يُعد كتاب Why Nations Still Fight الصادر عام 2026 من أحدث الإسهامات الفكرية في حقل العلاقات الدولية ودراسات الحرب والصراع، حيث يسعى إلى إعادة طرح أحد أقدم الأسئلة في العلوم السياسية: لماذا تستمر الدول في اللجوء إلى الحرب رغم ما تكشفه التجارب التاريخية من تكاليفها الباهظة ومحدودية قدرتها على تحقيق الأهداف السياسية المرجوة؟ وقد صدر الكتاب عن Cambridge University Press في 484 صفحة، ليُشكل امتدادًا وتطويرًا لكتاب المؤلف السابق Why Nations Fight الصادر عام 2010. ويستند الكتاب إلى قاعدة بيانات واسعة تغطي التدخلات العسكرية والحروب منذ عام 1945، مع توظيف منهج يجمع بين التحليل الكمي ودراسات الحالة المقارنة، بهدف تقديم تفسير جديد لأسباب اندلاع الحروب ونتائجها في البيئة الدولية المعاصرة.
مؤلف الكتاب هو ريتشارد نيد ليبو، أحد أبرز منظري العلاقات الدولية المعاصرين، وأستاذ فخري للنظرية السياسية الدولية بقسم دراسات الحرب في كلية كينجز بلندن، كما شغل مناصب أكاديمية مرموقة في جامعة كامبريدج وكلية دارتموث. ويُعرف ليبو بإسهاماته النظرية في مجالات الحرب والأمن الدولي وإدارة الأزمات ونقد نظريات الردع، فضلًا عن تطويره لما يُعرف بالنظرية الثقافية في العلاقات الدولية. وتتميز أعماله بمحاولة تجاوز التفسيرات التقليدية للسلوك الدولي، من خلال التركيز على الأبعاد النفسية والثقافية والإدراكية المؤثرة في صناعة القرار السياسي، وهو التوجه الذي ينعكس بوضوح في هذا الكتاب.
ينقسم الكتاب إلى أربعة أجزاء رئيسية تتوزع على أربعة عشر فصلًا، تبدأ بمقدمة نظرية ومنهجية وتنتهي باستنتاجات استشرافية حول مستقبل الحروب والصراعات الدولية.
الفصل الأول: مقدمة (Introduction)
يفتتح المؤلف الكتاب بعرض الإشكالية المركزية التي يسعى للإجابة عنها، والمتمثلة في تفسير استمرار الحروب والتدخلات العسكرية رغم تراجع قدرتها على تحقيق الأهداف السياسية والاستراتيجية للدول. وينطلق من نقد الافتراض التقليدي القائل بأن الحرب أداة عقلانية لتحقيق المصالح الوطنية، ليؤكد أن التجربة التاريخية تكشف أن معظم الحروب تنتهي بنتائج أقل بكثير من التوقعات التي دفعت إلى اندلاعها. كما يقدم المؤلف الإطار النظري العام للكتاب ويطرح فرضيته الرئيسية التي تربط بين اندلاع الحروب وظاهرة سوء التقدير الاستراتيجي والافتراضات الخاطئة التي تحكم عملية صنع القرار.
الفصل الثاني: الأسئلة البحثية والحالات وآليات التصنيف (Questions, Cases and Coding)
يمثل هذا الفصل الأساس المنهجي للدراسة، حيث يشرح المؤلف كيفية بناء قاعدة البيانات التي اعتمد عليها، والمعايير المستخدمة في اختيار الحالات وتصنيفها. كما يناقش الإشكاليات المفاهيمية المرتبطة بالتمييز بين الحروب والتدخلات العسكرية، ويبرر التعامل معهما باعتبارهما شكلين من أشكال استخدام القوة المسلحة لتحقيق أهداف سياسية. ويهدف الفصل إلى توفير إطار تحليلي يسمح بمقارنة الأنماط المختلفة للصراعات المسلحة واستخلاص استنتاجات عامة بشأن أسبابها ونتائجها.
الفصل الثالث: الحروب الاستعمارية وما بعد الاستعمار (Colonial and Postcolonial Wars)
يتناول المؤلف في هذا الفصل الصراعات المرتبطة بمرحلة تفكك الإمبراطوريات الاستعمارية وصعود حركات التحرر الوطني. ويحلل كيف ساهمت عملية إنهاء الاستعمار في إنتاج موجة واسعة من النزاعات المسلحة، سواء بين القوى الاستعمارية وحركات المقاومة أو بين الدول الجديدة نفسها. ويرى أن كثيرًا من هذه الصراعات ارتبط بمحاولات فرض ترتيبات سياسية أو حدود جغرافية لم تحظَ بقبول المجتمعات المحلية.
