Cairo

تحليل نقدي لكتاب “الإسلام والحداثة: مقاربات في الدين والسياسة” للكاتب “مراد زوين”

قائمة المحتويات

باحث في النظرية السياسية بمركز ترو للدراسات

   ليست إشكالية العلاقة بين الدين والدولة أمرًا مستحدثًا في جدالات الفكر السياسي العربي، إذ خاض فيها العديد من مفكري النهضة العربية نقاشات وجدالات طالت كلماتها وتفرعت توجهاتها، فانقسموا بين طرح يتبنى موقف الفصل بين الدين والدولة، وطرح آخر مضاد يحاول أن يصل بينهما، أو على الأقل يوفق بين الاتجاهين. ومن هنا، يأتي كتاب “الإسلام والحداثة: مقاربات في الدين والسياسة” للكاتب “مراد زوين ، الصادر عام 2015 عن مؤسسة “مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث”، ليبحث في هذه الإشكالية ويُعيد النظر فيها من عدة جوانب، ليس فقط في الجانب المتعلق بثنائية الدين والدولة، ولكن أيضًا في البحث في وظيفة المعتقد الديني بالنسبة إلى الفرد والمجتمع، ووظيفة المعتقد السياسي في تدبير الدولة ومكانتها داخل أركان المجتمع وجوانبه، أي إنه يبحث في معضلة تقاطع الجانبين في المخيال الاجتماعي.

   وبالنسبة إلى الكاتب، فإن “مراد زوين” هو باحث وأكاديمي مغربي، وأستاذ جامعي متخصص في مجال الفلسفة، وبخاصة الفلسفة السياسية، بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة الحسن الثاني بالمغرب، وله العديد من الكتابات والمقالات المنشورة في مجلات عربية مختلفة، وترتكز كتاباته أساسًا على قضايا الفكر السياسي العربي، والدين والسياسة، والحداثة، والعلمانية.

   يقسم المؤلف الكتاب إلى عدة فصول، فيتناول في الجزء التمهيدي أصول فكرة العلمانية وظروف نشأتها في العالم الغربي، ويتتبع أهم مراحل التحولات السياسية والاجتماعية والفكرية التي عرفتها أوروبا. ومن خلال هذا العرض، ينتقل الكاتب في الفصل الأول إلى استعراض إشكالية العلاقة بين الدين والدولة في العالم العربي وعند المفكرين الإصلاحيين النهضويين، فيتعمق في بدايته أو في شقه الأول في السجال الفكري الذي دار بين محمد عبده وفرح أنطون، كممثلين لتيارين متضادين داخل هذه الإشكالية، ويتطرق في نهاية الفصل، أو في شقه الثاني، إلى كتاب “الإسلام وأصول الحكم” لعلي عبد الرازق، وسياق كتابته، وأهم أطروحاته في مسألة الخلافة وعلاقتها بأصول الدين.

   وينتقل الكاتب في الفصل الثاني إلى عرض هذه الإشكالية عند المفكرين المعاصرين، فيتناول في ثنايا هذا الفصل ثلاث أطروحات نظرية لثلاثة مفكرين مختلفين، تختلف في الموقف والنظرة إلى مسألة العلاقة بين الدين والدولة عامة، والعلمانية خاصة، وهم: محمد أركون، كممثل للتيار المدافع عن الفصل بين الدين والدولة، ومحمد عابد الجابري، كممثل للتيار المناهض للفصل بين الدين والدولة، على اعتبار أن مفهوم العلمانية دخيل على الثقافة والتراث، وأنه لا حاجة إلى وجود فصل بينهما على اعتبار أن الإسلام دين ودنيا، وبرهان غليون، كممثل للتيار الذي يطرح إطارًا توفيقيًا بين الدين والدولة من جهة، وبين الحداثة والتقليد من جهة أخرى.

   ومن ثم يستهل الكاتب حديثه في الفصل الثالث والأخير بعدة موضوعات مختلفة تتصل جميعها بمعضلة الأنا والآخر، فهو يحاول الولوج إلى معضلة نظرة العربي المسلم إلى الآخر الغربي المسيحي. ويستلهم الكاتب أدواته ونظرته النقدية في تناوله لمفهوم الغيرية في الفكر العربي والإسلامي من خلال نماذج تمثل تصورًا ونظرة إلى الآخر في علاقتها بالهوية. وفي النهاية، يختتم الكاتب الفصل بالوقوف على التأصيل النظري لمفهوم الدولة المدنية وأسسها عند الغرب والعرب، ويعمل على تبيان أسباب إخفاقها وعوائق نهضتها.

   وانطلاقًا مما سبق، تسعى هذه الورقة إلى عرض أطروحات هذا الكتاب وتبيانها، مع محاولة تفصيل أهم النقاط التي وقف عليها الكاتب لكي يصل إلى المعالجة المثلى لهذه الإشكالية عند كل مفكر. وفي النهاية، يقدم هذا العرض رؤية نقدية خاصة بالباحث، يعرض فيها وجهة نظره عن الكتاب.

التمهيد: أصول فكرة العلمانية

   في الجزء التمهيدي من الكتاب، يستعرض المؤلف السياق الذي نشأت فيه فكرة العلمانية في العالم الغربي، فهو يرى أن أوروبا كانت تعاني من سيطرة واضحة للكنيسة على مختلف جوانب الحياة، سواء كانت سياسية أو اجتماعية أو ثقافية أو غيرها، وهو ما دفع العالم الغربي إلى محاولة كسر قيود سيطرة الكنيسة على المجتمع.

   يجادل الكاتب بأن الغالبية العظمى من الناس تفترض أن الفصل الحادث بين الدين والدولة بدأ في عصر الأنوار، ولكن الأمر، من وجهة نظر الكاتب، يعود إلى أكثر من ذلك، إذ ظهرت إرهاصاته في القرنين الثاني عشر والثالث عشر، حيث بدأت فيهما تظهر الأفكار الإنسانية والعقلانية التي أسست اللبنات الرئيسية لعصر الأنوار، إلى جانب انتشار الثقافة الناقدة للمجتمع، وحركة الترجمة والتأثر بالمؤلفات الإسلامية، كمؤلفات ابن سينا والفارابي وابن رشد، ناهيك عن حركة استقلال الجامعات الأوروبية عن سيطرة الكنيسة وهيمنتها عليها. وكل هذه العوامل دفعت إلى تأسيس دعائم المجتمع البرجوازي، الذي أدى منطقيًا إلى استقلالية الثقافة عن هيمنة رجال الدين وإلى ظهور المثقف بشكله الحديث المقترن بحرية البحث والنقد والتفكير.

   يرى الكاتب أن المثقف الغربي لعب دورًا فاعلًا في مواجهة الكنيسة وهيمنتها من جهة، وفي وضع أسس الثقافة الحديثة التي ظهرت معالمها في عصر الأنوار من جهة ثانية. ونتيجة لهذا الدور، أصبح للمفاهيم العلمية حضور قوي داخل المجتمع، وأضحت الثقافة القديمة والدينية في موضع سؤال ونقاش دائمين، وهو ما أدى في النهاية إلى ظهور العلمانية ونبذ الإطار الديني القديم الذي كان يحكم الحياة.

