يمثل خطاب رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر في 17 مارس 2026، في سياق تصاعد الصراع في الشرق الأوسط نموذجًا متقدمًا لخطاب إدارة الأزمات المركبة، حيث يتداخل فيه البعد الأمني الخارجي مع الضغوط الاقتصادية الداخلية، في محاولة واعية لإعادة صياغة مفهوم المصلحة الوطنية البريطانية ضمن بيئة دولية تتسم بدرجة عالية من السيولة وعدم اليقين. فالخطاب لا يكتفي بوصف الأزمة، بل يعمل على تأطيرها إدراكيًا وسياسيًا باعتبارها تهديدًا مزدوجًا: تهديدًا مباشرًا للمصالح البريطانية في الخارج، وتهديدًا غير مباشر للاستقرار الاجتماعي والاقتصادي في الداخل، وهو ما يبرر تبني مقاربة شاملة تتجاوز الفصل التقليدي بين السياسة الخارجية والسياسات العامة الداخلية[1].
أولًا: الإطار العام للخطاب: تأطير الأزمة واستدعاء اللحظة التاريخية
ينتمي خطاب كير ستارمر في 17 مارس 2026 إلى نمط الخطابات التي تُبنى على إعادة تأطير الأزمات، حيث لا يكتفي الفاعل السياسي بوصف الواقع، بل يسعى إلى تشكيل إدراك الجمهور له. في هذا السياق، قدم ستارمر الأزمة في الشرق الأوسط بوصفها لحظة مفصلية تتجاوز بعدها الإقليمي لتلامس بنية الأمن الدولي، وهو ما يعكس وعيًا بطبيعة التفاعلات المعقدة في النظام العالمي المعاصر. غير أن الأهم في هذا التأطير هو استدعاء الذاكرة السياسية البريطانية، وتحديدًا تجربة حرب العراق 2003، ليس بوصفها حدثًا تاريخيًا فحسب، بل كمرجعية معيارية تُستخدم لإعادة ضبط السلوك السياسي الراهن.[2]
ويعكس هذا الاستدعاء ما يمكن تسميته بسياسة الذاكرة، حيث يتم توظيف التجارب السابقة ذات الكلفة السياسية العالية لإنتاج خطاب حذر يقيد خيارات الحاضر. فستارمر لا يذكر العراق صراحة بوصفه نموذجًا للفشل، لكنه يستحضر دلالاته الضمنية المرتبطة بالتورط العسكري غير المحسوب، الأمر الذي يمنح خطابه بعدًا تحذيريًا يهدف إلى تجنب إعادة إنتاج الأخطاء ذاتها. وبذلك، يتحول الخطاب إلى أداة لإعادة تعريف حدود الفعل السياسي، في ظل بيئة دولية تتسم بعدم اليقين.
ثانيًا: بنية الخطاب: معادلة الردع وتجنب التصعيد
يتأسس الخطاب على محاولة إدارة واحدة من أكثر المعضلات تعقيدًا في دراسات الأمن الدولي، وهي التوفيق بين الردع وتجنب التصعيد. فقد حرص ستارمر على التأكيد على استمرار الحضور العسكري البريطاني في إطار دفاعي، بما يشمل حماية القواعد والمصالح الحيوية ودعم الحلفاء، دون الانزلاق إلى عمل عسكري هجومي مباشر ضد إيران. ويعكس هذا التمييز إدراكًا دقيقًا لما يُعرف بمعضلة الأمن، حيث يمكن لأي تحرك دفاعي أن يُفسر من قبل الطرف الآخر كخطوة تصعيدية.[3]
ومن هذا المنطلق، يمكن توصيف الاستراتيجية التي يعبر عنها الخطاب بأنها احتواء مرن، إذ تسعى إلى تحقيق توازن بين الحفاظ على مصداقية الردع وبين تجنب استفزاز الخصوم. ويُلاحظ أن هذا التوجه يتماشى مع التحولات في الفكر الاستراتيجي الغربي بعد تجارب التدخل العسكري المكلفة، حيث أصبح التركيز أكبر على أدوات الردع المحدود وإدارة المخاطر بدلًا من الحسم العسكري المباشر. كما يعكس الخطاب ميلًا نحو إعادة تعريف مفهوم القوة، بحيث لا يقتصر على الاستخدام المباشر للعنف، بل يشمل القدرة على ضبط الإيقاع التصعيدي.
