن الإقليمي، وأصبحت هذه السياسة غير فعالة، نظرًا إلى اختفاء إحدى الركيزتين اللتين قامت عليهما. كما أن الغزو السوفييتي لأفغانستان عام 1979 أثار قلقًا هائلًا لدى الولايات المتحدة الأمريكية، لأن الاتحاد السوفييتي بهذا الغزو قد شارف على الوصول إلى الخليج العربي والمحيط الهندي. وعليه، بدأت الولايات المتحدة الأمريكية في زيادة نفوذها، أكثر فأكثر، في منطقة الخليج العربي. وفي عام 1980 أصدرت الولايات المتحدة الأمريكية مبدًأ جديدًا للتعامل مع التهديدات المختلفة في منطقة الخليج، سُمي بـ”مبدأ كارتر” أو “عقيدة كارتر“. وقد أُعلن هذا المبدأ خلال خطاب الرئيس الأمريكي جيمي كارتر عن حالة الاتحاد في 23 يناير 1980. ويقوم هذا المبدأ، بشكل رئيسي، على منع أي قوة خارجية تسعى إلى السيطرة على الخليج العربي، لأن ذلك سيُعد اعتداءً على المصالح الحيوية للولايات المتحدة الأمريكية، وهو ما ستقابله واشنطن بكل الوسائل اللازمة، بما فيها القوة العسكرية.[5] كما قامت الولايات المتحدة الأمريكية بإنشاء قوة أمريكية سُميت بـ”قوة الانتشار السريع المشتركة”، وهي القوة التي أعدتها الولايات المتحدة الأمريكية للتدخل في مختلف الأزمات الخارجية آنذاك. غير أن إنجاح مبدأ كارتر وقوة الانتشار السريع تطلب الوصول إلى قواعد إقليمية. وكانت السعودية والملكيات الخليجية الأصغر هي المرشحة لمثل هذه الترتيبات، ولكن معظمهم كانوا متحفظين تجاه هذه الفكرة.[6]
إلا أن بعضهم وافق بالفعل على وجود قوات أمريكية بداخلها، فكانت عُمان الدولة الخليجية الوحيدة التي قبلت الاستراتيجية الأمريكية الجديدة في المنطقة. فمنذ عام 1975، وافقت عُمان على الطلبات الأمريكية المتعلقة بالوصول إلى القاعدة الجوية البريطانية القديمة في جزيرة مصيرة في بحر العرب. وفي يونيو 1980 أصبحت الدولة الخليجية الوحيدة التي وقعت اتفاقًا رسميًا بشأن تسهيلات عسكرية مع الولايات المتحدة. أما بقية دول الخليج، فقد رفضت الضغوط الأمريكية لتوقيع اتفاقات مماثلة حتى وإن سمحت في الوقت نفسه باستمرار ترتيبات الوصول العسكري القائمة مع الولايات المتحدة، مثل استضافة البحرين للقوة البحرية الأمريكية الصغيرة في الخليج.[7]
ومع اندلاع الحرب العراقية الإيرانية، ساد النفوذ الأمريكي في المنطقة، وباتت دول الخليج في حاجة ماسة إلى حماية ملاحتها. فعلى سبيل المثال، طلبت الكويت في نوفمبر 1986 من الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي معًا المساعدة في حماية ملاحتها، بعد أن أصبحت عرضة للهجمات الإيرانية. وبعد أن علمت واشنطن بأن السوفييت بدأوا مفاوضات مع الكويت، وافقت الولايات المتحدة في مارس 1987 على رفع العلم الأمريكي على عدد من الناقلات الكويتية وتوفير حراسة بحرية لها. ولهذا الغرض، حشدت الولايات المتحدة أكبر قوة بحرية لها منذ حرب فيتنام، ونشرتها في الخليج العربي وبحر العرب.[8]
وقد شنت الولايات المتحدة الأمريكية بعض الهجمات على القوات الإيرانية خلال فترة الحرب، حمايةً لأمن الملاحة البحرية. فعلى سبيل المثال، هاجمت القوات الأمريكية في سبتمبر 1987 سفينةً إيرانية كانت تزرع ألغامًا بحرية. وفي أكتوبر من العام نفسه، أصاب صاروخ إيراني إحدى الناقلات الكويتية المُعاد تسجيلها تحت العلم الأمريكي، فردت الولايات المتحدة بتدمير منصتين نفطيتين إيرانيتين في البحر.[9] وفي 13 أبريل 1988، نفذت القوات البحرية الأمريكية هجومًا كبيرًا آخر على القوات البحرية الإيرانية ومنصات النفط الخاصة بها، نتيجة لاصتطدام الفرقاطة “يو إس إس صامويل بي. روبرتس” بلغم وأُصيب عشرة من البحارة على متنها.[10]
ومع نهاية الحرب العراقية الإيرانية، أو حرب الخليج الأولى في عام 1988، ظهرت الولايات المتحدة الأمريكية بوصفها قوة نفوذ رئيسية في منطقة الخليج العربي، إذ لم يكن الاتحاد السوفيتي قادرًا على تحمل أي أعباء إضافية لمواجهة الولايات المتحدة الأمريكية في منطقة الخليج العربي، نتيجة انخراطه في غزو أفغانستان ثم انسحابه منها.[11]
ثانيًا: تعزيز الشراكة الأمنية الأمريكية مع دول الخليج العربية منذ حرب الخليج الثانية وحتى الفترة الأولى للرئيس ترامب
إذا اعتبرنا أن حرب الخليج الأولى كانت مقدمةً لزيادة النفوذ الأمريكي في منطقة الخليج العربي وشبه الجزيرة العربية، فإن حرب الخليج الثانية تُعد الأساس في ترسيخ الوجود العسكري الأمريكي في هذه المنطقة. فمع احتلال العراق للكويت عام 1990، وقيام الولايات المتحدة الأمريكية بحشد القوى المختلفة، العربية منها والغربية، لمحاربة العراق وإخراجه من الكويت عام 1991، ازداد الوجود العسكري الأمريكي بشكل واضح، وأصبحت الولايات المتحدة الأمريكية القوة الوحيدة المهيمنة على منطقة الخليج. ويمكن تقسيم مرحلة ترسيخ النفوذ الأمريكي في منطقة الخليج العربي إلى مرحلتين، مرحلة التسعينيات بعد حرب الخليج الثانية، والمرحلة الثانية هي التي تلت الغزو الأمريكي للعراق، والتي بدأ فيها الوجود الأمريكي يظهر بشكل مؤسسي داخل الخليج العربي.
