Cairo

“الانقسام المؤسسي في الولايات المتحدة تجاه حرب إيران: بين ضغط الداخل واستقالة تعكس أزمة القرار”

قائمة المحتويات

باحث مساعد في النظم السياسية بمركز ترو للدراسات

قدّم “جو كينت” _مدير المركز الوطني لمكافحة الإرهاب في الولايات المتحدة_  في 17 مارس 2026 استقالته من منصبه احتجاجًا على المشاركة الأمريكية في الحرب ضد إيران. وأوضح كينت في رسالة الاستقالة أنه لا يستطيع دعم هذه الحرب بضمير مرتاح، وإيران لم تشكّل تهديدًا وشيكًا للأمن القومي الأمريكي، وأن القرار العسكري جاء نتيجة ضغوط مورست من قبل إسرائيل ولوبيها الأمريكي القوي.[1]

ردًا على استقالة جو كينت، صرح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بأن رحيل كينت “ليس خسارة لأمن الولايات المتحدة”، وأن تقييم كينت لمخاطر إيران يختلف عن وجهة نظر الإدارة، وأن القرار السياسي بالاستمرار في العمليات العسكرية سيستمر دون تعديل، مؤكدًا أن كينت لم يكن يتمتع بالكفاءة المطلوبة في مجال الأمن.[2] وقد أثارت هذه الاستقالة جدلًا واسعًا ليس على المستوى السياسي فحسب بل داخل المؤسسات الأمنية الأمريكية أيضًا حيث أبرزت الانقسامات بين التقديرات المهنية لمسؤولي الأمن القومي والخيارات السياسية للإدارة التنفيذية بقيادة ترامب. كما أوضحت طبيعة الخلاف المؤسس ودور الاستقالة كأداة اعتراض مهني، وتأثير العوامل الخارجية على صنع القرار الأمريكي.

تشهد الساحة السياسية الأمريكية حاليًا انقسامًا واسعًا حول الحرب على إيران في مارس 2026 حيث يقود “تيار واقعي” معارضة داخلية قوية ضد توجه إدارة ترامب المبني على منصة “أمريكا أولاً”. يرى هذا التيار أن الحرب تشكل “فخاً” يخدم مصالح إسرائيل ويستنزف الموارد الأمريكية، متعارضة مع وعود الإدارة بإنهاء التدخلات الخارجية، وهو ما دفع شخصيات رفيعة مثل جو كينت إلى الاستقالة واعتبار القرار العسكري ناتجًا عن ضغوط جماعات ضغط إسرائيلية. في المقابل، تبنت الإدارة نهجًا هجوميًا معتبرة الضربات العسكرية ضرورية لإضعاف النفوذ الإيراني مع رفض أي تسوية قد تُعدّ استسلاماً، وتقليل أهمية الاستقالات الاحتجاجية.

في الوقت نفسه، شهدت المدن الأمريكية الكبرى مثل واشنطن ونيويورك موجة احتجاجية شعبية مناهضة للحرب عبّر خلالها المشاركون عن رفضهم لتورط الولايات المتحدة في صراع خارج نطاق مصالحها المباشرة، مؤكدين أن هذه التدخلات تعمّق الانقسامات الداخلية وتعرّض الجنود لمخاطر إضافية. كما سلطت الاحتجاجات الضوء على تساؤلات جوهرية بشأن أولويات الأمن القومي، تخصيص ميزانية الدفاع، ومدى تدخل الولايات المتحدة في النزاعات الدولية، ما يعكس وعي المجتمع بالقوانين الدستورية المنظمة لاستخدام القوة العسكرية وأهمية الحفاظ على الشرعية السياسية والديمقراطية المؤسسية.

قدم “جو كينت” _مدير المركز الوطني لمكافحة الإرهاب_ استقالته في 17 مارس 2026 احتجاجًا على قرار الولايات المتحدة بالمضي في الحرب ضد إيران، مؤكدًا أنه لا يستطيع دعم الحرب بضمير مرتاح، وأن إيران لم تشكل تهديدًا وشيكًا للأمن القومي الأمريكي. ونشر” كينت” رسالته على منصة “إكس” في خطوة نادرة لرئيس جهاز أمني بهذا المستوى داخل الإدارة الأمريكية، ما سلط الضوء على التوترات الداخلية المتعلقة بالقرار العسكري وأثار اهتمامًا واسعًا في الأوساط السياسية والإعلامية، وأعاد النقاش حول محددات صنع القرار الأمني الأمريكي في سياق الصراعات الإقليمية.[3]