ثالثًا: تحليل المفردات والخطاب اللغوي: بناء خطاب الحذر والاستقلال
يكشف التحليل الدقيق للمفردات المستخدمة في الخطاب عن توجه واضح نحو تبني لغة حذرة ومنضبطة، تتجنب التصعيد اللفظي وتعتمد على مفاهيم مثل “الاستقرار”، “خفض التصعيد”، و”الحماية”. هذا الاختيار اللغوي ليس اعتباطيًا، بل يعكس استراتيجية اتصالية تهدف إلى طمأنة الداخل وعدم استفزاز الخارج في آن واحد. كما يُلاحظ غياب المفردات ذات الطابع التعبوي أو الأيديولوجي، وهو ما يميز الخطاب عن أنماط سابقة ارتبطت بتبرير التدخلات العسكرية.
في الوقت ذاته، يبرز حضور واضح لمفردات الاستقلال، حيث يشدد ستارمر على أن القرارات البريطانية تنطلق من تقييم وطني للمصالح، وليس من ضغوط خارجية. ويعكس هذا التحول محاولة لإعادة صياغة الهوية الاستراتيجية البريطانية، بحيث تجمع بين الانخراط في التحالفات الدولية والحفاظ على هامش من الاستقلالية. ومن ثم، فإن اللغة هنا لا تُستخدم فقط لنقل الموقف، بل لإعادة بناء موقع بريطانيا في النظام الدولي.[4]
رابعًا: لغة الجسد والأداء الاتصالي: بين الطمأنة والانضباط
لا يكتمل تحليل الخطاب دون التوقف عند البعد غير اللفظي، حيث تلعب لغة الجسد دورًا حاسمًا في تشكيل الانطباعات. في هذا الإطار، اتسم أداء ستارمر بدرجة عالية من الانضباط، سواء من حيث نبرة الصوت أو حركات الجسد. فقد جاءت نبرته هادئة ومستقرة، بما يعكس محاولة واعية لاحتواء القلق العام، بينما اتسمت حركاته بالاقتصاد والضبط، وهو ما يعزز صورة القائد المتحكم في أدواته.
كما أن التواصل البصري المباشر مع الجمهور، إلى جانب استخدام إشارات جسدية محدودة، ساهم في تعزيز مصداقية الرسالة. ويُضاف إلى ذلك توظيف السردية الشخصية المرتبطة بنشأته الاجتماعية، وهو ما يخلق نوعًا من “القرب الرمزي” بينه وبين المواطنين. ويعكس هذا البعد الاتصالي إدراكًا متقدمًا لأهمية العاطفة في الخطاب السياسي، خاصة في سياقات الأزمات التي تتطلب بناء الثقة أكثر من مجرد تقديم المعلومات.[5]
خامسًا: البعد الاقتصادي: أمن الطاقة وإعادة تعريف دور الدولة
يحتل البعد الاقتصادي موقعًا محوريًا في بنية الخطاب، حيث يتم الربط بشكل مباشر بين التوترات الجيوسياسية في الخليج وتأثيراتها على الاقتصاد البريطاني، لا سيما فيما يتعلق بأسعار الطاقة وتكلفة المعيشة. وفي هذا السياق، يُقدم التهديد الذي يطال مضيق هرمز بوصفه عاملًا رئيسيًا في اضطراب أسواق الطاقة العالمية، وهو ما ينعكس بدوره على معدلات التضخم والضغوط الاجتماعية.[6]
غير أن أهمية هذا الطرح لا تكمن فقط في توصيف العلاقة بين الخارج والداخل، بل في إعادة تعريف مفهوم الأمن القومي ليشمل الأبعاد الاقتصادية والمعيشية. فالأمن، وفق هذا الخطاب، لم يعد مقتصرًا على حماية الحدود، بل يمتد ليشمل حماية القدرة الشرائية للمواطنين. ومن هنا، يبرر ستارمر تدخل الدولة في السوق، سواء من خلال فرض سقوف على الأسعار أو استخدام أدوات ضريبية وتنظيمية لضبط سلوك الشركات.[7]
ويعكس هذا التوجه تحولًا مهمًا عن النموذج النيوليبرالي التقليدي، باتجاه نموذج أكثر تدخلية يستعيد بعض ملامح دولة الرفاه. كما يشير إلى محاولة إعادة بناء العقد الاجتماعي بين الدولة والمجتمع، في ظل تصاعد الضغوط الاقتصادية، وهو ما يمنح الخطاب بعدًا داخليًا لا يقل أهمية عن بعده الخارجي.