أ-حرب الخليج الثانية وتوسيع الشراكات الأمنية بين الولايات المتحدة ودول الخليج بعد حرب الخليج الثانية
أبرمت دول الخليج مع الولايات المتحدة الأمريكية عدة اتفاقيات تعاونية في المجالين العسكري والأمني، فنجد أن الكويت أقامت اتفاقية دفاع مع الولايات المتحدة الأمريكية في 19 سبتمبر 1991، وتلتها البحرين في 28 أكتوبر 1991، ثم قطر في يونيو 1992، والإمارات في 25 يوليو 1994، بينما بقيت سلطنة عُمان جزءًا من شبكة الوصول العسكري الأمريكية عبر اتفاقها القائم منذ عام 1980، والذي جرى تجديده لاحقًا.[12] كما ارتبطت السعودية بالولايات المتحدة الأمريكية عبر سلسلة من التفاهمات غير الرسمية، وتصريحات الالتزام الأمني، وترتيبات الانتشار العسكري الفعلي المبرمة مسبقًا. وهذه الاتفاقات والتفاهمات أتاحت الفرصة لقيام تنسيق عسكري مباشر بين الولايات المتحدة الأمريكية وهذه الدول، من خلال تنفيذ برامج تدريب لقواتها، وإبرام اتفاقات للوصول إلى القواعد، فضلًا عن التخزين المسبق للمعدات العسكرية الأمريكية واستضافة قوات أمريكية على أراضيها.[13]
وفي التسعينيات رسخت الولايات المتحدة سياسة محددة أسماها الدبلوماسي الأمريكي مارتن إنديك سياسة “الاحتواء المزدوج” لكلً من إيران والعراق، وكانت هذه السياسة تتطلب التهديد بإستعمال القوة أو استخدامها عند الضرورة، كما حدث في أكتوبر 1994 عندما قام صدام حسين بحشد قوات عراقية مجددًا قرب الحدود الكويتية، فردت الولايات المتحدة بإطلاق عملية سميت ب” عملية المحارب اليقظ” ونشرت قوات جوية إضافية في المنطقة لردع أي محاولة عراقية جديدة ضد الكويت.[14] وكما حدث أيضًا في ديسمبر 1998 عندما قامت الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا بشن حملة جوية على عشرات الأهداف العسكرية والأمنية العراقية، وذلك ردًا على أن العراق لم تقدم التعاون الكامل الذي تعهدت به مع مفتشو الأسلحة النووية التابعين إلى الوكالة الدولية للطاقة الذرية وإلى لجنة الأمم المتحدة الخاصة.[15]
وبعد أحداث 11 سبتمبر 2001، اتسعت وظيفة الشراكة الأمنية بين الولايات المتحدة الأمريكية ودول الخليج من التركيز على ردع العراق وإيران إلى الحرب على الإرهاب. وفي هذا السياق أصبحت قطر مركزًا محوريًا لعمليات الولايات المتحدة الأمريكية في أفغانستان، فوفق تقرير”CRS”، الصادر في 2012، استثمرت الولايات المتحدة الأمريكية أكثر من مليار دولار في بناء قاعدة العديد في التسعينيات، ثم تحولت القاعدة إلى مركز لوجستي وقيادي لعمليات الولايات المتحدة في أفغانستان والعراق فيما بعد.[16]
ب- الغزو الأمريكي للعراق والترسيخ المؤسسي للقوة الأمريكية في الخليج
إذا كانت عملية تحرير الكويت كانت هي الذريعة لترسيخ الوجود الأمريكي في الخليج، فإن غزو العراق عام 2003 مثل التحول الأكبر في مسار الترسيخ الأمني والعسكري للولايات المتحدة الأمريكية في منطقة الخليج. فقد كانت منطقة الخليج العربي هي المركز الرئيسي لجميع عملياتها في الشرق الأوسط، فعلى سبيل المثال، تذكر الوثائق الأمريكة أن قاعدة العديد في قطر أصبحت هي مركز العمليات الجوية المشتركة لعملياتها الجوية، كما تذكر القوات الجوية المركزية الأمريكية أن هذه القاعدة باتت هي المركز الرئيسي للعمليات الجوية التي قامت بها في العراق وافغانستان.[17]
وقد شهدت العلاقات الخليجية-الأمريكية مزيدًا من التنامي مع دخول العقد الثاني من الألفية الجديدة. ففي عهد أوباما، شهدت هذه العلاقات والشراكات الأمنية ارتفاعًا ملحوظًا، إذ أُعيدت هيكلتها على نحو أكثر إقليمية. وعليه، أطلقت إدارة أوباما “منتدى التعاون الاستراتيجي الأمريكي-الخليجي” (U.S.-GCC Strategic Cooperation Forum)، الذي انطلق في مارس 2012 بهدف تعميق التعاون والتنسيق السياسي والعسكري والأمني بين الولايات المتحدة الأمريكية ودول مجلس التعاون الخليجي.[18]