تضمنت الاستقالة تفسيرًا دقيقًا لتقييم “كينت” للظروف التي دفعت الإدارة إلى الحرب، إذ اعتبر أن القرار جاء تحت تأثير ضغوط خارجية، لا سيما من إسرائيل ولوبياها القوية داخل الولايات المتحدة. وأوضح أن هذه العوامل لعبت دورًا مباشرًا في توجيه السياسة الأمريكية تجاه إيران، رغم غياب أي تهديد وشيك وفق تقييمات أجهزة الأمن القومي ما يجعل موقفه أكثر من مجرد رفض للتوجه العسكري بل يشكل نقدًا لمحددات صنع القرار داخل الإدارة ويعكس التباين بين التقديرات المهنية للمسؤولين الأمنيين والخيارات السياسية للإدارة التنفيذية.[4]

يعكس هذا الحدث الطبيعة التفاعلية للهيكل الأمني الأمريكي، حيث يبرز دور أجهزة الاستخبارات في تقديم تقييمات متخصصة قد تختلف أحيانًا عن الرؤية السياسية للإدارة التنفيذية، ويظهر التوازن الدقيق بين الاحتياجات الأمنية الداخلية ومتطلبات السياسة الخارجية. كما يوضح موقف كينت أن الاستقالة يمكن أن تعمل كأداة مهنية للاعتراض على سياسات لا تتوافق مع تقديرات الخبراء مما يجعل هذه الحالة نموذجًا مهمًا لدراسة العلاقة بين التقديرات المهنية والمخاطر السياسية في النظم السياسية الحديثة.

أثارت الاستقالة جدلًا واسعًا حول مبررات الحرب على إيران، إذ أبرزت الانقسامات العميقة داخل المؤسسات السياسية والأمنية بشأن تفسير التهديدات واتخاذ الخيارات الاستراتيجية. فقد قلل الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” من أهمية الاستقالة، معتبرًا أن كينت لم يكن مؤهلًا للتعامل مع القضايا الأمنية الحرجة، بينما اعتبر عدد من الديمقراطيين موقفه تعبيرًا عن تقييم مهني مستند إلى غياب تهديد وشيك من إيران. وأكد السناتور الديمقراطي “مارك وارنر” أن الأدلة المتاحة لم تكن كافية لتبرير الانخراط الأمريكي في حرب جديدة بالشرق الأوسط، ما يوضح وجود توافق نادر بين تقييم كينت وبعض أعضاء المعارضة حول مبررات الحرب الإقليمية.[5]

تأتي استقالة جو كينت في وقت حساس على صعيد الأمن القومي الأمريكي، إذ شهدت الولايات المتحدة في الأيام التي سبقت قرار استقالته تصاعد المخاوف بشأن التهديدات الداخلية نتيجة سلسلة من الأحداث العنيفة التي اعتبرتها السلطات مؤشرات على تزايد العنف داخل البلاد. ففي 12 مارس 2026، وقع حادثين منفصلين: الأول في الضاحية الشمالية لمدينة ديترويت بولاية ميشيغان، حيث قام رجل بدهس سيارة داخل كنيسة يهودية ما أثار المخاوف حول تصاعد الأعمال العدائية تجاه المجتمعات الدينية. أما الحادث الثاني فوقع في نورفولك بولاية فيرجينيا حيث أطلق شخص النار داخل حرم جامعة محلية، وأسفر عن إصابات ووفيات، وما زالت التحقيقات تتعامل مع الحادث باعتباره عملًا إرهابيًا من قبل السلطات الفيدرالية.[6] أدت هذه الحوادث إلى جانب التحذيرات الفورية الصادرة عن وكالات الأمن، إلى زيادة القلق بشأن قدرة أجهزة الاستخبارات ووكالات إنفاذ القانون على احتواء التهديدات الداخلية خاصة في ظل انشغالها بالتحديات المرتبطة بالحرب مع إيران. كما ساهمت هذه التطورات في زيادة الضغوط على كبار المسؤولين التنفيذيين داخل أجهزة الأمن والاستخبارات استعدادًا للإدلاء بشهاداتهم أمام الكونغرس الأمريكي حول مبررات الحرب وأدلة التهديدات الوطنية.[7]

تُعدّ هذه الاستقالة واحدة من صور الاعتراض التي تنشأ داخل مؤسسات الدولة، وتندرج ضمن ما يُعرف بالاعتراض المؤسسي، إذ يلجأ إليها المسؤولون للتعبير عن رفضهم لقرارات أو سياسات لا تنسجم مع تقديراتهم المهنية أو معايير عملهم. ويتميز هذا النوع من الاعتراض بأنه يصدر من داخل الجهاز الرسمي نفسه، أي من فاعلين ينتمون إلى المؤسسات الأمنية أو العسكرية أو الإدارية أو السياسية، وليس من خارجها كما هو الحال في الاحتجاجات الشعبية أو مواقف الرأي العام.