الفصل الرابع: الأمم المنقسمة (Divided Nations)
يناقش هذا الفصل الصراعات الناتجة عن انقسام أمة واحدة بين كيانين سياسيين أو أكثر، كما في حالات الكوريتين أو الصين وتايوان. ويبين المؤلف أن هذه الصراعات تتجاوز الاعتبارات الأمنية التقليدية، إذ ترتبط بقضايا الهوية الوطنية والشرعية السياسية والتنافس على تمثيل الأمة، وهو ما يجعل تسويتها أكثر تعقيدًا واستمرارًا عبر الزمن.
الفصل الخامس: الدول المقسمة (Partitioned Countries)
يركز المؤلف هنا على الصراعات الناتجة عن عمليات التقسيم السياسي للدول، مثل حالات الهند وباكستان أو غيرها من الدول التي شهدت تقسيمًا قسريًا أو متنازعًا عليه. ويجادل بأن التقسيم لا يؤدي بالضرورة إلى إنهاء الصراعات، بل قد يتحول إلى مصدر دائم للتوترات الحدودية والنزاعات السياسية والأمنية.
الفصل السادس: الدول المبتورة أو الناقصة (Rump States)
يتناول هذا الفصل الدول التي فقدت جزءًا من أراضيها أو نفوذها التاريخي وتسعى إلى استعادته بالقوة. ويرى المؤلف أن مشاعر المظلومية الوطنية والرغبة في استعادة المكانة المفقودة تمثل دافعًا مهمًا لبعض التدخلات العسكرية والحروب، خاصة عندما تتبنى النخب السياسية روايات تاريخية تعتبر استعادة الأراضي جزءًا من مشروع استعادة الدولة ذاتها.
الفصل السابع: التنافسات الإقليمية والحروب بالوكالة (Regional Rivalries and Proxy Wars)
يحلل الفصل طبيعة الصراعات الناتجة عن المنافسة بين القوى الإقليمية، وكيف تتحول بعض النزاعات المحلية إلى ساحات صراع غير مباشر بين أطراف إقليمية أو دولية. ويبين المؤلف أن الحروب بالوكالة أصبحت إحدى السمات البارزة للصراعات المعاصرة، حيث تلجأ القوى المتنافسة إلى دعم أطراف محلية بدلًا من الانخراط المباشر في الحرب.
الفصل الثامن: الفخاخ الأخلاقية (Ethical Traps)
يقدم المؤلف مفهوم “الفخ الأخلاقي” بوصفه أحد أنماط التفاعلات الصراعية التي تستغل فيها الأطراف الأضعف القيم الأخلاقية والقانونية التي تتبناها القوى الكبرى. ويشرح كيف يمكن للفاعلين الأضعف دفع خصومهم إلى اتخاذ قرارات تضر بمكانتهم الأخلاقية أو السياسية، بما ينعكس سلبًا على شرعية التدخل العسكري ونتائجه.
الفصل التاسع: القوى الكبرى (Great Powers)
يخصص المؤلف هذا الفصل لدراسة سلوك القوى الكبرى في النظام الدولي، مع التركيز على الولايات المتحدة وروسيا وغيرهما من القوى المؤثرة. ويصل إلى نتيجة مفادها أن القوى الكبرى، رغم امتلاكها قدرات هائلة، ليست أكثر نجاحًا من غيرها في استخدام القوة العسكرية لتحقيق أهدافها السياسية، بل إن شعورها بالتفوق قد يدفعها أحيانًا إلى أخطاء استراتيجية مكلفة.
الفصل العاشر: أنماط أخرى من الحروب (Other Categories of War)
يجمع هذا الفصل عددًا من أنماط الصراعات التي لا تنتمي إلى التصنيفات السابقة، مثل النزاعات الحدودية وحروب الانتقام وصراعات مناطق النفوذ والحروب الناتجة عن طموحات الهيمنة. ويهدف المؤلف من خلال هذا الفصل إلى استكمال الصورة العامة لمختلف الدوافع والظروف التي تؤدي إلى استخدام القوة المسلحة.
الفصل الحادي عشر: النجاح والفشل (Success and Failure)
ينتقل الكتاب في هذا الفصل من دراسة أسباب الحروب إلى دراسة نتائجها. ويقيم المؤلف مدى نجاح الدول في تحقيق أهدافها العسكرية والسياسية، موضحًا أن النجاح العسكري لا يترجم بالضرورة إلى نجاح سياسي. كما يكشف أن نسبة كبيرة من التدخلات والحروب انتهت بفشل الأطراف المبادرة إليها في تحقيق أهدافها الاستراتيجية طويلة المدى.