   كما كان للحروب الدينية التي خاضتها أوروبا دور مهم في بلورة الفكر العلماني، إذ أرهقت الرأي العام، وشيئًا فشيئًا بدأت تبرز فكرة أن “الدين لا ينبغي أن يكون سببًا للنزاع“، ومع دخول القرن الثامن عشر، بدأت فكرة العلمانية تتبلور بشكل أكثر وضوحًا مع بزوغ عصر التنوير وفلاسفته، مثل ديدرو، وروسو، ومونتسكيو، وفولتير، وغيرهم. ومن هنا، نجد أن فكرة العلمانية تشكلت في أوروبا نتيجةً للعديد من الأحداث التي جعلت وجودها أمرًا ضروريًا للتخلص من سيطرة الكنيسة واضطهادها للعلم.

   بعد هذا العرض الذي قدمه المؤلف في الفصل التمهيدي لظروف نشأة العلمانية في العالم الغربي، ينهي حديثه بطرح عدة أسئلة عن ظروف نشأة العلمانية في العالم العربي مقارنة بسياق نشأتها في الغرب، فيقول “ما الظروف التي أدت إلى بروز مفهوم العلمانية في الفكر السياسي العربي؟ وكيف عولجت إشكالية العلاقة بين الدين والدولة في الكتابة السياسية العربية المعاصرة؟”، وهو ما سيُجيب عنه في الفصول اللاحقة.

الفصل الأول: الديني والسياسي في الخطاب النهضوي العربي

   ظهرت إشكالية العلاقة بين الدين والدولة، من وجهة نظر الكاتب، كمسألة ذات أهمية خاصة في سياق تشكل مفاهيم وإشكاليات الفكر النهضوي، أي في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، إذ عكس التوجه الجديد للفكر العربي الظروف التي أحاطت بالعالم العربي آنذاك. فقد أسهم الاستعمار الغربي في زعزعة بنى المجتمعات العربية التقليدية، وبات على الفكر العربي أن يخوض في هذه المسائل حتى يواكب المسار الجديد الذي فرضته التحولات الاجتماعية والسياسية في المجتمع العربي بوجه خاص، وفي النظام العالمي بوجه عام.

   يوجه الكاتب أنظاره في الشق الأول من الفصل إلى مفكرين مهمين جسدا طبيعة الجدال الحاصل بين اتجاهين رئيسيين في مسألة العلاقة بين الدين والدولة، وهما محمد عبده وفرح أنطون. إذ يمثل محمد عبده الاتجاه التوفيقي بين الدين والدولة، ويرى أنه لا تعارض بين المجالين، وأن الإسلام في الأساس لم يعرف سلطة دينية كتلك التي عرفها الغرب، حتى نطالب بوجود فصل بينهما، كما يرى أن السلطة السياسية في الإسلام في الأساس هي سلطة مدنية. أما فرح أنطون، فيمثل الاتجاه الذي يرى أن هناك تعارضًا واضحًا بين الدين والدولة، وأنه يجب الفصل بينهما، وذلك لأن السلطة الدينية ضعيفة، وليس لها الحق في التحكم أو التدخل في الأمور الدنيوية. كما يرى فرح أنطون أن “غرض الأديان في الأساس هو تعليم الناس عبادة الله تعالى، وأما الحكومات فغرضها حفظ الأمن بين الناس، أي حفظ حرية كل شخص ضمن دائرة الدستور“.

   وقد كان الجدال الحاصل بينهما يتمحور أيضًا، وبشكل رئيسي، حول طبيعة التسامح في الأديان، مع الوقوف على أيهما أكثر تسامحًا مع العقل والتجديد، الديانة الإسلامية أم المسيحية؟ ومن ثم، فإن طبيعة الجدال نفسها كانت تتطرق بوضوح إلى خلفية المعتقد الديني لدى كلّ منهما. وهذا الجدال الحادث كان في جوهره يزاوج بين رؤيتين وموقفين، كما يدعي الكاتب، إذ نجد أن كل واحد منهما انطلق في جداله من مرجعيات ومنطلقات فكرية مختلفة، فنجد أن فرح أنطون ينطلق من مرجعية ليبرالية واضحة، استلهم منها مواقفه ودعا إلى تحقيقها في الواقع، أما محمد عبده فقد انطلق من مرجعية إسلامية، ولكن بروح ليبرالية. فكما يقول الكاتب، حاول محمد عبده “تأسيس ليبرالية على قاعدة إسلامية، بمعنى أنه حاول من خلال اجتهاده أن يطوع القواعد الليبرالية، كالعقلنة والحرية والمدنية والديمقراطية والتسامح…إلخ للمرجعية الإسلامية”.

   وما يمكن استنتاجه من الجدال الذي دار بينهما أن فرح أنطون يرى أنه لا يمكن أن تحدث النهضة والتقدم في العالم العربي دون الفصل بين السلطتين، وأنه بهذا الفصل تتحقق المساواة بين أبناء الأمة، ويصبح الانتماء إلى الوطن هو القاعدة والأساس للمواطنة، وليس العقائد الدينية أو المذاهب العرقية. أما بالنسبة إلى محمد عبده، فهو يرى أنه لا يوجد تعارض في الأساس بين الدين الإسلامي والدولة، لأن السلطة السياسية في الإسلام كانت مدنية، ولأن الإسلام لا يعرف في الأساس سلطة دينية. والحاكم عند عبده يخضع لإرادة الأمة، لكن ليس بالفهم الليبرالي المطلق، بل بإخضاعه لمرجعية إسلامية. وهو في هذا يحاول أن ينفي وجود السلطة الدينية في الإسلام، ويقر بأن الأمور الدينية هي لأهلها، أما شؤون الدولة فهي للسلطة السياسية.

   وبعدما عرض الكاتب في الشق الأول من الفصل الجدال الذي دار بين محمد عبده وفرح أنطون، ينتقل في الشق الثاني من الفصل إلى علي عبد الرازق، ويستعرض أهم أطروحات كتابه الإسلام وأصول الحكم. يجادل علي عبد الرازق بأن مسألة الخلافة لم تكن من أصول الدين، وأن الإسلام لم يأتِ بشكل محدد للسلطة، بل إن رسالة الإسلام هي رسالة دينية وروحية، وليست رسالة سياسية أو اجتماعية أو غيرها. فالدين ينظم العلاقة بين العبد وربه، ولكنه لا ينظم شكل الحياة السياسية الأمثل في الحياة الإنسانية.

