Cairo

الترامبية وإعادة تشكّل الهيمنة الأمريكية في السياسة العالمية: قراءة تحليلية في تحولات السياسة الخارجية الأمريكية في عهد دونالد ترامب

قائمة المحتويات

باحث في النظرية السياسية بمركز ترو للدراسات والتدريب

بعد أكثر من عام على انتخاب دونالد ترامب رئيسًا للولايات المتحدة الأمريكية، تغيرت ملامح السياسة الخارجية الأمريكية بصورة واضحة. ففي ولايته الثانية، تحرر ترامب بدرجة أكبر من القيود المؤسسية، وأصبح شعار “أمريكا أولًا” هو المحدد الأبرز لتوجهاته، بحيث أصبحت المصلحة الأمريكية هي المحرك الأساسي لسياسته الخارجية. وقد ارتبطت هذه التوجهات بما يُعرف بـ”الترامبية”، بوصفها الأيديولوجية الفكرية المهيمنة على السلوك السياسي الأمريكي الراهن. وتشير “الترامبية” إلى مجموعة من الأفكار والتوجهات التي تحكم السياسة الأمريكية الحالية، والمنسوبة إلى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.

   وقد غيرت هذه الأيديولوجية من نمط عمل السياسة الخارجية الأمريكية، فنقلتها من هيمنة حميدة تفترض إمكانية التعاون المشترك وبناء قاعدة من التبادل والمنفعة المتبادلة مع دول العالم، ولا سيما الحلفاء، إلى هيمنة مفترسة -بحسب تعبير ستيفن والت، أستاذ العلاقات الدولية بجامعة هارفرد- تكون فيها منفعة ومصلحة الولايات المتحدة الأمريكية هي الأساس، حتى وإن جاءت على حساب الدول المتحالفة معها.[1] فالترامبية تقوم، في جوهرها، على منطق المعادلة الصفرية، أي السعي إلى تحقيق أكبر قدر ممكن من المكاسب للولايات المتحدة، دون النظر إلى المكاسب والمنافع التي ستعود على الدول الأخرى المتعاونة معها.

   هذه المعادلة القائمة على الهيمنة المفترسة تقوم بشكل رئيسي على فرض القوة وإعادة تعريف الدور الأمريكي في العالم، بحيث يُنظر إلى الولايات المتحدة الأمريكية على أنها دولة ذات كيان مستقل ومصالح خاصة، لا باعتبارها “شرطيًا عالميًا” مُطالبًا بتحقيق منفعة كاملة لكافة الأطراف، أو حتى منفعة مشتركة بينها وبين حلفائها.

وعليه، يسعى هذا المقال إلى تحليل هذا التوجه الجديد في السياسة الخارجية الأمريكية في عهد الرئيس دونالد ترامب، المعروف بـالترامبية، وفهم أسباب تحول الولايات المتحدة من نمط الهيمنة الحميدة القائم على التبادل والمنفعة المشتركة، إلى نمط الهيمنة المفترسة الذي يقترب من منطق المعادلة الصفرية. كما يسعى المقال إلى استعراض الآليات التي تتجلى من خلالها هذه الهيمنة المفترسة في الممارسة الأمريكية الراهنة.

أولاً: الترامبية كأيديولوجية: مرتكزاتها الأساسية وأطروحاتها الرئيسية

   لا توجد أيديولوجية تنشأ بمنطق منفصل عن غيرها من الأفكار أو من فراغ معرفي، بل إنها توظف أفكارًا متعددة وتعيد تركيبها ضمن رؤية كلية للعالم وللفعل السياسي، بما يُفضي إلى إنشاء نسق فكري متكامل يقوم على بناء قاعدة فعالة للتأثير في معتنقيه وتوجيههم وتحديد أنماط سلوكهم وعملهم. واعتمادًا على ذلك، فإن الترامبية، بوصفها أيديولوجية سياسية، تقوم على مجموعة من الأسس الفكرية التي تحدد منطقها في الحركة والعمل، ويمكن إجمال أبرز هذه المرتكزات، المرتبطة على نحو رئيسي بالسياسة الخارجية الأمريكية، فيما يلي:

أ- النزعة ما بعد الليبرالية

   تتبنى الترامبية “ما بعد ليبرالية”، بوصفها اتجاهًا مضادًا لليبرالية، وخاصةً الليبرالية اليسارية التي هيمنت على السياسة الأمريكية خلال العقود الأخيرة. وتفترض الليبرالية إمكان بناء سلام عالمي ونظام دولي يقوم على مبدأ التعاون المشترك والتنسيق الهادف إلى تحقيق المنفعة المتبادلة، كما تُعطي أولوية للمؤسسات الدولية، وتُعلي من شأن الفرد وكونيته. إلا أن الأيديولوجية الترامبية تنطلق من افتراض مغاير لذلك، إذ ترى ضرورة إعلاء شأن الدولة القومية وسيادتها، وتفترض أن مصلحة الدولة في ظل النظام الدولي تسبق الالتزامات العالمية. فما بعد الليبرالية تقوم بشكل رئيسي على نقد الأسس الفردانية والكونية التي قامت عليها الليبرالية الحديثة، وتؤكد في المقابل أولوية الجماعة والهوية والقيم الأخلاقية، واستعادة دور الدولة القومية والسيادة الوطنية، بالإضافة إلى تقديم الصالح العام والتماسك الاجتماعي على الحرية الفردية المنفلتة واللامحدودة.[2]

   ولا يقتصر حضور هذا التوجه على مستوى التحليل النظري فحسب، بل يبدو أيضًا في الخطاب السياسي لبعض أعضاء النخبة الحاكمة في الولايات المتحدة الأمريكية، الذين باتوا يعلنون صراحةً تبنيهم لهذا الاتجاه. فعلى سبيل المثال، نجد أن جي دي فانس، نائب الرئيس الأمريكي، يصف نفسه بأنه “ما بعد ليبرالي”.[3] وفي خطاب تنصيب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في 20 يناير 2025، أعلن فيه أن “السيادة الأمريكية ستُستعاد”، في اعترافٍ ضمني منه بأن غايته الأساسية هي دولته الوطنية ومصالحها.[4] كما أن شعارات مثل “أمريكا أولًا” و “لنجعل أمريكا عظيمة مجددًا” لم تقتصر على مجرد الخطاب السياسي، بل امتدت لتكون جزءًا رئيسيًا من توجه السياسة الخارجية الأمريكية؛ ففي ذات اليوم، أي في يوم 20 يناير 2025، أصدرت الإدارة الأمريكية توجيه “أمريكا أولًا” إلى وزير الخارجية الأمريكي، ونص على أن السياسة الخارجية الأمريكية يجب أن تدافع عن المصالح الأمريكية الأساسية، وأن تضع أمريكا والمواطنين الأمريكيين أولًا في حساباتها، وهي بذلك تتبنى نوعًا من الشعبوية القومية.[5]

  وعليه، فإن الترامبية، بهذا الشكل، تتبلور تدريجيًا بوصفها أيديولوجية مستقلة ومميزة في الولايات المتحدة الأمريكية، وتقف في مواجهة مباشرة مع الليبرالية اليسارية. ويفضي هذا الاتجاه إلى القطيعة مع افتراضات العولمة، التي تتصور الإنسانية كيانًا موحدًا سياسيًا واقتصاديًا وثقافيًا، بحيث تتلاشى فيه الحدود الوطنية تدريجيًا، وتتخلى الدول القومية عن جزء من سيادتها لصالح كيانات دولية فوق وطنية، مثل “الاتحاد الأوروبي”. ومن ثم، فإن الترامبية تعارض هذا التصور بشكل صريح، فهي لا تدعو إلى التخلي عن سيادة الدول لصالح كيانات عالمية أكبر، بل تُعلي من شأن الدولة الوطنية، كما يتضح ذلك من توجهها. لكنها، في الوقت نفسه، لا تمانع اندماج الدول ضمن سياقات حضارية أوسع، ولا سيما ضمن إطار الحضارة الغربية، إذ تسعى إلى مقاربة توحد من خلالها الغرب، ولكن تحت راية الترامبية أو في ظل هيمنة واضحة للولايات المتحدة الأمريكية. وبذلك، نجد أن الترامبية تميل في تفكيرها إلى الواقعية الدولية، بل في بعض الأحيان إلى الواقعية الهجومية، وهو ما سيتضح لاحقًا.[6]

ب- البراغماتية المصلحية ومنطق المنفعة

   تقوم الترامبية على نزعة براغماتية مصلحية واضحة، تجعل من المنفعة المباشرة معيارًا حاكمًا في تقييم تفاعلاتها الدولية مع سائر دول العالم. فهي لا تنظر إلى السياسة الخارجية بوصفها مجالًا للالتزام بالقيم الليبرالية، أو بالمؤسسات الدولية، أو بالشراكات طويلة المدى لذاتها، وإنما تنظر إليها بوصفها أداةً لتأمين المكاسب الأمريكية وتعظيم القدرة على الضغط والمساومة. وبذلك، تعارض الترامبية بوضوح النهج الأمريكي الذي أُعطيت له الأولوية بعد الحرب العالمية الثانية، والقائم على تأكيد الدور الكوني للولايات المتحدة الأمريكية في نشر معايير الديمقراطية الليبرالية، والحفاظ على الهياكل والأنظمة المتبنية لقيمها على نطاق عالمي.[7] إلا أنها ترفض، في هذا السياق، هذه المبادئ، انطلاقًا من تساؤل مفاده: ما الحاجة إلى حماية دول العالم الديمقراطي في ظل استنزاف واضح لخزينة الولايات المتحدة الأمريكية بالمال والسلاح؟

   وفي ذلك، نجد أن الولايات المتحدة الأمريكية بدأت في تغيير طريقة تعاملها مع دول العالم، انطلاقًا من نظرة نفعية تُقاس فيها قيمة التحالفات والاتفاقات والمواقف الدولية بمدى ما تحققه من عائد ملموس للولايات المتحدة، لا بمدى اتساقها مع مبادئ عالمية مجردة أو مع فكرة المسؤولية الدولية. ولعل أوضح مثال يظهر فيه طغيان البراغماتية المصلحية في الأيديولوجيا الترامبية يتمثل في طريقة تعامل الولايات المتحدة الأمريكية مع حلفائها في الوقت الراهن، ولا سيما دول القارة الأوروبية،  فبدلًا من أن تتعامل معهم في إطار قيمي ليبرالي يستند إلى دعم الحلفاء ذوي النظم الديمقراطية الليبرالية، أصبحت تتعامل معهم في إطار المنفعة المتبادلة. فعلى مدار أكثر من سبعة عقود، جرى تقديم حلف “الناتو” لا بوصفه تحالفًا عسكريًا تكتيكيًا فحسب، بل بوصفه أيضًا تحالفًا قيميًا يجمع بين الدول الديمقراطية الليبرالية.[8]

