يستعرض كتاب The Rivalry How Great- power Competition Threatens Peace and Weakens Democracy الصادر عن دار نشر جامعة ييل وهي واحدة من أهم دور النشر الأكاديمية في العالم، والمتخصصة في الكتب السياسية والفكرية والدراسات الدولية ، وصدر في يناير 2025. للكاتبان فان جاكسون، ومايكل برينز. مستقبل النظام الدولي في ظل تصاعد التنافس بين الولايات المتحدة والصين، ويناقش فكرة ان الولايات المتحدة تسترجع آجواء الحرب الباردة، ولكن هذه المرة مع الصين بدلًا من الاتحاد السوفيتي. وهذا قد يؤدي إلي زيادة احتمالات الحروب الدولية وإضعاف الديمقراطية والحريات، وتوسيع نفوذ المؤسسات العسكرية والأمنية. كما يناقش الكتاب التأثيرات الاقتصادية للتنافس، حيث يؤدي التركيز على الصناعات التكنولوجية والعسكرية إلى خدمة الشركات الكبرى والنخب التكنولوجية، بينما لا يحقق مكاسب حقيقية للطبقات العاملة، مما يعمّق التفاوت الاجتماعي والاقتصادي. بالإضافة إلي تعميق الازمات الاقتصادية والاجتماعية داخل الولايات المتحدة كما يحدث الآن بسبب الحرب الإسرائيلية الأمريكية الإيرانية. ويري الكاتبان أن المنافسة الجيوسياسية تجعل كل القضايا الدولية تُفسر بمنطق الصراع، حتى القضايا التي تحتاج إلى تعاون مثل الاقتصاد العالمي، وتغير المناخ، والتكنولوجيا، والطاقة.
شارك في تأليف الكتاب كلًا من فان جاكسون وهو باحث وأكاديمي أمريكي متخصص في العلاقات الدولية والسياسة الخارجية الأمريكية والأمن الدولي، مع تركيز خاص على منطقة آسيا والمحيط الهادئ والعلاقات الأمريكية–الصينية. شغل عددًا من المناصب البحثية والأكاديمية، وعمل سابقًا في وزارة الدفاع الأمريكية، ما منحه خبرة عملية في قضايا الأمن والاستراتيجية. ومايكل برينز وهو مؤرخ وباحث أمريكي متخصص في التاريخ السياسي والدبلوماسي للولايات المتحدة، خاصة تاريخ الحرب الباردة والسياسة الخارجية الأمريكية. تهتم أبحاثه بتحليل العلاقة بين القوة الأمريكية، والديمقراطية، والنظام الاقتصادي العالمي، كما يركز على تأثير السياسات الدولية على الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية داخل الولايات المتحدة.
يتكوّن كتاب The Rivalry Peril من ستة فصول رئيسة، تناول من خلالها الكاتبان قضايا تنافس القوى الكبرى وتأثيره على السلام العالمي والديمقراطية.
الفصل الأول: الحرب الباردة وأصول “تنافس القوى الكبرى”.
يستعرض الفصل الجذور التاريخية لفكرة تنافس القوى الكبرى، مع التركيز على الحرب الباردة بوصفها النموذج الأبرز لهذا التنافس في العصر الحديث. ويرى الكاتبان أن الصورة التقليدية للحرب الباردة باعتبارها فترة “سلام طويل” وانتصار للديمقراطية الأمريكية تُعد رؤية مضللة، لأنها تتجاهل ما شهدته تلك المرحلة من سباق تسلح نووي، وحروب بالوكالة، وتدخلات عسكرية وانقلابات دعمتها الولايات المتحدة بحجة مواجهة الشيوعية. كما يناقش الفصل كيف ساهمت الحرب الباردة في ترسيخ منطق الهيمنة والصراع داخل السياسة الخارجية الأمريكية، وأدت إلى تعزيز المؤسسة الأمنية والعسكرية على حساب الديمقراطية والاستقرار العالمي. ويؤكد الكاتبان أن استدعاء هذا النموذج اليوم في إطار التنافس الأمريكي–الصيني يحمل مخاطر كبيرة، لأنه قد يعيد إنتاج الأزمات والصراعات التي عرفها العالم خلال القرن العشرين.
