Cairo

ثلاثية الأمة والدين والمقاومة بين أنطون سعادة وحسن نصر الله: كيف يُعاد إحياء الوعي القومي في زمن الانقسام الطائفي؟

قائمة المحتويات

باحث مساعد في النظم و النظرية السياسية بمركز ترو للدراسات والتدريب

باحث في العلاقات الدولية بمركز ترو للدراسات والتدريب

على مدار القرن الماضي، شهدت المنطقة العربية تحولاتٍ سياسية واجتماعية كبيرة وعميقة، دفعت العديد من المفكرين العرب إلى السعي لإيجاد حلولٍ مقنعة للأزمات المختلفة التي ظهرت خلال حقبة الاستعمار وما بعدها. لم تكن الحركة الفكرية في المنطقة العربية ساكنة خلال فترة الاستعمار، أو تعاني ركودًا ثقافيًا، بل كانت نشطة ومتجددة؛ إذ لاحت في الأفق العديد من المشاريع الفكرية التي دوى صداها في أرجاء العالم العربي مطلع القرن الماضي، ولا سيما المشاريع القومية التي بدأت في الظهور مع ضعف الخلافة العثمانية وسقوطها. وقد أسهمت تلك المشاريع في تأسيس بُنى فكرية لأجيال من المفكرين والباحثين، وكان من أبرزها مشروع المفكر اللبناني أنطون سعادة. 

   برز مشروع أنطون سعادة في منتصف القرن الماضي بوصفه مشروعًا قوميًا موجهًا لمنطقة الهلال الخصيب، أو بلاد الشام بمفهومها الشامل. وقد لاقت أطروحاته صدى واسعًا، كما أثارت جدلًا كبيرًا نظرًا لما تضمنته من أفكار شائكة في مجال الدين وعلاقته بالدولة وأنه جعل من العلمانية أساسًا محركًا لفكر الدولة، إذ خالفت هذه الأطروحات الاتجاه الفكري السائد في المشرق العربي. وعلى الرغم من ذلك، حظي أنطون سعادة بشعبية واسعة وكبيرة في لبنان لما مثله من بطولات في مقاومة الاستعمار الفرنسي في الشام، والصهيونية في فلسطين، فضلًا عن انتمائه العميق إلى وطنه الأم، لبنان، ولكن في إطار مشروعه القومي الأكبر. ورغم أن الرجل مرّ على إعدامه عقود، وفشل مشروعه السياسي والفكري، إلا أن أفكاره في بعض الأحيان تعود إلى الحياة مجددًا في الخطاب السياسي والثقافي للمشرق، وإن كان ذلك في أشكال جديدة ومختلفة.

   وفي الآونة الأخيرة، ظهرت العديد من الأصوات التي تقوم بالتشبيه بينه وبين حسن نصرالله، الأمين العام الأسبق لحزب الله، خاصةً بعد مقتله في سبتمبر2024، كما تسعى هذه الأصوات أيضًا إلى إعادة إحياء أفكار أنطون سعادة. ومن بين هذه الأصوات الناشطة اللبنانية “غدى فرانسيس” التي أصدرت كتابًا، بالتعاون مع الكاتب اللبناني بدر الحاج، بعنوان “أنطون سعاده شهادة الصورة” في عام 2025 لكي تُحي ذكرى أنطون سعادة وأفكاره، وذكرت في إحدى لقائاتها أن أنطون سعادة بالنسبة إلى الشعب اللبناني مثله مثل حسن نصر الله.[1]

   يمثل حسن نصر الله، بالنسبة إلى العديد من اللبنانيين، نموذجًا لزعيم سياسي وديني استطاع أن يوظف الفكر المقاوم والهوية الجماعية في سياق مختلف. ولهذا نجد أن كلا الرجلين ينظران إلى المقاومة كجوهر وجودي للكرامة الوطنية والهوية، لا مجرد وسيلة سياسية. ورغم التباين الظاهر بين الرجلين في المنطلقات الفكرية والعقائدية، فالأول أسّس الحزب السوري القومي الاجتماعي على أساس الهوية القومية السورية الجامعة، بينما استند الثاني إلى المرجعية الإسلامية الشيعية والمشروع المقاوم لإسرائيل والغرب، إلا أن كليهما عبر عن رفض جذري للهيمنة الأجنبية، وبالأخص الغربية، وسعى إلى بناء مشروع تحرري، ولكن بأبعاد مختلفة. وفي الوقت الحالي، تتجلى أهمية النظر لأفكار كلا المفكرين، وخاصة افكار أنطون سعادة التي يُعاد إنتاجها في سياق الأزمة السياسية التي تمر بها لبنان من بعض الناشطين والكتاب، وفي ظل واقع طائفي تتنافس فيه القوى المختلفة على مواقع مناسبة داخل بنية السلطة تشعر فيه بالسيطرة والقوة، وفي وقتٍ يعاني فيه حزب الله من ضعف كبير نتيجة لحربة الأخيرة مع إسرائيل.

   وبناءً على ما سبق، يسعى هذا المقال إلى إعادة قراءة المشاريع الفكرية لكلٍ من أنطون سعادة وحسن نصر الله داخل السياق اللبناني الذي يتسم بخصوصية شديدة. حيث تُعاد فيه صياغة مفاهيم الهوية والانتماء والمقاومة بصورة مستمرة داخل بنية سياسية طائفية تُنتج الانقسام بقدر ما تدعي تمثيل التعدد. ومن هذا المنطلق، لا تُقارب الورقة أفكار سعادة ونصر الله بوصفها أفكارًا معلقة في فراغ عروبي عام، بل باعتبارها مشاريع تتفاعل مع شروط المجال السياسي اللبناني وحدوده وممكناته.

   كما تنطلق المقارنة من وعيٍ واضح باختلاف الزمنين والسياقين اختلافًا جذريًا، فسعادة ينتمي إلى ثلاثينيات وأربعينيات القرن العشرين، في سياق الانتداب وتكون الدولة الوطنية وما أعقب انهيار الدولة العثمانية من إعادة رسم للحدود والهويات، بينما ينتمي نصر الله إلى مرحلة تمتد من الثمانينيات حتى 2024، حيث تصاعدت حركات الإسلام السياسي، وتبدلت توازنات الإقليم، وصعد الفاعلون المسلحون غير الدوليين، وتعمق تداخل النفوذ الإقليمي.

   وعليه، لا تبحث هذه الورقة عن تماثل بين الشخصيتين، بل تعمل على تفكيك نقاط الالتقاء والافتراق بين المشروعين لا من باب المطابقة، بل من باب فهم آليات الإحياء والعودة؛ أي التوقف عند ظاهرة إعادة استدعاء فكر أنطون سعادة في بعض الأوساط القومية والمقاومة، وتنامي التشبيه بينه وبين حسن نصر الله بعد مقتله، بما يسمح بفحص مدى قابلية هذه الأفكار للتكيف مع الواقع السياسي والاجتماعي الراهن في لبنان، وفي المشرق العربي بصورة أوسع.

أولًا: أنطون سعادة بين النزعة القومية والرؤية العلمانية

   وُلد أنطون سعادة في عام 1904 في منطقة الشوير بلبنان، من أبوين مسيحيين، وكان والده الطبيب خليل سعادة أحد أبرز القادة الوطنيين اللبنانيين. درس أنطون المرحلة الأساسية في الشوير، لكنه هاجر مع عائلته من لبنان إلى مصر عام 1913. وأثناء إقامته هناك اندلعت الحرب العالمية الأولى، وكانت بلاد الشام إحدى أهم مناطق الحرب الرئيسية، وقد عانت من ويلات الحرب، ومن الظلم والاستبداد القائمين فيها منذ عقود، وانتهت الحرب بتقسيم منطقة الشام بين القوى المنتصرة وفقًا لاتفاقية سايكس–بيكو، وما تلاها من تعديلات أقرها مؤتمر سان ريمو في عام 1920، فخضعت لبنان للانتداب الفرنسي. وبعد انتهاء الحرب عاد سعادة إلى لبنان لفترة قصيرة، ثم غادرها عام 1921 ليلتحق بوالده الذي كان قد استقر في البرازيل.[2] كانت لهذه الفترة، بما شهدته من تحولات سياسية كبرى في المنطقة العربية، أثر عميق في تشكيل فكر أنطون سعادة القومي، الذي بدأ في التبلور منذ سنواته الأولى في المهجر.[3]

   شكلت الفترة التي أقامها سعادة في البرازيل نقطة فارقة في مرحلة تكوينه الفكري والسياسي، إذ تبلورت فيها أفكار أنطون سعادة حول القومية والوطنية، ولا سيما ما يتعلق بـ”الوطنية السورية”، وهو نوع من الفكر القومي والوطني كان شائعًا بين أوساط الطبقة اللبنانية المثقفة في أواخر القرن التاسع عشر. ساهم أنطون سعادة مع والده خلال تلك الفترة في تحرير عدد من الجرائد والمجلات والكتابة فيها، مثل “المجلة” وغيرها. وقد أخذت أفكاره تتطور شيئًا فشيئًا حتى وصلت إلى مرحلة بروز فكرته المشهورة “الأمة السورية” أو “القومية السورية”، والتي تتفرع عنها فكرة “الدولة السورية”، التي تتكون، بحسب تصوره، من عدة بلدان، منها: لبنان، وسوريا، وفلسطين، والأردن، وقبرص، والعراق، وأجزاء من مصر، وخاصة شبه جزيرة سيناء.[4]

   وتُعد هذه الفكرة القومية مستقلة عن فكرة القومية العربية الكبرى، وهو ما سيتم توضيحه لاحقًا. وقد دفعت هذه الأفكار سعادة إلى العودة إلى لبنان وتأسيس الحزب السوري القومي الاجتماعي عام 1932، وهو الحزب الذي ناضل من خلاله ضد الاستعمار والانتداب، وضد المشروع الصهيوني في فلسطين. وقد انتهى به المطاف إلى الإعدام عام 1949، إثر محاولته القيام بثورة ضد نظام الحكم اللبناني المتحالف مع سلطات الانتداب. وبناءً على ذلك، يمكن القول إن مسيرة أنطون سعادة كانت حافلة بالأحداث والتحولات الكبرى التي جعلت منه رمزًا قوميًا بارزًا في لبنان، بل وفي منطقة الشام بأكملها. وعليه، يستدعي هذا السياق عرض أبرز أفكار أنطون سعادة المتعلقة بعدد من القضايا المحورية، ولا سيّما مفاهيمه حول الأمة، والعلاقة بين الدين والدولة، والمقاومة.[5]