   غير أن ترامب، بمنطق المنفعة، لم يرَ في هذا الإرث الأيديولوجي أي قيمة تُذكر، بل رأى أن الولايات المتحدة الأمريكية تستنزف مواردها وتستهلكها في حماية دول حلف الناتو، في مقابل أعباء أقل تتحملها دول الحلف، وأنها بذلك تدخل في صفقة تجارية فاشلة، وأنه يجب على دول حلف الناتو أن تزيد من نفقاتها، نظرًا إلى أن الولايات المتحدة الأمريكية تشكل ركيزة أساسية في الحلف. وبذلك، نجد أن الترامبية، المتجسدة في دونالد ترامب، جردت تفاعلات الولايات المتحدة الأمريكية الخارجية من غطائها الأيديولوجي، وأعادت تعريف علاقاتها الخارجية مع العالم، وأعادت صياغة مفهوم الحليف بمنطق المنفعة والمصلحة.[9]

ج-القومية الشعبوية وأولوية المصلحة الوطنية

   تتسم الأيديولوجيا الترامبية بالشعبوية القومية، بل إنها تقترب أيضًا من الشعبوية اليمينية المتطرفة، التي تدور في دائرة الابتعاد عن كل ما يُعد مكلفًا للولايات المتحدة الأمريكية من اتفاقيات، مثل اتفاقيات المناخ، وتحالفات، والالتزامات التجارية، والأنخراط في المؤسسات الدولية وغيرها، مع تقديم مصلحة الولايات المتحدة الأمريكية بوصفها دولةً وطنيةً قوميةً، وهو ما يجسده شعار “أمريكا أولًا”.

   إن الخطاب الشعبوي الذي تتبناه الترامبية، ويتبناه الرئيس دونالد ترامب، يهاجم بشكل رئيسي وواضح النخب الداخلية التي يصفها ترامب بأنها أدخلت الولايات المتحدة الأمريكية في صفقات خاسرة، أو فيما وصفه بـ”الصفقات التجارية السيئة”. فالشعبوية، في جوهرها، هي نوع من الخطاب السياسي القائم على التشهير الأخلاقي بالنخب، التي يُنظر إليها على أنها أنانية وغير ديمقراطية، وأن معظم الأزمات الدائرة في البلاد ناتجة عن قرارات خاطئة للنخب القديمة والسائدة، وهي بذلك تسعى إلى تحدي النظام السائد. واستنادًا إلى ذلك، فإن الترامبية تنبذ كثيرًا من السياسات التي عملت عليها الولايات المتحدة لعقود، إذ تفترض أن هذه السياسات كانت خاطئة في تعاملها مع العالم الخارجي، وأدخلت الولايات المتحدة الأمريكية في أزمات عديدة.[10]

   كما أن هذه الأيديولوجيا، بوصفها أيديولوجيا قومية شعبوية، تعادي الهجرة وتناهضها بشكل صريح وواضح، إذ تدعو إلى فرض قيود صارمة على عملية الهجرة، كما يسعى معتنقوها إلى طرد المهاجرين غير الشرعيين، فهي، أي الأيديولوجية، تتخذ موقفًا صارمًا بشكل خاص ضد الهجرة غير الشرعية وتدفق المهاجرين وخاصة القادمين من دول أمريكا اللاتينية. بالإضافة إلى أنها تفترض أن جميع القادمين إلى المجتمع الأمريكي من ثقافات مختلفة ينبغي لهم أن يقبلوا القيم التقليدية للحضارة المضيفة، أي قيم الولايات المتحدة الأمريكية.[11]

   وانطلاقًا من إعلاء شأن الدولة الوطنية، ومن الشعبوية القومية، فإن الترامبية تتبنى نزعة واضحة إلى المركزية الأمريكية في إدارة الشؤون الدولية، وتعمل على تقديم المصلحة الوطنية والقومية للولايات المتحدة على ما عداها من مصالح أو اعتبارات أخرى. فهي، كما ذكرنا، لا تنظر إلى تفاعلاتها مع الدول من منظور قيمي أو أخلاقي، بقدر ما تنظر إليها من منظور براغماتي أو نفعي مجرد يقوم على تقدير مدى ما تحققه هذه التفاعلات من منفعة مباشرة للولايات المتحدة الأمريكية.

   ومن ثم، فإن موقع الولايات المتحدة في العالم، وفق المنظور الترامبي أو الترامبية، لا يُفهم بوصفه التزامًا بقيادة نظام دولي قائم على التعاون أو الشراكة المتبادلة، بل بوصفه أداةً لتعظيم القوة الأمريكية، وترسيخ مركزية دورها، وضمان تفوقها الاستراتيجي. كما تتجلى المركزية والتوسعية الأمريكية في تصريحات دونالد ترامب حول ضم كندا كولاية رقم 51، وشراء غرينلاند، والسيطرة على قناة بنما، أو في مهاجمة فنزويلا واعتقال رئيسها. وجميع هذه الأمثلة تشير بوضوح إلى أن الترامبية تميل إلى الواقعية الهجومية وفهم القوة وإدارة العلاقات الدولية.[12]

   وبناءً على ما سبق، نجد أن الترامبية تقوم، بشكل رئيسي، على عدة مبادئ تختلف في طياتها عن المبادئ السائدة والحاكمة في الولايات المتحدة الأمريكية في العهود السابقة لترامب، فهي تعادي الليبرالية والعولمة، وتعظم من شأن الدولة القومية أو الوطنية، وتتفاعل بمنطق براغماتي مصلحي، فهي بحق تجسيد حقيقي لمنطق رجل الأعمال الرأسمالي. ومن ثم، فإن هذه الأيديولوجية غيرت نمط السياسة الخارجية الأمريكية، ونقلتها من مهيمن حميد يسعى إلى فرض قوته وبسط نفوذه في ظل حالة تعاونية مع حلفائه، إلى مهيمن شرس أو مفترس يتعامل مع كافة الفاعلين الدوليين بمنطق المعادلة الصفرية والمنفعة المعظمة لنفسه.

ثانيًا: تحولات نمط السياسة الخارجية الأمريكية من الهيمنة الحميدة إلى منطق الهيمنة المفترسة

   على مدار ثمانية عقود، تغير موقع الولايات المتحدة الأمريكية في النظام العالمي من مهيمن خير في ظل الثنائية القطبية التي سادت بعد الحرب العالمية الثانية، حيث هدفت إلى التعاون مع شركائها في أوروبا وآسيا ودعمهم من أجل احتواء الاتحاد السوفييتي، إلى مهيمن متهور في ظل الأحادية القطبية عقب انهيار الاتحاد السوفييتي، حيث باتت أشد عدائيةً مع خصومها، ولكنها ظلت ودودة وخيرة مع حلفائها، ومن ثم إلى مهيمن مفترس في ظل التعددية القطبية، في عهد دونالد ترامب، وخاصة في ولايته الثانية، أي في ظل تجلي الأيديولوجية الترامبية وطغيانها على السياسة الحاكمة، حيث أصبحت الولايات المتحدة الأمريكية في عهده تتعامل مع أعدائها وخصومها بمنطق المصلحة والمنفعة والصفقات الرابحة، لا بمنطق القيم الذي كان سائدًا في عهود الهيمنة الأمريكية السابقة.[13]

   والقوة المهيمنة المفترسة هي قوة عظمى مهيمنة تسعى إلى تنظيم وتحديد تعاملاتها مع الآخرين وفقًا لمبدأ اللعبة الصفرية، بحيث تتوزع المنافع دائمًا لصالحها، وليس هدفها الأساسي بناء علاقات مستقرة مع جيرانها وحلفائها تكون ذات منفعة متبادلة لجميع الأطراف، بل تسعى إلى تحقيق أكبر قدر من المكاسب لنفسها على حساب القوى الأخرى. فهي تفضل الترتيب والوضع الذي يحسن من مكانتها، حتى وإن كان ذلك مضرًا بمصالح شركائها، وهي دائمًا ما تسعى إلى الحصول على نصيب الأسد في كل التفاعلات والصفقات.[14]

   ولا شك أن جميع القوى العظمى والمهيمنة تسعى إلى تحقيق أكبر قدر من الاستفادة لنفسها، ولكن ما يميز المهيمن المفترس أنه يتعامل مع حلفائه بمنطق مقارب لتعامله مع منافسيه وخصومه. فالقوة المهيمنة الحميدة لا تفرض أعباءً زائدةً وغير عادلة على حلفائها إلا عند الضرورة، لأنها تدرك أن أمنها وازدهارها مرتبطان بأمن حلفائها. وعلى النقيض، فإن المهيمن المفترس يسعى إلى استغلال شركائه بقدر ما يستغل خصومه، وقد يلجأ إلى بعض الآليات التي يستعملها بشكل مباشر مع منافسيه، مثل العقوبات المالية، والسياسات التجارية المضرة، والتلاعب بالعملة، وغيرها من الأدوات الاقتصادية الأخرى التي تستعمل للضغط على الدول لقبول شروط تجارية محددة أو لتغيير سلوك اقتصادي أو سياسي معين.[15] وفي ظل الولاية الثانية لترامب، وهيمنة الأيديولوجية الترامبية، تكتسب الولايات المتحدة الأمريكية صفة المهيمن المفترس، ويمكن إبراز أهم مظاهر هذه الهيمنة في عدة نقاط:

أ-أوروبا ومنطق الهيمنة الأمريكية المفترسة في ظل ولاية ترامب

   تُعد العلاقات الأوروبية الأمريكية الحالية تعبيرًا صريحًا عن الهيمنة الأمريكية المفترسة التي تنتهجها الولايات المتحدة في الوقت الراهن، إذ تتعامل الولايات المتحدة الأمريكية مع الدول الأوروبية حاليًا لا بوصفهم حلفاء  تاريخيين تجمعهم بها علاقات تجارية وعسكرية عميقة، كما كان في السابق، بل تتعامل معهم بمنطق الحماية والشراكة مقابل الدفع. فعلى مدار عقود طويلة، مثلت دول أوروبا امتدادًا استراتيجيًا للولايات المتحدة الأمريكية، لما لها من أهمية بالغة في صد الاتحاد السوفييتي واحتوائه، ولما لها كذلك من مكانة قيمية كبيرة، نظرًا إلى أنها دول تتبنى الديمقراطية الليبرالية في نظمها الحاكمة. وقد عمدت الولايات المتحدة الأمريكية، بعد الحرب العالمية الثانية، إلى تنفيذ مبدأ ويلسون، الذي وُضع بعد الحرب العالمية الأولى، ولكنه لم يحظى بالأولوية الكافية إلا بعد الحرب العالمية الثانية، والذي أكد المهمة الكونية للولايات المتحدة الأمريكية، الهادفة إلى نشر معايير الديمقراطية والليبرالية بين البشرية جمعاء، والحفاظ على هياكلها في نطاق عالمي.[16]

