تمثل التطورات الأمنية الأخيرة في مالي مؤشرًا واضحًا على تصاعد حدة الهشاشة الأمنية وتفاقم تعقيدات المشهد السياسي والعسكري في منطقة الساحل الإفريقي. فقد جاء الإعلان عن مقتل وزير الدفاع ساديو كامارا في هجوم استهدف قاعدة كاتي العسكرية قرب العاصمة باماكو، بالتوازي مع إعلان جماعة نصرة الإسلام والمسلمين مسؤوليتها عن العملية، في وقت أعلنت فيه حركة تحرير أزواد سيطرتها على مدينة كيدال، أحد أبرز معاقل الشمال المالي.[1]
تعكس هذه التطورات تداخل الفاعلين المسلحين، سواء الجهاديين المرتبطين بتنظيم تنظيم القاعدة أو الحركات الانفصالية ذات الطابع العرقي، بما يعكس تحول الصراع من حالة تمرد محدود إلى نمط أكثر تعقيدًا يتسم بتقاطع الأجندات وتعدد مراكز القوة. كما تطرح هذه الأحداث تساؤلات جوهرية حول قدرة الدولة المالية على إعادة فرض سيطرتها، وحدود فعالية المقاربات الأمنية الحالية في ظل بيئة إقليمية مضطربة وتراجع نسبي لأدوار الفاعلين الدوليين.[2]
في هذا السياق، يسعى هذا التقرير إلى تحليل دلالات هذه التطورات، من خلال قراءة أبعادها الأمنية والسياسية، وتقييم انعكاساتها على توازنات القوة داخل مالي، وكذلك على استقرار منطقة الساحل الإفريقي بشكل عام.
أولًا: السياق العام للأزمة في مالي
تعود جذور الأزمة في مالي إلى عام 2012، حين شهدت البلاد تمردًا مسلحًا في الشمال قادته مجموعات من الطوارق، وعلى رأسها حركة تحرير أزواد، التي سعت إلى إقامة كيان مستقل في إقليم أزواد. وقد استغل هذا التمرد حالة الضعف التي أصابت الدولة بعد الانقلاب العسكري في العاصمة باماكو، ما أدى إلى انهيار مؤقت لسيطرة الحكومة على مناطق واسعة في الشمال. في هذا السياق، برزت الجماعات الجهادية، وعلى رأسها جماعة نصرة الإسلام والمسلمين المرتبطة بتنظيم تنظيم القاعدة، حيث تمكنت من التوسع بسرعة مستفيدة من الفراغ الأمني وضعف مؤسسات الدولة. ومع مرور الوقت، تحولت هذه الجماعات من مجرد فاعل مسلح إلى طرف رئيسي في الصراع، يمتلك القدرة على تنفيذ هجمات نوعية والسيطرة على مناطق نفوذ.[3]
ورغم التدخلات الدولية، خاصة من جانب فرنسا عبر عمليات عسكرية هدفت إلى دعم الدولة المالية واستعادة الاستقرار، فإن هذه الجهود لم تحقق استقرارًا دائمًا، بل أدت في بعض الأحيان إلى إعادة تشكيل خريطة الصراع دون إنهائه. كما شهدت مالي سلسلة من الانقلابات العسكرية خلال السنوات الأخيرة، ما زاد من حالة عدم الاستقرار السياسي وأضعف قدرة الدولة على التعامل مع التحديات الأمنية.[4]
ومع تراجع الوجود الدولي نسبيًا، وتصاعد الاعتماد على مقاربات أمنية داخلية، اتسعت رقعة العنف لتشمل مناطق جديدة، ولم تعد المواجهات مقتصرة على الشمال فقط، بل امتدت إلى وسط البلاد، بل ووصلت تداعياتها إلى محيط العاصمة. ويعكس هذا الوضع انتقال الأزمة من تمرد محلي محدود إلى صراع معقد متعدد الأطراف، تتداخل فيه الأبعاد الأمنية والسياسية والعرقية، في ظل ضعف مستمر في مؤسسات الدولة وقدرتها على فرض السيطرة الكاملة على أراضيها.[5]
ثانيًا: من التصعيد الميداني إلى مقتل وزير الدفاع: تطور الأزمة الأمنية في مالي
شهدت مالي خلال الأشهر الأخيرة تصاعدًا تدريجيًا في وتيرة العمليات المسلحة، خاصة في مناطق الشمال والوسط، حيث كثفت الجماعات الجهادية والانفصالية من تحركاتها ضد القوات الحكومية. وقد بدأ هذا التصعيد مع تزايد الهجمات التي استهدفت القواعد العسكرية وخطوط الإمداد، بالتزامن مع تراجع نسبي لقدرة الدولة على فرض السيطرة الكاملة على بعض المناطق البعيدة عن العاصمة باماكو.[6]
وفي هذا السياق، برز نشاط جماعة نصرة الإسلام والمسلمين، المرتبطة بتنظيم تنظيم القاعدة، باعتبارها أحد أبرز الفاعلين المسلحين في المشهد المالي. وتعتمد الجماعة على تكتيكات تقوم على الهجمات السريعة، واستهداف المواقع العسكرية، واستنزاف القوات الحكومية، مع الاستفادة من الطبيعة الجغرافية المعقدة وضعف الانتشار الأمني في بعض المناطق.[7]