ويعكس الاعتراض المؤسسي وجود تباين بين الرؤية السياسية التي تتبناها السلطة التنفيذية والتقييمات المهنية التي تصدر عن داخل المؤسسات. ولا يقتصر هذا الاعتراض على الاستقالة فقط، بل قد يظهر في صور أخرى مثل الامتناع عن تنفيذ بعض التوجيهات أو الإعلان عن موقف معارض بشكل مباشر. وتكتسب هذه الممارسات أهميتها لأنها تكشف عن اختلال أو توتر داخل عملية صنع القرار خاصة في الحالات التي يُنظر فيها إلى السياسات المتبعة على أنها تفتقر إلى المبررات الكافية أو لا تتسق مع اعتبارات الأمن القومي أو قواعد العمل المؤسسي.

يمثل هذا السياق خلفية مهمة لفهم استقالة جو كينت، إذ يوضح كيف يمكن أن تتداخل التحديات الداخلية مع السياسات الخارجية في تشكيل تقييمات الأمن القومي، ويبرز الضغوط المتعددة التي تواجه المسؤولين الأمنيين في فترات الأزمات سواء من حيث التهديدات المباشرة أو التحديات السياسية المرتبطة باتخاذ القرارات العسكرية. كما يعكس أهمية وجود تقييمات مهنية دقيقة وحيادية لمواجهة الضغوط الخارجية والداخلية للحفاظ على فعالية مؤسسات الأمن القومي واستقرار القرار الاستراتيجي.

ويأتي هذا في ضوء الوضع الذي كان قائمًا قبل ثلاثة عشر شهرًا من استقالة كينت عندما كان الرئيس دونالد ترامب يثني عليه بشكل كبير عند ترشيحه للانضمام إلى الإدارة، مؤكّدًا كفاءته ومصداقيته المهنية في مجال مكافحة الإرهاب. فقد وصفه بأنه قضى حياته في مواجهة الإرهابيين والمجرمين، وأنه سيحافظ على أمن الولايات المتحدة من خلال مواجهة جميع التهديدات، سواء من التنظيمات الجهادية حول العالم أو من الكارتلات المحلية. هذه التصريحات وضعت كينت في مرتبة عالية من الثقة داخل النظام المؤسسي الأمريكي، وقدمته كعنصر محوري في تقييم التهديدات الأمنية وصنع القرار المتعلق بالأمن القومي مما يعكس مكانته المهنية واعتباره مسؤولًا موثوقًا به في مجال مكافحة الإرهاب.[8]

طرأ تحول جذري على خطاب الرئيس ترامب مع إعلان استقالة كينت في 17 مارس 2026، إذ انتقل من الثناء والإشادة إلى التقليل من شأن كينت، ووصفه بأنه ضعيف جدًا في المجال الأمني، كما أن رحيله كان مناسبًا نظرًا لاختلاف موقفه بشأن الحرب ضد إيران مع رؤية الإدارة. هذا التحول لا يعكس مجرد اختلاف في الانطباعات الشخصية بل يكشف عن ضغوط سياسية مؤسسية يمارسها الرئيس على كبار المسؤولين الأمنيين، ويبرز التباين بين التقييمات المهنية لمخاطر الأمن القومي والتوجهات السياسية للبيت الأبيض.[9]

يمكن تفسير هذا التحول من خلال ثلاثة أبعاد رئيسية: أولها، جاءت استقالة كينت في توقيت حساس على صعيد الأمن القومي، إذ تصاعدت الهجمات الداخلية في البلاد وزاد الضغط على وكالات الاستخبارات ووكالات إنفاذ القانون لمراجعة تقييمات التهديدات الوطنية. في هذا السياق، أي اعتراض أو نقد من مسؤول أمني رفيع حتى لو كان مبررًا يمكن أن يُفسر على أنه ضعف في الموقف الأمني أو محاولة للتشويش على السياسة الرسمية، وهو ما يبرر جزئيًا تحول خطاب الرئيس نحو التقليل من شأن كينت.