   ولقد عزمت الولايات المتحدة الأمريكية على دعم دول أوروبا، ولا سيما الغربية منها، عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية، التي أوقعت العديد من هذه الدول في هوة الأزمات الاقتصادية والمالية. فقامت بإطلاق مشروع مارشال، أو ما عُرف بـبرنامج الإنعاش الأوروبي، عام 1948، والذي هدف إلى دعم هذه الدول ماليًا واقتصاديًا. ومن ثم، قامت الولايات المتحدة الأمريكية، بالتعاون مع الدول الأوروبية، بإنشاء حلف شمال الأطلسي “الناتو” ليكون ظهيرًا عسكريًا للولايات المتحدة الأمريكية وقوةً رادعةً لأي محاولة سوفييتية للسيطرة على دول أوروبا الغربية، والذي ما لبث أن توسع بعد انهيار الاتحاد السوفييتي. ومما سبق، نستدل على أن العلاقات الأوروبية الأمريكية لطالما كانت تاريخية وعميقة، وتنطوي على ترابطات هائلة بين دول أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية، فالولايات المتحدة لم تكن تتعامل معها بمنطق منفعي مجرد، وإنما بمنطق تعاوني متبادل. وهو ما تبدل وتغير في الوقت الراهن.[17]

   إذ ينظر ترامب، المجسد للأيديولوجية الترامبية، إلى حلف الناتو، وتعاوناته مع الدول الأوروبية والاتحاد الأوروبي، ودعمه لأوكرانيا، بوصفها أعباءً اقتصادية كبيرة تتحمل الولايات المتحدة الأمريكية النصيب الأكبر من تكلفتها، فهو لم يعد يتعامل بمنطق القيم بقدر ما بات يتعامل بمنطق المنفعة مع شركائه. فعلى سبيل المثال، أعلن دونالد ترامب، في 2 أبريل 2025، فرض تعريفة جمركية أساسية إضافية بنسبة 10% على معظم الواردات إلى الولايات المتحدة، مع فرض معدلات أعلى مخصصة على 57 جهة تجارية مدرجة في الملحق الأول للأمر التنفيذي، وكان الاتحاد الأوروبي من بينها بنسبة 20%. وقد بررت الإدارة الأمريكية هذه القرارات بمواجهة ما وصفه ترامب بالاختلالات التجارية غير العادلة وبمبدأ المعاملة بالمثل، معتبرًا أن هذه التعريفات ستسهم في إنعاش الصناعة والتجارة الأمريكيتين.[18] غير أن ترامب عاد في 9 أبريل 2025 فعلق هذه المعدلات الخاصة لمدة 90 يومًا، باستثناء الصين، وأبقى خلال تلك الفترة على نسبة 10%.[19]

    وفي المقابل، رد الاتحاد الأوروبي في 9 ابريل 2025 بإقرار رسوم جمركية مضادة تراوحت، في معظمها، بين 10% و25% على سلع أمريكية، وذلك أساسًا ردًا على الرسوم الأمريكية على الصلب والألومنيوم، وكانت تغطي واردات أمريكية قُدرت بنحو 21 مليار يورو قبل أن تُعلق لاحقًا لإتاحة المجال للمفاوضات.[20] ومن ثم، بدأت الحرب التجارية بين الاتحاد الأوروبي، ودوله المشكله له، وبين الولايات المتحدة الأمريكية، والتي مازالت مستمرة حتى الوقت الراهن من التصعيد والخفض، فلقد أفضت المفاوضات الجارية بينهما إلى اتفاق في يوليو 2025 خفف من حدة الحرب التجارية، ثم عادت إلى حالة من الاضطراب في مطلع 2026 بفعل الرسوم الأمريكية الجديدة، بحيث ظل الاتفاق قائمًا من الناحية الشكلية، لكنه متعثر من الناحية العملية والتطبيقية.[21]

   يكشف لنا هذا الأمر كيف تحول النهج الأمريكي في معاملة شركائه، فعلى الرغم من أن أوروبا تُعد شريكًا استراتيجيًا وتجاريًا مهمًا، فإن ذلك لم يمنع ترامب من إدخالها في دائرة المواجهة الاقتصادية ومطالبتها بتحمل مزيد من التكاليف، حتى يتحقق قدر من التوازن في علاقاتها التجارية والاقتصادية مع الولايات المتحدة الأمريكية. ولم يقتصر الأمر على المسائل الاقتصادية فقط، بل أعلن ترامب، منذ توليه السلطة في الولايات المتحدة الأمريكية، عن رغبته في فرض سيطرة أمريكية على غرينلاند، بل وامتلاكها أو الاستحواذ عليها بشكل كامل، مبررًا ذلك بأهميتها للأمن القومي الأمريكي في القطب الشمالي، وبموقعها الاستراتيجي، وبما تملكه من ثروات معدنية.[22] وهو ما عارضته الدنمارك، بحكم أنه إقليم تابع للدينمارك ويتمتع بحكم ذاتي، ودول أوروبا أيضًا. وفي يناير 2026 هدد ترامب بفرض رسوم إضافية على ثماني دول أوروبية للضغط في ملف غرينلاند، قبل أن يتراجع لاحقًا.[23] وعلى الرغم من أن الدنمارك هي جزء من حلف الناتو، فإن ذلك لم يمنع ترامب من مطالبته بغرينلاند وتلميحه في أوائل 2025 بأنه لا يستبعد استخدام القوة العسكرية أو الاقتصادية للسيطرة على غرينلاند، لأنه يتعامل معها بوصفها دولةً يجب أن يسيطر عليها لمتطلبات الأمن القومي الأمريكي، أي أنه يُعلي من الدولة القومية الوطنية بوصفها فاعلًا مستقلًا لا متداخلًا مع الأطراف الأخرى في الحلف.[24]

   ومن الواضح هنا أن ترامب لا يتعامل مع أوروبا بوصفها حليفًا استراتيجيًا ثابتًا، بل بوصفها طرفًا يجب أن يدفع أو يقدم مقابلًا مباشرًا. كما يكشف ذلك عن تحول منطق التحالف التقليدي مع أوروبا إلى منطق الضغط والإكراه والمقايضة، حتى في شأن يتعلق بأراضي حليف أطلسي. ومؤخرًا، مع اندلاع الحرب الإيرانية الأمريكية – الإسرائيلية في 28 فبراير 2026، طلب دونالد ترامب من حلف الناتو، في عدة مناسبات، تأمين مضيق هرمز والمساعدة في حربه على إيران، إلا أن دول حلف شمال الأطلسي رفضت الانخراط في الحرب، واكتفت بإرسال قوات بحرية لتأمين مصالحها في الشرق الأوسط، فعلى سبيل المثال أرسلت فرنسا حاملة الطائرات شارل ديغول إلى شرق البحر المتوسط، والتي وصلت في 6 مارس 2026.[25] وقد ترتب على ذلك مهاجمة ترامب لحلف الناتو ونعته بالعجز، بل ووصف بعض حلفائه بـ”الجبناء”، ولوح بإعادة النظر في قيمة الناتو نفسه. وفي العموم، يلوّح ترامب دائمًا بتقليص الإنفاق الأمريكي وتقليل التزامات الولايات المتحدة الأمريكية داخل الحلف، مؤكدًا ضرورة ربط الحماية الأمريكية بالدفع.[26]

   أما في ملف الحرب الروسية الأوكرانية، فلم تتعامل إدارة ترامب مع أوكرانيا بوصفها التزامًا استراتيجيًا أو دفاعًا عن النظام الغربي أو عن دول حلف الناتو، بل سعت إلى استغلال حالة الحرب الجارية في أوكرانيا والتعامل معها بمنطق العائد المقابل. وقد ظهر ذلك واضحًا في دفع ترامب نحو اتفاقية المعادن مع أوكرانيا، التي وُقعت في 30 أبريل 2025، ومنحت واشنطن أفضلية في الوصول إلى صفقات المعادن الجديدة، كما ربطها ترامب صراحة بفكرة استرداد ما أُنفق على المساعدة الأمريكية.[27] وفي مارس 2025، جمد ترامب المساعدات العسكرية لأوكرانيا بسبب وجود بعض الخلافات بين الطرفين، ثم علقت واشنطن تبادل بعض المعلومات الاستخباراتية مع كييف للضغط عليها باتجاه التفاوض مع روسيا، قبل أن تُعيد الدعم لاحقًا في ذات الشهر.[28] وحتى الأن لم تفلح أي مفاوضات بين الطرفين الروسي والأوكراني، وما زالت الحرب قائمة حتى اللحظة الراهنة، وما زالت إدارة ترامب تضغط على كييف لتقديم تنازلات كبيرة من أجل إنهائها، في الوقت الذي تواصل فيه التفاوض مع روسيا لإيجاد حل مناسب لهذه الحرب.

   تلك بعض الشواهد التي تعبر عن تحول واضح في منطق التعامل الأمريكي مع حلفائها، ولا سيما أقربهم إليها. فالمهيمن المفترس لا يتعامل إلا بمنطق اللعبة الصفرية، كما أن الأيديولوجية الترامبية لا تنظر إلى المنفعة التي قد تحصل عليها الولايات المتحدة الأمريكية نظير حمايتها لدول أوروبا، إذ إنها لا تهتم إلا بمكتسبات الدولة، ولا تنظر إلى حماية من لا يدفعون بصورة جيدة.