أ-الأساس الفكري لمفهوم “الأمة” عند سعادة

   تأثر سعادة في مفهومه عن الاجتماع البشري والأمة بنظرية التطور الداروينية، التي وضعها عالم الأحياء البريطاني تشارلز داروين، واستند إليها في بلورة رؤية محددة عن البيئة وارتقاء الإنسان داخلها، غير أنه لم يتناول هذه النظرية من زاويتها البيولوجية البحتة، بل اقترب في توظيفه منها من منطق الداروينية الاجتماعية، وهو المنطق الذي طبع فكر عددٍ من المفكرين العرب بصورةٍ مباشرة أو غير مباشرة، مثل سلامة موسى وشبلي شميل وغيرهما. وفي هذا السياق، استخدم سعادة الداروينية استخدامًا انتقائيًا ذا طابع فلسفي، لتفسير تطور المجتمعات وتشكل الأمم. ورأى أن الإنسان ليس إلا كائنًا من الكائنات الحية التي تتطور وترتقي في سياق بيئتها التي نشأت فيها، كما أنه يتطور كسائر الكائنات في نظام الحياة. غير أن سعادة لم يتعمق في مسألة نشوء الإنسان بقدر اهتمامه بمسألة تطوره وعوامله.[6]

   وقد نتج عن هذا التطور نشوء مجتمعات إنسانية، والاجتماع الإنساني من وجهة نظر سعادة قديم قدم الإنسان، كما أوضح أن الرؤية الوجودية التي تصف الإنسان بأنه فرد خارج الإطار الجماعي أمر عبثي. لقد تطورت المجتمعات والأمم الإنسانية إلى أممٍ مختلفة نتيجةً لوجود حدود جغرافية وبيئية تفصل بينها، وبذلك نجد أن هناك أممًا إنسانية متعددة، لا أمةً واحدة. ويبرر سعادة هذا الرأي بأنه لو كانت الأرض سهلًا منبسطًا لكان المجتمع الإنساني أمةً واحدة، ولكن الأرض ليست كذلك، بل هي متعددة البيئات.[7]

   ومن هذا المنطلق، يعطي سعادة مفهومًا محددًا عن الأمة بوصفها واقعًا اجتماعيًا نشأ نتيجةً للتاريخ الذي ولجت فيه وتطورت في نطاقه، وجاء ذلك بفعل ظروف وشروط موضوعية، أبرزها المشاركة في الحياة كفاعلٍ نشط، وهو ما أسماه “وحدة الحياة”. وتلك الوحدة مجدولة بثلاث ركائز: أسباب الاجتماع، ونشوء المجتمعات، والنتائج التاريخية والاجتماعية. وعلى أساس هذه الركائز تنشأ حالة داخلية من تقابل المصالح والوحدة بين أفراد الجماعة، فيتفاعلون فيما بينهم في إطار ثقافي محدد وضمن حدود جغرافية معينة. وبهذا تنشأ الأمة، وتولد التطورات الثقافية الحاصلة داخلها نوعًا من التقاليد الجديدة. وبذلك فالأمة هي “أتم متحد”، تتكون من جماعةٍ من البشر تجمعهم مصالح وعوامل نفسية ومادية مشتركة ووحدة مصير، ويعيشون في قطرٍ معين يكسبها تفاعلاتٍ محددة ومزايا تميزها عن غيرها من الجماعات والأمم.[8] وجديرًا بالذكر أن هناك تشابهًا كبيرًا بين أفكار أنطون سعادة وأفكار الفيلسوف الفرنسي إرنست رينان حول الأمة. إذ كان سعادة مطلعًا على أطروحات رينان في هذا الشأن، والتي كانت كتاباته شائعةً في الأوساط الثقافية العربية آنذاك. فقد قدم رينان تصورًا غير عرقي للأمة، يقوم على التاريخ المشترك والذاكرة الجمعية و«الإرادة في العيش المشترك»، ورفض تعريف الأمة على أساس العرق أو الدين أو اللغة وحدها. هذا يتقاطع جزئيًا مع فكر سعادة في رفضه الأسس العرقية والدينية لتكوين الأمة، وفي تأكيده أن الأمة كيان تاريخي – اجتماعي تشكل عبر الزمن. وإن كان هناك اختلاف في رأيهما حول تشكل الأمة، فرينان رأى أنها مرتبطة بفعل ارادي، خلافًا لسعادة الذي ربطها بعوامل حتمية بيئيًا وجغرافيًا. وقد ناقش سعادة هذه الأطروحات في كتابه “نشوء الأمم” ضمن عرضه النقدي لتعريفات الأمة في الفكر الأوروبي، غير أنه تجاوزها إلى بناء تصورٍ مغاير يرتكز على التكوين الاجتماعي التاريخي للأمة وعلاقتها بالبيئة ووحدة الحياة.[9]

   وعلى هذا الأساس، بنى أنطون سعادة فكرته عن “الأمة السورية” التي تمتد من جبال طوروس في الشمال الغربي وجبال البختياري في الشمال الشرقي إلى قناة السويس والبحر الأحمر في الجنوب، شاملة شبه جزيرة سيناء، وبحسب بعض المصادر الأخرى أجزاء فقط منها، وخليج العقبة، ومن البحر السوري في الغرب شاملة جزيرة قبرص إلى قوس الصحراء العربية والخليج العربي في الشرق، وقد عبر عن هذا الامتداد الجغرافي الحضاري بمصطلح “الهلال السوري الخصيب”. وهذه الأمة تعرب عن مدلولٍ يشتمل على مجتمعٍ واحدٍ امتزجت أصوله وأفعاله، فأضحى كيانًا واحدًا. ولم يُنكر سعادة كون الأمة السورية جزءًا من الأمة العربية، ولكن ذلك لا ينفي، وفقًا لاعتقاد سعادة، وجود أمة مميزة ومنفصلة ومستقلة في خصائصها عن بقية الأمم في المنطقة العربية. ولهذا رفض سعادة فكرة الأمة العربية الموحدة، كما رفض استقلال لبنان عن سوريا وعن سائر دول منطقة الهلال الخصيب، ورأى أنهم يؤلفون وحدةً واحدة تجمعهم، بما في ذلك اللبنانيين.[10]

ب- العلاقة بين الدين والدولة في فكر سعادة

   أثارت آراء سعادة في الدين جدلًا كبيرًا وواسعًا، إذ كان يرى أن الله لا يفرق بين الطوائف والمذاهب، ويقبل العمل الصالح والخير من أي طائفة، كما أنه يرفض الشر منهم جميعًا. وركز في حديثه على الإسلام والمسيحية بحكم كونهما الديانتين الأكثر انتشارًا في المنطقة. وكان يرى أيضًا أن الله يهتم بالجوهر لا بالمظهر، فحتى وإن اختلفت التقاليد والأشكال الممارسة في الدين، فإن الخير الصادر من كليهما مقبول عند الله، من وجهة نظر سعادة.[11]

   وفي هذا السياق، عد سعادة الدين والمعتقد شأنًا شخصيًا، لكنه شدد على ألا يكون ذلك على حساب العلوم الدنيوية والرؤية العقلانية العلمية. ومن ثم، احتل الدين وفكرة الإيمان بالله حيزًا مهمًا في فلسفته، إذ قام تصوره للإيمان على مرتكز عقلاني لا على الرفض أو الإنكار. وقد انتقد كل تدين أعمى، لأنه يقيد عمل العقل ويُجمد ملكة التفكير. ومع ذلك، شدد سعادة على أن نقده كان موجهًا للتدين الأعمى الذي يعطل العقل، لا لفكرة الإيمان بالله ذاتها؛ ولذلك رفض الاتهامات التي وُجهت إليه بالإلحاد أو إنكار الإيمان بالله.[12]

   وانطلاقًا من هذه الأفكار، أمن سعادة بحرية الاعتقاد الديني لكل شخص، باعتبارها أمرًا يختلف من فردٍ إلى آخر. ولذلك ينبغي فصل القضايا اللاهوتية والدينية عن سائر أمور الحياة، وأنه لا ينبغي إدخال الأمور الدينية في الأمور الدنيوية، وفصل السلطة الروحية عن السلطة الزمنية، أي فصل الدين عن الدولة. وبذلك هو رفض كافة أشكال الحكم الطائفي، ورفض تدخل رجال الدين في الشؤون السياسية. واعتقد سعادة أن الأمة التي تُؤسس على الدين لا تلبث أن تتحول إلى أممٍ متعددة. فالدين، من وجهة نظره، يتنافى مع القومية وتكوين الأمة لأنه ذو طابع إنساني وعالمي. وقد سُئل سعادة في حوار له مع وكالة الصحافة الفرنسية عن شكل الأمة التي يتصورها، فقال: “جمهورية برلمانية ديمقراطية، تميل إلى اليسار، وعلمانية قبل كل شيء.” عليه، رأى سعادة أن الانعتاق لن يتحقق إلا بتأسيس دولةٍ قوميةٍ علمانية، وهو ما يسعى إلى تحقيقه من خلال حزبه، “الحزب السوري القومي الاجتماعي”، إذ لا تحتل الانتماءات الطائفية فيه موقعًا حاكمًا، بل يُعد ذلك أمرًا شخصيًا، بينما يكون المبدأ الأعلى هو القومية السورية وفصل الدين عن الدولة، واللا طائفية في الحكم والعمل. وفي إطار هذا الحزب، نادى سعادة بفكرة سوريا الكبرى، رافضًا الاعتراف بلبنان كدولةٍ مستقلة. كما رفض فكرة القومية العربية، وجميع أشكال الطائفية في الحكم والتأسيس الديني، وواجه كذلك الانتداب الفرنسي والحركة الصهيونية. وهو ما ينقلنا إلى فكرة المقاومة بوصفها أساسًا في ممارسته الفكرية والعملية.[13]