   ومن ثم، فإن مسألة وجود الخلافة من عدمها لا تُعد من الأمور الأساسية في الدين. وهو أيضًا يرى أن دور النبي لم يكن إلا دينيًا فقط، من غير أن يكون سياسيًا. وبهذا نجد أن علي عبد الرازق يريد أن يصل إلى مسألة الفصل بين ما هو ديني وما هو سياسي. غير أن الكاتب يرى أن علي عبد الرازق يقيم هذا الفصل “دون أن يرتكز على أسس منطقية واضحة تجعل موقفه مقنعًا”، لأنه يقع في العديد من الإشكاليات عند الحديث عن حياة النبي، خاصة في مسائل الغزوات وغيرها. ولكن الكاتب يعود ليؤكد بعد ذلك أن غرضه من هذا العرض ليس مناقشة مدى صحة أفكار علي عبد الرازق، بل إن ما يهمه هو أن علي عبد الرازق يمثل امتدادًا للصراع الذي كان دائرًا بين محمد عبده وفرح أنطون، ولطبيعة المسألة الخلافية التي اتصلت أيضًا بما كتبه علي عبد الرازق في كتابه.

   وبذلك نجد أن المؤلف يستنتج في نهاية الفصل أن طبيعة الجدال الذي كان دائرًا في هذه الفترة، أي عند مفكري النهضة الأوائل، كانت تدور كلها حول طبيعة الدولة ووظيفة السلطة السياسية، وأن البحث فيهما ارتبط بشكل رئيسي بمفاهيم التقدم والنهضة، فقد كانت هذه المفاهيم هي الشغل الشاغل لهؤلاء المفكرين، نظرًا لطبيعة الظروف حينها، من سقوط الدولة العثمانية، وظهور الدول الحديثة، ومحاولة التحرر من الاستعمار.

   كما يؤكد الكاتب أن جوهر إشكالية العلاقة بين الدين والدولة لم يكن إشكالية الفصل أو الوصل بينهما فحسب، بل اتصل بشكل رئيسي بإشكالية التقدم والتحديث. فحاول البعض الانطلاق من مرجعية ليبرالية مطلقة، وحاول الآخرون تكييف المفاهيم الليبرالية، كالحرية والديمقراطية والتسامح، مع المرجعيات الإسلامية، أو إعطاءها شرعية إسلامية.

الفصل الثاني: علاقة الدين بالدولة في الخطاب العربي المعاصر

   يتناول المؤلف في هذا الفصل ثلاثة مفكرين معاصرين، جسّد كل واحد منهم موقفًا مختلفًا عن الآخر، وهم: محمد أركون، ومحمد عابد الجابري، وبرهان غليون. ومن ثم، يقسم الفصل إلى ثلاثة عناوين فرعية، يستعرض في كل عنوان منها أحد هؤلاء المفكرين وأهم أفكاره في مسألة العلمانية وعلاقة الدين بالدولة.

أولًا: العلمانية وأزمة العقل العربي الإسلامي عند محمد أركون

   يتصل حديث محمد أركون في مسألة العلاقة بين الدين والدولة بمشروعه الفكري المتعلق بتفكيك آليات اشتغال العقل العربي الإسلامي، فهو ينظر إلى كل الإشكاليات التي ظهرت في المجتمع الإسلامي وفي الفكر العربي من زاوية محدده تحدد مفاهيمه وتكون آرائه وتصيغ تأويلاته.

   يُدرج أركون كل الإشكاليات والقضايا التي تهم العقل العربي الإسلامي، ومن ضمنها مسألة العلمانية، تحت إطار بحثي سماه الإسلاميات التطبيقية“. فهو عندما يتحدث عن نطاق دراسة الإسلاميات، أو الفكر العربي الإسلامي أو الإسلام بشكل عام، يقيم فصلًا واضحًا بين نوعين من الدراسات الإسلامية. النوع الأول يُسميه الإسلاميات الكلاسيكية، وهو النوع الذي يختص بدراسة الإسلام من خلال الأعمال الكلاسيكية وكتابات كبار الفقهاء في الإسلام. ويرى أن هذا النوع، الذي اهتم به المستشرقون بالمناسبة، يؤدي إلى إهمال دراسة الممارسة أو التعبيرات الشفوية للإسلام عند الشعوب، وإهمال الممارسات غير المكتوبة أو المدوّنة، وكذلك المؤلفات والكتابات المتعلقة بالإسلام ودراسته، والأنظمة السيميائية غير اللغوية التي تشكل الحقل الديني أو المرتبطة به.

أما النوع الثاني، الذي أسماه الإسلاميات التطبيقية، فهو يختص بدراسة كل ما أهمله مجال الإسلاميات الكلاسيكية“. وينطلق هذا النوع في دراسته للإسلام من افتراض أنه لا يوجد أي خطاب ديني بريء، أي أنه يحوي في داخله على نوع من الأيديولوجيا، وأن كل خطاب يحوي في داخله نوعًا من تقديس بعض المبادئ التي ارتكز عليها الفكر الإسلامي. ولهذا يرى محمد أركون أن هذا النوع من الدراسات ينطلق من صعوبات فلسفية وثيولوجية تصطدم بالأفكار الراسخة في الذهنية العربية والإسلامية منذ مئات السنين، فهي تحاول أن تنظر إلى نطاق دراسة الإسلاميات بعيدًا عن الاعتبارات الأيديولوجية، وتسعى إلى تبني المنطق الحيادي.

   يتناول أركون على أساس هذا التقسيم مفهوم العلمانية ضمن نطاق دراسات الإسلاميات التطبيقية، ويعمل من خلالها على إعطاء العلمانية مدلولًا لا ينحصر ضمن حدود جغرافية أو ثقافية أو فكرية، بل إن العلمانية تبقى منفتحة ومستوعبة لأي إرث ثقافي إنساني، أي إن لها طابعًا كونيًا. فالعلمانية عند أركون هي موقف للروح وهي تناضل من أجل امتلاك الحقيقة أو التوصل إلى الحقيقة“. وبهذا المعنى الذي وضعه أركون، فإن العلمانية تتحدد لها مسؤوليتان، أولاهما مسؤولية تتعلق بكيفية التعرف إلى الواقع بشكل مطابق وصحيح، أي محاولة الحصول على معرفة تحظى بالتوافق الذهني والعقلي بين النفوس. وثانيتهما تتعلق بمسألة ما بعد التوصل إلى المعرفة أو الحقيقة، أي محاولة إيجاد الصيغة أو الوسيلة المناسبة لتوصيلها إلى الآخر.

   والعلمانية، كما يراها أركون، تعتمد على نمط الثقافات الموجودة في المجتمع، أي على الثقافة العربية الإسلامية في مواجهتها للثقافات الأخرى التي تخترق المجتمعات العربية، والمتمثلة في الهيمنة الاستعمارية والحضارة المادية. ولذلك، انطلق أركون عند تناوله لمسألة العلمانية في الإسلام إلى الدعوة إلى نقد مفهوم العلمانية نقدًا فلسفيًا، وذلك لأنه يرتبط أرتباطًا وثيقًا بمسألة تشكيل الدولة المدنية الحديثة، بمعنى أنه لا يريد نقل مفهوم العلمانية كما هو في الغرب، بل يريد نقده وإعادة فهمه بما يناسب التاريخ والثقافة العربية الإسلامي، ولكن لا ينزع مدلوله.