ب-أمريكا اللاتينية وإعادة تفعيل مبدأ “مونرو” في عهد ترامب

   مع بداية ولاية ترامب الثانية، ازداد التدخل الأمريكي في شؤون أمريكا اللاتينية، وبدا أن ترامب يحاول، مرةً أخرى، إعادة تفعيل وإنتاج مبدأ “مونرو”، وهو ما حدث بالفعل. إذ جاء في وثيقة استراتيجية الأمن القومي الأمريكي، التي أُصدرت رسميًا في نوفمبر 2025، أن الولايات المتحدة الأمريكية ستتبنى الصيغة الترامبية المعدلة لمبدأ مونرو، أو ما سُمي بـ”الملحق الترامبي لمبدأ مونرو” (The Trump Corollary to the Monroe Doctrine)، وهي صيغة مستحدثة للمبدأ القديم.[29] ويشير مبدأ “مونرو” إلى المبدأ الذي وضعه الرئيس الخامس للولايات المتحدة الأمريكية، جيمس مونرو، عام 1823، والذي نص على عدة مبادئ، هي: فصل مجالي النفوذ بين أوروبا والأمريكيتين، وعدم القيام بحملات استعمارية جديدة في الأمريكيتين، وعدم التدخل الأوروبي في شؤون الجمهوريات الجديدة في أمريكا اللاتينية. وفي المقابل، تعهدت الولايات المتحدة بألا تتدخل في الشؤون السياسية الأوروبية، أو في المستعمرات الأوروبية القائمة آنذاك في الأمريكيتين.[30]

   وعلى الرغم من أن مبدأ “مونرو” جاء كصيغة دفاعية عن العالم الجديد، فإنه تحول فيما بعد إلى أداة لبسط الهيمنة الأمريكية على القارتين الجديدتين، ولا سيما أمريكا اللاتينية. فبحلول عام 1904، عُدل المبدأ عمليًا، وأُعيد تفسيره من خلال ملحق جديد عُرف بـ”ملحق روزفلت”، الذي وسع معناه وغير دلالته العملية. وهو الملحق الذي أعلن من خلاله الرئيس الأمريكي ثيودور روزفلت حق الولايات المتحدة الأمريكية في التدخل في شؤون أمريكا اللاتينية بحجة منع الفوضى وحماية الاستقرار، وهو ما عزز الهيمنة الأمريكية على مناطق ودول أمريكا اللاتينية. ومن هنا، أصبح مبدأ “مونرو” أداة لتبرير التدخل الأمريكي في دول أمريكا الجنوبية، بوصفها شرطيًا إقليميًا لهذه الدول.[31]

   ولكن هذا المبدأ لم يكن مُفعلًا على الدوام بالمنطق نفسه، بل شهدت معانيه ووظائفه ودرجة تفعيله تغيرًا من مرحلة إلى أخرى. فعلى سبيل المثال، في فترة ما بين الحربين، خففت الولايات المتحدة الأمريكية من منطق التدخل العسكري في أمريكا اللاتينية مع سياسة “الجار الصالح”، وأكدت مبادئ التعاون والتجارة بدلًا من استخدام القوة للحفاظ على الاستقرار.[32] غير أن المبدأ عاد للظهور في فترة الحرب الباردة بصيغة مختلفة، إذ ارتبط معناه بمنع ظهور أي قوى شيوعية في أمريكا اللاتينية أو في نصف الكرة الغربي. وفي مرحلة لاحقة، أعلن وزير الخارجية الأمريكي جون كيري في عام 2013 أن “عصر مبدأ مونرو قد انتهى”، في محاولة منه لإبراز أن العلاقة مع أمريكا اللاتينية ينبغي أن تقوم على الشراكة المتساوية لا على الوصاية، ان هذا الإعلان كان سياسيًا أكثر من كونه إلغاءً نهائيًا لتاريخ المبدأ.[33]

   ومع تولي ترامب ولايته الأولى، بدأ في إعادة إحياء هذا المبدأ خطابيًا. ففي خطابه الذي ألقاه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في 25 سبتمبر 2018، قال: “هنا، في نصف الكرة الغربي، نحن ملتزمون بالحفاظ على استقلاليتنا من تعدي القوى الأجنبية التوسعية. وكانت السياسة الرسمية لبلدنا، منذ عهد الرئيس مونرو، هي رفض تدخل الدول الأجنبية في هذا النصف من الكرة الأرضية وفي شؤوننا الخاصة. وقد عززت الولايات المتحدة مؤخرًا قوانيننا لمراجعة الاستثمارات الأجنبية في بلدنا على نحوٍ أفضل لمواجهة التهديدات الأمنية الوطنية، ونحن نرحب بالتعاون مع الدول في هذه المنطقة وحول العالم التي ترغب في القيام بالشيء نفسه“.[34] فقد ربط الرئيس الأمريكي ترامب في خطابه هذا المبدأ بإعادة مراجعة الاستثمارات الأجنبية، كما ربطه لاحقًا بالاعتبارات الأمنية فيما يتعلق بظاهرة الهجرة من دول الجنوب.

   وفي ولايته الثانية، أي في ولايته الحالية، أعاد ترامب إنتاج مبدأ “مونرو” في صيغة جديدة، عبر نقله من مجرد مبدأ تاريخي يرفض التدخل الأوروبي في الأمريكتين إلى إطار استراتيجي معاصر يهدف إلى استعادة الأسبقية الأمريكية في نصف الكرة الغربي، ومنع القوى الخارجية من امتلاك الأصول الاستراتيجية فيه أو التمركز العسكري داخله، وهو ما صاغته إدارته رسميًا تحت مسمى “الملحق الترامبي لمبدأ مونرو” في وثيقة استراتيجية الأمن القومي الأمريكي الصادرة في نوفمبر 2025. فقد ورد في مستهل الجزء الخاص ب”نصف الكرة الغربي” في الوثيقة ما يلي: “بعد سنوات من الإهمال، ستعيد الولايات المتحدة الأمريكية تأكيد مبدأ مونرو وإنفاذه من أجل استعادة الصدارة الأمريكية في نصف الكرة الغربي، وحماية وطننا وإمكانية وصولنا إلى الجغرافيات الأساسية في أنحاء المنطقة. وسنحرم المنافسين القادمين من خارج نصف الكرة من القدرة على تموضع قواتهم أو قدراتهم المهددة، أو على امتلاك الأصول ذات الأهمية الاستراتيجية أو السيطرة عليها داخل نصف كرتنا”.[35]

   ويتمثل أهم مبدأين في هذه الاستراتيجية الجديدة في “التجنيد” و”التوسع”. ويعبر “التجنيد” عن أن الولايات المتحدة الأمريكية ينبغي أن تركز على استقطاب القوى والدول في نصف الكرة الغربي، وإعادة تموضعها العسكري فيه. أما “التوسع”، فيعبر عن توسيع النفوذ الأمريكي وشبكات علاقاته في نصف الكرة الغربي عبر عدة وسائل مختلفة، مثل توسيع نطاق الاستثمارات، وزيادة فرص التعاون والشراكات، وغيرها من الوسائل الأخرى. وبوضع هذا الملحق، بدأ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في بسط نفوذه وسيطرته بشكل يعبر عن “هيمنته المفترسة” على دول ومناطق أمريكا اللاتينية.[36]

   ولكن في الحقيقة مظاهر الهيمنة الأمريكية على أمريكا اللاتينية بدأت منذ تولي الرئيس دونالد ترامب ولايته الثانية، وقد جاء هذا الملحق ليتمم على هذه الهيمنة. فمنذ تولي ترامب السلطة، بدأ في حشد الأسطول الأمريكي في البحر الكاريبي مبررًا ذلك بحماية الولايات المتحدة الأمريكية من تجار المواد المخدرة. وفي 2 سبتمبر 2025 أعلنت الولايات المتحدة قتل 11 شخصًا في ضربة على زورق قالت إنه انطلق من فنزويلا، في سابقة وصفتها بعض المصادر بأن هذه العملية هي الأول من نوعها. وبعدها بأيام وأسابيع تكررت الضربات، ومعها جرى تعزيز الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة.[37] وهذا الأمر عزز النفوذ الأمريكي في أمريكا الجنوبية. ومن الملاحظ عمومًا أن الولايات المتحدة أتخذت من ملف الهجرة ومهربي وتجار المواد المخدرة الذريعة لتبرير تدخلها في معظم دول أمريكا الجنوبية، وكان على رأسها فنزويلا.

   تُعد فنزويلا تجسيدًا لذروة التدخل الأمريكي في أمريكا اللاتينية، وتعبيرًا صريحًا عن الهيمنة الأمريكية المفترسة في ولاية ترامب الحالية. فمنذ توليه السلطة، بدأ في فرض العديد من العقوبات على فنزويلا وبعض مسؤوليها، وظل الأمر في تصاعد حتى قيام الولايات المتحدة الأمريكية بعملية عسكرية في 3 يناير 2026. وقد نُفذت العملية داخل كاراكاس، عاصمة فنزويلا، وانتهت بالقبض على نيكولاس مادورو، رئيس فينزويلا، ونقله إلى الولايات المتحدة لملاحقته قضائيًا على خلفية اتهامات وُجهت إليه تتعلق بملف المخدرات.[38] وقد برر دونالد ترامب وإدارته هذا التدخل في فنزويلا بمكافحة المخدرات وما يُعرف بـ”الناركوتيرورزم”، كما بررته أيضًا بحماية الأمن القومي الأمريكي، إذ زعمت الإدارة أن مادورو ينسق مع الصين وروسيا وإيران، ومع جماعات مثل حزب الله، وأنه يضخ مخدرات وأسلحة وعناصر إجرامية تهدد الولايات المتحدة وجوارها.[39]

   وبالطبع، لم تسلم بقية دول أمريكا اللاتينية من التدخل الأمريكي، ففي ملف بنما، ظهر التدخل الأمريكي في صورة تهديدات مباشرة بالاستعادة والسيطرة على قناة بنما، وصلت إلى حد تكليف البنتاغون، في مارس 2025، بإعداد خيارات عسكرية لضمان الوصول الكامل إلى القناة.[40] غير أن الولايات المتحدة الأمريكية اتجهت، فيما بعد، إلى خفض التصعيد، وفضّلت تعميق التعاون الأمني مع بنما. ففي فبراير 2025، أعلن البنتاغون الاتفاق مع الرئيس البنمي على توسيع التعاون بين الجيش الأمريكي وقوات الأمن البنمية لحماية القناة.[41] ثم، خلال زيارة وزير الدفاع الأمريكي في أبريل 2025، أُعلن توسيع التدريب العسكري المشترك، وأكدت واشنطن أنها ستعمل مع بنما على منع الصين من توطيد وجودها في القناة عبر النفوذ التجاري والاستخباري. ورغم هذا التعاون، شددت بنما على أنها لن تسمح بوجود قواعد أمريكية دائمة على أراضيها.[42]

   وأما بالنسبة إلى كوبا، فقد شهدت العلاقات الأمريكية الكوبية توترًا كبيرًا، حيث صعد ترامب من خطابه تجاه كوبا، وبدأ في فرض عقوبات اقتصادية على كوبا، ففي يونيو 2025 وقع ترامب مذكرة رئاسية شددت السياسة الأمريكية تجاه كوبا، فنصت على حظر المعاملات المالية المباشرة وغير المباشرة مع الكيانات التي يسيطر عليها الجيش الكوبي، وعلى تشديد الحظر السياحي الأمريكي ودعم استمرار الحصار الاقتصادي على كوبا، كما أنه أصدر أمرًا أعلن فيه أن سياسات حكومة كوبا تمثل “تهديدًا غير عادي واستثنائيًا” للأمن القومي والسياسة الخارجية الأمريكية، وأعلن حالة طوارئ وطنية مرتبطة بكوبا.[43] بالإضافة إلى ذلك، قال ترامب في خطاب له أُلقي في 16 مارس 2026 إنه يتوقع “أخذ كوبا بشكل ما”،[44] لكن رئيس القيادة الجنوبية الأمريكية قال أمام الكونغرس في 19 مارس 2026 إن الجيش الأمريكي لا يستعد لغزو أو احتلال كوبا.[45] ومع ذلك، أوضح أن القوات الأمريكية جاهزة للدفاع عن السفارة الأمريكية وعن قاعدة غوانتانامو، وللتعامل مع سيناريوهات الهجرة الجماعية من الجزيرة إذا لزم الأمر.[46] أي أن ترامب استعمل ملف الهجرة في تصعيد الخطاب أمام كوبا.