وبالتوازي مع ذلك، تعمقت طبقة التسليح النوعي والدفاع الصاروخي لدى دول الخليج. فعلى سبيل المثال، وقعت السعودية في 30 ديسمبر 2011 صفقة بقيمة 29.4 مليار دولار. وفي الكويت، نُشر في 3 أغسطس 2012 إخطار في السجل الفيدرالي الأمريكي بصفقة بينها وبين الولايات المتحدة الأمريكية لشراء بعض الأسلحة والمعدات.[19] أما في قطر، فقد وُقعت اتفاقيات في 18 يوليو 2014 لصفقات سلاح قُدرت آنذاك بنحو 11 مليار دولار.[20] وفي الإمارات اتضح مبدأ التعاون الأمريكي المكثف مع دول الخليج. فمنذ اتفاقية الدفاع التي أُبرمت في 25 يوليو 1994، شهدت العلاقات الأمريكية-الإماراتية تناميًا كبيرًا، إذ تمركز داخلها نحو 5,000 عسكري أمريكي في منشآت مختلفة، تشمل جبل علي والظفرة. كما كانت الإمارات أول دولة خليجية تطلب نظام ثاد، وبدأت عملية التسليم والتدريب عليه في أواخر عام 2015.[21]
كما أن شراكة أوباما لم تبق دفاعية ساكنة، بل أصبحت شراكة تشغيلية هجومية مشتركة في مواجهة تهديدات جديدة طرأت في منطقة الشرق الأوسط. ففي 23 سبتمبر 2014، أعلنت القيادة المركزية أن البحرين والأردن والسعودية وقطر والإمارات شاركت مع الولايات المتحدة في الضربات ضد تنظيم داعش في سوريا، وأكد أوباما، في اليوم نفسه، أن واشنطن تقاتل جنبًا إلى جنب، وبالتعاون مع هذه الدول.[22]
ثم جاءت قمة كامب ديفيد في 14 مايو 2015 لتؤكد، رغم القلق الخليجي من الاتفاق النووي الذي أُقيم مع إيران، أن الولايات المتحدة ودول مجلس التعاون ستعمل معًا لمواجهة الأنشطة الإيرانية المختلفة التي تُزعزع الاستقرار الإقليمي.[23]
تدل كل تلك الأمثلة على أن الولايات المتحدة الأمريكية التزمت، حتى ولو في بعض الأحيان ظاهريًا وفي سياق المنفعة المتبادلة، بمبدأ كارتر في دفاعها عن منطقة الخليج العربي وتسليحها، إذ باتت هذه المنطقة خلال العقود الماضية منطقة حيوية تؤوي العديد من المصالح الأمريكية والقواعد العسكرية المرتبطة بها. غير أن دونالد ترامب، مع مجيئه، ولا سيما في ولايته الثانية، أعاد تعريف الدور الأمريكي في منطقة الخليج؛ فبدلًا من الالتزام الحرفي بالدفاع عن هذه المنطقة، حاول التعامل معها وفق مبدأ الدفع مقابل الحماية، كغيرها من الدول الحليفة، ولكن مع الحفاظ على تطبيق مبدأ كارتر. ولم يكن ذلك بغرض حمايتها فقط، بل كان يسعى أيضًا إلى تحميل الدول الخليجية مزيدًا من الأعباء.
ويجب التنويه إلى أنه خلال سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين، كانت الولايات المتحدة تعتمد، بدرجات متفاوتة، على واردات النفط من الخليج. أما بعد زيادة الإنتاج المحلي الأمريكي، ولا سيما بعد عام 2010، فقد تراجع الاعتماد المباشر على النفط الخليجي. ومع ذلك، لا تزال واشنطن تنظر إلى نفط الخليج باعتباره سلعة استراتيجية عالمية تؤثر في الاقتصاد الدولي كله، فإذا تعطلت صادرات الخليج أو ارتفعت أسعار النفط ارتفاعًا حادًا، فإن الاقتصاد الأمريكي سيتضرر حتى لو لم تكن الولايات المتحدة تستورد كميات كبيرة من المنطقة، لأن أسعار النفط تُحدد في سوق عالمية مترابطة. فضلًا عن ذلك، تعتمد اقتصادات كبرى حليفة لواشنطن، مثل اليابان وكوريا الجنوبية والهند وعدد من الدول الأوروبية، على نفط الخليج بدرجات كبيرة. ومن ثم، فإن حماية إمدادات الخليج تعني أيضًا حماية اقتصادات الحلفاء، وهو ما يعزز النفوذ الأمريكي داخل النظام الدولي.
جديرًا بالذكر أن فترة الرئيس الأمريكي جو بايدن لم نفرد لها جزءًا خاصًا، لأن بايدن لم يكن يمثل نموذجًا لإعادة تعريف مبدأ كارتر، ولا نموذجًا للانصياع الكامل لمنطق الحماية، بل كان يمثل مزيجًا من نموذج براغماتي وطابع قيمي قائم على الحماية، بغرض الحفاظ على المنطقة في خدمة الأنشطة الأمريكية المختلفة. إذ سعت إدارة بايدن إلى الجمع بين الشراكة الأمنية التقليدية، والتهدئة الإقليمية، وبناء أطر جماعية للتنسيق مع مجلس التعاون، مع الإبقاء على تفاوت واضح بين دول الخليج من حيث مستوى الأولوية والانفتاح الأمريكي على كل منها.