   ومن ثم، فإن أركون حاول تناول هذه المسألة بالنظر إلى التاريخ الإسلامي، ووقف على الأحداث التي توحي بوجود ممارسة علمانية فيه. ولهذا يعود إلى أول حدث بارز عرفه التاريخ الإسلامي بعد وفاة النبي، وهي أحداث الفتنة الكبرى، فهذه الأحداث، في نظره، هي مفتاح النظر في أصل السلطة وتنظيم الدولة في الإسلام وفهمهما. وبناءً على ذلك، يقف أركون عند التمييز بين ثلاثة مصطلحات إسلامية مختلفة: الإمامة، والخلافة، والسلطنة. فيرى أن المصطلحين الأولين يحملان مدلولين روحيين وزمنيين، أما الأخيرة فتحمل مدلولًا زمنيًا فقط.

   كما يوضح أركون أن النبي كان في تجربة مكة والمدينة مجسدًا للقائد والموجه، وجامعًا في شخصه بين الدورين الديني والدنيوي معًا، وهو ما سيطرح إشكالية استمرار هذه التجربة بعد وفاة النبي. ومع اتباع أركون للمنهج التفكيكي لقراءة التاريخ الإسلامي، استنتاج أركون أن السلطة في الإسلام، وفي تاريخها كله بعد وفاة النبي، كانت سلطة زمنية لا دينية، موجهة من قِبل السيادة الدينية. وهو بذلك يثبت، من خلال النظر في التاريخ الإسلامي، أن هناك فصلًا بين السلطة الزمنية والسلطة الروحية في الإسلام، وينفي ما كان يُقال من أن الإسلام لم يعرف أبدًا في تاريخه التفريق بين الديني والدنيوي.

   يستنتج أركون في النهاية أن السلطة في الإسلام بعد وفاة النبي لم تكن إلا سلطة زمنية، ويؤكد أن الشرعية التي أُعطيت للخليفة، بوصفه المتحمل لمسؤوليات النبي، غير صحيحة، لأنه يرى أن السلطة في الإسلام جاءت بمدلول دنيوي، وتحت شرعية القوة بشكل كامل في عام 661م. ومن هنا نجد أن أركون يرفض مسألة الخلط بين الزمني والروحي في الإسلام، ويرى أن التاريخ الإسلامي يثبت وجود العلمانية فيه.

ثانيًا: علاقة الدين بالدولة ومسألة الخصوصية عند محمد عابد الجابري

   ينطلق الجابري في مناقشته لمسألة العلاقة بين الدين والدولة بالنقد للخطابات التي تناولت هذه العلاقة، وبخاصة الخطاب السلفي، والخطاب الليبرالي. ويرى أن هذه الخطابات دارت تحت إطار أعم كان يتناول مسألة العروبة والإسلام أيضًا، فالخطاب لم ينحصل في جانب الفصل أو الوصل بين الدين والدولة، بل وأيضًا بين العروبة والإسلام. فالخطاب الليبرالي، من وجهة نظر الجابري، كان يهدف إلى فصل العروبة عن الإسلام، للوصول في النهاية إلى فصل الدين عن الدولة، أما الخطاب السلفي كان يهدف من وراء الربط بين العروبة والإسلام إلى الوصول إلى دولة على قاعدة الشريعة الإسلامية.

   غير أن الجابري يفترض في الأساس أن ثنائية الدين والدولة هي ثنائية دخيلة على الثقافة العربية، إذ إن سؤال “هل الإسلام دين ودنيا؟ لم يكن موجودًا في الأساس في القرون السالفة، ولا في المرجعية التراثية، بل يرى أن هذه الثنائية ظهرت منذ منتصف القرن التاسع عشر، مع شيوع أفكار النهضة المستوحاة من الغرب في المجال العربي. وبذلك نجد أن الطرح الذي يقدم نموذج فصل الدين عن الدولة ما هو إلا نموذج متأثر بالحضارة الغربية، وهي فكرة لم يتم تبيئتها في الإطار العربي. ومن هنا، يتجه الجابري في هذه المسألة إلى مناقشة الخطابات التي تناولتها، فالحركة السلفية تتبع التاريخ من أجل أن تصل إلى نتيجة مفادها أن الإسلام دين ودولة، ولكنها تقع في إشكالية أنها بذلك تقرأ التاريخ في الشرع، وتقرأ الشرع في التاريخ، مثلما تقرأ الدولة في الدين والدين في الدولة“. وهي في الأساس تغفل جانبًا مهمًا للغاية، يتمثل في أن التراث لم يفترض قط وجود دين متميز، أو قابل للتمييز والفصل عن الدولة، كما لم يكن هناك قط دولة تقبل أن يُفصل الدين عنها.

   أما بالنسبة إلى الخطابات الليبرالية، فهي تتحكم فيها التجربة الأوروبية والمرجعية الليبرالية، وبذلك نجد أن الليبرالي العربي وعيه معلق بالتاريخ الأوروبي، ولكنه يعيش في واقع يختلف عن الواقع الأوروبي. وعليه، يستنتج الجابري أن أزمة الخطاب العربي تكمن في أنه يمارس السياسة لا كخطاب في الواقع، بل كخطاب يبحث عن واقع آخر، فهو يقفز على الواقع العربي المعاصر، وينظر إما إلى الواقع العربي الإسلامي الماضي، وإما إلى الواقع الأوروبي الحاضر في ثوبه الليبرالي أو ما بعد الليبرالي.

   يستنتج الجابري في بحثه في مسألة العلاقة بين الدين والدولة أن مفارقة التقدم والتأخر، استنادًا إلى الفصل أو الوصل بين الدين والدولة، هي مفارقة زائفة في الأساس، لأنها تقفز على الواقع، وتغطي على مشكلات أخرى أعمق، كالطائفية في بعض البلدان العربية، ومسألة الديمقراطية في الوطن العربي. وقد اعتبر الجابري مسألة العلاقة بين الدين والدولة مسألة قطرية خاصة ببعض الدول العربية وليست مسألة قومية، ويجب النظر إليها بوصفها مشكلة جزئية تتعلق ببعض البلدان فقط، لا بكل البلدان العربية.

   وبناءً على ذلك، يطرح المؤلف تساؤلًا مهمًا مفاده: إذا كانت العلمانية إذن عند الجابري مسألة مزيفة وقطرية، فما الهدف من طرحها في العالم العربي؟ يرى المؤلف أن الجابري يجيب عن هذا السؤال بأن الهدف الرئيسي من طرحها هو التعبير عن حاجات أخرى، يلخصها الجابري في الحاجة إلى وجود الديمقراطية والعقلانية. ولهذا يدعو الجابري إلى استبعاد شعار العلمانية، بحكم أنه منقول من الغرب، والسعي بدلًا من ذلك إلى إعلاء شعار الديمقراطية والعقلانية، لأنه الشعار المعبر عن الحاجات الراهنة للمجتمعات العربية، وبالتالي فهو شعار قومي يهم جميع الأقطار العربية. كما يدعو إلى استنبات هذه المفاهيم في التربة الثقافية العربية، وتكييفها مع الواقع العربي.