ج- المقاومة بوصفها مرتكزًا للفكر القومي عند سعادة

   لعبت فكرة المقاومة دورًا أساسيًا في المشروع الفكري والسياسي لأنطون سعادة، إذ قام مشروعه على أساس مناهضة الاستعمار ومقاومته بجميع السبل والوسائل، سواء أكانت مقاومة فكرية أو ثقافية أو مسلحة. فقد رأى أنه لا بد من تحقيق الاستقلال الفكري والانفكاك من التبعية للغرب، التي جعلت الأمة أسيرةً للفكر الغربي ومخططاته. كما رأى أنه إذا أرادت الأمة أن تحقق نهضتها، فينبغي ذلك أن يكون من خلال بنية فكرية نابعة من تجربتها التاريخية وواقعها الجغرافي والحضاري. ولتحقيق هذا الهدف، دعا إلى النهوض بالتعليم والإيمان بالعلم، وعزل الأفكار الطائفية عن العملية التعليمية، بما يعني علمنة التعليم وجعله وسيلة لبناء وعي قومي حر. بالإضافة إلى المقاومة الثقافية والفكرية، أكد سعادة أيضًا على ضرورة وجود مقاومة فعلية مسلحة ضد الاستعمار الغربي ومشاريعه المتفرعة عنه، وعلى رأسها المشروع الصهيوني والهجرة اليهودية إلى فلسطين. فقد اعتبر سعادة أنه لا خلاص لمنطقة المشرق العربي، وخاصة منطقة الهلال الخصيب، من دون مقاومة فعلية لهذا الاستعمار. ومن هذا المنطلق، أنشأ سعادة حركة فكرية ثائرة ومتمردة على الواقع القائم، تمثلت في الحزب السوري القومي الاجتماعي، ودفع في النهاية حياته ثمنًا لمواقفه ومشروعه المقاوم.[14]

   وقد تجسدت أفكار أنطون سعادة في الواقع بوضوح بعد عودته من المنفى في الأرجنتين عام 1947، إذ شرع في إعادة تنظيم صفوف الحزب السوري القومي الاجتماعي وتفعيل نشاطه السياسي ضد النظام اللبناني القائم، الذي اعتبره نظامًا طائفيًا تابعًا للغرب ويُكرس التجزئة والانقسام بين أبناء الأمة الواحدة. وفي عام 1949، أقدم الحزب بقيادة سعادة على محاولة انقلابية هدفت إلى إسقاط النظام الطائفي وإقامة دولة قومية علمانية تعبر عن مبادئ النهضة السورية القومية الاجتماعية. ورغم فشل المحاولة، فإنها اعتُبرت تجسيدًا فعليًا للمقاومة العملية التي دعا إليها سعادة، وترجمةً واقعيةً لفكره القومي الثوري الرافض للهيمنة الأجنبية والاستعمار والاستبداد الداخلي. أعدم أنطون سعادة أثر ذلك الإنقلاب الفاشل بأمر من السلطات اللبنانية في 8  يوليو 1949، بعد محاكمة سريعة لم تتجاوز بضع ساعات، ليغدو رمزًا للمقاومة والاستشهاد القومي في لبنان، وتجسيدًا حيًا للفكر الذي آمن ونادى به حتى لحظات حياته الأخيرة.[15]

   ومن هنا، يمكن فهم أسباب حضور التشبيه بين أنطون سعادة وحسن نصر الله في المجال العام اللبناني، بوصفهما نموذجين مختلفين لإنتاج الهوية السياسية وبناء الشرعية داخل مجتمع شديد الانقسام، كما أن كلاهما قُتلا نتيجة لأفكارهما. فسعادة قدم مشروعًا تأسيسيًا يقوم على فكرة الأمة بوصفها إطارًا جامعًا يتجاوز الطائفية، ويسعى إلى إعادة تعريف الانتماء السياسي على أساس قومي علماني. وفي المقابل، أعاد نصر الله صياغة مفهوم الجماعة السياسية عبر خطاب المقاومة، بوصفه مرجعية قادرة على التعبئة وتوحيد الداخل وإنتاج الشرعية في مواجهة العدو، حتى في ظل وجود إنقسام طائفي شديد.

   ورغم اختلاف المرجعية الأيديولوجية بين المشروعين، فإن التقاطع بينهما يظهر في وظيفة الفكرة المركزية داخل كل مشروع؛ سواء تمثلت في مفهوم “الأمة” عند سعادة، أو في مفهوم “المقاومة” عند نصر الله، باعتبارهما أداتين لصناعة وعي جمعي وتحديد دوائر الانتماء والخصومة. غير أن الفوارق تظل أعمق من نقاط التشابه، بحكم اختلاف تصور كل منهما للدولة وحدود الجماعة السياسية وموقع الدين في المجال العام. وعليه، ينتقل الجزء التالي إلى تناول أفكار حسن نصر الله وسياقه التاريخي والسياسي والاجتماعي، تمهيدًا لمقارنتها لاحقًا بأفكار أنطون سعادة.

ثانيًا: حسن نصر الله بين المرجعية الدينية ومشروع المقاومة

   يُعد السيد حسن عبد الكريم نصر الله واحدًا من أبرز الشخصيات السياسية والعسكرية في الشرق الأوسط منذ أواخر القرن العشرين، إذ استطاع أن يرسخ مكانة حزب الله كلاعب إقليمي مؤثر في تطورات واستقرار المنطقة. وذلك يرجع لتوليه منصب الأمين العام الثالث لحزب الله في لبنان منذ عام 1992 وحتى اغتياله في سبتمبر 2024. الأمين العام الذي اتسمت خطاباته بقدرة عالية على التعبئة وبكاريزما مؤثرة لحشد أفراده ومؤيديه خلف سياسات الحزب وأفكاره، وهو ما مكنه من بناء شعبية واسعة ومنحته شرعية داخل بيئته الحاضنة وخارجها.[16]

   تنقسم حياة حسن نصر الله إلى خمس مراحل شكلت مسار نشأته وأسهمت في بلورة رؤيته الفكرية والسياسية. تمثلت المرحلة الأولى من مولده عام 1960 وحتى تكوينه في سنوات المراهقة بقرية البازورية جنوب لبنان حيث تتركز الطائفة الشيعية اللبنانية التي طالما شعرت بالتهميش وعدم مساواة خلال الحقبة الاستعمارية وحتى بعد الاستقلال تحت إدارة النخب المسيحية والسنية، وتعزز مع بدأ الحرب الأهلية اللبنانية بين طوائفها المختلفة، بالإضافة إلى كونهم في الخطوط الأولى للعدوان الإسرائيلي.[17] الأمر الذي يفسر انضمامه إلى حركة أمل، اختصارًا لـ”حركة أفواج المقاومة اللبنانية”، التي تُعد الجناح العسكري لـ”حركة المحرومين” التي أسسها الإمام موسى الصدر بهدف دعم قضايا الطائفة الشيعية في لبنان.[18]

   المرحلة الثانية في حياته تتمثل في سفره لمدة عامين إلى العراق في سن 16 عامًا لاستكمال دراسته الدينية، حيث التقى بـعباس الموسوي، أحد تلاميذ الإمام موسى الصدر. وهناك، تأثر حسن نصر الله سريعًا بالأفكار السياسية لـ “روح الله الخميني” قبل أن يعود إلى لبنان للانخراط في القتال في الحرب الأهلية إلى جانب الموسوي. وازداد هذا التأثير عندما قامت الثورة الإيرانية وأسس الخميني الجمهورية الإسلامية الإيرانية، الأمر الذي كان له تبعات على العلاقة بين إيران ولبنان حيث تعززت أيدولوجيا الإسلام السياسي.[19]

   ومهدت هذه التطورات إلى المرحلة الثالثة التي تتمحور حول قوة العلاقة بين حسن نصر الله والمسؤولين الإيرانيين، إذ التقى حسن نصر الله بالخميني في عام 1981 ليعينه الخميني ممثلًا له بهدف جمع الأموال الإسلامية ورعاية شؤون الحسبة في لبنان، بل وتوطدت علاقة حسن نصر الله بصناع القرار في طهران بسبب رحلاته إليهم. أما المرحلة الرابعة في حياته أسهمت في تهيئته ليكون قائد حزب الله فيما بعد، إذ انضم حسن نصر الله إلى الحزب بعد تأسيسه في عام 1985 من قبل قادة الحرس الثوري الإسلامي الذي تركزت أفكارهم وسياساتهم حول معاداة الغرب وإسرائيل، وذلك في إطار الهجوم الإسرائيلي على الأراضي اللبنانية واحتلال أجزاء منها عام 1982. ومن ثم انتقل إلى مدينة قم الإيرانية لاستكمال دراسته الدينية، حيث تعلم اللغة الفارسية وبنى شبكة علاقات وثيقة مع الجانب الإيراني.[20]

   وبالتالي، تجسدت المرحلة الخامسة في توليه منصب الأمين العام وقائد الحزب بعد اغتيال عباس الموسوي عام 1992، وهو لم يتجاوز الثانية والثلاثين من عمره. اهتم حسن نصر الله بتوسيع دائرة دور حزب الله من كونه كيانًا مسلحًا إلى فاعل سياسي واجتماعي، إذ نجح حزب الله تحت قيادته بالفوز بمقاعد في البرلمان اللبناني والمشاركة في تشكيل الحكومات، فضلًا عن تطويره شبكة من الخدمات الاجتماعية الموجهة للطائفة الشيعية، شملت مجالات الرعاية والرفاه، مثل إنشاء مستشفيات ومدارس وجمعيات خيرية.