بالتوازي مع ذلك، عادت الحركات الانفصالية الطوارقية إلى الواجهة، وعلى رأسها حركة تحرير أزواد، التي تمثل أحد أبرز التنظيمات المطالبة بحكم ذاتي أو استقلال لإقليم أزواد في شمال مالي. وتستند الحركة إلى قاعدة اجتماعية وقبلية داخل مناطق الطوارق، وتعد مدينة كيدال من أهم مراكز نفوذها السياسية والعسكرية. وقد ساهمت التحركات الأخيرة للحركة في إعادة فتح ملف الانفصال، خاصة مع تصاعد التوتر بين الحكومة المركزية والفصائل المسلحة في الشمال.[8]
ومع اتساع نطاق العمليات المسلحة، بدأت الجماعات المتطرفة في نقل المواجهة تدريجيًا من الأطراف إلى مناطق أكثر حساسية، وهو ما ظهر في الهجمات التي اقتربت من محيط العاصمة. وفي هذا الإطار، جاء استهداف وزير الدفاع ساديو كامارا داخل قاعدة كاتي العسكرية ليشكل ذروة هذا التصعيد، باعتبار أن العملية استهدفت أحد أبرز رموز المؤسسة العسكرية في البلاد.[9]
ويعكس هذا الهجوم تحولًا مهمًا في طبيعة الصراع، حيث لم تعد الجماعات المسلحة تركز فقط على السيطرة الميدانية أو استهداف الوحدات العسكرية التقليدية، بل باتت تتجه نحو ضرب مراكز القرار والرموز السيادية للدولة. كما يكشف الهجوم عن وجود ثغرات أمنية داخل المنظومة العسكرية، خاصة أن قاعدة كاتي تُعد من أكثر المواقع حساسية وتأمينًا.[10]
وقد أدى هذا التطور إلى زيادة الضغوط على السلطة الحاكمة، في ظل مخاوف من اتساع نطاق الاختراقات الأمنية وتصاعد التهديدات داخل محيط العاصمة. كما أثار تساؤلات حول فعالية الاستراتيجية الأمنية الحالية، وقدرة الدولة على احتواء التهديدات المتزايدة، خصوصًا مع استمرار التداخل بين الجماعات الجهادية والحركات الانفصالية في الشمال.[11]
وفي الوقت الراهن، يشير الوضع الميداني إلى استمرار حالة التوتر وعدم الاستقرار، مع تواصل العمليات المسلحة في عدة مناطق، وتزايد التحديات أمام القوات الحكومية في استعادة السيطرة الكاملة. كما أن استمرار نفوذ الجماعات المسلحة، إلى جانب التحركات الانفصالية في الشمال، يعكس أن الأزمة لا تزال مفتوحة على احتمالات متعددة، في ظل غياب تسوية سياسية شاملة قادرة على معالجة جذور الصراع.
ثالثًا: صعود جماعة نصرة الإسلام والمسلمين وتكتيكاتها العسكرية
شهدت مالي خلال السنوات الأخيرة تصاعدًا ملحوظًا في نشاط جماعة نصرة الإسلام والمسلمين، التي تعد من أبرز الفاعلين الجهاديين في منطقة الساحل، وترتبط بشكل مباشر بتنظيم تنظيم القاعدة. وقد تأسست الجماعة عام 2017 نتيجة اندماج عدة تنظيمات مسلحة، وهو ما منحها قدرًا أكبر من التنظيم والقدرة على التنسيق والتوسع.[12]
تعتمد الجماعة على مزيج من التكتيكات العسكرية التي تجمع بين حرب العصابات والهجمات النوعية، حيث تستهدف القواعد العسكرية، ونقاط التفتيش، وخطوط الإمداد، إضافة إلى تنفيذ عمليات معقدة ضد شخصيات قيادية في الدولة. كما تستفيد من الطبيعة الجغرافية الصعبة في شمال ووسط مالي، ومن ضعف انتشار القوات الحكومية في بعض المناطق، ما يتيح لها حرية الحركة وإعادة التموضع.[13]
ومن أهم سمات استراتيجية الجماعة قدرتها على التكيف مع المتغيرات، إذ لم تعد تعتمد فقط على السيطرة المباشرة على الأراضي، بل تتجه إلى فرض نفوذ غير مباشر عبر تهديد المجتمعات المحلية، وفرض أنماط معينة من السيطرة الاجتماعية. كما تسعى إلى كسب دعم بعض الفئات المحلية من خلال استغلال التوترات العرقية وضعف الخدمات الحكومية، وهو ما يعزز من قدرتها على البقاء والاستمرار. إلى جانب ذلك، توسعت عمليات الجماعة خارج الشمال التقليدي، لتشمل مناطق في وسط البلاد، بل وتقترب في بعض الأحيان من محيط العاصمة باماكو، وهو ما يعكس تحولًا في نطاق نشاطها. كما أن قدرتها على تنفيذ هجمات متزامنة وفي مناطق مختلفة تشير إلى وجود مستوى متقدم من التخطيط والتنسيق.[14]
وبالتالي، يعكس صعود هذه الجماعة تحولًا في طبيعة التهديدات التي تواجهها مالي، حيث لم تعد المواجهة مع مجموعات محدودة، بل مع تنظيم يمتلك خبرة قتالية، وشبكات دعم، واستراتيجية واضحة تهدف إلى إضعاف الدولة تدريجيًا وتوسيع نطاق نفوذه داخل البلاد.