   غير أن الكاتب يطرح مفارقة مهمة، تتمثل في أنه إذا كان الجابري يرفض شعار العلمانية بحكم أنه منقول من الغرب، فكيف يقبل شعاري الديمقراطية والعقلانية، وهما في الأساس من الشعارات الليبرالية الغربية؟، فهو لا يقدم، من وجهة نظر المؤلف، حججًا أو ربطًا منطقيًا يبرر بها استبدال الجزئي بالكلي. ويصل الكاتب من خلال هذا الطرح إلى أن الجابري عندما يستبدل شعار العلمانية بشعار الديمقراطية، فهو في الأصل يسعى إلى الوصول إلى المسعى نفسه الذي يهدف إليه أنصار فصل الدين عن الدولة: تحقيق الحداثة السياسية على صعيد الدولة، وممارسة العقلانية على صعيد المجتمع من أجل التقدم والمستقبل“. وبهذا يرى الكاتب أن مبدأ الحداثة هو القاسم المشترك بين الجابري وأنصار فصل الدين عن الدولة، فيقول “إذا كانت الديمقراطية بالنسبة إلى الجابري هي السبيل إليها، فبالنسبة إلى أنصار الفصل بين الدين والدولة، العلمانية هي الطريق.

ثالثًا: تعريب العلمانية عند برهان غليون

   يتميز برهان غليون، من وجهة نظر المؤلف، عن الأطروحتين السابقتين بأنه لم يضع علاقة فاصلة أو واصلة بين الدين والدولة، بل وضع إطارًا توفيقيًا بينهما. ويبدأ غليون في تحليله لمسألة العلاقة بين الدين والدولة بالنظر إلى هذه المسألة في التاريخ البشري، أي في طبيعة العلاقة بينهما في جميع الأديان، حتى الوثنية منها. فنجد أن غليون يقسم التاريخ إلى مرحلتين: مرحلة ما قبل ظهور الديانات السماوية وانتشارها، حيث كانت العلاقة فيها تتشكل في إطار لزومي، أو على الأقل توافقي، بين الدين والدولة، بمعنى أنه لم يكن بينهما تناقض أو تضاد. ومرحلة ما بعد ظهور الأديان السماوية، حيث بدأ الصراع بين الدين والسياسة، فطُرحت على إثرها مسألة السلطة السياسية أو الدولة وعلاقتها بالدين.

   ينتقل غليون، على أساس هذا التحليل إلى النظر في واقع الدولة الإسلامية، فيرى أن السلطة الزمنية، أي الدولة، لم تولد إلا بعد وفاة النبي، وخاصة بعد اغتيال عثمان بن عفان، حيث سيظهر صراع علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان. ويجسد هذا الصراع بين الرجلين، من وجهة نظر غليون، الصراع بين الدين والسياسة، فإذا كان علي بن أبي طالب يمثل الدين، فإن معاوية يمثل السياسة. وفي خضم هذا الصراع، انبعثت الدولة الإسلامية حاملةً معها إشكالية الصراع والعلاقة بين الدين والدولة.

   ومن خلال العودة إلى التاريخ الإسلامي، وإلى أحداث الفتنة الكبرى، يتطرق غليون إلى مسألة العلمانية في الإسلام، لكنه قبل أن يتطرق إليها يقف عند لحظة ميلادها في الغرب. إذ يرى غليون أن العلمانية ظهرت في الغرب نتيجةً للتوترات التي عرفتها أوروبا في علاقة الدين بالدولة، أي علاقة رجال الدين بالسياسة، وسيطرة الكنيسة وهيمنتها على الحياة. وعلى إثر العنف الحاصل في أوروبا، ستظهر العلمانية كحلًا للصراع بين الكنيسة والدولة. وهذه العلاقة في نظره تخص أوروبا وحدها في حقبة زمنية محددة، ولا يمكن تعميمها على جميع المجتمعات والأديان، لأن علاقة الدين بالدولة غالبًا ما تكون في حالة انسجام وتفاهم، وهو حال العالم الغربي اليوم. فالدولة الإسلامية لم تعرف حالة التوتر هذه من قبل، بل كادت أن تعيشها وتقع في إشكالية مماثلة بعد دمار الدولة العباسية، لكن الوحدة الدينية المتمثلة في الدين الإسلامي حالت دون ذلك.

   ولكن بعد ظهور الدول الحديثة في العالم العربي، برزت إشكالية العلاقة بين الدين والدولة، نظرًا إلى أن التسويات التاريخية بين الدين والدولة في المجتمعات العربية والإسلامية لم تستطع أن تعيش طويلًا. ولهذا السبب يستنتج غليون أن إشكالية العلمانية، إذا كانت لم تُطرح من قبل في الفكر العربي الإسلامي، “فذلك لأن الإسلام، منذ أن جعل الرسالة المحمدية خاتمة النبوة وكل الوحي في العالم، أعطى العقل، بدءًا من ذلك الوقت، الدور الوحيد في تسيير المجتمع حتى قيام الساعة“. كما أن الإسلام خلا من سلطة دينية رسمية أو كنسية.

   ولكن إذا كان ظهور العلمانية في الغرب قد جاء حلًّا للصراع بين الكنيسة والدولة، فإنها ظهرت في العالم العربي بوصفها حلًّا للصراع بين الاتجاه التقليدي والاتجاه التجديدي، ومن أجل التوفيق بين التيارين الموجودين في المجتمع. فالعلمانية، من وجهة نظر غليون، تعمل على التوفيق بين الدين والسياسة، وبذلك فهي تعمل على التوفيق بين الأصالة والمعاصرة.

   وبهذا المعنى، فإن ظهور العلمانية في العالم الإسلامي لم يرتبط بالصراع بين الدين والدولة، بل ارتبط في جوهره بالصراع حول الحداثة والتقليد. غير أن هذا الصراع لم يكن غريبًا عن التاريخ الإسلامي، فقد عُرف عبر تاريخه بتلوينات وأشكال مختلفة. ولهذا يرى غليون أن العلمانية لم تكن غريبة بدورها عن المجتمع الإسلامي. إلا أن غليون يعطي تعريفًا محددًا للعلمانية، قد يُرى أنه مخالف لبعض المفاهيم الأخرى التي وُضعت لها في السياق الغربي، إذ يرى أن العلمانية “هي نظرية تسعى، من بين ما تسعى إليه، إلى مواجهة الواقع وفهمه. والسؤال الجوهري الذي ينطلق منه غليون حول هذه المسألة هو: ما الواقع الذي “تسعى العلمانية، كنظرية ووسيلة فهم، إلى أن تدلنا عليه، وتساعدنا على تنظيمه والتغلب عليه؟“”.

   وعليه، يرى غليون أن العلمانية طُرحت كنظرية بمعنيين: المعنى الأول إجرائي سياسي، الغرض منه تنظيم العلاقة بين الدين والدولة. أما المعنى الثاني فهو معنى فلسفي، الغرض منه إدارة الرأسمال الفكري، وتنظيم العلاقات داخل العقل نفسه بين مصادر القيم والرموز القديمة والحديثة، الدينية والعلمية، الروحية والمادية.