   بالإضافة إلى ذلك، اكتسب حسن نصر الله وحزبه شعبية واسعة بعدما انسحبت إسرائيل بشكل أحادي وبالكامل من الأراضي اللبنانية عام 2000 ونجاح صفقة تبادل الأسرى التي أُفرج فيها عن 400 أسير لبناني وفلسطيني وعربي. وكذلك، لعب حزب الله دورًا محوريًا في جهود إعادة إعمار الأراضي اللبنانية عقب حرب 2006، ما رسخ نفوذه السياسي والاجتماعي. وتجاوز حزب الله العديد من الأوضاع المضطربة في الشرق الأوسط بدءًا من انتفاضات 2011، والحرب الأهلية بسوريا، وصولًا إلى الأزمات الاقتصادية اللبنانية، فضلًا عن مواجهة المعارضة اللبنانية. وفي خضم حرب غزة التي انخرط فيها الحزب بصفته جبهة داعمة للمقاومة في القطاع، انتهت مسيرة نصر الله إثر سلسلة غارات أطلقتها تل أبيب في 27 سبتمبر 2024 استهدفت مقر قيادة الحزب في الضاحية الجنوبية لبيروت.[21]

   ساهمت هذه المراحل الخمس في تشكيل الأفكار السياسية لحسن نصر الله والتي انعكست بوضوح في الرسالة المفتوحة عام 1985 وبيان حزب الله عام 2009، وتقوم على ثلاث ركائز أساسية تعبر عن الإطار الفكري لكلً من نصر الله والحزب بحكم قيادته الممتدة لثلاثة عقود وكونه الناطق باسم الحزب.

1-الأمة الإسلامية ومبدأ الجسد الواحد

   تنطلق الركيزة الأولى في الفكر السياسي لحسن نصر الله من مبدأ الأمة الإسلامية، الذي يستخدمه الحزب كإطار جامع لهويته ومرجعيته الدينية. كما يؤسس هذا الإطار لعلاقة تمتد بين حزب الله وجميع المسلمين حول العالم دون وجود قيود جغرافية، بوصفهم وحدة متماسكة تواجه تحديات مشتركة تتمثل في الهيمنة الغربية والشرقية الهادفة إلى طمس الهوية والقيم الإسلامية واستلاب مواردها والتحكم الكامل في شؤونها.

   ولذلك، يُعرف الحزب نفسه بأنه جزء من أبناء الأمة الإسلامية التي يرى أنها استعادت نهضتها مع قيام الثورة الإيرانية الإسلامية وتأسيس نواة دولة الإسلام في العالم المتمثلة في الجمهورية الإسلامية الإيرانية.[22] وهنا يجدر بالذكر طبيعة العلاقة بين حزب الله وإيران، إذ تشكّلت النواة الأولى للحزب من خلال العقول اللبنانية العائدة من العراق متأثرة بفكرة توطيد الدور السياسي والاجتماعي لرجال الدين الشيعة، وأبرزهم محمد حسين فضل الله الأب الروحي للحزب وقتذاك وموسى الصدر.

   وفي هذا السياق، كانت إيران هي الداعم السياسي والمالي والاجتماعي المحوري لهذه الحركات، إذ لعبت دورًا تأسيسيًا عندما أرسلت نحو 1500 جندي من الحرس الثوري الإيراني إلى لبنان عام 1982 بهدف تدريب الجماعات الإسلامية الشيعية انطلاقًا من مبدأ تصدير الثورة الإسلامية. وقد قامت هذه القوات بالتنسيق بين طهران وحزب الله، بل وعملت على نشر نظريات وأفكار روح الله الخميني عن ولاية الفقيه وتكريس الممارسات والخطابات الدينية وفق عقيدته.

   كما ساهمت في تأسيس هيكل المؤسسة ذاتها ومبادئها، وأبرزها الارتكاز إلى العمل الجماهيري الإسلامي ووجود حركة إسلامية لها شرعية تؤثر في عملية صنع القرار، والابتعاد عن العمل الحزبي. وصاغت هذه القوات البنية التنظيمية للحزب من لجان متعددة، مثل لجنة العلماء، ولجنة الجهاد المسئولة عن الجانب الاستخباراتي للحزب، واللجنة المركزية التي تتولى تنظيم الشؤون الاجتماعية لهم.

   ولذلك ترتكز العقيدة الإيدولوجية للحزب إلى تيار الإسلام السياسي الشيعي الذي يعتبر انعكاسًا لمبادئ الجمهورية الإسلامية الإيرانية ومعتقدات مؤسسها “روح الله الخميني”، الذي صاغ مرتكزات سياساته الخارجية آنذاك وفق مبدأي “لا شرقية ولا غربية” وتصدير “الثورة الإسلامية”.[23] ويجسد مبدأ “لا شرقية ولا غربية” رؤية عابرة للحدود تتمثل في كون جميع المسلمين أمة وجسم واحد حتى أن ما يصيب أي مسلم في أي بقعة من العالم، فهو يصيب الأمة جمعاء. وبناءً على هذا التصور، يتحول الدفاع عن المسلمين سواء في أفغانستان أو الفلبين أو فلسطين أو العراق إلى واجب شرعي وديني وأخلاقي.[24]

   ويُمهد هذا المبدأ إلى ارتباطه بأحد الركائز الجوهرية في أفكار الخميني والثورة الإسلامية الإيرانية، ألا وهي ركيزة “نصرة المستضعفين”. وقد جرى ترسيخ هذا المبدأ في الدستور الإيراني عقب الثورة، كما في مادة 154 التي تنص على دعم المستضعفين في مواجهة قوى الاستكبار العالمي، تاركًا تعريف “المستضعفين” و”المستكبرين” فضفاضًا بما يمنح الجمهورية الإسلامية مساحة واسعة لدعم مختلف حركات مقاومة ضد أي كيان تُصنفه ضمن معسكر الاستكبار.[25]

   أما بالنسبة إلى مبدأ تصدير الثورة الإسلامية، فهو يتمثل في التصدي لقيادة الصراع ومقاومة الظلم والاستكبار كما ذكر حزب الله في الرسالة المفتوحة 1985، أي نشر ثقافة مقاومة القوى الكبرى الظالمة. وهو ما بالفعل تبناه حزب الله، إذ عرف كل من إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية والدول الاستعمارية التقليدية مثل فرنسا كأعداء لهم، بل واعتبار مواجهتهم واجب عقائدي.[26]

   واستنادًا إلى ما سبق، وبفعل الإيمان العميق بمعتقدات ومبادئ الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وقد استند حسن نصر الله في توجيه حزب الله سياسيًا ودينيًا إلى مبدأ ولاية الفقيه الذي يُعد أحد أبرز أسس الإسلام السياسي الشيعي، حيث ينطلق نصر الله في تبنيه هذا المبدأ من قناعة أساسية مفادها أن الله أنزل الإسلام على الرسول محمد، وأن غياب الإمام المهدي لا يعني تعطيل تطبيق الشريعة، بل يقتضي وجود قائد يمتلك علمًا كاملًا بالدين، ويتمتع بصفات العدالة والوعي، ليكون قادرًا على تنفيذ الأحكام الشرعية بدقة وحكمة. ومن الجدير بالذكر أنه في الفكر الشيعي الاثني عشري، تُعد الإمامة أصلًا من أصول الدين، ويعتقد أتباع هذا المذهب أن الحكم والقيادة الشرعية للمسلمين تكون للأئمة الاثني عشر، وآخرهم للإمام المهدي أو الأمام الغائب وهو محمد بن الحسن العسكري، الذي يعتقدون أنه غائب وسيظهر في آخر الزمان ليتولى قيادة الأمة وإقامة العدل. وبناءً على هذا الاعتقاد، ظل الاتجاه التقليدي لدى قطاع كبير من الشيعة يرى أن الإمام وحده هو صاحب السلطة الدينية والسياسية، وبالتالي لا يجوز لأي شخص أن يحكم نيابة عنه حكمًا تامًا. غير أن آية الله الخميني قدم تفسيرًا جديدًا لهذا المبدأ، واعتبر أن غياب الإمام لا يعني تعطيل الحكم أو تطبيق الشريعة، بل يقتضي أن يتولى فقيه عادل وعالم بالشريعة قيادة المجتمع نيابة عنه، وهو ما أصبح يُعرف بنظرية ولاية الفقيه. وبذلك منح الخميني الفقيه صلاحيات الإمام في شؤون الحكم والإدارة إلى حين ظهور المهدي، فتعود إليه السلطة. ولذلك تُعد ولاية الفقيه، من وجهة نظر الخُميني، امتدادًا للولاية التي منحها الله لرسوله وأئمته، بما يعني منح الفقيه صلاحية الحكم والإدارة. وهذا ما أكد عليه الخميني بقوله أن ولاية الفقيه هي ولاية رسول الله.

   وبالتالي، يُنظر إلى الفقيه أو المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية بأنه المرجع الأعلى والقائد الروحي والسياسي لجميع سياسات المسلمين. ولذلك، يعتمد حسن نصر الله في مرجعيته السياسية والدينية على أحكام وفتاوي ولي الفقيه. كما يتبنى نصر الله معتقدات الخميني ورؤيته تجاه الغرب والشرق، وأفكار المقاومة ضد النظم الاستبدادية والاستكبارية معيدًا إحياء فكرة إرداة المستضعفين ضد إرادة المستكبرين.[27]

   وبناءً على ما سبق، يتضح أن مفهوم “الأمة” عند حسن نصر الله ليس رابطة دينية عامة فحسب، بل إطارً سياسي–عقائدي لصناعة الهوية والشرعية وتوجيه الفعل المقاوم. فالأمة في خطابه جماعة عابرة للحدود تقوم على وحدة المصير والتكليف، وتُعرف ذاتها عبر ثنائية “المستضعفين” و”المستكبرين”، بما يجعل نصرة قضايا المسلمين واجبًا يتجاوز الاعتبارات الوطنية الضيقة. ومن ثمّ تُستخدم فكرة الأمة لتبرير امتداد المواجهة خارج الحدود اللبنانية وربط المقاومة بمرجعية ولاية الفقيه باعتبارها مركز القيادة والتوجيه.