الفصل الثاني عشر: سوء التقدير (Miscalculation)
يمثل هذا الفصل أساس الكتاب وأهم فصوله النظرية، حيث يدرس أشكال سوء التقدير المختلفة التي تؤدي إلى اندلاع الحروب أو فشلها. ويحلل المؤلف الأخطاء المتعلقة بتقدير القدرات العسكرية والنيات السياسية ودرجة مقاومة الخصم، مؤكدًا أن سوء التقدير ليس استثناءً في العلاقات الدولية بل ظاهرة متكررة تكاد تكون ملازمة لاستخدام القوة.
الفصل الثالث عشر: الدوافع (Motives)
يبحث المؤلف في الدوافع العميقة التي تدفع الدول إلى استخدام القوة، مستندًا إلى تقسيم ثلاثي يشمل الخوف والمصلحة والسعي إلى المكانة والاعتراف. ويبين أن هذه الدوافع غالبًا ما تتداخل فيما بينها، وأن فهمها يساعد على تفسير القرارات التي تبدو غير عقلانية أو غير متناسبة مع المصالح المادية المباشرة للدول.
الفصل الرابع عشر: متى تتعلم الدول؟ (When Will They Ever Learn?)
يُعد هذا الفصل خلاصة الكتاب الفكرية، إذ يحاول الإجابة عن سؤال التعلم من الخبرة التاريخية. ويناقش الأسباب التي تجعل الدول والقادة يكررون الأخطاء نفسها رغم توافر الأدلة على فشل الحروب السابقة. كما يقدم استشرافًا لمستقبل الصراعات الدولية ويحدد أنماط الحروب الأكثر احتمالًا للاستمرار أو التراجع خلال العقود المقبلة، مؤكدًا أن الحد من الحروب يتطلب مراجعة عميقة للثقافة الاستراتيجية وآليات صنع القرار داخل الدول.
التحليل النقدي للكتاب
على الرغم من القيمة العلمية الكبيرة التي يقدمها كتاب Why Nations Still Fight، فإن أطروحته الرئيسية تثير عددًا من التساؤلات النقدية المهمة. فالمؤلف ينجح في تقديم نقد منهجي للمدرستين الواقعية والعقلانية من خلال إبرازه الدور المحوري لسوء التقدير والتحيزات الإدراكية في تفسير الحروب، إلا أن هذا التركيز المكثف على العامل الإدراكي قد يؤدي إلى المبالغة في تفسير الظاهرة على حساب العوامل البنيوية والاستراتيجية الأخرى. فالحروب لا تنشأ دائمًا نتيجة أخطاء في التقدير أو قرارات غير عقلانية، بل قد تكون في بعض الحالات انعكاسًا لصراعات حقيقية حول الأمن والنفوذ وتوازن القوى، حتى وإن كانت نتائجها النهائية غير ناجحة. كما أن المؤلف يميل إلى الحكم على قرارات القادة من خلال نتائجها اللاحقة، وهو ما يثير إشكالية منهجية تتعلق بإمكانية الخلط بين سوء التقدير الفعلي وبين القرارات التي كانت تبدو منطقية في لحظة اتخاذها استنادًا إلى المعلومات المتاحة آنذاك. كذلك، ورغم نجاح الكتاب في إثبات أن العديد من التدخلات العسكرية انتهت بالفشل السياسي، فإنه لا يقدم تفسيرًا كافيًا للحالات التي حققت فيها القوة العسكرية أهدافًا استراتيجية واضحة أو أسهمت في إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية والدولية بصورة مؤثرة. ومن ناحية أخرى، فإن سعي المؤلف إلى تقويض كثير من افتراضات الواقعية السياسية يجعله أحيانًا يقلل من أهمية المتغيرات الهيكلية المرتبطة بطبيعة النظام الدولي وتوزيع القوة بين الفاعلين الدوليين، رغم أن العديد من الصراعات المعاصرة، مثل الحرب الروسية الأوكرانية أو التنافس الأمريكي الصيني، لا يمكن فهمها بصورة كاملة بمعزل عن هذه الاعتبارات. ومع ذلك، فإن هذه الملاحظات لا تنتقص من أهمية الكتاب بقدر ما تعكس حيوية الجدل الذي يثيره، إذ تكمن قوته الحقيقية في دفع الباحثين إلى إعادة التفكير في المسلمات النظرية السائدة، وإبراز حدود التفسيرات التقليدية للحرب، وتأكيد أن فهم الصراعات الدولية يتطلب الجمع بين العوامل البنيوية والاستراتيجية من جهة، والعوامل النفسية والإدراكية والثقافية من جهة أخرى. ومن ثم يمكن النظر إلى الكتاب باعتباره إسهامًا نقديًا مهمًا يوسع من نطاق النقاش الأكاديمي حول أسباب الحرب، أكثر من كونه تفسيرًا نهائيًا أو شاملًا لجميع أنماط الصراع في النظام الدولي.
باحث في العلاقات الدولية بمركز ترو للدراسات والتدريب