يرى غليون أن الصراع الذي حدث بين المحافظين والمجددين حول المعنى الحقيقي للعلمانية قد ظهر عندما أصبح الصراع يدور حول السلطة السياسية. وقد أصبح الحداثيون يتعاملون مع مبدأ العلمانية بوصفه عقيدة ومذهبًا. وبهذا تحولت مشكلة العلمانية إلى مصدر نزاع مذهبي وعقائدي في المجتمعات العربية والإسلامية. وقد أدى هذا التحول إلى جعل العلمانية في العالم العربي والإسلامي تؤدي دورًا في إذكاء الصراع داخل المجتمع. وبهذا تحول الصراع حول الحداثة إلى صراع حول السلطة السياسية. وهذا الصراع، من وجهة نظر غليون، نجد فيه الدولة، بوصفها جهازًا، طرفًا فيه، إما إلى جانب هذا التيار أو ذاك. وفي التاريخ الإسلامي أحداث كثيرة تبين دعم السلطان لهذا التيار في شخص الفقيه، أو للتيار الآخر في شخص الفيلسوف.

   ومن هنا، ينتقل غليون إلى البحث في طبيعة إشكالية الدين والدولة في المجتمعات الإسلامية، ويرى أنها في الغرب كانت تعني سيطرة السلطة الكهنوتية على السلطة السياسية، أما في المجتمعات الإسلامية والتاريخ الإسلامي، فقد كانت تعني هيمنة السلطة السياسية على الدين من خلال احتوائه وتوظيفه. وبهذا، فإن العلمانية في الغرب لا تصلح لتحليل إشكالية العلاقة بين الدين والدولة في السياق العربي والإسلامي. وبناءً على ذلك، يدعو غليون إلى “تعريب العلمانية“، بمعنى التخلي عن معناها الغربي، والتعامل معها انطلاقًا من محددات الواقع العربي والإسلامي. كما يرى غليون أن الواقع العربي واقع يتداخل فيه الدين والحداثة، فلا يمكننا استبعاد الدين، كما لا يمكننا استبعاد الحداثة. ويرى أن عملية التوفيق بين الاتجاهين لن تتحقق إلا عن طريق المصالحة بين أنصار الحداثة وأنصار التراث، ونبذ الصراع القائم بينهما، على أساس التعاون والوحدة ضمن القاعدة الديمقراطية.

ينهي المؤلف حديثه في هذا الفصل بأن أطروحة غليون تتلاقى مع الأطروحتين السابقتين وتتجاوزهما، فهو لم ينسق إلى جانب العلمانية، ولم يكن معاديًا لها بوصفها شعارًا لا يمثل حقيقة المشكلات التي يعيشها العالم العربي، بل قام بالتوفيق بين الأطروحتين السابقتين. فإذا التقت أطروحة غليون مع طرح أركون في الدعوة إلى تعريب العلمانية، فإنها في الوقت نفسه تتجاوزه من خلال التأصيل النظري للدعوة إلى التوفيق. وإذا التقت مع طرح الجابري في الدعوة إلى الديمقراطية، فإنها تتجاوزه بالربط بين العلمانية والديمقراطية، من دون التخلي عن شعار لصالح شعار آخر.

الفصل الثالث: الآنا كهوية وتاريخ

   يتناول هذا الفصل في طياته عدة موضوعات تتمحور جميعها حول إشكالية فهم فكرة العلمانية نفسها، ونظرة الذات العربية المسلمة لنفسها وللآخر في التراث العربي الإسلامي وفي الفكر العربي المعاصر، وأيضًا إشكالية الدولة المدنية ورهانات التحديث في المجتمعات العربية.

   يبدأ الكاتب حديثه في هذا الفصل عن فكرة العلمانية بين من يتناولها كتوجه يقوم على التفكير وفهم الواقع وتوسيع الوعي، وبين من يأخذها كمذهب علماوي وعقيدة، فالعلماوية بوصفها مذهبًا خلقت نوعًا من الغموض والالتباس. وبهذا يفرق الكاتب بين الأمرين، ويرى أن العلمانية اليوم لم تعد مرتبطة بظروف سوسيو-سياسية محددة وثابتة، بل يجب تكييفها تبعًا لتغير الظروف، إذ تتغير مدلولاتها وأسئلتها وإشكالياتها بتغير السياقات التي توجد فيها. فهي، من وجهة نظر الكاتب، لم تعد مرتبطة فقط بمسألة فصل الدين عن الدولة، بل بعملية التحديث بشكل أعم وأشمل.

   ومن هنا، يوجه الكاتب أنظاره إلى مسألة تناول الفكر العربي لإشكالية العلاقة بين الدين والدولة منذ أواخر القرن التاسع عشر وحتى الآن. ويرى أن المفكرين النهضويين والمعاصرين بحثوا جميعهم في إشكالية العلمانية ضمن إشكالية التحديث بصفة عامة، وكمفهوم له ارتباطات قوية بعدة مفاهيم أخرى، كمفهوم الديمقراطية على سبيل المثال. ولذلك، يفترض المؤلف أن جوهر التفكير في علاقة الدين بالدولة في الفكر السياسي العربي، بشقيه النهضوي والمعاصر، كان أساسًا للتفكير في تحديث الدولة على وجه الخصوص، أي إنه كان يرتكز أساسًا على مسألة الحداثة السياسية.

   ينتقل الكاتب بعد ذلك إلى موضوع آخر، يتحدث فيه عن مفهوم الغيرية في الفكر العربي والإسلامي. ويصرح الكاتب، في بداية تناوله لهذا الموضوع، بأن مفهوم الأنا والآخر هو في حقيقة الأمر، علاقة تربط بين الذات والغير، أو بين العالم الداخلي والعالم الخارجي، سواء أكان ذلك بشكل مباشر وواع أم بغير ذلك. فإذا كانت الأنا مفهومًا شبه محدد في الذات، فإن الآخر يظل مفهومًا تُطرح حوله مجموعة من الأسئلة، من حيث اختلافه عن الأنا أو الذات، وكيفية تميزه عن الغير.

   إن الحديث عن الأنا والآخر في الثقافة العربية الإسلامية منذ علماء الكلام إلى الفلاسفة والفقهاء هو أمر مهم من وجهة نظر الكاتب، وذلك لأنها هي ما تمهد لنظرة العربي المسلم اليوم للآخر. فيرى إن نشأة الفكر الإسلامي كانت في حد ذاتها نشأه أصرت على صراع الآنا والآخر، حيث كانت العقيدة الإسلامية في مواجهة العقائد الأخرى. إلا أنه أيضًا كان الغير في الثقافة الإسلامية يمثل منبعًا للتراث أيضًا كالثقافة اليونانية وتأثر فلاسفة المسلمين لها.