2-الدين والسياسة والدولة في فكر نصر الله

   وبناءً على المرجعية الفكرية والدينية لحسن نصر الله، يتبنى حزب الله رؤية ترى أن النموذج الإسلامي من الحكم وفق رؤية ولي الفقيه هو الشكل الأمثل للحكم، ليس سياسيًا فحسب بل اقتصاديًا واجتماعيًا أيضًا. ومع ذلك، يؤكد الحزب أن هذا النموذج لا يُفرض بالقوة، بل يجب أن يُترك للشعب اللبناني مطلق الحرية في اختيار نظام الحكم على قاعدة الاختيار الحر والمباشر من الشعب.[28] غير أن هذا الإقرار بمبدأ حرية الاختيار لا يعني قبول حزب الله بمظاهر علمنة الدولة أو فصل الدين عن المجال العام. فقد عبر الحزب مرارًا عن رفضه لخطوات من قبيل إقرار قانون مدني للأحوال الشخصية إلى جانب القوانين الدينية، معتبرًا أن عدم فرض نظام الحكم الإسلامي لا يساوي إضعاف حضور الإسلام كمكون مرجعي في المجتمع، أو تراجع ممارساته، أو إحلال العلمانية محله.

   وأيضًا جدير بالذكر أن بيان 2009 لم يُذكر إقامة دولة إسلامية، أو عندما تولى نصر الله قيادة الحزب، كما أن هذا الأمر لم يظهر أيضًا في انتخابات عام 1992 البرلمانية. فعلى الرغم من تأثر نصر الله بأفكار الخميني والمبادئ التي نشرتها قوات الحرس الثوري في لبنان، والمتمثلة في الابتعاد عن العمل الحزبي، إلا أن هذه الأفكار شهدت تحولًا مع تولي علي خامنئي إمامة الجمهورية الإسلامية الإيرانية في تسعينات القرن الماضي، إذ شجع خامنئي على الانخراط السياسي الحزبي لحزب الله في لبنان. الأمر الذي برز منذ تولي حسن نصر الله قيادة الحزب حيث انتقل من مرحلة النقد الجذري للنظام والدولة والعمل الحزبي إلى مرحلة انفتاح واندماج داخل جميع مؤسسات الدولة اللبنانية.

   فقد شهدت لبنان مشاركة حزب الله في الحكومات اللبنانية المتعاقبة وفوزه بمقاعد برلمانية وانخراطه في مؤسساتها، فضلًا عن التعاون مع الجيش اللبناني في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي. بالإضافة إلى ذلك، انتقل الحزب من نقد النظام الطائفي اللبناني واعتباره مشكلة بنيوية تعيق مسارات الإصلاح والتنمية وتحقيق الديموقراطية في بيروت إلى قبول الديموقراطية التوافيقية التي يقوم عليها هذا النظام بوصفها الوسيلة المثلى لضمان العيش المشترك في ظل التكوين الاجتماعي اللبناني. كما دعا الحزب  إلى إصلاح هذا النظام وتطويره تدريجيًا عبر حوار وطني شامل. وذلك ما ورد بوضوح في بيان حزب الله عام 2009. غير أن ذلك لا يعني تراجع الحزب عن الاعتقاد بولاية الفقيه، وهو ما أكد عليه حسن نصر الله موضحًا بأن هذا المبدأ ركن أساسي غير قابل للمراجعة.[29] ويُظهر هذا التحول في كون الرسالة المفتوحة وثيقة أيدولوجية خالصة وكون بيان 2009 بيان سياسي بالدرجة الأولى، فالأفكار والمعتقدات الجوهرية للحزب بقيت كما هي، بينما تغير الأداء السياسي للحزب.

   وفي إطار فهم توجهات حسن نصر الله تجاه مفهوم الدولة، يُظهر بيان 2009 رؤية الحزب للدولة اللبنانية، إذ ذكر أن لبنان هي وطنهم ووطن جميع اللبنانيين سواسية وأنه يجب أن يكون متماسكًا رافضًا محاولات التقسيم أو إقامة نظام فيدرالي، مؤكدًا أن النظام السياسي يجب أن يعكس إرادة المواطن اللبناني.[30] يمكن فهم هذا المنحى بوصفه تحولًا في الخطاب السياسي والتموضع داخل الدولة اللبنانية أكثر من كونه تحولًا عقائديًا جذريًا؛ إذ أعاد نصر الله صياغة حضور الحزب بوصفه فاعلًا وطنيًا يحمي سيادة لبنان وهويته العربية، مع الإبقاء على المرجعية الأممية – العقائدية (الأمة – ولاية الفقيه) كإطار فوق – وطني يوجه تصوراته للصراع والشرعية.

3-المقاومة بوصفها ركيزة للشرعية والهوية عند نصر الله

   يأتي فكر حسن نصر الله في إطار تيار الإسلام السياسي الشيعي الذي يضع المقاومة محورًا أساسيًا في بنيته وأهدافه، وينطلق هذا المبدأ من ثلاثة أركان رئيسية، أولها هي اتباع ولاية الفقية وتوجيهاتها؛ إذ يرى الخميني أن الولايات المتحدة الأمريكية هي أصل جميع مصائب الأمة الإسلامية وأن مواجهاتها تمثل حقًا مشروعًا للدفاع عن الإسلام. أما الركن الثاني فهي فكرة الأمة الإسلامية التي يعتبر فيها كل المسلمين وحدة واحدة مترابطة بحيث يصبح الدفاع عن أي جزء منها واجبًا. ويأتي الركن الثالث متمثلًا في سياسات الغرب المهددة لمبادئ ووجود الأمة الإسلامية، لاسيما الولايات المتحدة الأمريكية، بالإضافة إلى إسرائيل، التي تحتل الأراضي الإسلامية المقدسة وفي مقدمتها فلسطين والأراضي اللبنانية. ومن هذه الأركان الثلاثة، تصبح المقاومة جزءًا محوريًا في البنية الفكرية الشيعية وتتحول إلى واجب شرعي وديني، بل وتشكل مبررًا جوهريًا لوجود بعض الكيانات كحزب الله.[31]

   وبناءً على ذلك، تأخذ المقاومة طابعًا دينيًا خالصًا يجعلها مرتبطة بمفاهيم دينية أخرى مثل الجهاد والشهادة في سبيل الله، وهي مبادئ رئيسية في الثقافة السياسية الشيعية؛ حيث يؤمن حسن نصر الله بأن الأمة التي تفتقر إلى روح الشهادة ستفشل في تحقيق أهدافها. ولذلك يخضع مقاتلو حزب الله إلى تهيئة عسكرية ودينية مكثفة، وهو ما يُفسر استعدادهم العالي للتضحية بالنفس في ساحة المعركة في سبيل تحقيق الهدف. بالإضافة إلى ذلك، فإن تبني تقليد ذكرى الشهداء كأحد أشكال الثقافة السياسية الشيعية، يحشد الجمهور تجاه سياسات الحزب وأهدافه، ويلهم روح النضال والجهاد في نفوسهم. وبالتالي، تُعد مفاهيم الجهاد والشهادة وإحياء ذكرى الشهداء أسلحة حزب الله الدائمة التي تعزز من قوته ومشروعيته.[32]

   يفسر نصر الله المقاومة على أنها الحل الوحيد لمواجهة التوسع الإسرائيلي في المنطقة والسياسات الأمريكية الداعمة له، مؤكدًا على أن التفاوض أو أي شكل من أشكال التسويات يُعد خيانة؛ وذلك لأنه يتضمن اعترافًا بشرعية وجود الاحتلال، وينتج تسويات وهمية لا تسعى للسلام الحقيقي. ويستشهد نصر الله بالمفاوضات والتسويات السابقة التي أفضت، من وجهة نظره، إلى مزيد من التعنت الإسرائيلي واستمرار عدوانه.[33]

   وبناء على ذلك، يستند نصر الله في عقيدته الدفاعية إلى هدفين رئيسيين: مواجهة واشنطن وتل أبيب وتحرير القدس. وتقوم استراتيجيته الدفاعية على معادلة ثلاثية الأضلاع تجمع بين الجيش اللبناني والمقاومة والشعب لحماية سيادة الأراضي اللبنانية.[34] ويُلاحظ هنا إدراج “الشعب” كجزء أساسي من هذه المعادلة، الأمر الذي يُفسر أهمية الطابع الجماهيري لحزب الله، وهو ما كان يتم فعليًا عبر خطابات نصر الله ودوره التعبوي في المجتمع اللبناني. ومن هنا اكتسب حسن نصر الله مكانته كأحد أبرز رموز المقاومة في المجتمع اللبناني وأيضًا على المستوى الإقليمي.[35]

   وقد اتخذت المقاومة عند حزب الله أشكالًا متعددة تُعد امتدادًا لما يمكن وصفه بـ “القوة الناعمة” لحزب الله. فقد عمل حزب الله على بناء مقاومة ثقافية عبر خطابات حسن نصر الله والاحتفالات ذات الطابع الديني مثل عاشوراء التي يُروج فيها لفكرة المقاومة كقيمة دينية وأخلاقية.[36] كما رسّخ الحزب جانب اجتماعي للمقاومة من خلال بناء “مجتمع المقاومة”، وذلك عبر تقديم منظومة واسعة من الخدمات الاجتماعية في مجالات التعليم والصحة ومساعدة الفئات الأكثر احتياجًا. وعليه، نجد أن المقاومة أصبحت جزءً رئيسيًا من الحياة اليومية في بيئة حزب الله.[37] وإلى جانب ذلك، اخذت المقاومة عند حزب الله جانب إقليمي عبر دعم حركات المقاومة الأخرى في المنطقة، وفي مقدمتها حماس، مثل فتح جبهة جديدة ضد العدو المشترك، كما ظهر بوضوح بعد عملية طوفان الأقصى في السابع من أكتوبر 2023.[38]

ثالثًا: نقاط التشابه والاختلاف بين فكر أنطون سعادة وحسن نصر الله

   من خلال عرض السياق التاريخي والسياسي الذي نشأت فيه الشخصيتان، ومن خلال عرض أهم الأفكار التي قدماها، يمكن رصد العديد من النقاط التي تلاقت فيها أفكارهما، وأخرى تباينت وتناقضت. وتكشف هذه المقارنة رؤى مختلفة حول الوحدة والتماسك والمقاومة؛ فقد تتنوع الأفكار، لكنها قد تتوحد في أهدافها. وفيما يلي سنستعرض أهم الأفكار التي يمكن رصدها وتحليلها ومقارنتها.