سادسًا: العلاقات عبر الأطلسي: من التبعية إلى الاستقلال التوافقي
يكشف الخطاب عن تحول نوعي في طبيعة العلاقة مع الولايات المتحدة، خاصة في ظل إدارة دونالد ترامب، التي تتسم بنزعة أحادية وضغوط متزايدة على الحلفاء. ففي حين يؤكد ستارمر على أهمية التحالف التاريخي، فإنه في الوقت ذاته يحرص على إبراز استقلالية القرار البريطاني، لا سيما فيما يتعلق برفض الانخراط في عمليات عسكرية هجومية. ويعكس هذا الموقف ما يمكن تسميته بالاستقلال التوافقي، حيث تسعى بريطانيا إلى الحفاظ على التحالف دون الانصياع الكامل لإملاءات الشريك الأقوى. ويأتي هذا التحول في سياق أوسع يشهد تراجعًا نسبيًا في الهيمنة الأمريكية وصعودًا لتعددية قطبية أكثر تعقيدًا، ما يفرض على الدول المتوسطة إعادة تموضعها بشكل أكثر مرونة.[8]
سابعًا: المقارنة الخطابية: ستارمر وبلير بين لحظتي الحرب والتردد
تكتسب المقارنة بين خطاب ستارمر وخطاب توني بلير قبل حرب العراق 2003 أهمية خاصة، إذ تكشف عن تحول عميق في الثقافة الاستراتيجية البريطانية. فقد اتسم خطاب بلير بطابع تعبوي واضح، حيث تم تقديم التهديد العراقي بوصفه خطرًا وشيكًا يبرر التدخل العسكري، مع اصطفاف كامل خلف الولايات المتحدة.
في المقابل، يتسم خطاب ستارمر بالحذر والتردد المحسوب، حيث يتم التركيز على إدارة المخاطر بدلًا من حسمها بالقوة. كما يغيب البعد الأيديولوجي لصالح مقاربة براغماتية تضع الاعتبارات الداخلية في صدارة الأولويات. وتعكس هذه الفروق ليس فقط اختلاف السياقات، بل أيضًا تأثير التجربة التاريخية على إعادة تشكيل الوعي الاستراتيجي البريطاني.[9]
ثامنًا: الدبلوماسية متعددة الأطراف: مبادرة مضيق هرمز
وفي إطار تصاعد الجهود الدولية لاحتواء تداعيات الأزمة في الخليج، أعلن كير ستارمر أن لندن ستستضيف اجتماعًا دوليًا رفيع المستوى لبحث سبل إعادة فتح مضيق هرمز، وهو ما يعكس تحركًا بريطانيًا نشطًا نحو لعب دور تنسيقي في إدارة أحد أخطر ملفات الأمن البحري العالمي. ويشير هذا التوجه إلى إدراك بريطاني متزايد بأن ضمان حرية الملاحة في هذا الممر الحيوي لا يمكن تحقيقه عبر تحركات أحادية، بل يتطلب مقاربة جماعية متعددة الأطراف تجمع بين القوى الغربية والشركاء الإقليميين. كما يعكس استضافة هذا الاجتماع سعي لندن إلى توظيف أدواتها الدبلوماسية لتعزيز موقعها كوسيط فاعل في الأزمات الدولية، مع تجنب الدخول المباشر في تصعيد عسكري، خاصة في ظل حساسية التوازنات القائمة مع إيران. ومن ثم، فإن هذه الخطوة تمثل امتدادًا لاستراتيجية بريطانية قائمة على الجمع بين الحضور الدبلوماسي الفاعل وإدارة المخاطر، بما يحقق هدفين متوازيين: حماية تدفقات الطاقة العالمية، والحد من احتمالات الانزلاق نحو مواجهة إقليمية أوسع.[10]