   وأما ما ميز مسألة الأنا والآخر في الفكر العربي المعاصر، فهو مسألة تقدم الغرب بوصفه مجسدًا للغير، وتخلفنا نحن بوصفنا مجسدين للأنا، حيث شغل هذا السؤال المتمثل في “لماذا تقدم الغرب وتأخرنا نحن؟” بال الفكر العربي المعاصر. والمضمر في هذا السؤال، حسب رأي المؤلف، أنه لأول مرة في تاريخ العرب والمسلمين أصبح هناك اعتراف بتأخرهم ودونيتهم تجاه الآخر، في حين أن تاريخ العرب والمسلمين كان، في جانب كبير منه، تاريخ إحساس بالتفوق. وانطلاقًا من ذلك، حاول مختلف المفكرين، من شتى الاتجاهات، الرد على هذا السؤال من زوايا واتجاهات مختلفة.

   يختتم الكاتب الفصل الثالث بحديثه عن إشكالية الدولة المدنية ورهانات التحديث في المجتمعات العربية، إذ يرى أنه في الوقت الحالي يجب الحديث بشكل أكبر عن المعوقات التي تقف أمام بناء دول مدنية حديثة في مجتمعاتنا العربية. فلا يخفى على المهتم بالفكر السياسي ما يحمله مفهوم الدولة المدنية من دلالات ومعان مرتبطة أساسًا بمفاهيم مترابطة، ومن أهمها مفهوم الديمقراطية. وفي هذا السياق، يبحث المؤلف في نهاية الفصل الثالث في النظريات المؤسسة لشكل الدولة المدنية الحديثة، وفي التحولات التي أنتجت هذه الدولة في الغرب.

   ومن ثم، ينتقل الكاتب إلى مسألة التحديث في العالم العربي، وإلى جذور نشأة الدولة بشكلها الحديث فيه. ويرى الكاتب أننا في حاجة إلى نقد عملية التحديث في العالم العربي، لأنها باءت بالفشل، حيث نشأت الدول الحديثة في العالم العربي بشكل مشوه، وتعاني من العديد من المشكلات والاختلالات. فدائمًا ما تُطرح الإصلاحات بطريقة شكلية، لا على نحو مؤسسي وجذري. كما أن معظم أشكال التحديث التي أُدخلت إلى العالم العربي لم تُغير من آلية العمل السياسي إلى الشكل الحديث، بل ظل شكلها التقليدي مستمرًا.

رؤية نقدية للكتاب: حول إشكاليات المفهوم والبناء الفلسفي

   لا شك أن الأطروحات التي قدمها الكاتب “مراد زوين” في كتابه الإسلام والحداثة” تُعد في غاية الأهمية، إذ استطاع إعادة طرح إشكالية العلاقة بين الدين والدولة في الفكر العربي من عدة زوايا، كما عرض هذه الإشكالية منذ لحظة ظهورها في أواخر القرن التاسع عشر وحتى الوقت الحاضر، وهو ما دفع الباحث إلى الوقوف على الأطروحات التي قدمها الكاتب والتعمق في تفاصيلها. وعلى الرغم من ذلك، فإن الكاتب وقع في عدة إشكاليات، وأثار عددًا من الملاحظات النقدية على المستويات الفلسفية والمنهجية والشكلية، وهو ما يحاول الباحث تفنيدها ونقدها من عدة أوجه.

   فمن الناحية الفلسفية، تكمن إشكالية الكتاب في أن المؤلف يتعامل مع العلمانية بوصفها موقفًا عقلانيًا ونقديًا تتحدد من خلاله أسس نهضة المجتمع وحداثته. فهي تظهر في أطروحة أركون باعتبارها موقفًا نقديًا يعمل على التعرف إلى الواقع ونقده من أجل الوصول إلى الموقف الصحيح، كما تظهر في أطروحة الجابري بوصفها شعارًا سياسيًا يحمل في طياته عدة إشكاليات ومعاني لا تتلاءم مع واقعنا العربي. وأحيانًا تظهر باعتبارها أداة توفيقية بين الحداثة والتراث، كما عند برهان غليون.

   ولكن الإشكالية الأهم هنا تكمن في عدم توضيح الكتاب لإشكالية تعريف مفهوم العلمانية ذاتها، إذ يُعد مصطلح العلمانية من أكثر المصطلحات إشكاليةً من حيث التعريف، سواء في المعجم الغربي أو في التداول الفكري العام. فعلى الرغم من أنه نشأ في السياق الغربي، كما عرض المؤلف في بداية الكتاب، فإنه لم يوضح أنه ظل لفترة طويلة محل خلاف، ولا تزال تدور حوله العديد من الجدالات حتى الآن، على الرغم من تعدد التعريفات التي وضعت له في القواميس المختلفة. فالعلمانية، من حيث التعريف اللغوي، هي ترجمة لكلمة “سيكولاريزم” “Secularism”، المشتقة من الكلمة اللاتينية “سيكولوم” “Saeculum”، التي تعني العصر أو القرن، كما تُعرف أيضًا بأنها العالم أو الدنيا في مقابل الكنيسة، وكان هذا المعنى هو السائد في العصور الوسطى.[1]

   وفي البداية، كان مصطلح العلماني محدود الدلالة، إذ كان يعني نقل ممتلكات الكنيسة إلى الدولة أو إلى سلطة سياسية غير دينية. غير أن المصطلح شهد العديد من النقلات النوعية مثل تعريف جون هوليك، الذي يرى فيه العلمانية هي “الإيمان بإمكانية إصلاح حال الإنسان من خلال الطرق المادية، دون التصدي لقضية الإيمان، سواء بالقبول أو بالرفض”.[2] غير أن هذا التعريف فتح الباب أمام العديد من الأسئلة والإشكاليات الأخرى، إذ إنه يفترض وجود نموذج ورؤية معرفية متكاملة وشاملة وكونية للعالم.

   فالعلمانية لا تقتصر في جوهرها على التعريف الجزئي الذي يدور حول فصل الدين عن الدولة، بل قد تُفهم بوصفها رؤية شاملة تمتد إلى مختلف جوانب الحياة. وفي هذا السياق، يمكن التعرض إلى التعريفات التي قدمها عبدالوهاب المسيري، في كتابه “العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة: الجزء الأول“، للعلمانية. فلقد قدم المسيري تعريفين للعلمانية، تعريفًا جزئيًا، ويعني فصل الدين أو القيم الدينية عن السياسة والاقتصاد، أو فصل المؤسسة الدينية عن المؤسسات السياسية، وتعريفًا شاملًا أو كليًا، ويعني فصل القيم الدينية عن جميع مناحي الحياة الإنسانية، أي نزع القيم الدينية والأخلاقية عن مختلف أفعال الإنسان ومجالات نشاطه.[3]

   وقد عرض المسيري، التعريف الاصطلاحي للعلماني كما أورده قاموس أكسفورد، والذي تتلخص تعريفاته في الانتماء إلى المجال الدنيوي لا الديني، بمعنى أن أي شيء يُطلق عليه وصف “علماني” إنما ينتمي إلى الدنيا، لا إلى المجال الديني أو المقدس. وتتراوح تعريفات أكسفورد بين العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة. غير أن من أهم ما أشارت إليه تعريفات أكسفورد، في معرض تعريفها للعلماني، أنه مفهوم زمني ينتمي إلى الدنيا، وأن فكرة الزمنية تُعد فكرة ملازمة للعلمانية منذ البداية.[4] أي أن العلمانية في نهاية المطاف هي الرؤية المادية لكافة مناحي الحياة.