1-لبنان بين الأمة السورية والأمة الإسلامية

   اشترك كل من أنطون سعادة وحسن نصر الله في تقديم إطارٍ جامع للهوية والانتماء تُعد فيه لبنان جزءًا أساسيًا، غير أن هذا الاشتراك يظل وظيفيًا أكثر منه بنيويًا، بحكم اختلاف طبيعة الأمة وحدودها في تصورهما، وفي رؤيتهما السياسية والاجتماعية. فبالنسبة إلى أنطون، رأى أن الأمة تتكون نتيجة للتشكلات الجغرافية والتطورات الاجتماعية التي تخلق كيانًا بشريًا جامعًا يشتركون في صفات محددة، ويتحددون ضمن حدود جغرافية معينة. ولهذا، نجد أن أنطون وضع حدودًا جغرافية لطبيعة الأمة السورية، وهذه الحدود تكون فيه لبنان جزءًا لا يتجزء من طبيعة هذه الأمة. على النقيض، هذا التصور الأممي لا يُطرح عند نصر الله بوصفه خريطة سياسية لإلغاء الحدود على نحو مشروع سعادة، بل بوصفه إطارًا تعبويًا عقائديًا يوجه معنى الالتزام والمقاومة ويمنحها شرعية تتجاوز الحدود المحلية. فلقد رأى أنه لا توجد حدود للأمة الإسلامية، وأن المسلمين في جميع بقاع العالم هم جزء من الأمة الإسلامية، وهم، من وجهة نظره، كالجسد الواحد الذي يشعر كل عضو فيه بالآخر.

   ولكن شكل الأمة التي يستند إليها حسن نصر الله في تصوراته لا يُنكر—على مستوى الخطاب—سيادة لبنان واستقلاله، بخلاف أنطون سعادة الذي يدمج لبنان ضمن كيان “لأمة السورية” بما يتجاوز الحدود السياسية القائمة، وهو بذلك يزيل الحدود الموضوعة بين لبنان والدول المجاورة لها. غير أن هذا لا يمنع أن فكرة الأمة عند نصر الله تُستخدم أيضًا لتوسيع دوائر الالتزام خارج الحدود الوطنية كلما اقتضت مقتضيات المقاومة ذلك.

   رأى حسن نصر الله أن لبنان هي عضو من أعضاء الجسد الإسلامي. وبناءً على ذلك تقع عليها العديد من المسؤوليات ذات الطابع الديني مثل مقاومة أي عدوان يهدد أي عضو من أعضاء جسد الأمة الإسلامية، استنادًا إلى مبدأ “نُصرة المستضعفين”، ومبدأ “لا شرقية ولا غربية”، الذي تبناه حسن نصر الله وفقًا لرؤية الخميني. ومع ذلك، لا ينبغي قراءة هذا الإطار الأممي عند نصر الله بوصفه توصيفًا محايدًا فقط، بل باعتباره خطابًا يُوظف لإنتاج الشرعية وتبرير خيارات سياسية تتقاطع — في كثير من الأحيان — مع شبكة الولاءات والتحالفات الإقليمية التي تفرض قيودًا هيكلية على ما يمكن فعله داخل لبنان وخارجه.

   أما بالنسبة إلى فكرة الأمة العربية، فحسن نصر الله لم ينبذها، بل نادى بها لغرض توحيد صفوف الأمة الإسلامية في مواجهة التهديدات المشتركة للأمة. وهو ما نجد نقيضه عند أنطون سعادة في اعتبار أن الأمة السورية هي أمة مختلفة في تكوينها عن الأمة العربية، ولكنه لا ينفي نفيًا تامًا كونها لها علاقة بالأمة العربية.

   استنتاجًا مما سبق، يتضح أن حسن نصر الله يستند في مشروعه السياسي إلى فكرة “الأمة الإسلامية” المتجاوزة للحدود القومية بوصفها أمةً أيديولوجية تُؤدي وظيفة تعبئة وشرعنة للفعل المقاوم أكثر من كونها تصورًا جغرافيًا للدولة – الأمة. بينما تتجسد فكرة الأمة عند أنطون سعادة في إطار جغرافي محدد وحدود مرسومة، ضمن مشروع قومي علماني يقدم نفسه في هيئة تفسير علمي لنشوء الأمم، لكنه ينطوي في جوهره على طابع خاص يعيد تعريف الهوية أكثر مما يصفها وصفًا محايدًا علميًا.

2-دور الدولة بين العلمانية والإمامة

   كان أنطون علمانيًا شاملًا يُطالب بفصل الدين عن مجريات الحياة المدنية، ومنها الدولة والسياسة، فهو كان مؤمنًا بدور الدين الروحي لا السياسي، وحرية الاعتقاد التي لا تتدخل في أمور الناس الدنيوية. كما رأى أنطون أن الأمة التي تُؤسس على الدين تُفنى وتضعف سريعًا بحكم رؤيته التي تنظر إلى الدين على أنه مكون ثقافي يتعارض مع تكوين الأمم القومية. وبذلك، كان من أشد المعارضين لفكرة تدخل رجال الدين في الحكم السياسي وكان يدعم فكرة الدولة العلمانية الديمقراطية.

   على خلاف حسن نصر الله الذي آمن بمحورية الدين في العملية السياسية وفي كافة مجريات الحياة، فالدين هو مصدر كل شيء لا ينفصل عن أمور الحياة. وقد كان نصر الله يتبع أحكام ورؤى ولاية الفقيه كمصدر وكمرجع أساسي لممارساته السياسية في حزب الله. وبرز ذلك في تغير رؤى الفقيه من الخميني إلى الخامنئي في فكرة العمل السياسي لحزب الله، والتي تم ذكرها سابقًا.

   وبالنظر إلى المعطيات التي تم طرحها، نجد أن كلا الشخصيتين اتفقتا في لحظة محددة على لاطائفية الدولة، إذ عارض كليهما النظام الطائفي اللبناني الذي يُعزز من مكانة مكون شعبي طائفي على باقي الطوائف والمكونات الشعبية الأخرى. فكما أن أنطون عارض فكرة الدولة الطائفية، بالمثل عارض نصر الله فكرة الدولة الطائفية التي تعيق، من وجهة نظره، من إقامة النظام الديمقراطي. ولكن، على الرغم من ذلك، تقبل نصر الله وجود النظام الطائفي المقام فعليًا في لبنان، ولكنه نادى بتغيره بشكل تدريجي بدلًا من إزالته مرة واحدة. غير أن هذا الأمر لا يتنافى مع مرجعية نصر الله الدينية التي ترى أن الحكم الإسلامي هو الحكم الأمثل للنظام السياسي اللبناني، ولكن هذا الأمر، من وجهة نظره، لا يُفرض بالقوة بل باختيار الشعب الحر لهذا النظام.

   ولفهم هذا التقاطع بشكل أدق بين سعادة ونصر الله في نقد فكرة الدولة الطائفية، يجب تسكينه داخل سياقه التاريخي اللبناني، فالنظام السياسي القائم على المحاصصة – الاعتراف السياسي بالطوائف تبلور عبر ترتيبات ما بعد الاستقلال، خصوصًا “الميثاق الوطني” عام 1943 الذي كرس توزيع المواقع السيادية طائفيًا، ثم أعادت اتفاقية الطائف عام 1989 تثبيت مبدأ الشراكة الطائفية بوصفه صيغة للاستقرار بعد الحرب الأهلية، مع الإبقاء على هدفٍ مُعلن هو إلغاء الطائفية السياسية وفق خطة مرحلية.[39]

   ومن هنا، يصبح مهمًا تمييز مستويين في خطاب اللاطائفية لدى الطرفين، مستوى مبدئي أو تأسيسي يحتوي على تصور للدولة أو للهوية، ومستوى إجرائي أو سياسي تكون فيه إدارة واضحة للتوازنات داخل النظام الطائفي القائم. فمثلًا، يرتبط نقد سعادة للطائفية بمشروعه القومي العلماني الذي يضع فصل الدين عن الدولة وإزالة الحواجز الطائفية ضمن برنامج إصلاحي يسعى لإعادة بناء الولاء السياسي على أساس قومي لا مذهبي، وهو ما ينعكس في أدبيات حزبه.[40] أما عند حسن نصر الله ، فإن نقد الطائفية السياسية يظهر كذلك بوصفه نقدًا لبنية تعيق — وفق توصيف حزب الله — تحقق الديمقراطية الفعلية القائمة على تداول السلطة بين أكثرية وأقلية؛ إذ ينص “البيان السياسي” الصادر عام 2009 صراحةً على أن الطائفية السياسية هي المشكلة الكبرى التي تعرقل إصلاح النظام وتمنع قيام ديموقراطية في لبنان، ويطرح في المقابل صيغة الديموقراطية التوافقية كحل عملي إلى حين تهيئة شروط إلغاء الطائفية السياسية. وعليه، تتضح دلالة التدرج في موقف نصر الله، فهو ليس مجرد موقف مبدئي من حرية الاختيار، بل أيضًا تكيف سياسي داخل قيود دستورية – ميثاقية وآليات توازن فرضها الواقع اللبناني بعد الحرب، لا سيما مع انخراط الحزب في العمل النيابي منذ عام 1992.[41]

   وبذلك، يمكن لهذه النقطة تعطي لنا خلاصة منطقية وهو أن تشابه الطرفين في رفض الطائفية السياسية لا يعني تطابق المشروعين؛ فعلى الرغم من التشابه المبدئي في المعطيات إلا أن النتائج تبرز اختلافًا كبيرًا في مشروعيهما وفكرهما. فسعادة يوظف اللاطائفية داخل مشروع قومي علماني تأسيسي يريد إعادة تعريف الجماعة السياسية وحدودها وولاءاتها، بينما يوظف نصر الله نقد الطائفية داخل إستراتيجية تغيير تدريجي تُدار من داخل النظام القائم وتوازناته، مع إبقاء أفق الإلغاء مرتبطًا بـ”شروطه التاريخية” وإجماع وطني لا بقرار انقلابي أو قطيعة فورية.