رابعًا: دور حركة تحرير أزواد والسيطرة على كيدال
تُعد حركة تحرير أزواد من أبرز الفاعلين في شمال مالي، حيث تمثل التيار الانفصالي للطوارق الذي يسعى إلى تحقيق حكم ذاتي أو استقلال لإقليم أزواد. ومنذ اندلاع تمرد عام 2012، لعبت الحركة دورًا محوريًا في إعادة تشكيل موازين القوة في الشمال، مستفيدة من ضعف حضور الدولة وتراجع قدرتها على فرض السيطرة. وتكتسب سيطرة الحركة على مدينة كيدال أهمية خاصة، نظرًا للموقع الاستراتيجي للمدينة، التي تُعد مركزًا سياسيًا وعسكريًا للطوارق، كما تمثل نقطة اتصال مهمة بين الحدود مع دول الجوار. لذلك، فإن إحكام السيطرة عليها يمنح الحركة ميزة ميدانية ورمزية، ويعزز من قدرتها على إدارة مناطق نفوذها.[15]
كما تعكس هذه الخطوة تراجعًا نسبيًا لسيطرة الحكومة المركزية، خاصة في ظل محدودية انتشار القوات النظامية في الشمال، واعتماد الدولة في فترات سابقة على ترتيبات أمنية غير مستقرة. ويؤدي ذلك إلى خلق واقع ميداني جديد قد يعيد طرح مسألة الانفصال أو الحكم الذاتي كأحد السيناريوهات المطروحة. ومن ناحية أخرى، لا يمكن فصل تحركات الحركة عن البيئة الأمنية الأوسع، حيث تتداخل أدوارها أحيانًا مع جماعات مسلحة أخرى، سواء من خلال التنافس أو التفاهمات المؤقتة. وهذا التداخل يزيد من تعقيد المشهد، ويجعل من الصعب التمييز بين الصراع السياسي والانفصالي من جهة، والنشاط الجهادي من جهة أخرى.[16]
وبالتالي، تعكس سيطرة الحركة على كيدال تحولًا مهمًا في مسار الأزمة، حيث تشير إلى إعادة رسم خريطة النفوذ في شمال مالي، بما يحمل تداعيات مباشرة على وحدة الدولة، وعلى فرص الوصول إلى تسوية سياسية شاملة في المستقبل.