   ولهذا، كان لا بد للمؤلف في بداية الكتاب من التعرض لإشكالية المفهوم ذاته قبل التطرق إلى إشكاليات فهمه في العالم العربي، حتى نكون على بينة من هذه التعريفات.

   كما أن المؤلف يجعل من الحداثة أفقًا حاكمًا لمعظم أطروحاته، إذ تبدو إشكالية الدين والدولة في النهاية مرتبطة بإشكالية التحديث والتقدم. غير أن المؤلف لا يمارس نقدًا كافيًا لمفهوم الحداثة نفسه، ولا يستعين بأطروحات أخرى لنقد مفاهيم الحداثة ذاتها، بل يتعامل معها وكأنها الغاية الوحيدة، غافلًا عن طرح عدة أسئلة، مثل: هل الشكل الغربي للحداثة هو الشكل الأمثل للعالم العربي والإسلامي؟ ولعل الكاتب قد تطرق إلى هذه المسألة في جزئية أطروحات محمد عابد الجابري، وسعيه إلى تعريب العلمانية، لكنه لم يُفرد لها فصلًا مستقلًا يبحث في إشكالياتها.

   وأما من الناحية المنهجية، فإن الكتاب يتميز بأنه يعتمد على عرض أطروحات متنوعة لمجموعة من المفكرين النهضويين والمعاصرين، مثل: محمد عبده، وفرح أنطون، وعلي عبد الرازق، ومحمد أركون، ومحمد عابد الجابري، وبرهان غليون. كما أنه ألتزم بمنهجيته في استنطاق كتابات هؤلاء المفكرين، واستخراج موقف كل واحد منهم من علاقة الدين بالدولة من متن كتاباته.

   غير أن اختيار المؤلف للمفكرين، على أهميته، يظل محدودًا، لأنه لا يغطي كل الاتجاهات الفكرية التي تناولت إشكالية الدين والدولة في الفكر العربي. ويرجع ذلك إلى أن المؤلف يتطرق غالبًا إلى المفكرين الذين يجعلون من الحداثة وأطروحاتها إطارًا منهجيًا لهم. ولذلك، كان من الأفضل التطرق إلى مفكرين آخرين يحاولون التعامل مع التراث والحداثة وإشكالية الدين والدولة من داخل التراث ذاته، ومن أشهرهم المفكر المغربي طه عبد الرحمن، الذي يرى أن للتراث مناهجه الخاصة التي ينبغي أن تُستمد من ذاته، وأن يُقرأ من داخله ومن خلاله. كما أن طه عبدالرحمن لا يرفض الحداثة من حيث المبدأ، لكنه ينتقد صورتها الغربية القائمة، ويدعو إلى حداثة ذات أساس أخلاقي وروحي، تنبع من خصوصية المجال التداولي العربي الإسلامي ومن خصوصية تراثه.[5]

   أما من الناحية الشكلية، فإن الكتاب كان منظمًا ومنطقيًا في عرضه، إلا أن الفصل الثالث بدا أكثر اتساعًا وتشعبًا من الفصلين السابقين، إذ ينتقل فيه المؤلف من العلمانية إلى الأنا والآخر، ثم إلى الدولة المدنية ورهانات التحديث. ومن ثم، فإن هذا الفصل كان أقرب إلى تجميع بعض القضايا المتصلة بإشكالية الدين والدولة، أكثر منه استكمالًا للبنية المنهجية للكتاب، التي تتمثل في عرض أطروحات المفكرين الرئيسيين.

   وختامًا، يمكن القول إن كتاب “الإسلام والحداثة: مقاربات في الدين والسياسة” لمراد زوين يمثل محاولة جادة لإعادة التفكير في واحدة من أكثر الإشكاليات حضورًا في الفكر السياسي العربي، وهي إشكالية العلاقة بين الدين والدولة. فقد استطاع المؤلف أن يتتبع هذه الإشكالية تاريخيًا وفكريًا، بدءًا من لحظة تشكلها في الفكر النهضوي العربي، مرورًا بأطروحات المفكرين المعاصرين، وصولًا إلى ربطها بقضايا أوسع متصلة بهذه الإشكالية، مثل نظرة الذات العربية إلى الآخر، وإشكاليات تأسيس دولة مدنية صحيحة.

   ومن ثم، فإن أهمية الكتاب لا تكمن فقط في عرضه لمواقف مفكرين مختلفين، بل في محاولته الكشف عن أن سؤال الدين والدولة دائمًا كان سؤالًا متصلًا بموضوع أعمق، وهو موضوع التقدم والتحديث وبناء الدولة الحديثة. غير أن هذه الأهمية لا تمنع من وجود بعض الملاحظات على الكتاب، سواء من حيث عدم التوسع الكافي في ضبط مفهوم العلمانية ذاته، أو من حيث جعل الحداثة أفقًا حاكمًا دون إخضاعها لنقد فلسفي كاف، أو من حيث محدودية النماذج الفكرية المختارة، التي انتمى أغلبها إلى أفق حداثي واضح.

   ورغم هذه الملاحظات النقدية، فإنه لا يمكن إغفال أن الكتاب يُعد عملًا مهمًا في مجال الفكر السياسي العربي، لأنه يفتح المجال أمام إعادة التفكير في العلمانية والدولة والحداثة من داخل السياق العربي الإسلامي. لكنه، في الوقت نفسه، يترك الباب مفتوحًا أمام دراسات أخرى أكثر اتساعًا وعمقًا، تعيد ضبط المفاهيم، وتوسع دائرة النماذج الفكرية، وتبحث في إمكان بناء مقاربة عربية وإسلامية قادرة على تجاوز ثنائية النقل الحرفي عن الغرب أو الانغلاق الكامل داخل التراث.


[1] عبدالوهاب المسيري، “العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة: الجزء الأول“، (القاهرة، دار الشروق، 2002)، ص53-54.

[2] المرجع السابق، ص54.

[3] المرجع السابق، ص54-55.

[4] المرجع السابق، ص57.

[5] جميل حمداوي، “طه عبد الرحمن والقراءة التداولية للتراث(*)“، مركز دراسات الوحدة العربية، 2 أغسطس 2017. https://caus.org.lb/%D8%B7%D9%87-%D8%B9%D8%A8%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D8%AD%D9%85%D9%86-%D9%88%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%B1%D8%A7%D8%A1%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%AF%D8%A7%D9%88%D9%84%D9%8A%D8%A9-%D9%84%D9%84%D8%AA%D8%B1/

باحث في النظرية السياسية بمركز ترو للدراسات

صورة عرض كتاب ترامب
صورة عرض كتاب محمد
صورة عرض كتاب نعمة
موكاب عرض كتاب يارا
صورة مقال عاصم
Scroll to Top