ثالثًا: ملامح العلاقات الأمريكية الخليجية في الولاية الثانية للرئيس الأمريكي دونالد ترامب
مع عودة دونالد ترامب إلى الحكم عام 2025، اتجهت السياسة الخارجية الأمريكية نحو نهج بدا فيه المنطق النفعي أكثر وضوحًا في التعامل مع الحلفاء، ومن بينهم دول الخليج. ولم يكن هذا التحول قطيعة مع مبدأ كارتر، بقدر ما كان إعادة تعريف له، إذ انتقلت العلاقة تدريجيًا من حماية الخليج بوصفه نظامًا إقليميًا إلى ضمانات أمنية انتقائية مرتبطة بالصفقات، وتقاسم الأعباء، والولاء السياسي، وهي ملامح بدأت منذ ولاية ترامب الأولى عام 2017. وظهرت بشكل واضح مع أزمة أرامكو في عام 2019.
أ-إعادة تعريف الالتزام الأمريكي في ولاية الرئيس ترامب الأولى خلال أزمة أرامكو 2019
عندما هاجمت القوات الحوثية المنشآت النفطية السعودية التابعة لشركة أرامكو، في 14 سبتمبر 2019، في منطقتي بقيق وخريص السعوديتين، قال ترامب حينها بوضوح “إن هذا هجوم على السعودية، وليس هجومًا علينا”، على الرغم من أن هذا الهجوم أدى إلى تعطيل إنتاج نحو 5.7 ملايين برميل يوميًا، وهو ما يدل على أن الهجوم استهدف قلب الصناعة النفطية السعودية الحيوية، التي كان يُفترض أن تلتزم الولايات المتحدة الأمريكية بحمايتها. غير أن ترامب برر موقفه بقوله “لم أعد السعوديين بالحماية، وعلينا أن نجلس مع السعوديين ونتوصل إلى حل”.[24]
وعلى الرغم من عدم لجوء الولايات المتحدة الأمريكية إلى تدخل عسكري مباشر، أعلنت وزارة الدفاع الأمريكية، في 26 سبتمبر 2019، أنها سترسل بطارية باتريوت واحدة، وأربعة رادارات Sentinel، ونحو 200 عنصر دعم إلى السعودية، من أجل تعزيز الدفاع الجوي والصاروخي لمنشآتها العسكرية والمدنية.[25] ثم أعلنت واشنطن، في 11 أكتوبر 2019، تعزيزًا إضافيًا شمل سربين مقاتلين، وجناحًا جويًا، وبطاريتي باتريوت، ومنظومة ثاد. [26]أي إن ترامب لم يترك السعودية بلا دعم، لكنه اختار تعزيز دفاعاتها بدلًا من معاقبة الجهة المنفذة للهجوم حينها.
وهذا التعامل الأمريكي يدل على أن هناك تغير نسبي في طريقة تعامل واشنطن مع أمن الخليج، فبينما نص مبدأ كارتر على أن أي محاولة للسيطرة على الخليج أو تهديده تُعد اعتداءً على المصالح الحيوية للولايات المتحدة، ويستلزم ذلك الرد عليها بالقوة إذا لزم الأمر. فقد تعامل مع الضربة التي أصابت شريان الطاقة الخليجي السعودي بوصفها أزمةً سعودية في المقام الأول، لا أزمةً أمريكية تستلزم ردًا عقابيًا مباشرًا على منفذيها.
تمثل هذه الحالة مثالًا واضحًا على ما يعنيه الباحث بتغير الحساب الأمريكي في الخليج، غير أن ذلك لا يعني بالضرورة تراجع الولايات المتحدة الأمريكية عن مبدئها في حماية الخليج، أو تركها المجال والمنطقة لقوة أخرى كي تهيمن عليها، بل إنها باتت تنظر في المقام الأول إلى حسابات المصلحة. وبالطبع، توجد العديد من الأمثلة والأحداث الأخرى التي بينت النهج الجديد مع الرئيس ترامب، فمثلًا في الخطاب الذي ألقاه الرئيس ترامب في الرياض عام 2017، شدد على ضرورة أن تتحمل دول المنطقة مسؤولية أكبر في حماية أمنها، بدلًا من الاعتماد الكامل على واشنطن. كما أكدت استراتيجية الأمن القومي الأمريكية الصادرة عام 2017 مبدأ تقاسم الأعباء مع الحلفاء. وظهر المنطق نفسه في لقاء ترامب بولي العهد السعودي محمد بن سلمان عام 2018، حين ركز على صفقات السلاح والاستثمارات السعودية وما توفره من عوائد وفرص عمل للولايات المتحدة. [27]
ب- تصاعد منطق الصفقات وتقاسم الأعباء خلال ولاية الرئيس ترامب الثانية
شهدت ولاية ترامب الثانية تصاعد هذا النهج في التعامل المصلحي البراغماتي مع الخليج بشكل واضح. فمنذ عودة ترامب إلى البيت الأبيض في عام 2025، بدا وكأن المقاربة الأمريكية تجاه الخليج دخلت مرحلة أكثر تعقيدًا. ففي 9 أبريل 2025، أدخل ترامب إصلاحات في نظام المبيعات العسكرية الخارجية للولايات المتحدة استهدفت في المقام الأول تسريع توريد السلاح، وتقليص القيود البيروقراطية، ومنح أولوية لشركاء بعينهم، مع تأكيد واضح على مبدأ تقاسم الأعباء.[28] ويكشف هذا التوجه عن أن إدارة ترامب لم تنظر إلى أمن الخليج بوصفه التزامًا استراتيجيًا مجردًا، بل بوصفه مجالًا يمكن من خلاله الجمع بين الردع، وتسريع التسليح، وتعظيم العائد الاقتصادي والصناعي للولايات المتحدة الأمريكية، أي أن منطق الدفاع دخل في مرحلة الحسابات الاقتصادية والعوائد المالية للولايات المتحدة الأمريكية.