خامسًا: تداخل الفاعلين المسلحين بين التنسيق الميداني والتحالفات المؤقتة
يمثل تداخل أدوار الجماعات المسلحة أحد أبرز ملامح المشهد الأمني في مالي، حيث لم يعد الصراع قائمًا فقط بين الدولة والجماعات الجهادية، بل أصبح أكثر تعقيدًا نتيجة تقاطع أدوار الحركات الانفصالية مع التنظيمات المتطرفة المسلحة. وفي هذا السياق، برزت مؤشرات واضحة خلال التصعيد الأخير على وجود مستوى من التنسيق الميداني بين جماعة نصرة الإسلام والمسلمين المرتبطة بتنظيم القاعدة، وبين بعض الفصائل الطوارقية المسلحة المرتبطة بحركة تحرير أزواد.[17]
وقد اكتسب هذا الملف أهمية خاصة عقب الهجمات الأخيرة التي استهدفت مواقع عسكرية ومقار حساسة قرب العاصمة باماكو، حيث أشارت بيانات وتصريحات صادرة عن جماعة نصرة الإسلام والمسلمين إلى وجود تنسيق مع فصائل مسلحة في الشمال، وهو ما عزز التقديرات التي تحدثت عن مشاركة عناصر طوارقية في العمليات الأخيرة، سواء بصورة مباشرة أو من خلال الدعم اللوجستي والميداني.[18]
ويعكس هذا التطور تحولًا مهمًا في طبيعة العلاقة بين الجماعات الجهادية والحركات الانفصالية، إذ انتقلت العلاقة من مجرد تقاطع مصالح ظرفي إلى مستوى أكثر تنظيمًا من التعاون العملياتي، خاصة في ظل وجود هدف مشترك يتمثل في الضغط على الدولة المالية واستنزاف قدراتها العسكرية. كما أن تصاعد التوتر بين الحكومة المركزية والفصائل المسلحة في الشمال ساهم في خلق بيئة مناسبة لهذا التقارب المؤقت. ورغم ذلك، فإن هذا التنسيق لا يعني وجود تحالف استراتيجي دائم بين الطرفين، نظرًا لاختلاف الأهداف الأساسية لكل منهما. فالجماعات الجهادية تسعى إلى توسيع نفوذها العسكري والأيديولوجي داخل منطقة الساحل، بينما تركز الحركات الانفصالية على قضايا الحكم الذاتي وإعادة تشكيل الوضع السياسي في إقليم أزواد. إلا أن تراجع سلطة الدولة واتساع نطاق المواجهات دفع هذه الأطراف إلى تبني تفاهمات مرحلية تخدم أهدافًا ميدانية مشتركة.[19] كما ساهمت العوامل القبلية والعرقية في تسهيل هذا التقارب، خاصة في مناطق الشمال التي تشهد ضعفًا في حضور الدولة، حيث تعتمد الجماعات المسلحة على شبكات محلية توفر لها الحماية والدعم والتحرك داخل المناطق الصحراوية الواسعة. وقد منح ذلك الفاعلين المسلحين قدرة أكبر على تنفيذ عمليات متزامنة واستهداف مواقع عسكرية حساسة في توقيت واحد.[20]
وبشكل عام، فإن المؤشرات المرتبطة بالهجوم الأخير توضح أن مشهد الصراع في مالي يشهد مرحلة جديدة تتسم بتزايد مستويات التنسيق بين الجماعات الجهادية والحركات الانفصالية، وهو ما يمثل تحديًا أمنيًا وسياسيًا كبيرًا أمام الدولة المالية، ويعكس في الوقت نفسه تعقيد البيئة الميدانية في منطقة الساحل الإفريقي.
سادسًا: تداعيات الأحداث على العاصمة باماكو والمركز السياسي
تعكس التطورات الأخيرة في مالي، خاصة استهداف قيادات عسكرية رفيعة، انتقال التهديدات الأمنية من الأطراف إلى محيط العاصمة، وهو ما يضع المركز السياسي تحت ضغط متزايد. فالهجوم الذي وقع بالقرب من باماكو يشير إلى أن الجماعات المسلحة لم تعد محصورة في الشمال أو المناطق النائية، بل باتت قادرة على الاقتراب من قلب الدولة. هذا الوضع يفرض تحديات مباشرة على السلطة الحاكمة، التي تعتمد بشكل كبير على المؤسسة العسكرية في إدارة المرحلة الحالية. إذ قد يؤدي هذا التصعيد إلى زيادة التوتر داخل دوائر صنع القرار، خاصة إذا اعتُبر الهجوم مؤشرًا على ضعف الإجراءات الأمنية أو وجود خلل في التنسيق بين الأجهزة المختلفة.[21]
كما يمكن أن تؤثر هذه الأحداث على مستوى الثقة بين الدولة والمجتمع، حيث يؤدي اقتراب التهديدات من العاصمة إلى تصاعد القلق العام، وربما زيادة الضغوط على الحكومة لاتخاذ إجراءات سريعة. وقد تدفع هذه الضغوط إلى تبني سياسات أمنية أكثر تشددًا، وهو ما قد تكون له آثار جانبية على الاستقرار الداخلي إذا لم يُدار بشكل متوازن.[22]