ثانيها، تتضح أبعاد التحول في أن استقالة كينت تضمنت إشارة صريحة إلى تأثير إسرائيل ولوبياها في دفع الإدارة نحو الحرب، وهو ما يمثل اعتراضًا مباشرًا على تدخلات خارجية في صناعة القرار الأمريكي. وقد ركز ترامب في خطابه على تقييم كينت الشخصي للتهديد الإيراني، محاولًا تحويل الانتباه عن النقد المؤسسي والسياسي المتعلق بتأثير العوامل الخارجية، وركز على تصويره كمسؤول ضعيف في المجال الأمني بدلًا من مواجهة الاتهامات المتعلقة بتدخل الخارج في القرار.

ثالثها، يعكس هذا التغيير ديناميكيات مؤسسية معقدة، إذ تحتاج الإدارة السياسية إلى الحفاظ على صورة متماسكة أمام الرأي العام والكونغرس بشأن القرارات الأمنية، وأي استقالة لمسؤول استخباراتي رفيع يمكن أن تخلق فجوة في صورة الشرعية المؤسسية للسياسات المتبعة. لذلك، يُفسر تحول خطاب ترامب من الثناء على كينت إلى التقليل من شأنه كجهد للحفاظ على الشرعية السياسية والحد من تأثير المعارضة الداخلية خصوصًا في سياق النقاش حول الحرب على إيران والاتهامات المتعلقة بتأثر القرار الأمريكي بالضغوط الخارجية.

هذه التحولات في الخطاب السياسي تجاه جو كينت من وصفه كعنصر أساسي في مكافحة الإرهاب إلى التقليل من أهميته باعتباره ضعيفًا في مجال الأمن تعكس تفاعلًا معقدًا بين التقييمات المهنية للأمن القومي، والضغط السياسي، والاعتبارات المؤسسية، وتُظهر كيف يمكن لاستقالة مسؤول أمني رفيع أن تُعيد صياغة الخطاب لضمان استمرار السياسات الرسمية دون تعارض علني.

في هذا السياق، بعد إعلان الولايات المتحدة وإسرائيل عن تنفيذ ضربات جوية على أهداف في إيران بما في ذلك مقتل المرشد الإيراني علي خامنئي، ظهرت موجة احتجاجية مناهضة للحرب خلال الفترة من أواخر فبراير وحتى مارس 2026 شملت مدنًا مثل واشنطن ونيويورك، وعكست رفضًا شعبيًا لتورط البلاد في صراع خارج حدودها، وتشككًا واسعًا في مبررات استخدام القوة العسكرية دون تفويض مسبق من الكونغرس، مع تأكيد على أن التدخل لا يخدم الأمن القومي ويزيد الانقسامات الداخلية ويعرض الجنود للخطر ما يعكس نقدًا متعمقًا للسياسات الاستراتيجية للإدارة الأمريكية في تلك الفترة. [10]

ولم يقتصر تأثير التيار المناهض للحرب على التظاهر في الشوارع، بل تجلى أيضًا في خطاب مجتمعي وسياسي أوسع يعكس وجود رفض منهجي للسياسة العسكرية داخل الولايات المتحدة. يشمل هذا التيار أفرادًا وجماعات وحركات اجتماعية وسياسية تنتقد أي تصعيد عسكري بعيد عن الأولويات الوطنية، وتطرح تساؤلات حول تحديد أولويات الأمن القومي، تخصيص ميزانية الدفاع، ومستوى تدخل الولايات المتحدة في النزاعات الدولية التي لا تمس مصالحها المباشرة. وقد تجلّى هذا الموقف في الشعارات المتكررة في المظاهرات مثل “لا حرب مع إيران” ما يعكس اتساع قاعدة هذا التيار على المستوى الاجتماعي والسياسي. كما شمل هذا التيار عناصر مدنية منظمة بما في ذلك التحالفات اليسارية وحركات المجتمع المدني التي هدفت إلى إظهار رفض الجماهير للسياسات العدوانية والإشارة إلى القوانين الدستورية التي تنظم استخدام القوة العسكرية..[11] والتركيز على أهمية الشرعية السياسية والديمقراطية المؤسسية.[12]

على صعيد المقارنة التاريخية، شهدت الولايات المتحدة قبل غزو العراق عام 2003 خلال إدارة جورج بوش الأب موجة احتجاجات شعبية واسعة امتدت داخل المدن الكبرى وخارجها شملت مئات الآلاف في نيويورك وواشنطن، إلى جانب مظاهرات عالمية في عشرات الدول. وكانت رسالة هذه الاحتجاجات الرئيسية رفض التدخل العسكري قبل الحصول على تفويض من الكونغرس، والتشكيك في المبررات المقدمة لاستخدام القوة. لم تنجح هذه الحركة الشعبية في منع الحرب رغم ضخامتها ما يوضح محدودية تأثير الاحتجاج العام في غياب أي اعتراض من داخل المؤسسات الرسمية للدولة.