وقد تطور هذا المنطق خلال عام 2025 إلى ما يشبه المقايضة الصريحة بين الأمن والاستثمار. ففي مايو 2025 أعلنت الإدارة الأمريكية عن التزامات اقتصادية ضخمة مع الخليج، شملت التزامًا سعوديًا بقيمة 600 مليار دولار، والتزامًا قطريًا بقيمة 1.2 تريليون دولار، إلى جانب صفقات جديدة مع الإمارات تجاوزت 200 مليار دولار، فضلًا عن تسريع استثمار إماراتي كان قد أُعلن عنه سابقًا بقيمة 1.4 تريليون دولار.[29] ثم جاء الأمر التنفيذي الخاص بقطر في سبتمبر 2025 ليمنحها ضمانًا أمنيًا أمريكيًا مباشرًا ضد أي هجوم خارجي،[30] قبل أن تُتوج هذه المقاربة في نوفمبر 2025 بتوقيع اتفاق الدفاع الاستراتيجي الأمريكي-السعودي، الذي جمع بين تعميق الردع، وتوسيع دور شركات الدفاع الأمريكية داخل المملكة، وتأمين مساهمات سعودية لتخفيف الأعباء المالية عن الولايات المتحدة. فقد سهّل هذا الاتفاق، ببنوده المتفق عليها، من آلية عمل شركات الدفاع الأمريكية داخل السعودية، وارتبط بمساهمات سعودية مالية، إلى جانب حزمة دفاعية شملت مقاتلات F-35 وشراء نحو 300 دبابة أمريكية.[31] وبذلك بدا أن إدارة ترامب قد نقلت العلاقة مع الخليج من صيغة الحماية العامة إلى صيغة الضمانات الثنائية الانتقائية المرتبطة بالعائد السياسي والمالي.
ج- الحرب الأمريكية – الإسرائيلية على إيران وإعادة تعريف الالتزام الأمريكي في الخليج
غير أن التحول الأوضح في تعامل الولايات المتحدة الأمريكية مع دول الخليج ظهر بشكل جلي في الحرب الأمريكية – الإسرائيلية على إيران التي اندلعت في 28 فبراير 2026. حين شنت القوات الأمريكية والإسرائيلية سلسلة من الضربات الجوية والصاروخية على إيران، وغاية هذه الحرب، من وجهة نظر واشنطن هو تفكيك البنية الأمنية للنظام الإيراني وضرب الأهداف التي تعدها واشنطن تهديدًا وشيكًا مثل منصات إطلاق الصواريخ، والمدن الصاروخية، ومصانع إنتاج الصواريخ البالستية وغيرها.[32] ومع أن الإدارة الأمريكية قدمت هذه الحرب بوصفها دفاعًا عن الأمن الإقليمي وردعًا لإيران، فإن تطوراتها الميدانية أظهرت أن الخليج لم يعد مجرد مجال للحماية الأمريكية، بل أصبح ساحةً تُدار منها الحرب وتُلقى على عاتقه كلفة معتبرة من آثارها.
فعلى الرغم من أن الولايات المتحدة وإسرائيل بدأتا هذه الحرب، فإن دول الخليج هي التي تتكبد التكلفة الأكبر منها. فعلى سبيل المثال، هاجمت إيران، في 19 مارس 2026، منشأة رأس لفان للغاز الطبيعي المسال، وهي منشأة تابعة لقطر، وتسببت هذه الضربة في أضرار واسعة، كما دمرت وحدتي تسييل، بما قد يؤدي إلى خفض نحو 17% من صادرات قطر من الغاز المسال لمدة تتراوح بين ثلاث وخمس سنوات.[33]
وفي السعودية، سقطت طائرة مسيرة في ينبع في 19 مارس 2026، كما تضرر خط أنابيب شرق–غرب السعودي في 8 أبريل 2026 نتيجة هجوم إيراني، وهو ما هدد بتعطل تدفق النفط بما يصل إلى 6 ملايين برميل يوميًا. وفي الكويت، ذكرت بعض المصادر أن مصفاتي ميناء الأحمدي وميناء عبد الله تعرضتا لهجمات بطائرات مسيرة في 19 مارس 2026، ما أدى إلى اندلاع حرائق في الموقعين.[34] كما أفادت بعض وكالات الأنباء بأنه في 31 مارس 2026 اندلع حريق كبير في مطار الكويت الدولي نتيجة إصابة خزان وقود بداخله. وتدل هذه الأمثلة على حجم الضرر الذي لحق بدول الخليج نتيجة هذه الحرب، والتي ما تزال تعاني من آثارها حتى الوقت الحاضر.[35]
ومن هنا تظهر المفارقة الأساسية في سياسة ترامب في خضم هذه الحرب، فهو يُحيي مبدأ كارتر عسكريًا من حيث اعتباره الخليج وإيران ومضيق هرمز ملفات حيوية تستدعي استخدام القوة، لكنه يزعزع هذا المبدأ وظيفيًا وسياسيًا، لأن جوهر مبدأ كارتر لم يكن مجرد خوض الحرب في الخليج، بل ضمان استقرار الخليج نفسه وحرية تدفق الطاقة والملاحة فيه. غير أن الحرب الراهنة، إلى جانب الحصار البحري الأمريكي المفروض حاليًا على إيران، أسهمت في تعطيل حركة الملاحة في مضيق هرمز إلى حد كبير، إذ أظهرت بيانات الشحن وتقارير بعض وكالات الأنباء أن المرور في المضيق وصل إلى حالة شبه شلل، في حين يمر عبره عادة نحو خُمس تجارة النفط والغاز المسال في العالم. وعلى هذا النحو، فإن الحرب التي شُنّت باسم الردع وحماية الخليج أفضت، عمليًا، إلى تهديد إحدى الوظائف الأساسية التي قام عليها مبدأ كارتر منذ الأصل، وهي استقرار تدفق الطاقة عبر منطقة الخليج.