3-المقاومة كجوهر مشترك في مشروعهما الفكري

   تشكل فكرة المقاومة جوهرًا أساسيًا في مشروعي كلً من أنطون وحسن نصر الله السياسي، إذ كانت لتنشأتهما السياسية والاجتماعية دورًا هامًا في تعزيز فكرة مقاومة الاستعمار أو الاحتلال. فقد نشأ أنطون في بيئة كان للاستعمار الفرنسي اليد الكبرى في الشام ولبنان، وهو ما دفعه إلى وضع فكرة المقاومة كعمود أساسي يُبنى عليه مشروعه السياسي والفكري. وبالنسبة إلى نصر الله، فقد نشأ في سياقٍ لبناني تتداخل فيه الانقسامات الطائفية مع صراعات القوة، وفي ظل تصاعد التدخلات العسكرية الإسرائيلية في جنوب لبنان. وفي سردية شائعة داخل جزء من البيئة الشيعية، تُوصف تلك المرحلة بأنها اتسمت بتهميش سياسي واجتماعي لحقوق الطائفة الشيعية داخل معادلة الحكم والتمثيل. ومن ثم، وفق هذا التصور، أُتيحت مساحة أوسع لتنامي الدور الإيراني في لبنان على المستويين الفكري والتنظيمي. غير أن الأهم هنا هو أن هذا المسار لا يُفهم فقط باعتباره توسعًا خارجيًا، بل بوصفه أيضًا عملية لتسييس الطائفة؛ أي تحويل الهوية المذهبية إلى إطار تعبئة وتمثيل وشبكات مؤسساتية وخدماتية، بما ساعد على تشكل بيئة حاضنة لخطاب حزب الله لاحقًا، وأسهم في تكوين انتماء نصر الله إلى هذا التيار.

   أما بالنسبة إلى الأساس الفكري للمقاومة، اختلف كلاهما في المرجعية الفكرية للمقاومة. فبالنسبة إلى أنطون، كانت فكرته للمقاومة مؤسسة على التحرر القومي من كافة أوجه الاستعمار للأمة السورية، وكانت قائمة في الأساس على فكرة حماية الوطن القومي المحدد في حدوده التي وضعها للأمة. على عكس حسن نصر الله الذي أسس فكرته على مرجعية دينية مختلطة ببعض المظاهر القومية والوطنية، والتي كانت تقوم على الجهاد والشهادة كوجهان لعملة واحدة لفكرة المقاومة، والتي هدفت إلى تحرير أراضي المسلمين من أي تدخلات خارجية. ويمكن القول ان فكرة المقاومة عندما تُخلط بالأفكار الدينية وتُجذر على أساس عقائدي فأنها تخلق مجتمعًا أكثر حماسًا والتزامًا لفكرة المقاومة. وإضافة إلى ما سبق، يجدر الإشارة إلى أن كلاهما اتفقا على أن المقاومة تُعلي من الانتماء إلى الأمة أو الدولة.

   وقد كان لكلً منها أعداء مشتركين تمثلوا في الاستعمار بكافة أشكاله، وباختلاف الدول التي كانت مهيمنة، وعلى رأس هذه الدول فرنسا والاحتلال الصهيوني، والولايات المتحدة الأمريكية في زمن نشأة حزب الله. أما بالنسبة إلى مَن هم الموجوب حمايتهم والدفاع عنهم، فنظر أنطون في هذه المسألة بنظرةٍ قومية تخص شعب الأمة السورية كمحور يجب الدفاع عنه. وعلى وجه آخر، رأى نصر الله أن المستضعفين يتمثلون في أي مسلم مُضطهد على وجه الأرض، تماشيًا مع فكر الخميني. وبالتالي شكلت فلسطين عند كليهما جزءًا رئيسيًا في مشروعهما المقاوم، فأحدهما وقعت فلسطين في إطاره الجغرافي، والآخر وقعت في فكره الديني العقائدي.

   أما بالنسبة إلى شكل المقاومة، فقد أيد كلاهما الشكل المسلح للمقاومة، إلا أنهما اختلفا في مضمونها، إذ انطلق أنطون من السياق الذي نشأ فيه إلى مقاومة الاستعمار في وقت كانت الدولة اللبنانية ناقصة السيادة وتحكمها حكومة لبنانية تابعة للاستعمار الفرنسي، وقد جسد فكرة المقاومة في الحزب الذي انشئه الذي سعى من خلاله إلى القيام بإنقلاب يطيح بالنظام اللبناني الطائفي التابع للاستعمار وإقامة نظام وطني علماني. ومقاومة أنطون كانت لغرض تحرير الأراضي اللبنانية وإنشاء القومية السورية الكبرى كحلم أكبر فيما بعد. وفي المقابل، انطلق حسن نصر الله في مضمونه للمقاومة المسلحة بمواجهة الاحتلال الإسرائيلي وليس بهدف إنشاء الاستقلال اللبناني الذي كان قائمًا بالفعل، وإنما بهدف تحقيق السيادة الكاملة على كافة الأراضي اللبنانية التي تتعدى عليها إسرائيل من وقت لأخر. 

   كما لعبت المقاومة الثقافية دورًا محوريًا في مشروعهما الفكري، إلا أنهم اختلفا أيضًا في المضمون، فكانت المقاومة الثقافية عند أنطون تتمثل في التعليم العلماني القومي الذي يُنشئ مجتمعًا لا طائفيًا ومقاومًا للاستعمار. بينما كانت المقاومة الثقافية عند نصر الله أوسع من مجرد العملية التعليمية، إذ شملت كافة أوجه الحياة الاجتماعية. وتُعد أحد أهم مظاهرها في تهيئة جنود حزب الله تهيئة ذات طابع ديني والاحتفال بالأعياد الدينية لتوطيد فكرة المقاومة، فضلًا عن التأثير الذي تلعبه خطابات حسن نصر لله. بالإضافة إلى ذلك، تمثلت إحدى أشكال المقاومة الثقافية عند نصر الله في إنشاء مؤسسات اجتماعية خدمية في مختلف المجالات مثل الصحة، ودعم الفئات الفقيرة في البيئة الحاضنة له. وبالتالي نجح نصر الله بتبنيه هذه السياسة إلى خلق مجتمعًا مقاومًا متشعب في جميع أفراده. وبذلك، نجد أنهما اتفقا على أهمية المقاومة الثقافية في بنية جهازهما المفاهيمي وكأساس لعملية الممارسة السياسية.

   وختامًا، جاءت هذه المقارنة الفكرية لتكشف عن مواطن الاتفاق والاختلاف بين مشروعي أنطون سعادة وحسن نصر الله السياسي والفكري، ولتبيان لماذا يتم وضع أنطون سعادة مع حسن نصر الله في بوتقة واحدة بالرغم من اختلافهما الفكري. ويمكن الإجابة عن هذا السؤال في أن كليهما يمثلان أحد أهم رموز المقاومة في لبنان، وفي سعيهما الحثيث نحو استقلالية لبنان وسيادة أراضيها، باختلاف السياقات والافكار. وفي الآونة الأخيرة، كانت أفكار أنطون سعادة يتم إعادة إحيائها بعد مقتل حسن نصر الله في سياق المقارنة بينهما خصوصًا في فكرة المقاومة، وهو ما انعكس في دعوات وكتابات لبعض الناشطين والكتاب اللبنانيين.

   وفي إطار المحاولة لإحياء أفكار أنطون سعادة، يمكن القول إن إعادة إحياء مشروع أنطون سعادة بصورة كاملة في السياق الراهن تبدو غير قابلة للتحقق. فالمشروع، بحسب تقدير الباحثَين، يتخذ اليوم طابعًا يوتوبيًا إلى حد بعيد مقارنةً بسياق نشأته التاريخي، إذ تبلور في زمن كانت فيه المشاريع القومية الكبرى جزءًا من أفق سياسي وفكري أوسع فرضته ظروف مرحلة ما بعد الانتداب وتشكل الدول الوطنية، على نحوٍ يتقاطع مع نماذج فكرية قومية لاحقة في المنطقة مثل الدعوة إلى الوحدة العربية في الحقبة الناصرية. ولهذا نجد أن السياق التاريخي كان من بين أهم الأمور التي جعلت من أنطون سعادة يسعى في فكره إلى وحدة الحدود الفعلية في ظل الانقسامات والحدود التي وضعها الاستعمار بعد انهيار الدولة العثمانية التي كانت تحافظ على قدر ضئيل من الوحدة بين الدول العربية والإسلامية. فالواقع الحالي لا يُعطي أي مؤشرات لإمكانية تحقيق أي وحدة فعلية بين الدول المتضمنة في الأمة السورية.

   وجديرًا بالذكر أن مشروع أنطون سعادة ومشروع حسن نصر الله يلتقيان، على اختلاف مرجعياتهما، في كونهما ينتجان خطابًا أيديولوجيًا انتقائيًا يسعى إلى إعادة تعريف الهوية الجماعية وتحديد دوائر الانتماء والخصومة. فخطاب سعادة يُقدم في كثير من الأحيان بلباسٍ علماني أو علمي يستند إلى الجغرافيا والتاريخ والبيئة في بناء تصور الأمة السورية، بينما يستند خطاب نصر الله إلى مرجعيات دينية – عقائدية، في مقدمتها تصور الخميني للأمة والمقاومة وولاية الفقيه. غير أن الفارق بينهما لا يقتصر على علمانية سعادة أو دينية نصر الله فحسب، بل يمتد إلى كيفية تعريف الأمة وحدودها ووظيفتها السياسية. ويمكن القول في النهاية، إن كليهما تعامل مع الطائفية بوصفها إشكالًا سياسيًا، لكنهما انخرطا، بدرجات مختلفة، في تسييس الهوية. فسعادة دعا إلى تجاوز الطائفية عبر هوية قومية علمانية جامعة، وهو ما يعني عمليًا إعادة تعريف الانتماء وتعبئته سياسيًا تحت إطار “القومية السورية”. أما نصر الله، فرغم نقده للطائفية السياسية والدعوة إلى تغييرها تدريجيًا، فقد اعتمد على هوية دينية – مذهبية رافعة للتعبئة والتنظيم، وربطها بإطار “الأمة المقاومة” لتوليد الشرعية وتوسيع دوائر الالتزام.