في المقابل، شهدت حرب فيتنام خلال إدارة ليندون جونسون اعتراضًا شعبيًا مستمرًا وعميقًا منذ منتصف الستينيات شمل الطلاب ونشطاء الحقوق المدنية وجماعات المجتمع المدني، مع تنظيم مظاهرات ضخمة في واشنطن ونيويورك. وأسهم هذا الضغط المستمر في تراجع الدعم الشعبي للحرب، وكان له تأثير واضح على قرارات الرئيس، بما في ذلك إعلان عدم ترشحه لفترة رئاسية ثانية.

وتبرز هذه التجارب التاريخية أن فعالية الاحتجاج الشعبي على السياسات العسكرية ترتبط بمدى استمراره وحجمه، إضافة إلى وجود مؤشرات على اعتراض داخل المؤسسات الرسمية، وهو ما يوفر سياقًا مهمًا لفهم حركة الاحتجاجات الأمريكية المناهضة للحرب على إيران في عام 2026.

في هذا السياق، تعتبر استقالة جو كينت مثالًا مؤسسيًا يعكس تصاعد الاعتراض على السياسة العسكرية تجاه إيران داخل أجهزة الدولة نفسها. فقد أوضح كينت في رسالته أن إيران لم تكن تشكل تهديدًا وشيكًا للأمن القومي، وأن قرار المضي في الحرب جاء تحت تأثير ضغوط سياسية خارج نطاق التقييمات المهنية. وهذا يضع استقالته ضمن منطق الاحتجاجات الشعبية، إذ يظهر أن الاعتراض على الحرب تجاوز المجتمع المدني ليصل إلى المؤسسات الأمنية العليا حيث تتفاعل التقديرات المهنية مع التوجهات السياسية للرئاسة.

كما تشير هذه التطورات إلى تفاعل معقد بين الضغوط السياسية، التقييمات المهنية، والاعتبارات المؤسسية. فالاستقالة تمثل أداة احتجاج مؤسسية ضد قرارات تتعارض مع التقييم الأمني، وتكشف عن الديناميات الداخلية لصنع القرار العسكري في إدارة ترامب خاصة في سياق التأثيرات الخارجية والتحالفات الاستراتيجية. ومن ثم، يمكن اعتبار هذا التفاعل نموذجًا هامًا لدراسة العلاقة بين التقديرات المهنية للمخاطر، الضغوط السياسية، والشرعية المؤسسية في النظم السياسية الحديثة، مع التأكيد على أن رفض السياسات العسكرية يمكن أن ينشأ بالتوازي بين المجتمع المدني والنخبة المهنية ما يعكس التوتر البنيوي بين التقييم المهني للأمن والقوة التنفيذية الرئاسية.

من هذا المنظور، يصبح من الواضح أن حركة الاحتجاجات المناهضة للحرب في الولايات المتحدة ليست منفصلة عن الخلافات داخل جهاز الأمن القومي نفسه. فرغم أن الاحتجاجات الشعبية تعبر عن رفض عام، فإن استقالة كينت كشخصية أمنية رفيعة المستوى تؤكد أن هذا الرفض تجاوز المجتمع المدني ليصل إلى النقاش داخل مؤسسات صنع القرار، ما يعكس التوتر بين التقييمات المهنية للمخاطر والتوجهات السياسية للإدارة التنفيذية، ويبرز التحديات المستمرة في الموازنة بين الرؤية الأمنية المهنية والخيارات السياسية في إدارة الأزمات العسكرية.

في الختام، تُظهر استقالة جو كينت وتزامنها مع موجة الاحتجاجات الشعبية المناهضة للحرب ضد إيران مدى التعقيد في العلاقة بين التقديرات المهنية للأمن والخيارات السياسية للإدارة الأمريكية. فقد سلطت هذه الأحداث الضوء على الانقسامات داخل الساحة السياسية بين تيار مؤيد للحرب الذي يتبنى منصة “أمريكا أولاً” ويراها ضرورية لإضعاف القدرات الإيرانية، وبين تيار مناهض يعتبر الحرب فخًا يخدم مصالح إسرائيل ويستنزف الموارد الأمريكية. وتكشف هذه الوقائع عن نقاط مواجهة جوهرية تشمل تقييم التهديد الإيراني، جدوى التدخل العسكري، وطبيعة الضغط الداخلي والخارجي على صانع القرار، إضافة إلى انعكاسات الأزمة على السياسة الداخلية والانتخابات الرئاسية المقبلة عام 2028.