غير أن هذه الحرب تكشف أيضًا عن مفارقة واضحة تظهر فيه تزاحم بين مبدأ كارتر والالتزام الأمريكي بحماية إسرائيل. فبينما يقوم مبدأ كارتر على حماية الخليج واستقرار تدفق الطاقة والملاحة، ظل أمن إسرائيل أولوية أكثر رسوخًا في السياسة الأمريكية، خاصة من خلال المساعدات العسكرية، والحفاظ على تفوقها العسكري النوعي، ودعمها في مواجهة إيران. ومن ثم، عندما تعارضت أولوية استقرار الخليج مع أولوية ردع إيران وحماية إسرائيل، بدا أن واشنطن تميل إلى تقديم الاعتبار الإسرائيلي، حتى لو ترتب على ذلك تحميل دول الخليج كلفة أمنية واقتصادية كبيرة. وبذلك لا ينهار مبدأ كارتر نظريًا، لكنه يتراجع عمليًا أمام أولوية حماية إسرائيل.
ولذلك لا يمكن القول إن ترامب ينسف مبدأ كارتر بالكامل، لكنه يعيد تعريفه على نحو يُفرغه من بعض مضامينه التقليدية. فهو يُبقي على فكرة أن الخليج مسألة حيوية للأمن الأمريكي، لكنه يحوّل الالتزام الأمريكي من مبدأ عام لحماية الخليج بوصفه نظامًا إقليميًا متكاملًا إلى التزامات انتقائية وثنائية ترتبط بالصفقات والاستثمارات وتقاسم الأعباء. بالإضافة إلى أنه يقدم أولوية الحماية الإسرائيلية على الالتزام الأمريكي بحماية الخليج. كما أنه يستبدل الطابع المؤسسي والجماعي الذي ميّز مقاربات سابقة، ولا سيما في عهد أوباما، بطابع أكثر شخصانية وتجارية. والأهم من ذلك أنه أظهر، سواء في أزمة أرامكو عام 2019 أو في حرب 2026، أن أمن الخليج، في تصوره، لا يتطابق بالضرورة مع استقرار الخليج، بل قد يخضع لأولويات الردع والضغط والمكاسب الأمريكية المباشرة، حتى لو أدى ذلك إلى تعريض الإقليم ذاته لمزيد من الهشاشة والضعف النسبي.
رابعًا: سيناريوهات مستقبل العلاقات الخليجية-الأمريكية
بناءً على الاستنتاجات التي توصلت إليها الورقة يمكن وضع عدة سيناريوهات لمستقبل العلاقات الخليجية الأمريكية:
السيناريو الأول: استمرار الشراكة الانتقائية القائمة على الصفقات
قد تتجه العلاقات الخليجية-الأمريكية إلى الاستمرار وفق النمط الذي برز في عهد ترامب، أي بقاء الولايات المتحدة فاعلًا أمنيًا رئيسيًا في الخليج، ولكن دون التزام مفتوح أو غير مشروط بحماية جميع دوله. في هذا السيناريو، ستظل واشنطن حريصة على منع أي قوة منافسة من الهيمنة على الخليج أو تهديد تدفق الطاقة، لكنها ستربط دعمها الأمني والعسكري بدرجة أكبر بحجم الاستثمارات الخليجية، وصفقات التسليح، وتقاسم الأعباء المالية. وبذلك تصبح العلاقات مشروطة بشراكات مصلحية مباشرة، لا تحالفًا استراتيجيًا قائمًا على التزامات أمنية عامة.
السيناريو الثاني: اتجاه دول الخليج إلى تنويع شراكاتها وتقليل الاعتماد على واشنطن
إذا استمرت الولايات المتحدة في التعامل مع أمن الخليج بمنطق انتقائي وتجاري، فقد تدفع هذه المقاربة دول الخليج إلى البحث عن بدائل موازية، من خلال تعميق علاقاتها مع قوى أخرى مثل الصين وروسيا والهند وأوروبا، إلى جانب تطوير قدراتها الدفاعية الذاتية. ولا يعني هذا السيناريو قطع العلاقة مع الولايات المتحدة، بل إعادة موازنتها بحيث لا تبقى واشنطن الضامن الأمني الوحيد. وقد يؤدي ذلك إلى سياسة خليجية أكثر استقلالًا، تقوم على تنويع الشركاء، وشراء السلاح من مصادر متعددة، وتوسيع الدبلوماسية الإقليمية لتقليل كلفة الاعتماد المطلق على الحماية الأمريكية.
السيناريو الثالث: عودة النهج المؤسسي مع إدارة أمريكية مختلفة عن ترامب
قد تتغير العلاقات الخليجية – الأمريكية إذا جاءت إدارة أمريكية مختلفة عن نهج ترامب، خاصة إذا اقتربت من توجهات الإدارات الديمقراطية. ففي هذه الحالة قد يتراجع منطق الصفقات والحماية المشروطة لصالح مقاربة أكثر مؤسسية تقوم على التنسيق الجماعي مع دول الخليج، وتعزيز الدفاعات المشتركة، وتجمع بين الردع والدبلوماسية في التعامل مع إيران. غير أن ذلك لا يعني عودة كاملة إلى الحماية التقليدية، إذ ستظل واشنطن حريصة على تقاسم الأعباء وتقليل الانخراط العسكري المباشر، مع احتمال بروز خلافات في العديد من الملفات.