الفصل الثاني: اللحظة الأحادية القطبية بعد الحرب الباردة
يناقش الفصل التحولات التي شهدها النظام الدولي بعد انتهاء الحرب الباردة، موضحًا كيف انتقل العالم من مرحلة التفاؤل بإمكانية بناء نظام دولي أكثر تعاونًا إلى عودة التنافس بين القوى الكبرى، خاصة بين الولايات المتحدة والصين. ويرى الكاتبان أن الولايات المتحدة، بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، امتلكت فرصة تاريخية لإقامة نظام عالمي أكثر استقرارًا، لكنها فضّلت الحفاظ على هيمنتها العسكرية والسياسية وتوسيع نفوذها الدولي بدلًا من تبني سياسة أكثر توازنًا. وتأثير أحداث 11 سبتمبر والحرب على الإرهاب، التي أسهمت في زيادة التدخلات العسكرية الأمريكية وإثارة مخاوف الصين من استمرار التفوق الأمريكي ومحاولات احتوائها. ويوضح الكاتبان أن الصين، في المقابل، عملت على تعزيز قوتها الاقتصادية والعسكرية وتوسيع نفوذها العالمي، خاصة بعد الأزمة المالية العالمية عام 2008 التي كشفت تراجع النموذج الأمريكي وصعود الصين كقوة دولية مؤثرة. ويؤكد الفصل أن عودة التنافس لم تكن نتيجة صعود الصين وحده، بل جاءت أيضًا نتيجة السياسات الأمريكية القائمة على الهيمنة واستخدام القوة، الأمر الذي أعاد أجواء الاستقطاب وسباقات التسلح والخطابات العدائية المشابهة للحرب الباردة، بما يهدد الاستقرار العالمي ويزيد من احتمالات الصراع الدولي.
الفصل الثالث: كيف يُفسد التنافس السياسة الأمريكية
يستعرض الكيفية التي يؤثر بها منطق التنافس بين القوى الكبرى، وخاصة مع الصين، على الحياة السياسية والديمقراطية داخل الولايات المتحدة. ويرى الكاتبان أن الخطاب السياسي الأمريكي الذي يصور الصين باعتبارها تهديدًا وجوديًا أصبح أداة لتبرير التوسع في السياسات الأمنية والعسكرية، كما ساهم في زيادة الاستقطاب السياسي وتصاعد النزعات القومية داخل المجتمع الأمريكي. ويوضح الفصل أن التركيز المستمر على “العدو الخارجي” أدى إلى تحويل الانتباه بعيدًا عن الأزمات الحقيقية التي تواجه الولايات المتحدة، مثل التفاوت الاقتصادي، وتراجع الخدمات العامة، وأزمة الديمقراطية والثقة بالمؤسسات. كما يناقش الكاتبان كيف استُخدمت المنافسة مع الصين لتبرير زيادة الإنفاق العسكري وتوسيع سلطات أجهزة الأمن والمراقبة، بما يهدد الحريات المدنية ويفتح المجال أمام سياسات أكثر تشددًا. وتصاعد الخطاب المعادي للصين وما ترتب عليه من زيادة التمييز والكراهية ضد الأمريكيين من أصول آسيوية، خاصة خلال أزمة كورونا، حيث جرى توظيف الخوف لتحقيق مكاسب سياسية داخلية. ويؤكد الكاتبان أن منطق التنافس الجيوسياسي لا يحمي الديمقراطية الأمريكية، بل يضعفها من الداخل من خلال تغذية الخوف والانقسام وتبرير السياسات السلطوية، محذرين من أن استمرار هذا النهج قد يؤدي إلى مزيد من التدهور السياسي والاجتماعي داخل الولايات المتحدة.
الفصل الرابع: كيف يُفاقم التنافس عدم المساواة الاقتصادية
يناقش تداعيات التنافس بين القوى الكبرى، وخاصة بين الولايات المتحدة والصين، على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية داخل الولايات المتحدة. ويرى أن الخطاب الأمريكي الذي يربط التنافس مع الصين بحماية الاقتصاد الوطني والعمال الأمريكيين لا يعكس الواقع بشكل كامل، لأن السياسات المرتبطة بهذا التنافس غالبًا ما تخدم الشركات الكبرى والصناعات العسكرية والتكنولوجية أكثر من خدمة الطبقات المتوسطة والفقيرة. ويوضح أن الحكومات الأمريكية استخدمت فكرة” المنافسة مع الصين” لتبرير ضخ استثمارات ضخمة في قطاعات التكنولوجيا والدفاع والصناعات الاستراتيجية، بينما استمرت مشكلات مثل ضعف الأجور، وارتفاع تكاليف المعيشة، وتراجع الخدمات الاجتماعية دون حلول حقيقية. و كيف ساهمت العولمة والسياسات الاقتصادية الأمريكية نفسها في نقل الصناعات إلى الخارج وتعميق الفجوات الاقتصادية.