جدول توضيحي لأهم المفاهيم التي تمت المقارنة بينها

وجه المقارنةأنطون سعادةحسن نصر الله
تعريف الأمةكيان اجتماعي-تاريخي يتشكل من وحدة جغرافية وترابطات ثقافية واحدةجماعة عقائدية-دينية عالمية، يجمعها الدين الإسلامي وتوجهات ولاية الفقيه
الدينيؤمن بدور الدين الروحي لا السياسي، ويدعو لفصل الدين عن الدولةالدين هو مصدر الشرعية السياسية والفكرية لكنه لا يُفرض بالقوة
المقاومةالمقاومة تقوم على أساس وطني ضد الانتداب والاستعمار والمشروع الصهيوني لتحرير الأمة السورية سياسيًا وثقافيًاالمقاومة تقوم على أساس ديني عقائدي قائم على فكرتي الشهادة والجهاد من أجل تحرير أراضي المسلمين وخصوصًا لبنان وفلسطين

[1]غدي فرنسيس: آلاف المقاتلين يتحركون في الجنوب يومياً… الحزب يلعب اللعبة بشكل مختلف ويستعد!“، قناة بالمباشر بلاس، يوتيوب، 30 سبتمبر 2025.تاريخ الوصول: 25 نوفمبر 2025 https://www.youtube.com/watch?v=wq8MFOEOgnE

[2] هاجر والد أنطون سعادة في تلك الفترة إلى البرازيل ثم إلى الأرجنتين، لكنه عاد واستقر في البرازيل، حيث التحق به سعادة فيما بعد.

[3] جبر محمد، “أنطون سعادة وفكره السياسي“، مجلة التربية، ج3، ع122، 2010، ص13.

[4] المرجع السابق، ص13-14.

[5] كارول الخوري، “أنطون سعادة: بين حلم “القومية السورية” والفكر التنويري المنشود“، تكوين، 2024. أنطون سعادة: بين حلم “القومية السورية” والفكر التنويري المنشود – تكوين

[6] المرجع السابق.

[7] أنطون سعادة، “الآثار الكاملة، الجزء الخامس، نشوء الأمم 1938“، (بيروت، دار سعادة للنشر، 1999)، ص52-56.

[8] المرجع السابق، 163-166.

[9] أنطون سعادة،”كتاب نشوء الأمم – الفصل السابع – الإثم الكنعاني“، موقع أنطون سعادة (الأعمال الكاملة). https://www.antoun-saadeh.com/works/book/book3-2/924.

[10] أنطون بطرس، “الفكرة القومية السورية عند أنطون سعادة“، مجلة الثقافة العربية في القرن الواحد والعشرين، مج1، 2018، ص317.

[11] كارول الخوري، “أنطون سعادة: بين حلم “القومية السورية” والفكر التنويري المنشود“، مرجع سبق ذكره.

[12] المرجع السابق.

[13] أنطون بطرس، “ الفكرة القومية السورية عند أنطون سعادة“، مرجع سبق ذكره، ص319-320.

[14] كارول الخوري، “أنطون سعادة: بين حلم “القومية السورية” والفكر التنويري المنشود“، مرجع سبق ذكره.

أنظر أيضًا: صفية سعادة، “عودة إلى فكر أنطون سعادة المقاوم“، صحيفة الأخبار، 2020. عودة إلى فكر أنطون سعادة المقاوم

أنظر أيضًا: أنطون بطرس، “ الفكرة القومية السورية عند أنطون سعادة“، مرجع سبق ذكره، ص320-321.

[15]شهر كانون الثاني – إنقلاب الحزب القومي“، The Monthly Magazine، 2013. الشهرية | الدولية للمعلومات | شهر كانون الثاني – إنقلاب الحزب القومي

[16]Understanding Political Influence in Modern-Era Conflict:  A Qualitative Historical Analysis of Hassan Nasrallah’s Speeches”. Journal of Terrorism Research 3, no. 2 (2012): 32.  https://www.researchgate.net/publication/290040352_Understanding_Political_Influence_in_Modern-Era_ConflictA_Qualitative_Historical_Analysis_of_Hassan_Nasrallah’s_Speeches

[17]  “بعد مرور عام على اغتياله من هو حسن نصرالله أمين عام حزب الله الراحل؟“، عربي BBC News، 27 سبتمبر 2025، https://www.bbc.com/arabic/articles/c2jxrjpljvxo

[18]  “”أمل”.. حركة لبنانية أسسها الصدر ويقودها بري“، الجزيرة، 20 نوفمبر 2024، https://www.ajnet.me/encyclopedia/2024/11/20/%D8%A3%D9%85%D9%84-%D8%AD%D8%B1%D9%83%D8%A9-%D8%B4%D9%8A%D8%B9%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%86%D8%A8%D8%AB%D9%82-%D9%85%D9%86%D9%87%D8%A7-%D8%AD%D8%B2%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D9%84%D9%87

[19]  مرجع سابق، “بعد مرور عام على اغتياله من هو حسن نصرالله أمين عام حزب الله الراحل؟”.

[20]  مرجع سابق، “بعد مرور عام على اغتياله من هو حسن نصرالله أمين عام حزب الله الراحل؟”.

[21]  مرجع سابق، “بعد مرور عام على اغتياله من هو حسن نصرالله أمين عام حزب الله الراحل؟”.

[22]  “نص الرسالة المفتوحة التي وجهها حزب الله إلى المستضعفين في لبنان والعالم 1985“، فهرس مكتبة أمم للتوثيق والأبحاث، https://www.umambiblio.org/AR/book_detail/14426/

[23]  جوزيف ضاهر، “الطائفية والاقتصاد السياسي اللبناني: نشأة حزب الله“، الاقتصاد السياسي لحزب الله اللبناني، دار صفصافة للنشر والتوزيع، 2022، ص43، https://books.google.com.eg/books/about/%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%82%D8%AA%D8%B5%D8%A7%D8%AF_%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A_%D9%84%D8%AD%D8%B2%D8%A8.html?id=iUl9EAAAQBAJ&redir_esc=y

[24]  مرجع سابق، “نص الرسالة المفتوحة التي وجهها حزب الله إلى المستضعفين في لبنان والعالم 1985”.

[25]  شيماء محمد عبدالله أبوعامر، “الهوية وأثرها في تشكيل السياسة الخارجية الإيرانية“، مجلة جيل الدراسات السياسية والعلاقات الدولية، ع 30، (2021):18 – 19 ، ISSN: 24410-3926، https://search.mandumah.com/Record/1153596

[26]  مرجع سابق، “نص الرسالة المفتوحة التي وجهها حزب الله إلى المستضعفين في لبنان والعالم 1985”.

[27] Zohreh Ghadbeigy. “Sayyed Hassan Nasrallah’s Contributions to Political Thought”. Islamic Political Thought 12, no. 2, (2025): 94 -95.

[28]  مرجع سابق، “نص الرسالة المفتوحة التي وجهها حزب الله إلى المستضعفين في لبنان والعالم 1985”.

[29]  جوزيف ضاهر، “حزب الله والاقتصاد السياسي للنيوليبرالية اللبنانية“، الاقتصاد السياسي لحزب الله اللبناني، دار صفصافة للنشر والتوزيع، 2022، ص54 – 71.

[30]  “الوثيقة السياسية لحزب الله“، موقع العهد الإخباري، https://alahednews.news/uploaded/wasika/#about-me

[31]  مرجع سابق، “نص الرسالة المفتوحة التي وجهها حزب الله إلى المستضعفين في لبنان والعالم 1985“.

[32] Op.cit. “Sayyed Hassan Nasrallah’s Contributions to Political Thought”. 92 -97.

[33]  مرجع سابق، “الوثيقة السياسية لحزب الله“.

[34] Op.cit. “Sayyed Hassan Nasrallah’s Contributions to Political Thought”. 97. – 99.

[35] Op.cit. “Understanding Political Influence in Modern-Era Conflict:  A Qualitative Historical Analysis of Hassan Nasrallah’s Speeches”. 32-33.

[36] Zoe Levornik. “Hezbollah’s “Resistance” Campaign: We Will Not Give Up the Weapons”. Alma Organization. October 5, 2025. https://israel-alma.org/hezbollahs-resistance-campaign-we-will-not-give-up-the-weapons/

[37] Aurelie Daher. “Hezbollah, a Social Entrepreneur? Social Action and Mobilization, or Building the ‘Resistance Societ’”. Hezbollah: Mobilization and Power. Oxford University Press. 2019. ISBN 978-0-1904-9589-3

[38]  “حسن نصر الله.. قائد جعل من حزب الله قوة إقليمية“، الجزيرة، 25 ديسمبر 2024، https://www.ajnet.me/encyclopedia/2014/12/3/%D8%AD%D8%B3%D9%86-%D9%86%D8%B5%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D9%84%D9%87

[39] The Editors of Encyclopaedia Britannica. “Lebanese National Pact.” Encyclopaedia Britannica. Last modified September 18, 2025. https://www.britannica.com/event/Lebanese-National-Pact-1943

[40] 1. Daniel Pipes, “Radical Politics and the Syrian Social Nationalist Party,” International Journal of Middle East Studies 20, no. 3 (August 1988): 303–324, https://www.cambridge.org/core/journals/international-journal-of-middle-east-studies/article/abs/radical-politics-and-the-syrian-social-nationalist-party/5F46C75B305F55826E4DF85CD1A4B693

[41] Hezbollah. “The New Hezbollah Manifesto.” Political document. November 2009. https://www.hintergrund.de/wp-content/uploads/2015/09/15-The-New-Hezbollah-Manifesto-Nov09.pdf

باحث مساعد في النظم و النظرية السياسية بمركز ترو للدراسات والتدريب

باحث في العلاقات الدولية بمركز ترو للدراسات والتدريب

حسابات المكسب والخسارة البريطانية الخاصة بالعلاقات مع الصين
إيران في النظام الرأسمالي العالمي: قراءة في الأزمة الإيرانية الراهنة في ضوء نظرية المركز والأطراف لدى سمير أمين
" انتخابات حزب الوفد وتداعياتها على المشهد السياسي"
مجلس السلام والمسارات البديلة للنظام الأممي
إعادة رسم سوريا: تحولات السلطة والسيادة في ظل الترتيبات الإقليمية والتفاعلات الداخلية
Scroll to Top