وختامًا، يخلص هذا المقال إلى أن العلاقات الخليجية-الأمريكية لم تكن علاقات عابرة، بل تشكلت عبر مسار طويل ارتبط بالأهمية الاستراتيجية للطاقة وموقع الخليج في الحسابات الأمريكية. وقد مثّل مبدأ كارتر نقطة تحول رئيسية في هذا المسار، إذ رسخ اعتبار الخليج مجالًا حيويًا للمصالح الأمريكية، ثم تعمق هذا التوجه لاحقًا عبر الشراكات الدفاعية والانتشار العسكري والتنسيق الأمني، خاصة بعد حرب الخليج الثانية وغزو العراق.
غير أن عودة ترامب إلى الحكم لم تُنه هذا المبدأ، بل أعادت تعريفه وفق منطق أكثر براغماتية وانتقائية. فقد ربطت إدارة ترامب حماية الخليج بالصفقات، وتقاسم الأعباء، والعائد الاقتصادي، ودرجة القرب السياسي من واشنطن. وظهر ذلك بوضوح في أزمة أرامكو عام 2019، ثم في الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران عام 2026، حيث بدا أن الخليج لم يعد فقط مجالًا للحماية الأمريكية، بل ساحة تتحمل كلفة الصراع. ومن ثم، فإن التحول الذي طرأ في عهد الرئيس ترامب لا يعني التخلي عن الخليج، بل إخضاع حمايته لحسابات المصلحة الأمريكية المباشرة.
المراجع:
[1] سوسن مهنا، “ما هي “عقيدة كارتر” تجاه إيران؟“، اندبندت بالعربي، 7 مارس 2021. https://shorturl.at/X4nDe
[2] U.S. Department of State, Office of the Historian. Foreign Relations of the United States, 1969–1976, Volume E-9, Part 2, Documents on the Middle East, 1973–1976. Document 29, “Summary of NSDM 186 Response: Persian Gulf”.
[3] U.S. Department of State, Office of the Historian. “Memorandum of Conversation Between the King of Saudi Arabia (Abdul Aziz Al Saud) and President Roosevelt, February 14, 1945, Aboard the U.S.S. ‘Quincy’.” In Foreign Relations of the United States, Diplomatic Papers, 1945, The Near East and Africa, Volume VIII. Document 2. https://shorturl.at/Lndly
[4] F. Gregory Gause III, “The International Relations of the Persian Gulf”, (Cambridge: Cambridge University Press, 2009),p17-25.
[5] Ibid, p56-57.
[6] Ibid, p57.
[7] Ibid, p57-58.
[8] Ibid, 81-82.
[9] Ibid, p82.
[10] Ibid, p82-83.
[11] Ibid, p83-85.
[12] Kenneth Katzman, Kuwait: Governance, Security, and U.S. Policy (Washington, DC: Congressional Research Service, 2018), p14–15.
See also: Kenneth Katzman, Bahrain: Reform, Security, and U.S. Policy (Washington, DC: Congressional Research Service, 2013), p13–14.
See also: Kenneth Katzman, The United Arab Emirates (UAE): Issues for U.S. Policy (Washington, DC: Congressional Research Service, 2015), p15.
See also: Christopher M. Blanchard, Qatar: Background and U.S. Relations (Washington, DC: Congressional Research Service, 2012), p14.
[13] U.S. Department of State, “U.S. Security Cooperation With Saudi Arabia,” January 20, 2025.
See also: Alfred B. Prados, Saudi Arabia: Current Issues and U.S. Relations (Washington, DC: Congressional Research Service, 2002), p9-10.
[14] Martin Indyk, “The Clinton Administration’s Approach to the Middle East,” Washington Institute for Near East Policy, May 18, 1993. https://shorturl.at/b7Thj
[15] The White House, A National Security Strategy of Engagement and Enlargement (Washington, DC, February 1995), discussion of Iraq’s October 1994 threat to Kuwait and Operation Vigilant Warrior. https://history.defense.gov/Portals/70/Documents/nss/nss1995.pdf?ver=2014-06-25-121226-437&
[16] Christopher M. Blanchard, Qatar: Background and U.S. Relations, CRS Report for Congress RL31718 (Washington, DC: Congressional Research Service, May 30, 2012), p12-14. https://www2.law.umaryland.edu/marshall/crsreports/crsdocuments/RL31718_05302012.pdf.
[17] U.S. Air Forces Central, “Combined Air Operations Center (CAOC),” fact sheet, updated July 2017, https://shorturl.at/sMFt4
[18] U.S. Department of State, “Joint Communique From the Second Ministerial Meeting for the U.S.-GCC Strategic Cooperation Forum,” October 1, 2012, https://2009-2017.state.gov/r/pa/prs/ps/2012/10/198516.htm.
[19] U.S. Air Force, “Saudi Arabia to Purchase 84 F-15SA, Upgrade Current F-15 Fleet,” December 30, 2011, https://www.af.mil/News/Article-Display/Article/111940/saudi-arabia-to-purchase-84-f-15sa-upgrade-current-f-15-fleet/
See also: Defense Security Cooperation Agency, “36(b)(1) Arms Sales Notification,” Federal Register 77, no. 150 (August 3, 2012): 46411–46412, https://www.govinfo.gov/content/pkg/FR-2012-08-03/pdf/2012-18958.pdf.