وتوضح هذه التطورات التفاعل المعقد بين الضغوط الخارجية والداخلية، بما في ذلك التأثيرات الإقليمية والتحالفات الاستراتيجية، والانعكاسات الاقتصادية مثل ارتفاع أسعار النفط وتعطّل الملاحة، والتي تؤثر على القدرة على اتخاذ القرار العسكري. كما تؤكد أهمية الاعتماد على تقييمات مهنية دقيقة ومستقلة للحفاظ على شرعية القرارات الاستراتيجية، وفي الوقت نفسه وعي المجتمع بالقوانين الدستورية المنظمة لاستخدام القوة العسكرية. ويبرز هذا السياق كيف يمكن لمقاومة السياسات العسكرية أن تنشأ بالتوازي بين النخبة المهنية والمجتمع المدني، ما يعكس طبيعة معقدة ومتعددة الأبعاد لصنع القرار في أزمات الحرب الحديثة، ويتيح فهماً أعمق للتوتر البنيوي بين التقييم الأمني المهني والسياسات التنفيذية.

قائمة المراجع


[1]Trump counter- terrorism chief quits over iran war, blaming israel, The guardian, 17 march 2026, available on:

Trump counter-terrorism chief quits over Iran war, blaming Israel | Trump administration | The Guardian

[2]“من الجيد أنه رحل”.. شاهد كيف علق ترامب على استقالة مدير مكافحة الارهاب ، 17 مارس 2026، متاح على:

من الجيد أنه رحل“.. شاهد كيف علق ترامب على استقالة مدير مكافحة الإرهابCNN Arabic

[3] Bernd Debusmann Jr, Top US counterterrorism officials resigns over iran war, urging trump to ‘reverse course’, BBC, 18 march 2026, available on:

Top US counterterrorism official Joe Kent resigns over Iran war

[4] Ibid, 18 march 2026, available on:

Top US counterterrorism official Joe Kent resigns over Iran war

[5] Good thing that he’s out’: Donald trump says joe kent was ‘seak on security’ after counterterrorism chief quits over iran war, Times of india, Available on:

Joe Kent Resignation: ‘Good thing that he’s out’: Donald Trump says Joe Kent was ‘weak on security’ after counterterrorism chief quits over Iran War – The Times of India

[6] Steve gorman, Michigan synagogue, Virginia university targeted in unnerving day of us violence, Ruters, 13 march 2026, available on:

Michigan synagogue, Virginia university targeted in unnerving day of US violence | Reuters

[7] Eric Tucker, And others, Top US intelligence officials set to testify about iran war and threats confronting the hoeland, AP News, 18 march 2026, available on:

Top US intelligence officials will testify about Iran war | AP News

[8] Ellen Nakashima And others, Seniors Officials openly breaks with white house, resign over war, The Washington Post, 17 march 2026, Available on:

Top Gabbard aide Joe Kent resigns in opposition to Iran war – The Washington Post

[9] Opsit, Trump counter- terrorism chief quits over iran war, blaming israel, The guardian, 17 march 2026, available on:

Trump counter-terrorism chief quits over Iran war, blaming Israel | Trump administration | The Guardian

[10] Protesters rally across us after strike on iran that killed Khamenei, The guardian, 28 february 2026, available on:

Protesters rally across US after strikes on Iran that killed Khamenei | US news | The Guardian

[11] Ibid, 28 february 2026, available on:

Protesters rally across US after strikes on Iran that killed Khamenei | US news | The Guardian

[12] Ibid, 28 february 2026, available on:

Protesters rally across US after strikes on Iran that killed Khamenei | US news | The Guardian

باحث مساعد في النظم السياسية بمركز ترو للدراسات

WhatsApp Image 2026-04-27 at 3.09
ChatGPT Image Apr 23, 2026, 03_39_44 PM
WhatsApp Image 2026-04-23 at 9.45
WhatsApp Image 2026-04-22 at 4.37
WhatsApp Image 2026-04-18 at 12.11
Scroll to Top