تُعبر هذه الشواهد، التي تظهر أيضًا في عدد من دول أمريكا الجنوبية والشمالية الأخرى، عن تعبير صريح عن نمطٍ مغاير من الهيمنة، يختلف عن نمط المهيمن السابق. فقد تجلت الهيمنة الأمريكية المفترسة في أمريكا اللاتينية، إذ لم تعد الولايات المتحدة الأمريكية تفضل التعاون والشراكة بقدر ما تسعى إلى بسط السيطرة والهيمنة العسكرية والاقتصادية بصورة واضحة على دول النصف الغربي. كما أنها تعزز وجودها بشكل كبير إذا ما حاولت إحدى الدول الخروج عن طاعتها أو عصيان إرادتها.

ج-الشرق الأوسط وإعادة تموضع الهيمنة الأمريكية في عهد ترامب

   شهدت منطقة الشرق الأوسط، منذ تولي دونالد ترامب السلطة، العديد من الأحداث التي عبرت عن مستوى جديد من الهيمنة الأمريكية، تجلى في عدة ملفات. ويأتي في مقدمتها ملف حرب غزة، التي عملت الإدارة الأمريكية على معالجتها من خلال وسائل متعددة، حتى وإن جاءت على حساب شركائها الإقليميين في المنطقة. إذ حاولت، في البداية، إنهاء هذه الحرب ووقفها عبر تهجير الفلسطينيين من غزة، وهو ما يعني، عمليًا، تصفية القضية الفلسطينية، وإنشاء ما عُرف إعلاميًا بـ”ريفييرا الشرق الأوسط”، أي إعادة هيكلة قطاع غزة بعد تفريغه من سكانه، أو نقل جزء كبير منهم، وتحويله إلى ما يشبه المنتجع السياحي. وقد اقترحت الإدارة الأمريكية، في يناير ثم مرة أخرى في فبراير 2025، أن تستقبل مصر والأردن الفلسطينيين من غزة، ومارست ضغوطًا عليهما، إلا أن مصر والأردن رفضتا هذا المقترح وعارضتاه بشكل واضح وحاسم.[47]

   ومن ثم، حاول الرئيس الأمريكي اللجوء إلى طرق أخرى أكثر إرضاءً للأطراف المتحاربة والدول الاقليمية الوسيطة، حتى وصلت الجهود في النهاية إلى خطة ترامب للسلام، التي وُضعت في سبتمبر 2025 من أجل إنهاء الحرب، والتي تتضمن 20 نقطة وتتكون من ثلاث مراحل، ودخلت حيز التنفيذ في أكتوبر 2025.[48] غير أن الخطة لم يُنفذ منها سوى مرحلتها الأولى، التي تتضمن وقف إطلاق النار بين الطرفين، وانسحاب إسرائيل إلى خطوط محددة سُميت بالخطوط الصفراء، بينما ظل الانتقال إلى المرحلة الثانية متعثرًا حتى الوقت الراهن. وعلى الرغم من أن خطة وقف الحرب وإطلاق النار ما تزال سارية، فإن إسرائيل لا تزال تخترقها بشكل متكرر من دون توبيخ أو رد فعل أمريكي حازم، في الوقت الذي تواصل فيه الولايات المتحدة توجيه التهديد والوعيد إلى حماس إذا لم تلتزم بشروط الاتفاق وبنوده.[49]

   أما بالنسبة إلى الملف الثاني الذي يمكن أن يظهر فيه تجلٍ للمهيمن المفترس، ولمنطق الأيديولوجية الترامبية، فهو ملف الحوثيين، الذي تعاملت معه إدارة ترامب بحزم فور توليها السلطة. ففي 15 مارس 2025، شنت إدارة ترامب ضربات واسعة النطاق على الحوثيين، ووصفتها بعض المصادر بأنها أكبر عملية عسكرية أمريكية في الشرق الأوسط منذ عودته إلى السلطة، واستمرت هذه الضربات حتى توقفت في 6 مايو 2025، إثر اتفاق تم بين الحوثيين والولايات المتحدة الأمريكية بوساطة عُمانية.[50] ومن الملاحظ هنا أن هذا الاتفاق قام على تفاهمات تتعلق بوقف الهجمات الحوثية على السفن الأمريكية، ولم يشمل وقف الهجمات الحوثية على إسرائيل.[51] وقد عبر هذا الاتفاق عن طابع أمريكي نفعي، إذ كان موجهًا أساسًا لخدمة أمريكا ومصالحها في منطقة البحر الأحمر، وبالتالي لم تكن الهجمات الأمريكية على الحوثيين من أجل حلفاء الولايات المتحدة الأمريكية، بقدر ما كانت من أجل “أمريكا أولًا”. فعلى الرغم من أن العمليات جاءت في سياق تأمين ملاحة السفن في البحر الأحمر وباب المندب، والرد على الهجمات الحوثية على إسرائيل، فإن الاتفاق كشف لاحقًا أن الأولوية كانت لحماية السفن الأمريكية والوجود الأمريكي، لا القضاء النهائي على الحوثيين أو إنهاء جميع تهديداتهم في المنطقة بصورة نهائية.

   أما بالنسبة إلى الملف الثالث، وهو الأهم في الوقت الراهن، فهو الملف الإيراني، فقد أظهر هذا الملف مدى الهيمنة الأمريكية السافرة والمفترسة، والتحول في منطق عملها من إدارة بايدن ومن قبلها إلى إدارة ترامب ومنطق الأيديولوجية الجديدة، إذ لم تتخذ إدارة ترامب في تعاملها مع إيران نهج التهدئة أو الاحتواء، بل أتخذت نهجًا شديد الصرامة معها. ففي 4 فبراير 2025، أعاد ترامب رسميًا سياسة “الضغط الأقصى” على إيران، ووقع مذكرة تهدف إلى خفض صادرات النفط الإيرانية إلى الصفر، أي إنه أعاد فرض العقوبات الاقتصادية على إيران.[52] وفي 7 مارس 2025، أعلن ترامب أنه أرسل رسالة إلى القيادة الإيرانية يقترح فيها التفاوض على اتفاق نووي، لكنه صاغ الأمر بصيغة محددة، أوضح فيها أن “هناك طريقتين للتعامل مع إيران: إما عسكريًا، أو عبر اتفاق”.[53]

   وبالفعل، بدأت جولات تفاوض غير مباشرة بوساطة عُمانية. فقد انعقدت الجولة الأولى في عُمان في 12 أبريل 2025، ثم عُقدت جولة ثانية في روما في 19 أبريل 2025، وانتقلت المحادثات بعدها إلى مستوى الخبراء لصياغة إطار اتفاق محتمل. ومن ثم، توالت الجولات بين الطرفين للتوصل إلى حل واتفاق نووي يُرضي كليهما.[54] غير أنه من الملاحظ أنه على الرغم من وجود المسار التفاوضي واستمراره فإن واشنطن لم تُوقف سياسة الضغط؛ ففي 10 أبريل 2025 فرضت عقوبات جديدة على شبكات نفط إيرانية، أي قبل أيام من انعقاد الجولة الأولى من المفاوضات.[55] كما شنت، في 22 يونيو، أثناء حرب الأيام الاثني عشر التي اندلعت بين إسرائيل وإيران في 13 يونيو 2025، ضربات جوية على بعض المنشآت النووية الإيرانية، في سابقة تُعد الأولى من نوعها. ثم ردت إيران آنذاك بقصف قاعدة العديد الجوية في قطر، من دون وقوع أي إصابات، واستمرت الحرب الدائرة بين إسرائيل وإيران، إلى أن أُعلن في 24 يونيو وقف العمليات العسكرية بين الطرفين الإسرائيلي والإيراني. وقد عطلت هذه الضربات مسار المفاوضات فترةً من الزمن، غير أنها عادت مرة أخرى في مطلع عام 2026، لكنها بدت شديدة الاستعصاء، وكأنها تسير نحو طريق مسدود.[56]

   وعلى إثر الضغط الإسرائيلي على واشنطن، وعدم وجود أي مؤشرات على التوصل إلى اتفاق نووي مرضي مع إيران، شنت الولايات المتحدة الأمريكية، بعد مرحلة من حشد الجيش الأمريكي في منطقة الخليج والمحيط الهندي، بالتعاون مع إسرائيل، في 28 فبراير 2026، عمليات عسكرية على إيران. وقد أعلنت الولايات المتحدة الأمريكية أن هدفها الرئيسي من هذه الحرب يتمثل في تدمير منصات إطلاق الصواريخ الإيرانية، وإضعاف القاعدة الصناعية الدفاعية، وضرب البحرية الإيرانية، ومنع إيران نهائيًا من امتلاك سلاح نووي.[57] وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة الأمريكية أعلنت هذه الأهداف، فإنها ظلت تتغير باستمرار بين السعي إلى تغيير النظام، والاكتفاء بتدمير قاعدته العسكرية والتصنيعية فقط. وفي المقابل، ردّت إيران على إسرائيل وعلى القواعد الأمريكية المتمركزة في الشرق الأوسط، وهو ما طال دول الخليج أيضًا. وقد دفعت هذه الحرب دول الخليج إلى القول، أمام مجلس حقوق الإنسان في الأمم المتحدة في 25 مارس 2026، إن الضربات الإيرانية باتت تشكل “تهديدًا وجوديًا” لها. كما أدت الحرب إلى اضطراب حاد في الملاحة والطاقة، في ظل الهجمات على سفن الشحن وتشديد إيران على قيود مرور في مضيق هرمز على السفن المرتبطة بالدول التي تعاديها.[58]

   ولقد عانت دول الخليج من تكلفة هذه الحرب بصورة كبيرة، فعلى الرغم من أن الولايات المتحدة وإسرائيل بدأتا هذه الحرب، فإن دول الخليج هي التي تتكبد التكلفة الأكبر. كما أن الولايات المتحدة الأمريكية، عندما هددت بضرب محطات الطاقة الإيرانية إذا لم يُفتح مضيق هرمز، حذرتها دول خليجية مباشرة من أن إيران سترد بضرب منشآتها الحيوية للطاقة وتحلية المياه، وهو ما يشكل خطرًا كبيرًا على دول الخليج.[59] وفي هذا السياق، يظهر منطق المهيمن المفترس بوضوح، إذ يسعى إلى تحقيق أهدافه حتى وإن تحمل تبعاتها شركاؤه وحلفاؤه الإقليميون.