الفصل الخامس: كيف يهدد التنافس السلام
يشرح الفصل المخاطر التي يفرضها التنافس بين القوى الكبرى، خاصة بين الولايات المتحدة والصين، على السلام والاستقرار العالمي. ويرى الكاتبان أن منطق “التنافس الاستراتيجي” يدفع الدول الكبرى إلى التعامل مع العلاقات الدولية باعتبارها تقوم على الصراع والهيمنة بدلًا من التعاون، وهو ما يزيد احتمالات التصعيد العسكري والأزمات الدولية. ويوضح أن التركيز المتزايد على الردع العسكري، وسباقات التسلح، وتعزيز التحالفات العسكرية في آسيا والمحيط الهادئ يعيد إنتاج أجواء الحرب الباردة، ويجعل أي أزمة سياسية أو عسكرية قابلة للتحول إلى مواجهة خطيرة بين القوتين. كما يناقش كيف يؤدي التنافس إلى إضعاف فرص التعاون الدولي في قضايا عالمية مثل التغير المناخي والأوبئة والأزمات الاقتصادية، بسبب تغليب المصالح الجيوسياسية على المصالح المشتركة للبشرية. بالإضافة إلي دور الخطاب السياسي والإعلامي في تأجيج صورة العدو، بما يعمّق انعدام الثقة ويجعل الحلول الدبلوماسية أكثر صعوبة. ويؤكد الكاتبان أن السلام الحقيقي لا يمكن تحقيقه من خلال سياسات الهيمنة والصراع المستمر، بل عبر الحوار والتعاون وبناء نظام دولي قائم على المصالح المشتركة.
الفصل السادس: البديل لتنافس القوى الكبرى
يستعرض الفصل الرؤية البديلة التي يقترحها الكاتبان بدلًا من منطق التنافس والصراع بين القوى الكبرى، مؤكدين أن الأمن والاستقرار العالمي لا يمكن تحقيقهما من خلال سباقات التسلح والسياسات العدائية، بل عبر التعاون الدولي ومعالجة المشكلات المشتركة التي تواجه العالم. ويرى الكاتبان أن التركيز المستمر على التنافس مع الصين يدفع الولايات المتحدة إلى إهمال قضايا أكثر أهمية مثل العدالة الاجتماعية، والتغير المناخي، والأزمات الاقتصادية، وحقوق الإنسان، ويؤدي إلى توسيع النزعات القومية والعسكرية بدلًا من تعزيز الديمقراطية والسلام. ويناقش أهمية بناء نظام دولي قائم على الدبلوماسية والتعاون الاقتصادي والتنمية المشتركة، بدلًا من الهيمنة وفرض النفوذ.
رؤية تحليلية نقدية للكتاب
ورغم أهمية الطرح الذي يقدمه الكتاب في نقد منطق تنافس القوى الكبرى، فإن الكاتبين ركزا بصورة أساسية على مسؤولية الولايات المتحدة في إعادة إنتاج أجواء الحرب الباردة وتصاعد التوتر مع الصين، مع إبراز التأثيرات السلبية لذلك على الديمقراطية الأمريكية والاستقرار العالمي، إلا أن الكتاب أغفل في المقابل بعض الجوانب المهمة المرتبطة بطبيعة السياسات الصينية نفسها. فعلى الرغم من الإشارة إلى صعود الصين الاقتصادي والعسكري، لم يمنح الكاتبان اهتمامًا كافيًا لانتقادات تتعلق بتوسع النفوذ الصيني في آسيا وأفريقيا، أو بسياسات بكين في بحر الصين الجنوبي، أو بملفات حقوق الإنسان والحريات السياسية داخل الصين. كما ركز الكتاب بصورة كبيرة على نقد المؤسسة العسكرية والأمنية الأمريكية، لكنه لم يقدم تصورًا عمليًا ومفصلًا لكيفية إدارة التنافس الدولي في ظل اختلاف المصالح الاستراتيجية بين القوى الكبرى. كذلك بدا الطرح في بعض الأحيان مثاليًا في دعوته إلى التعاون الدولي، دون توضيح واضح للآليات الواقعية التي يمكن أن تدفع القوى الكبرى إلى تجاوز منطق الهيمنة والصراع في عالم تحكمه اعتبارات القوة والمصالح. ومع ذلك، تظل القيمة الأساسية للكتاب في تقديمه قراءة نقدية عميقة لفكرة “التنافس الجيوسياسي”، وتحذيره من أن استمرار هذا النهج قد يقود إلى مزيد من الحروب والانقسامات وإضعاف الديمقراطية على المستوى العالمي.
باحث في العلاقات الدولية بمركز ترو للدراسات والتدريب