من ناحية أخرى، قد تشهد المؤسسة العسكرية نفسها حالة من إعادة الترتيب، سواء على مستوى القيادات أو الخطط الأمنية، في محاولة لاحتواء تداعيات الحدث. وفي بعض الحالات، قد يؤدي ذلك إلى بروز تباينات داخلية أو تنافس بين مراكز القوة، خاصة في ظل الدور السياسي الذي يلعبه الجيش في البلاد. وبالتالي، تشير هذه التداعيات إلى أن العاصمة لم تعد بمنأى عن التهديدات، وأن أي تدهور في الوضع الأمني داخل باماكو قد يكون له تأثير واسع على استقرار الدولة ككل، نظرًا لكونها مركز الحكم والإدارة، والنقطة الأساسية التي تستند إليها السلطة في إدارة الأزمة.[23]
سابعًا: الأبعاد الإقليمية والدولية للأزمة
لا يمكن فهم ما يجري في مالي بمعزل عن البيئة الإقليمية الأوسع في منطقة الساحل الإفريقي، حيث تتداخل التهديدات الأمنية عبر الحدود مع دول مثل النيجر وبوركينا فاسو. وتشهد هذه الدول أوضاعًا مشابهة من حيث تصاعد نشاط الجماعات المسلحة وضعف السيطرة الحكومية على بعض المناطق، ما يجعل من الأزمة في مالي جزءًا من نمط إقليمي ممتد، وليس حالة منفصلة، وتُسهم الطبيعة الجغرافية المفتوحة للحدود في تسهيل حركة الجماعات المسلحة، مثل جماعة نصرة الإسلام والمسلمين، التي تنشط عبر أكثر من دولة، مستفيدة من غياب التنسيق الفعال بين الحكومات. كما ترتبط هذه الجماعات بشبكات أوسع مرتبطة بتنظيم القاعدة، ما يمنحها بعدًا دوليًا يتجاوز الإطار المحلي.[24]
على المستوى الدولي، شهدت السنوات الأخيرة تراجعًا نسبيًا في الوجود العسكري لبعض القوى التقليدية، خاصة فرنسا، التي كانت لاعبًا رئيسيًا في دعم الحكومة المالية. وقد أدى هذا التراجع إلى فراغ نسبي في بعض المناطق، ما أتاح للجماعات المسلحة توسيع نشاطها. وفي المقابل، برزت أدوار لقوى دولية أخرى تسعى إلى تعزيز نفوذها في المنطقة، من خلال تقديم دعم عسكري أو أمني للحكومات. كما تلعب المنظمات الإقليمية دورًا في محاولة احتواء الأزمة، مثل المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا، التي تسعى إلى دعم الاستقرار السياسي والأمني، رغم التحديات التي تواجهها في ظل تعدد الأزمات داخل المنطقة.[25]
في هذا السياق، تؤثر التطورات في مالي على استقرار منطقة الساحل ككل، حيث قد يؤدي استمرار التدهور الأمني إلى زيادة تدفقات اللاجئين، وتوسع أنشطة الجماعات المسلحة، وتهديد طرق التجارة الإقليمية. كما أن ضعف الاستقرار في هذه المنطقة يثير قلق المجتمع الدولي، نظرًا لارتباطه بقضايا أوسع مثل الإرهاب والهجرة غير النظامية. وبالتالي، تعكس الأبعاد الإقليمية والدولية للأزمة أن معالجة الوضع في مالي تتطلب مقاربة تتجاوز الحدود الوطنية، وتعتمد على تنسيق إقليمي ودولي أكثر فاعلية، يأخذ في الاعتبار طبيعة التهديدات العابرة للحدود.[26]
ثامنًا: تقييم الاستراتيجية الأمنية للدولة في مالي
تعتمد الدولة في مالي منذ سنوات على مقاربة أمنية تركز بشكل أساسي على استخدام القوة العسكرية لمواجهة الجماعات المسلحة، مثل جماعة نصرة الإسلام والمسلمين المرتبطة بتنظيم القاعدة. وقد حققت هذه المقاربة بعض النجاحات المحدودة في استعادة السيطرة على مناطق معينة، لكنها لم تتمكن من إنهاء التهديد بشكل كامل أو مستدام. كما تكشف التطورات الأخيرة عن وجود تحديات واضحة في هذه الاستراتيجية، أبرزها محدودية القدرات العسكرية، سواء من حيث التجهيز أو الانتشار، خاصة في المناطق البعيدة عن العاصمة باماكو. كما تعاني القوات النظامية من صعوبة في التعامل مع نمط الحرب غير التقليدية التي تعتمد عليها الجماعات المسلحة، مثل الهجمات السريعة وحرب العصابات.[27]
إلى جانب ذلك، يبرز ضعف التنسيق بين المؤسسات الأمنية كعامل مؤثر في تقليل فعالية الاستجابة، وهو ما قد يفسر بعض الاختراقات الأمنية التي سمحت بوقوع هجمات نوعية. كما أن الاعتماد المفرط على الحلول العسكرية دون مرافقتها بإجراءات سياسية وتنموية يحد من قدرة الدولة على معالجة جذور الأزمة، خاصة في المناطق التي تعاني من ضعف الخدمات وغياب التنمية.[28]
ومن ناحية أخرى، تأثرت الاستراتيجية الأمنية بتغير طبيعة الدعم الخارجي، حيث أدى تراجع بعض الشركاء الدوليين إلى تقليل الموارد المتاحة، ما فرض على الدولة إعادة ترتيب أولوياتها الأمنية. ورغم محاولات تعويض ذلك من خلال شراكات جديدة، فإن نتائج هذه التحولات لا تزال محدودة حتى الآن. وبالتالي، تشير هذه المعطيات إلى أن الاستراتيجية الأمنية الحالية تحتاج إلى مراجعة شاملة، بحيث تقوم على مزيج من الأدوات العسكرية والسياسية والاجتماعية، مع تعزيز التنسيق المؤسسي وتحسين العلاقة مع المجتمعات المحلية. فاستعادة الاستقرار في مالي لا يمكن أن يتحقق من خلال القوة فقط، بل يتطلب معالجة أوسع للأسباب التي ساهمت في تصاعد الصراع.[29]