   وبناءً على ما سبق، يظهر من خلال النقاط الثلاث التي عُرضت في هذا الجزء أن منطق المهيمن المفترس لا يهتم بأمر حلفائه بالقدر الذي يسعى من خلاله إلى تحقيق مكاسبه وترسيخ هيمنته في إطار اللعبة الصفرية. غير أن عيب هذا المنطق يكمن في أن الهيمنة المفترسة قد تؤدي، على المدى البعيد، إلى خسارة الولايات المتحدة الأمريكية لحلفائها، وهو ما قد يدفع هؤلاء الحلفاء إلى التحالف مع أعدائها، مثل الصين التي باتت تشكل تهديدًا حقيقيًا وندًا للولايات المتحدة الأمريكية، بما يعني ترسيخ هيمنة قوى أخرى ومواجهة الهيمنة الأمريكية.

ثالثًا: أدوات وآليات الهيمنة المفترسة المتبعة في ظل الترامبية

   استنادًا إلى ما سبق تحليله في الأجزاء الماضية، يمكن استشفاف أهم الأدوات والآليات التي اتبعتها إدارة ترامب في تعاملها مع العالم الخارجي لتحقيق أهدافها، والتي عبرت عن هيمنتها المفترسة ومنطق الأيديولوجية الترامبية، التي لا ترى في تعاملها مع العالم سوى مقدار المنفعة المتحققة، لا القيم التي ينبغي مراعاتها. وتتمثل أهم هذه الأدوات والآليات في أداتين وآليتين رئيسيتين، وهما:

أ- أدوات الضغط الاقتصادي وتسييس الاعتماد المتبادل

   تتمثل أولى أدوات الهيمنة المفترسة، التي أمكن استنتاجها من التحليل السابق، في توظيف الأدوات الاقتصادية المختلفة واستخدامها كوسائل للضغط والإخضاع لمختلف الفاعلين الدوليين، لا بوصفها آليات للتعاون المتبادل أو لتحقيق الاستقرار في العلاقات الدولية. ويظهر ذلك بوضوح في الرسوم الجمركية، والعقوبات الاقتصادية، والضغط على الشركاء لتحمل مزيد من الأعباء المالية، فضلًا عن ربط الحماية أو المساندة الأمريكية بمنطق الدفع والعائد المباشر. فترامب لا ينظر إلى التجارة أو التحالفات أو الشراكات الدولية على أنها علاقات استراتيجية طويلة المدى تقوم على الثقة والتنسيق وتقاسم الأعباء، بل يتعامل معها بوصفها صفقات ينبغي أن تُفضي، على المدى القصير أكثر من الطويل، إلى مكسب مادي واضح ومباشر للولايات المتحدة الأمريكية.

   وقد تجلى هذا المنطق بوضوح في طريقة تعامل الولايات المتحدة الأمريكية مع أقرب حلفائها وهي أوروبا، إذ لم تعد الدول الأوروبية تُعامل، في ظل الترامبية، بمنطق الحلفاء التاريخيين الذي تجمعهم بواشنطن روابط استراتيجية وقيمية ممتدة، بل بات يُنظر إليهم من زاوية ما يمكن أن يقدموه من عائد اقتصادي أو أعباء يمكن تحميلها لهم. واستنادًا إلى ما سبق، يمكن القول أن الأدوات الاقتصادية لم تعد تُستخدم لتنظيم العلاقات الدولية أو لتحقيق قدر من التوازن في التفاعلات بين الحلفاء، وإنما تحولت إلى وسائل للابتزاز السياسي وإعادة توزيع المكاسب على نحو يضمن ترجيح الكفة الأمريكية. ناهيك عن أن الولايات المتحدة الأمريكية باتت تستعملها بكثرة مع أعدائها، للضغط عليهم من أجل تغيير سلوكهم السياسي أو الاقتصادي.

   وبذلك، نجد أن الولايات المتحدة الأمريكية غيرت منطق تعاملها إلى منطق براغماتي مصلحي، تسعى من خلاله إلى إعادة صياغة مفهوم الحليف ومجال النفوذ المتموضعة فيه على أساس المنفعة الصرفة والسيطرة الجيوسياسية.

ب-التهديد باستعمال القوة والتدخل العسكري المباشر

   تتمثل ثاني أهم الآليات التي تتبعها الولايات المتحدة الأمريكية، في ظل هيمنتها المفترسة، في التهديد باستعمال القوة أو التدخل العسكري المباشر أو الخاطف. فقد بات من الواضح أن الولايات المتحدة الأمريكية أخذت، مع تولي دونالد ترامب السلطة، تميل إلى استخدام قوتها العسكرية بشكل مفرط، أو إلى التلويح المستمر باستخدامها متى رأت أن ذلك يحقق أهدافها السياسية والاستراتيجية. ويتجلى ذلك فيما شهدناه في حربها مع الحوثيين، وفي عملياتها العسكرية في البحر الكاريبي، وفي تدخلها العسكري في فنزويلا، فضلًا عن العمليات العسكرية الواسعة التي شنتها على إيران بالتعاون مع إسرائيل.

   ومن الملاحظ أن العمليات العسكرية الأمريكية تنوعت بين عمليات خاطفة هدفت إلى تحقيق أهداف سريعة ومحددة، مثل الهجمات على المنشآت النووية الإيرانية في 22 يونيو 2025، والعملية العسكرية في فنزويلا التي قامت بها في 3 يناير والتي انتهت خلال بضع ساعات باعتقال الرئيس الفنزويلي، وبين عمليات عسكرية استغرقت وقتًا أطول، مثل عملياتها المتفاوتة في البحر الكاريبي، وعملياتها في اليمن، وعملياتها الحالية في إيران. وقد يدل ذلك على أن الولايات المتحدة الأمريكية تفضّل، في العادة، العمليات الخاطفة، إلا أنها قد تنخرط أحيانًا في صراع طويل تظن، قبل دخوله، أنه سينتهي سريعًا، لكنه يستغرق وقتًا أطول من المتوقع، وهو ما يدفعها إلى تبني مسار تفاوضي لإنهائه، كما فعلت مع الحوثيين، وكما قد نشهد قريبًا مع إيران.

   وقد بات واضحًا أيضًا أن هذه القوة لا تُستخدم في إطار بناء استقرار دولي أو حماية الحلفاء بوصفهم شركاء دائمين، بقدر ما تُستخدم بصورة انتقائية ونفعية لتأمين المصالح الأمريكية المباشرة، وفرض الإرادة الأمريكية، وردع الخصوم، وإجبار الأطراف الأخرى على تعديل سلوكها وفقًا لما تريده واشنطن. فهي لا تُستعمل من أجل الحلفاء بالقدر الذي تُستعمل فيه لخدمة مصالح الدولة الوطنية الأمريكية، وتكريس شعار “أمريكا أولًا” بوصفه المبدأ الحاكم لتوجيه السياسة الخارجية. ومن هنا، لا تبدو القوة العسكرية، في ظل الترامبية، مجرد أداة دفاعية تلجأ إليها الولايات المتحدة عند الضرورة القصوى، بل تبدو وسيلةً أساسيةً من وسائل إدارة العلاقات الدولية وإعادة ترتيب موازين القوى.

   وختامًا، تُظهر القراءة التحليلية للسياسة الخارجية الأمريكية في عهد دونالد ترامب أن ما يُعرف بـ”الترامبية” لم يعد مجرد اسلوب شخصي في الحكم أو خطاب سياسي عابر، بل باتت أقرب إلى أيديولوجية سياسية متماسكة نسبيًا، تمتلك مرتكزاتها الفكرية وأدواتها العملية وآثارها المباشرة في توجيه السلوك الخارجي للولايات المتحدة الأمريكية. فقد كشفت هذه الأيديولوجية عن قطيعة واضحة مع كثير من الافتراضات الليبرالية التي حكمت السياسة الخارجية الأمريكية بعد الحرب العالمية الثانية، ولا سيما فيما يتعلق بفكرة القيادة الكونية، والشراكات طويلة المدى، والدفاع عن النظام الدولي الليبرالي بوصفه قيمة عليا يجب المحافظة عليه. وفي المقابل، برزت الترامبية بوصفها رؤية تعلي من شأن الدولة القومية، وتمنح الأولوية للمصلحة الوطنية الأمريكية، وتتعامل مع العالم بمنطق براغماتي مصلحي يقوم على حساب العائد المباشر لا على الاعتبارات القيمية أو الأخلاقية.

   ومن خلال تتبع أنماط السلوك الأمريكي في أوروبا وأمريكا اللاتينية والشرق الأوسط، يتضح أن الولايات المتحدة الأمريكية قد انتقلت، في ظل الولاية الثانية لترامب، من نمط الهيمنة الحميدة إلى نمط أكثر خشونة يمكن وصفه بـ”الهيمنة المفترسة”، كما وصفها بذلك أستاذ العلاقات الدولية ستيفن والت. فالحلفاء لم يعودوا يُعاملون كشركاء استراتيجيين دائمين، بل بوصفهم أطرافًا ينبغي أن تدفع مقابل أن تتحصل على الحماية الملائمة منها. كما أن أدوات الضغط الاقتصادي، والعقوبات، والرسوم الجمركية، والتهديد بالقوة، والتدخل العسكري المباشر أو الخاطف، وإعادة تعريف مجالات النفوذ، كلها تحولت إلى وسائل منتظمة لتأمين المصالح للولايات المتحدة الأمريكية وتعظيم قدرتها على الردع والإخضاع. وبذلك، لم تعد السياسة الخارجية الأمريكية تُدار بمنطق بناء التوازنات المستقرة أو الحفاظ على تحالفات متبادلة المنفعة، بل بمنطق الصفقة، والإكراه، والمعادلة الصفرية.