في المحصلة، يعكس خطاب ستارمر مقاربة براغماتية تسعى إلى تحقيق توازن دقيق بين الالتزامات الدولية والضغوط الداخلية. غير أن هذا التوازن لا يخلو من تداعيات، خاصة على مستوى العلاقات مع واشنطن. ففي ظل توجهات دونالد ترامب، قد يُنظر إلى الموقف البريطاني باعتباره نوعًا من التراجع عن الالتزام التقليدي، وهو ما يفسر تصاعد النقاش داخل الولايات المتحدة حول إعادة تقييم التحالفات، بما في ذلك دور حلف شمال الأطلسي. ورغم ذلك، فإن القراءة الأعمق تشير إلى أن ما تقوم به بريطانيا ليس خروجًا عن التحالف، بل إعادة توازن في علاقاتها الدولية، بما يسمح لها بالمناورة في بيئة دولية معقدة. وقد يدفع هذا التوجه واشنطن إلى إعادة النظر في استراتيجياتها تجاه الحلفاء، خاصة إذا ما استمرت في تبني سياسات أحادية.
ويمكن القول إن خطاب كير ستارمر يمثل نموذجًا متقدمًا لإدارة الخطاب في سياق الأزمات المركبة، حيث يجمع بين الحذر الاستراتيجي، والتأطير الاقتصادي، والتوظيف الاتصالي الفعال. كما يعكس تحولًا في السياسة البريطانية نحو تقليل الاعتماد على القوة العسكرية المباشرة، وتعزيز الأدوات الدبلوماسية والاقتصادية.
وعلى مستوى العلاقات الدولية، يشير الخطاب إلى بداية إعادة تموضع بريطاني داخل النظام العالمي، يقوم على تحقيق قدر أكبر من الاستقلال دون القطيعة مع الحلفاء. غير أن هذا المسار يظل محفوفًا بالتحديات، خاصة في ظل احتمالات تصاعد التوتر مع الولايات المتحدة، وإعادة تقييم الولايات المتحدة لالتزاماتها داخل حلف الناتو، وهو ما قد يعيد تشكيل بنية التحالفات الغربية في المرحلة المقبلة.
المصادر:
[1] ستارمر: العملية العسكرية الأمريكية ضد إيران ليست حربنا، نُشر في 30 مارس 2026، RT Arabic.
[2] ستارمر: لن ننجر إلى الحرب في الشرق الأوسط، نُشر في 31 مارس 2026، سكاي نيوز عربية.
[3] كير ستارمر: بريطانيا لن تنجر لحرب إيران مهما كان الضغط.. هذه ليست حربنا، نُشر في 30 مارس 2026، RT Arabic.
[4] “حرب بلا خطة”.. ستارمر يهاجم المعارضة بسبب إيران، نُشر في 30 مارس 2026، إرم نيوز.
[5] صحيفة: ستارمر يدعو لاجتماع بشأن تأثير حرب إيران على تكاليف المعيشة، نُشر في 21 مارس 2026، Reuters.
[6] ستارمر يرفض المشاركة في حرب إيران رغم ضغوط ترامب، نُشر في 27 مارس 2026، MEO.
[7] حرب إيران تشعله.. تفاصيل الخلاف الحاد بين ترمب وستارمر بشأن اتفاقية جزر تشاجوس، نُشر في 6 مارس 2026، الشرق.
[8] ستارمر عن حرب إيران: أولويتنا حماية المصالح البريطانية، نُشر في 23 مارس 2026، موقع نبض.
[9] ستارمر: بريطانيا تستضيف نهاية الأسبوع اجتماعا دوليا لبحث فتح مضيق هرمز، نُشر في 1 أبريل 2026، العربية.
[10] ستارمر رداً على تهديدات ترامب: لن نرضخ للضغوط، نُشر في 1 أبريل 2026، العربية.
باحث في العلاقات الدولية بمركز ترو للدراسات والتدريب