تاسعًا: سيناريوهات المستقبل واحتمالات التدخل الخارجي في مالي
تشير التطورات الأمنية الأخيرة في مالي إلى أن البلاد دخلت مرحلة أكثر تعقيدًا من الصراع، خاصة مع تصاعد قدرات الجماعات المسلحة، واتساع نطاق التنسيق بين التنظيمات الجهادية والحركات الانفصالية، إلى جانب تراجع قدرة الدولة على فرض السيطرة الكاملة على المناطق الشمالية والوسطى. وفي ضوء هذه المعطيات، تبدو السيناريوهات المستقبلية مرتبطة بدرجة كبيرة بالعامل الخارجي، سواء في صورته الإقليمية أو الدولية، نظرًا لأن الأزمة في مالي تجاوزت حدودها الداخلية وأصبحت جزءًا من المشهد الأمني المضطرب في منطقة الساحل الإفريقي.[30]
ويُعد السيناريو الأكثر ترجيحًا في المرحلة الحالية هو استمرار حالة التصعيد الأمني المصحوب بمحاولات احتواء إقليمية دون الوصول إلى حسم عسكري شامل. ويستند ترجيح هذا السيناريو إلى عدة عوامل، أبرزها استمرار نشاط جماعة نصرة الإسلام والمسلمين المرتبطة بتنظيم القاعدة، ونجاحها في تنفيذ هجمات نوعية استهدفت مواقع عسكرية وشخصيات سيادية، إلى جانب عودة الحركات الانفصالية وعلى رأسها حركة تحرير أزواد، إلى توسيع نفوذها في الشمال.[31]
وفي هذا السياق، يبرز العامل الخارجي بوصفه عنصرًا حاسمًا في مستقبل الأزمة، فالحكومة المالية باتت تعتمد بصورة متزايدة على التنسيق الأمني والعسكري مع دول الساحل المجاورة، خاصة النيجر وبوركينا فاسو، اللتين تواجهان تهديدات مشابهة من الجماعات المسلحة. وقد أدى التقارب السياسي والعسكري بين هذه الدول إلى بناء مستوى من التعاون الإقليمي، يقوم على تبادل المعلومات الأمنية وتنسيق العمليات العسكرية، في إطار سعي مشترك لمنع تمدد الجماعات المتطرفة عبر الحدود.[32]
كما تظل احتمالات التدخل الإقليمي قائمة من خلال تحركات المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا، خاصة إذا شهدت الأوضاع مزيدًا من التدهور أو تهديدًا مباشرًا لاستقرار دول الجوار. ورغم أن المنظمة تواجه تحديات تتعلق بالانقسامات السياسية داخل المنطقة، فإن استمرار تدهور الوضع في مالي قد يدفعها إلى لعب دور أكثر نشاطًا، سواء عبر الوساطة السياسية أو الدعم الأمني غير المباشر.[33]
ومن ناحية أخرى، لا يمكن استبعاد عودة الاهتمام الفرنسي بالملف المالي، رغم تراجع الوجود العسكري لفرنسا خلال السنوات الأخيرة نتيجة التوتر مع السلطات المالية. فباريس لا تزال تنظر إلى منطقة الساحل باعتبارها منطقة ذات أهمية استراتيجية مرتبطة بمكافحة الإرهاب والهجرة غير النظامية، إلا أن أي عودة فرنسية مباشرة ستظل مرتبطة بمدى قبول السلطة المالية الحالية، وكذلك بمستوى التنسيق مع القوى الإقليمية.[34]
كما برزت خلال الفترة الأخيرة تحركات دبلوماسية من بعض الدول الإفريقية، ومن بينها غانا، التي طرحت مبادرات تهدف إلى دعم التهدئة وإعادة فتح قنوات الحوار داخل منطقة الساحل، انطلاقًا من المخاوف المتزايدة من انتقال حالة عدم الاستقرار إلى دول غرب إفريقيا الساحلية. وتعكس هذه التحركات إدراكًا إقليميًا متزايدًا بأن استمرار الأزمة في مالي لم يعد تهديدًا محليًا فقط، بل يمثل خطرًا على الأمن الإقليمي بأكمله.[35]
وفي المقابل، يبقى سيناريو التسوية السياسية الشاملة أقل ترجيحًا على المدى القريب، في ظل اتساع فجوة الثقة بين الحكومة والجماعات المسلحة، واستمرار التنافس على النفوذ في الشمال، إلى جانب تعقد العلاقة بين الفاعلين المحليين والإقليميين. كما أن استمرار الضغوط الأمنية قد يدفع السلطة في باماكو إلى إعطاء الأولوية للمقاربة العسكرية على حساب الحلول السياسية.[36]
وبشكل عام، يبدو أن مستقبل مالي خلال المرحلة المقبلة سيتحدد وفق معادلة تجمع بين استمرار الضغوط الميدانية الداخلية، وتصاعد أهمية التدخلات الخارجية، سواء عبر الدعم العسكري الإقليمي أو التحركات السياسية والدبلوماسية الدولية. وهو ما يعني أن الأزمة مرشحة للاستمرار، مع احتمالات متزايدة لتحولها إلى ملف إقليمي مفتوح يتجاوز حدود الدولة المالية نفسها.