   غير أن هذا التحول، على الرغم مما قد يوفره للولايات المتحدة من مكاسب سريعة وأدوات ضغط فعالة على المدى القصير، ينطوي في المقابل على مخاطر استراتيجية أعمق على المدى البعيد. فالهيمنة المفترسة قد تُفضي في النهاية إلى تآكل الثقة الأمريكية لدى الحلفاء، وإلى دفع بعضهم نحو البحث عن بدائل استراتيجية أو نحو التعاون مع قوى منافسة للولايات المتحدة، مثل الصين وروسيا. ومن ثم، فإن الترامبية، وإن بدت قادرة على إعادة فرض الهيمنة الأمريكي بقوة أكبر في بعض الساحات الدولية، فإنها قد تُسهم في الوقت ذاته في إضعاف الأسس التي قامت عليها القيادة الأمريكية للعالم منذ عقود. وهكذا، فإن المفارقة الأساسية في الترامبية تتمثل في أنها تسعى إلى تعظيم الهيمنة الأمريكية، لكنها قد تنتهي، بفعل منطقها المفترس ذاته، إلى تقويض شروط استمرار هذه الهيمنة في النظام الدولي.


[1] ستيفن والت، ترجمة: طارق الطائي، “المهيمن المفترس: كيف يوظف ترامب القوة الأمريكية“، مؤسسة إنكي للدراسات والبحوث، 12 فبراير 2026، ص2.

https://enke.iq/book/%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%8F%D9%87%D9%8A%D9%85%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%81%D8%AA%D8%B1%D8%B3-%D9%83%D9%8A%D9%81-%D9%8A%D9%88%D8%B8%D9%91%D9%81-%D8%AA%D8%B1%D8%A7%D9%85%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D9%82%D9%88%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%85%D8%B1%D9%8A%D9%83%D9%8A%D8%A9

[2] ألكساندر دوجين، “الترمبية قد تهزم العالم“، مجلة المجلة، ع1966، 19 فبراير 2025، ص69. https://magazine.majalla.com/books/xdwm/?_gl=1*jrixme*_gcl_au*MTM1MDAzMzE4Mi4xNzczNTY0MzYx#p=1

[3]جي دي فانس… سيد أميركا “ما بعد ليبرالية“، اندبندنتعربية، 25 نوفمبر 2025. https://www.independentarabia.com/node/612018/%D8%A8%D9%8A%D9%88%D8%BA%D8%B1%D8%A7%D9%81%D9%8A%D8%A7/%D8%AC%D9%8A-%D8%AF%D9%8A-%D9%81%D8%A7%D9%86%D8%B3-%D8%B3%D9%8A%D8%AF-%D8%A3%D9%85%D9%8A%D8%B1%D9%83%D8%A7-%D9%85%D8%A7-%D8%A8%D8%B9%D8%AF-%D9%84%D9%8A%D8%A8%D8%B1%D8%A7%D9%84%D9%8A%D8%A9

[4]The Inaugural Address”, The White House, January 20, 2025. https://www.whitehouse.gov/remarks/2025/01/the-inaugural-address/

[5]America First Policy Directive To the Secretary of State”, The White House, January 20, 2025. https://www.whitehouse.gov/presidential-actions/2025/01/america-first-policy-directive-to-the-secretary-of-state/

[6] لكساندر دوجين، “الترمبية قد تهزم العالم“، مرجع سبق ذكره، ص69-70.

[7] David A. Lake, “The End of the Liberal International Order? Globalization, Deep Contestation, and the Future,” The Chinese Journal of International Politics 19, no. 1 (2026): p.11-12.

[8] عبدالله آل ربح، “صدمات وصفقات: كيف غير ترامب العالم“، مجلة المجلة، ع1975، نوفمبر 2026، ص10.

[9] المرجع السابق، ص10-11.

[10] Corina lacatus, “populism and president trump’s approach to foreign policy: An analysis of tweets and rally speeches”, politics, val. 41, no. 1, (2020): p.3-5.

[11] ألكساندر دوجين، “الترمبية قد تهزم العالم“، مرجع سبق ذكره، ص70.

[12] المرجع السابق، ص71.

[13] ستيفن والت، ترجمة: طارق الطائي، “المهيمن المفترس: كيف يوظف ترامب القوة الأمريكية“، مرجع سبق ذكره، ص3-4.

[14] المرجع السابق، ص5.

[15] المرجع السابق، ص5-6.

[16] ألكساندر دوجين، “الترمبية قد تهزم العالم“، مرجع سبق ذكره، ص71.

[17] عبدالله آل ربح، “صدمات وصفقات: كيف غير ترامب العالم“، مرجع سبق ذكره، ص10-11.

[18]Fact Sheet: President Donald J. Trump Declares National Emergency to Increase our Competitive Edge, Protect our Sovereignty, and Strengthen our National and Economic Security”, The White House, April 2, 2025. https://www.whitehouse.gov/fact-sheets/2025/04/fact-sheet-president-donald-j-trump-declares-national-emergency-to-increase-our-competitive-edge-protect-our-sovereignty-and-strengthen-our-national-and-economic-security/

See also: “Regulating Imports with a Reciprocal Tariff to Rectify Trade Practices that Contribute to Large and Persistent Annual United States Goods Trade Deficits”, The White House, April 2, 2025. https://www.whitehouse.gov/presidential-actions/2025/04/regulating-imports-with-a-reciprocal-tariff-to-rectify-trade-practices-that-contribute-to-large-and-persistent-annual-united-states-goods-trade-deficits/

[19] Jeff Mason, Philip Blenkinsop and Joe Cash, “Trump trade war with China revives recession, bear market fears”, Reuters, April 10, 2025. https://www.reuters.com/world/trump-u-turns-tariffs-turns-trade-war-heat-china-2025-04-10/

 أنظر أيضًا: “ترامب يقرر تعليق الرسوم الجمركية الأميركية المتبادلة لمدة 90 يوماً“، CNBC عربية، 9 أبريل 2025. https://www.cnbcarabia.com/136459/2025/09/04/%D8%AA%D8%B1%D8%A7%D9%85%D8%A8-%D9%8A%D9%82%D8%B1%D8%B1-%D8%AA%D8%B9%D9%84%D9%8A%D9%82-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D8%B3%D9%88%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%85%D8%B1%D9%83%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%85%D9%8A%D8%B1%D9%83%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AA%D8%A8%D8%A7%D8%AF%D9%84%D8%A9-%D9%84%D9%85%D8%AF%D8%A9-90-%D9%8A%D9%88%D9%85%D8%A7%D9%8B

[20] Philip Blenkinsop, “From juice to jewellery: which U.S. goods will EU hit with tariffs?”, Reuters, April 9, 2025. https://www.reuters.com/markets/juice-jewellery-which-us-goods-will-eu-hit-with-tariffs-2025-04-09/

See also: “EU pauses countermeasures against US tariffs to allow space for negotiations”, European Commission, Apr 14, 2025. https://ec.europa.eu/commission/presscorner/detail/en/ip_25_1058

[21] Andrew Gray and Andrea Shalal, “US and EU avert trade war with 15% tariff deal”, Reuters, July 28, 2025. https://www.reuters.com/business/us-eu-avert-trade-war-with-15-tariff-deal-2025-07-28/

See also: Philip Blenkinsop, “EU lawmakers vote to advance US trade deal”, ”, Reuters, March 19, 2026. https://www.reuters.com/business/eu-lawmakers-vote-progress-us-trade-deal-legislation-2026-03-19/

[22]لماذا يريد ترامب غرينلاند.. القصة من البداية!“، العربية، 8 يناير 2026.

https://www.alarabiya.net/aswaq/special-stories/2026/01/08/%D9%84%D9%85%D8%A7%D8%B0%D8%A7-%D9%8A%D8%B1%D9%8A%D8%AF-%D8%AA%D8%B1%D8%A7%D9%85%D8%A8-%D8%BA%D8%B1%D9%8A%D9%86%D9%84%D8%A7%D9%86%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%B5%D8%A9-%D9%85%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%AF%D8%A7%D9%8A%D8%A9

[23] Michael Martina and Jason Lange, “Trump vows tariffs on eight European nations over Greenland”, Reuters, January 18, 2026. https://www.reuters.com/world/europe/trump-vows-tariffs-eight-european-nations-over-greenland-2026-01-17/

[24] Steve Holland and Joseph Ax, “Trump will not rule out force to take Panama Canal, Greenland”, Reuters, January 8, 2025. https://www.reuters.com/world/trump-wont-rule-out-military-economic-action-he-seeks-control-panama-canal-2025-01-07/

[25]لحماية الرعايا والحلفاء… وصول حاملة الطائرات الفرنسية «شارل ديغول» إلى البحر المتوسط“، صحيفة الشرق الأوسط، 6 مارس 2026. https://aawsat.com/%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%A7%D9%84%D9%85/%D8%A3%D9%88%D8%B1%D9%88%D8%A8%D8%A7/5248263-%D9%84%D8%AD%D9%85%D8%A7%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D8%B9%D8%A7%D9%8A%D8%A7-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%84%D9%81%D8%A7%D8%A1-%D9%88%D8%B5%D9%88%D9%84-%D8%AD%D8%A7%D9%85%D9%84%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B7%D8%A7%D8%A6%D8%B1%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D9%81%D8%B1%D9%86%D8%B3%D9%8A%D8%A9-%D8%B4%D8%A7%D8%B1%D9%84-%D8%AF%D9%8A%D8%BA%D9%88%D9%84-%D8%A5%D9%84%D9%89-%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%AD%D8%B1

[26]Trump calls NATO “cowards” over lack of support in Iran war”, Reuters, March 20, 2026. https://www.reuters.com/world/trump-calls-nato-cowards-over-lack-support-iran-war-2026-03-20/

[27]بعد توقيعه.. ما أبرز المعلومات عن اتفاق المعادن بين الولايات المتحدة وأوكرانيا؟“، CNBC عربية، 1 مايو 2025. https://www.cnbcarabia.com/137424/2025/01/05/%D8%A8%D8%B9%D8%AF-%D8%AA%D9%88%D9%82%D9%8A%D8%B9%D9%87..-%D9%85%D8%A7-%D8%A3%D8%A8%D8%B1%D8%B2-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B9%D9%84%D9%88%D9%85%D8%A7%D8%AA-%D8%B9%D9%86-%D8%A7%D8%AA%D9%81%D8%A7%D9%82-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D9%86-%D8%A8%D9%8A%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%88%D9%84%D8%A7%D9%8A%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AA%D8%AD%D8%AF%D8%A9-%D9%88%D8%A3%D9%88%D9%83%D8%B1%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A7%D8%9F

[28] Jonathan Landay and Erin Banco, “US cuts intelligence sharing for Ukraine, adding pressure for Russia peace deal”, Reuters, March 6, 2025. https://www.reuters.com/world/us-cuts-off-intelligence-sharing-with-ukraine-ft-reports-2025-03-05/

[29]National Security Strategy of the United States of America”, (Washington, DC: The White House, November 2025), p.15.