[20] U.S. Army, “U.S., Qatar Sign Letters on $11 Billion in Helicopters, Defense Systems,” July 18, 2014, https://www.army.mil/article/130183/u_s_qatar_sign_letters_on_11_billion_in_helicopters_defense_systems.
[21] Kenneth Katzman, The United Arab Emirates (UAE): Issues for U.S. Policy, op cit. p19- 22, https://www.everycrsreport.com/files/20160816_RS21852_96460447491b87bafc5010912a59b8298b31ac5a.pdf.
[22] U.S. Central Command, “Sept. 23: U.S. Military, Partner Nations Conduct Airstrikes Against ISIL in Syria,” press release, September 23, 2014, https://shorturl.at/HAs4j
[23] The White House, “U.S.-Gulf Cooperation Council Camp David Joint Statement,” May 14, 2015, https://obamawhitehouse.archives.gov/the-press-office/2015/05/14/us-gulf-cooperation-council-camp-david-joint-statement.
See also: The White House, “FACT SHEET: Implementation of the U.S.-Gulf Cooperation Council Strategic Partnership,” April 21, 2016, https://obamawhitehouse.archives.gov/the-press-office/2016/04/21/fact-sheet-implementation-us-gulf-cooperation-council-strategic.
[24] Stephen Kalin, Rania El Gamal, and Dmitry Zhdannikov, “Attacks on Saudi Oil Facilities Knock Out Half the Kingdom’s Supply,” Reuters, September 14, 2019, https://l1nq.com/pab67or
See also: Steve Holland and Rania El Gamal, “Trump Says He Does Not Want War After Attack on Saudi Oil Facilities,” Reuters, September 17, 2019, https://sl1nk.com/waqur2u
[25] U.S. Department of Defense, “DOD Statement on Deployment of U.S. Forces and Equipment to the Kingdom of Saudi Arabia,” September 26, 2019, https://l1nq.com/gjkmhuu
[26] U.S. Department of Defense, “U.S. Sends Additional Capabilities to Saudi Arabia,” October 11, 2019, https://l1nq.com/75lywvn
[27] Donald J. Trump, “President Trump Delivers Remarks at Arab Islamic American Summit,” The White House, May 21, 2017. https://trumpwhitehouse.archives.gov/articles/president-trump-delivers-remarks-arab-islamic-american-summit/.
See also: Donald J. Trump, “Remarks by President Trump and Crown Prince Mohammed Bin Salman of the Kingdom of Saudi Arabia Before Bilateral Meeting,” The White House, March 20, 2018, accessed June 10, 2026, https://trumpwhitehouse.archives.gov/briefings-statements/remarks-president-trump-crown-prince-mohammed-bin-salman-kingdom-saudi-arabia-bilateral-meeting/.
[28] Donald J. Trump, “Reforming Foreign Defense Sales to Improve Speed and Accountability,” Presidential Actions, The White House, April 9, 2025, https://sl1nk.com/d93nopt
[29] The White House, “Fact Sheet: President Donald J. Trump Secures Historic $600 Billion Investment Commitment in Saudi Arabia,” May 13, 2025, https://sl1nk.com/0ow1bp9
See also: The White House, “Fact Sheet: President Donald J. Trump Secures Historic $1.2 Trillion Economic Commitment in Qatar,” May 14, 2025, https://l1nq.com/1olosf4
See also: The White House, “Fact Sheet: President Donald J. Trump Secures $200 Billion in New U.S.-UAE Deals and Accelerates Previously Committed $1.4 Trillion UAE Investment,” May 15, 2025, https://sl1nk.com/9qcaxbw
[30] Donald J. Trump, “Assuring the Security of the State of Qatar,” Executive Order, The White House, September 29, 2025, https://l1nq.com/j3g0fel
[31] The White House, “Fact Sheet: President Donald J. Trump Solidifies Economic and Defense Partnership with the Kingdom of Saudi Arabia,” November 18, 2025, https://l1nq.com/bxr87z2
[32] Phil Stewart, Parisa Hafezi, Maayan Lubell, and Andrew Mills, “Israel and the United States Launched Strikes on Iran,” Reuters, February 28, 2026, https://l1nq.com/654b818
[33] Maha El Dahan, Andrew Mills, and Yousef Saba, “Exclusive: Iran Attacks Wipe Out 17% of Qatar’s LNG Capacity for Up to Five Years, QatarEnergy CEO Says,” Reuters, March 19, 2026, https://sl1nk.com/awcs93l
[34] Maha El Dahan, Yousef Saba, and Andrew Mills, “Iran Targets Energy Facilities Across Gulf After Israel Struck Its Key Gas Installations,” Reuters, March 19, 2026, https://sl1nk.com/9bau2gd
See also: Yousef Saba and Maha El Dahan, “Iran Struck Saudi Arabia Oil Pipeline Just Hours After Ceasefire, Source Says,” Reuters, April 8, 2026, https://l1nq.com/t09yyap
See also: Maha El Dahan, Yousef Saba, and Andrew Mills, “Iran Targets Energy Facilities Across Gulf After Israel Struck Its Key Gas Installations,” Reuters, March 19, 2026, https://shorturl.at/sqUzp.
See also: Reuters, “Drone Attack Hits Fuel Tank at Kuwait International Airport Causing Fire,” Reuters, March 25, 2026, https://shorturl.at/y43ti.
[35] Associated Press, “Trump Will Address the U.S. on the Iran War,” live coverage, March 31, 2026, https://l1nq.com/m2jzcc1
باحث في النظرية السياسية بمركز ترو للدراسات