ختامًا، تكشف التطورات الأخيرة في مالي عن مرحلة شديدة التعقيد في مسار الأزمة، حيث لم يعد الصراع مقتصرًا على مواجهة بين الدولة وجماعات مسلحة، بل أصبح شبكة متداخلة من الفاعلين، تشمل جماعات جهادية مثل جماعة نصرة الإسلام والمسلمين المرتبطة بتنظيم القاعدة، وحركات انفصالية مثل حركة تحرير أزواد، إلى جانب تراجع نسبي في قدرة الدولة على فرض السيطرة الكاملة، حتى في محيط العاصمة باماكو.
ويُظهر تحليل هذه التطورات أن الأزمة لم تعد أمنية فقط، بل أصبحت أزمة دولة في الأساس، تتداخل فيها عوامل سياسية واجتماعية واقتصادية، إلى جانب البعد العسكري. كما أن استمرار الاعتماد على الحلول الأمنية وحدها لم يعد كافيًا لاحتواء الوضع، في ظل قدرة الجماعات المسلحة على التكيف والتوسع، واستغلال الفراغات المحلية والإقليمية.
وفي المقابل، فإن أي مسار للاستقرار المستقبلي يظل مرتبطًا بقدرة الدولة على إعادة بناء مؤسساتها، وتعزيز حضورها في المناطق الطرفية، إلى جانب فتح مسارات سياسية حقيقية لمعالجة جذور الصراع، وليس فقط نتائجه. كما أن الدور الإقليمي والدولي يظل عنصرًا مهمًا، لكنه لن يكون كافيًا دون وجود إرادة داخلية واضحة لإعادة الاستقرار.
بناءً على ذلك، يمكن القول إن مالي تقف أمام لحظة فارقة، حيث تتحدد فيها ملامح المستقبل بين مسار التدهور المستمر، أو الانتقال التدريجي نحو استقرار أكثر توازنًا، يعتمد على الدمج بين الأمن والتنمية والحوار السياسي.
المصادر:
[1] أكبر هجوم منسق واغتيال وزير الدفاع.. ما الذي يحدث في مالي؟، نُشر في 26 أبريل 2026، الجزيرة نت.
[2] مالي: جهاديون من جماعة “نصرة الإسلام والمسلمين” يعلنون مسؤوليتهم عن هجمات منسقة مع متمردي الطوارق، نُشر في 25 أبريل 2026، فرانس 24.
[3] أزمة مالي “المركبة”.. دول الساحل تتخوف من تداعيات الانهيار الأمني، نُشر في 28 أبريل 2026، إرم نيوز.
[4] كيف يرسم الأزواد مع “القاعدة” مستقبل الصراع في مالي؟، نُشر في 26 أبريل 2026، سكاي نيوز عربية.
[5] انعكاسات ممتدة.. ماذا يحدث في مالي؟، نُشر في 27 أبريل 2026، القاهرة الإخبارية.
[6] مالي: مقتل وزير الدفاع الجنرال كامارا في مواجهات دامية وهجمات منسقة وغير مسبوقة، نُشر في 27 أبريل 2026، فرانس 24.
[7] مقتل وزير الدفاع المالي ساديو كامارا بهجمات لتنظيم القاعدة، نُشر في 26 أبريل 2026، العربية.
[8] مقتل وزير الدفاع وسيطرة على كيدال.. ما دلالات التصعيد الأمني في مالي، نُشر في 26 أبريل 2026، موقع نبض.
[9] التلفزيون المالي يعلن رسمياً مقتل وزير الدفاع ساديو كامارا، نُشر في 27 أبريل 2026، اندبندنت عربية.