[30] Office of the Historian, U.S. Department of State, “Monroe Doctrine, 1823,” Milestones in the History of U.S. Foreign Relations. https://history.state.gov/milestones/1801-1829/monroe

[31] أحمد الكوشي، “فنزويلا بين الإرث الإمبريالي الأمريكي وتحولات مبدأ مونرو في القرن الحادي والعشرين“، مركز ترو للدراسات، يناير 2026، ص5-6.

[32] Office of the Historian, U.S. Department of State, “Good Neighbor Policy, 1933,” Milestones in the History of U.S. Foreign Relations. https://history.state.gov/milestones/1921-1936/good-neighbor?

[33] Kerry, John. “Remarks on U.S. Policy in the Western Hemisphere.” U.S. Department of State. November 18, 2013. https://2009-2017.state.gov/secretary/remarks/2013/11/217680.htm.

[34] Trump, Donald J. “Remarks by President Trump to the 73rd Session of the United Nations General Assembly | New York, NY.” The White House, September 25, 2018. https://trumpwhitehouse.archives.gov/briefings-statements/remarks-president-trump-73rd-session-united-nations-general-assembly-new-york-ny/.

[35] National Security Strategy of the United States of America”, op. cit, p.15-16.

[36] Ibid, p.16-17.

[37] Phil Stewart, Idrees Ali and Steve Holland, “US military kills 11 people in strike on alleged drug boat from Venezuela, Trump says”, Reuters, September 3, 2025. https://www.reuters.com/world/americas/us-military-kills-11-people-strike-alleged-drug-boat-venezuela-trump-says-2025-09-03/

[38]عملية فنزويلا.. سيناتور يكشف مصير مادورو بعد اعتقاله وتفاصيل عن العملية“، CNN بالعربي، 3 يناير 2026. https://arabic.cnn.com/world/article/2026/01/03/live-update-caracas-explosions

[39] Michelle Nichols, “Legality of US capture of Venezuela’s Maduro in focus at United Nations”, Reuters, January 5, 2026. https://www.reuters.com/world/americas/legality-us-capture-venezuelas-maduro-focus-united-nations-2026-01-04/

See also: “RUBIO: This Is Our Hemisphere — and President Trump Will Not Allow Our Security to Be Threatened,” The White House, January 4, 2026. https://www.whitehouse.gov/releases/2026/01/rubio-this-is-our-hemisphere-and-president-trump-will-not-allow-our-security-to-be-threatened/.

[40]Pentagon asked for military options to access Panama Canal, officials say”, Reuters, March 14, 2025. https://www.reuters.com/world/pentagon-asked-military-options-access-panama-canal-officials-say-2025-03-13/

[41]  “US says Defense Secretary, Panama’s President agree to expand military cooperation”, Reuters, February 6, 2025. https://www.reuters.com/world/americas/us-says-defense-secretary-panamas-president-agree-expand-military-cooperation-2025-02-06/

[42] Phil Stewart, “US to ‘take back’ Panama Canal from Chinese influence, visiting Pentagon chief says”, Reuters, April 9, 2025. https://www.reuters.com/world/americas/pentagons-hegseth-visit-panama-canal-after-trump-threatens-take-it-back-2025-04-08/

[43]National Security Presidential Memorandum/NSPM-5,” The White House, June 30, 2025, https://www.whitehouse.gov/presidential-actions/2025/06/national-security-presidential-memorandum-nspm-5/

[44]Addressing Threats to the United States by the Government of Cuba,” The White House, January 29, 2026, The White House, “Addressing Threats to the United States by the Government of Cuba,” The White House, January 29, 2026, https://www.whitehouse.gov/presidential-actions/2026/01/addressing-threats-to-the-united-states-by-the-government-of-cuba/

[45] Daniel Trotta, “Trump says he can do ‘anything I want’ with Cuba”, Reuters, March 16, 2026. https://www.reuters.com/world/americas/trump-says-he-thinks-he-will-have-honor-taking-cuba-2026-03-16/

[46] Phil Stewart and Idrees Ali, “US military not preparing for Cuba invasion, senior US general says”, Reuters, March 19, 2026. https://www.reuters.com/world/americas/us-military-not-preparing-cuba-invasion-senior-us-general-says-2026-03-19/

[47] Andrew Mills, Yomna Ehab, Nafisa Eltahir and Nidal Al-Mughrabi, “Arab states adopt Egyptian alternative to Trump’s ‘Gaza Riviera’”, Reuters, March 5, 2025. https://www.reuters.com/world/middle-east/arab-summit-focus-egypts-alternative-trumps-gaza-riviera-2025-03-04/

أنظر أيضًا: هشام المياني، “رفض مصر محاولات مقايضتها اقتصادياً بتهجير الفلسطينيين يثير تفاعلاً واسعاً“، صحيفة الشرق الأويط، 24 مارس 2025.

https://aawsat.com/%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%A7%D9%84%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A8%D9%8A/%D8%B4%D9%85%D8%A7%D9%84-%D8%A7%D9%81%D8%B1%D9%8A%D9%82%D9%8A%D8%A7/5125358-%D8%B1%D9%81%D8%B6-%D9%85%D8%B5%D8%B1-%D9%85%D8%AD%D8%A7%D9%88%D9%84%D8%A7%D8%AA-%D9%85%D9%82%D8%A7%D9%8A%D8%B6%D8%AA%D9%87%D8%A7-%D8%A7%D9%82%D8%AA%D8%B5%D8%A7%D8%AF%D9%8A%D8%A7%D9%8B-%D8%A8%D8%AA%D9%87%D8%AC%D9%8A%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D9%81%D9%84%D8%B3%D8%B7%D9%8A%D9%86%D9%8A%D9%8A%D9%86-%D9%8A%D8%AB%D9%8A%D8%B1

[48]What’s next for Trump’s Gaza plan after Rafah reopening?”, Reuters, February 2, 2026. https://www.reuters.com/world/middle-east/whats-next-trumps-gaza-plan-after-rafah-reopening-2026-02-02/

[49] Ibid.

[50]أمريكا تعلن مقتل قادة حوثيين في غاراتها على اليمن وتتوعدهم بضربات “لا هوادة فيها“، CNN بالعربي، 16 مارس 2025. https://arabic.cnn.com/middle-east/article/2025/03/16/us-strikes-yemen-houthi-iran

[51] Steve Holland, Jarrett Renshaw, Jaidaa Taha and Menna Alaaeldin, “Trump announces deal to stop bombing Houthis, end shipping attacks”, Reuters, May 6, 2025. https://www.reuters.com/world/trump-says-us-will-stop-bombing-houthis-after-agreement-struck-2025-05-06/

[52] Steve Holland and Jeff Mason, “Trump reimposes ‘maximum pressure’ on Iran, aims to drive oil exports to zero”, Reuters, February 5, 2025. https://www.reuters.com/world/us/trump-set-reimpose-maximum-pressure-iran-official-says-2025-02-04/

[53] Doina Chiacu, “Trump says he sent letter to Iran leader to negotiate nuclear deal”, Reuters, March 7, 2025. https://www.reuters.com/world/trump-says-he-sent-letter-iran-leader-negotiate-nuclear-deal-2025-03-07/

[54] Parisa Hafezi, “Iran, US task experts with framework for a nuclear deal after ‘progress’ in talks”, Reuters, April 19, 2025. https://www.reuters.com/world/iran-us-hold-talks-rome-bid-reach-nuclear-deal-2025-04-19/

[55] Timothy Gardner and Doina Chiacu, “US targets China oil storage terminal in new Iran-related sanctions”, Reuters, April 11, 2025. https://www.reuters.com/world/us-targets-iran-shadow-fleet-operations-with-more-sanctions-2025-04-10/

[56] حنين يونس، “حرب الاثني عشر يوما: كيف اشتعلت المواجهة بين إيران وإسرائيل؟“، فرانس 24، 28 ديسمبر 2025. https://www.france24.com/ar/%D8%A7%D9%84%D8%B4%D8%B1%D9%82-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%88%D8%B3%D8%B7/20251228-%D8%AD%D8%B1%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%AB%D9%86%D9%8A-%D8%B9%D8%B4%D8%B1-%D9%8A%D9%88%D9%85%D8%A7-%D9%85%D9%88%D8%A7%D8%AC%D9%87%D8%A9-%D8%A5%D9%8A%D8%B1%D8%A7%D9%86-%D8%A5%D8%B3%D8%B1%D8%A7%D8%A6%D9%8A%D9%84

[57] Phil Stewart and Idrees Ali, “US objectives in Iran have not changed, Hegseth says”, Reuters, March 19, 2026. https://www.reuters.com/world/middle-east/us-objectives-iran-have-not-changed-hegseth-says-2026-03-19/

[58] Emma Farge, “Iranian strikes pose ‘existential threat’, Gulf states tell UN”, Reuters, March 25, 2026. https://www.reuters.com/world/middle-east/iranian-strikes-pose-existential-threat-gulf-states-tell-un-2026-03-25/

[59] Samia Nakhoul, “Gulf warnings and fears of miscalculation preceded Trump’s pause in Iran showdown”, Reuters, March 25, 2026. https://www.reuters.com/business/energy/gulf-warnings-fears-miscalculation-preceded-trumps-pause-iran-showdown-2026-03-24/

See also: Samia Nakhoul, “US ignites Iran war, but Gulf Arab states pay the price, Gulf sources say”, Reuters, March 11, 2026. https://www.reuters.com/world/middle-east/us-ignites-iran-war-gulf-arab-states-pay-price-gulf-sources-say-2026-03-11/

باحث في النظرية السياسية بمركز ترو للدراسات والتدريب

WhatsApp Image 2026-04-27 at 3.09
WhatsApp Image 2026-04-23 at 9.45
WhatsApp Image 2026-04-22 at 4.37
WhatsApp Image 2026-04-18 at 12.11
WhatsApp Image 2026-04-16 at 3.00
Scroll to Top