[10] مقتل وزير دفاع مالي، في هجمات للمتمردين، نُشر في 26 أبريل 2026، بي بي سي نيوز عربية.
[11] عرّاب التحالف مع روسيا.. ماذا يعني اغتيال وزير الدفاع المالي؟، نُشر في 27 أبريل 2026، الجزيرة نت.
[12] كيف أصبح فرعٌ من القاعدة أحد أخطر الجماعات المسلحة في أفريقيا؟، نُشر في 11 يوليو 2025، بي بي سي نيوز عربية.
[13] نصرة الإسلام بمنطقة الساحل.. من الهجمات المسلحة الى السياسة، نُشر في 3 يوليو 2025، المركز الدولي للدراسات الاستراتيجية.
[14] كيف تحوّلت جماعة نصرة الإسلام والمسلمين إلى تهديد في مالي؟، نُشر في 27 أبريل 2026، بي بي سي نيوز عربية.
[15] مالي: من هي الحركة الوطنية لتحرير “أزواد” الطارقية وما هي مطالبها؟، نُشر في 27 أبريل 2026، فرانس 24.
[16] ماذا يعني سقوط كيدال في يد المتمردين الطوارق؟، نُشر في 26 أبريل 2026، صحيفة الشرق الأوسط.
[17] مالي.. طموح “الأزواد” وتهديد القاعدة، نُشر في 26 أبريل 2026، سكاي نيوز عربية.
[18] وضع أمني حرج في مالي مع سيطرة المتمردين الطوارق على كيدال، نُشر في 27 أبريل 2026، العربية.
[19] أعلنت السيطرة على كيدال.. جبهة تحرير أزواد تكشف تفاصيل هجومها في مالي، نُشر في 25 أبريل 2026، إرم نيوز.
[20] حداد في مالي بعد مقتل وزير الدفاع في هجمات للمتمردين.. فماذا يحدث في مالي؟، نُشر في 27 أبريل 2026، بي بي سي نيوز عربية.
[21] د. أحمد عسكر، هل تسقط مالي في قبضة الجماعات الإرهابية؟، نُشر في 25 أبريل 2026، مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية.
[22] مالي في خطر.. المجلس العسكري يختنق بين ضربات الانفصاليين وتمدد الجهاديين نحو باماكو، نُشر في 26 أبريل 2026، مونت كارلو الدولية.
[23] مالي تحت الصدمة.. الحلف المستحيل يطرق أبواب باماكو، نُشر في 27 أبريل 2026، الجزيرة نت.
[24] الأزمة في مالي الأبعاد الأمنية والسياسية والاقتصادية، مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية.
[25] أ.إيمان عبد العزيز، أزمة الجزائر ومالي.. إحدى مظاهر التنافس الإقليمي والدولي في الساحل الإفريقي، نُشر في 10 أبريل 2025، مركز ترو للدراسات.
[26] هجمات منسقة واستهداف للقواعد العسكرية.. ماذا يحدث في مالي؟، نُشر في 26 أبريل 2026، الشرق.
[27] أين اختفى رئيس مالي بعد الهجمات؟، نُشر في 27 أبريل 2026، صحيفة الشرق الأوسط.
[28] مالي.. هدوء في باماكو وكاتي بعد أيام عنيفة، نُشر في 27 أبريل 2026، سكاي نيوز عربية.
[29] متلازمة الإرهاب والانفصال .. سياقات لفهم ما جرى في الهجوم على مالي، نُشر في 26 أبريل 2026، هسبريس.
[30] د. أماني الطويل، غرب أفريقيا بعد مالي: الجغرافيا المضطربة وصعود المنافسة الدولية، نُشر في 26 أبريل 2026، اندبندنت عربية.
[31] مالي: ماذا يعني أن يجمعَ غويتا الرئاسة والدفاع؟،نُشر في 5 مايو 2026، صحيفة الشرق الأوسط.
[32] صلاح شرارة، مالي على صفيح ساخن: اغتيال وزير الدفاع وتفجّر الأوضاع، نُشر في 26 أبريل 2026، DW Arabic.
[33] مقتل وزير دفاع مالي في قلب باماكو في هجوم بسيارة مفخخة، نُشر في 26 أبريل 2026، سكاي نيوز عربية.
[34] مقتل وزير الدفاع المالي بهجوم بسيارة مفخخة على منزله والطوارق يسيطرون على كيدال، نُشر في 26 أبريل 2026، مونت كارلو الدولية.
[35] الخارج مصالح وتقاطع الداخل صراع.. مالي أزمة، نُشر في 6 مايو 2026، DW Arabic.
[36] مقتل وزير دفاع مالي في هجوم مسلح، نُشر في 27 أبريل 2026، سكاي نيوز عربية.
باحث في العلاقات الدولية بمركز ترو للدراسات والتدريب