يشكل كتاب “How the Radical Right Has Changed Capitalism and Welfare in Europe and the USA ” إضافة مهمة في دراسة التحولات التي تشهدها الديمقراطيات الغربية المعاصرة خاصة مع الصعود المتزايد لأحزاب اليمين الراديكالي واتساع حضورها داخل مؤسسات الحكم وصنع القرار. وتنبع أهمية الكتاب من تركيزه على جانب غالبًا ما جرى تهميشه في دراسة هذا التيار السياسي، وهو تأثيره في السياسات الاقتصادية والاجتماعية بدلًا من الاقتصار على تحليل خطابه المرتبط بالهجرة أو القومية أو الشعبوية. ومن هذا المنطلق، يحاول الكتاب تفسير الكيفية التي يعيد بها هذا التيار تشكيل السياسات العامة بما ينعكس بصورة مباشرة على أنماط الرفاه والحماية الاجتماعية داخل الدولة.
وتبرز أهمية الكتاب كذلك في أنه يقدم إطارًا تفسيريًا جديدًا لفهم العلاقة بين اليمين الراديكالي والرأسمالية من خلال تجاوز التصنيفات التقليدية التي تنظر إلى الأحزاب السياسية باعتبارها إما مؤيدة لدولة الرفاه أو داعمة لسياسات السوق الحرة. فالكتاب يوضح أن اليمين الراديكالي طور نموذجًا خاصًا يقوم على ما يسميه “الحماية الانتقائية” أي توجيه المزايا الاقتصادية والاجتماعية نحو فئات قومية محددة مع استبعاد فئات أخرى تُعد خارج الجماعة الوطنية. ومن خلال دراسة حالات مقارنة تشمل: النمسا، الدنمارك، المجر، والولايات المتحدة الأمريكية في عهد ” دونالد ترامب”، يساهم الكتاب في تفسير إعادة تعريف العدالة الاجتماعية وفق اعتبارات الهوية والانتماء القومي.
كتب هذا الكتاب الباحث “فيليب راثجيب” وهو متخصص في مجال السياسات الاجتماعية والاقتصاد السياسي، ويعمل أستاذًا جامعيًا بجامعة “إدنبرة”. تركز أبحاثه على دراسة قضايا دولة الرفاه، وعلاقات العمل، والسياسات الحزبية مع اهتمام خاص بتحليل العلاقة بين الرأسمالية والديمقراطية وكيف تؤثر التحولات الاقتصادية والسياسية في إعادة تشكيل النظم الاجتماعية. ويُعد من الباحثين الذين أسهموا في تقديم تحليلات مهمة لفهم التحولات التي تشهدها المجتمعات الأوروبية المعاصرة خاصة فيما يتعلق بالسياسات الاجتماعية وتطور دور الدولة الحديثة.
وينقسم إلى جزئين رئيسيين يعكسان البناء التحليلي الذي اعتمده المؤلف في تفسير التحولات التي شهدتها سياسات اليمين الراديكالي المعاصر. يركز الجزء الأول على الأسس النظرية والفكرية التي تفسر تطور هذا التيار من خلال مناقشة الإشكالية الرئيسية للكتاب، والتحول التاريخي الذي نقل اليمين الراديكالي من توجهاته النيوليبرالية التقليدية إلى نموذج جديد قائم على الحماية الانتقائية، بالإضافة إلى الإطار التفسيري الذي يوضح العلاقة بين الأيديولوجيا اليمينية والسياقات الاقتصادية والاجتماعية المختلفة. أما الجزء الثاني، فيتناول التطبيقات المقارنة لهذه التحولات عبر دراسة عدد من النماذج الدولية موضحًا كيف تتباين أدوات اليمين الراديكالي من دولة إلى أخرى مع بقاء الهدف الأساسي ثابتًا والمتمثل في إعادة توجيه الحماية الاقتصادية والاجتماعية لصالح الجماعة القومية المحلية وإقصاء الفئات الأخرى.
أولًا: الجزء النظري – التحولات الفكرية والأيديولوجية لليمين الراديكالي
يبدأ هذا الجزء بالفصل الأول الذي يطرح الإشكالية المركزية للكتاب والمتمثلة في تفسير سبب اختلاف السياسات الاقتصادية والاجتماعية لأحزاب اليمين الراديكالي بين الدول المختلفة رغم انطلاقها من مرجعيات أيديولوجية متقاربة. ويوضح المؤلف أن هذا التيار لا يفصل بين الاقتصاد والثقافة بل يعيد توظيف قضايا مثل الهوية والهجرة والأسرة داخل عملية توزيع الموارد والحقوق بحيث تصبح الحماية الاجتماعية مرتبطة بتحديد من ينتمي إلى الجماعة الوطنية ومن يتم استبعاده منها. ثم ينتقل الفصل الثاني إلى تتبع التحول التاريخي الذي شهده اليمين الراديكالي موضحًا أنه بدأ خلال السبعينيات والثمانينيات كتيار قريب من النيوليبرالية التقليدية معادٍ لدولة الرفاه والضرائب المرتفعة ودور الدولة الاقتصادي لكنه مع تصاعد العولمة والهجرة وتراجع الصناعات المحلية أعاد صياغة خطابه تدريجيًا ليقدم نفسه باعتباره مدافعًا عن العمال المحليين والفئات التي ترى نفسها متضررة من التحولات الاقتصادية العالمية.
وفي الفصل الثالث يقدم المؤلف الإطار النظري المفسر لهذا التحول موضحًا أن الهدف المشترك لهذا التيار يتمثل في حماية ما يسميه “المواطن المحلي المستحق”، إلا أن أدوات تحقيق هذا الهدف تختلف تبعًا للسياق الوطني. ويرتكز هذا المنطق على عنصرين أساسيين: هما القومية الأصلانية التي تمنح الأولوية لأبناء الأمة، والسلطوية التي تعكس تبني قيم اجتماعية محافظة مثل الأسرة التقليدية والانضباط والعمل المنتج بما يجعل اليمين الراديكالي نموذجًا لا يسعى إلى المساواة الاجتماعية الشاملة بل إلى إعادة توزيع انتقائية للموارد وفق معيار الهوية والانتماء.
ثانيًا: الجزء التطبيقي – النماذج المقارنة وتجليات اليمين الراديكالي في الواقع السياسي
ينتقل الكاتب في هذا الجزء إلى اختبار الإطار النظري السابق من خلال مجموعة من الدراسات المقارنة التي تكشف كيف تتغير أدوات اليمين الراديكالي باختلاف السياقات المؤسسية والاقتصادية. ففي الفصل الرابع يناقش “الحالة النمساوية” من خلال تجربة حزب الحرية النمساوي موضحًا كيف تم توظيف دولة الرفاه المحافظ لحماية العمال المحليين المستقرين وتعزيز نموذج الأسرة التقليدية مقابل تقليص استفادة المهاجرين والفئات غير المنتمية للجماعة الوطنية. أما الفصل الخامس فيتناول “النموذج الدنماركي” الذي يعكس ما يطلق عليه المؤلف مفهوم “شوفينية الرفاه” حيث لم يتم تفكيك الدولة الاجتماعية وإنما جرى قصر الاستفادة منها على المواطنين الأصليين فقط مع تصوير الهجرة باعتبارها تهديدًا مباشرًا لاستدامة نظام الرفاه.
وفي الفصل السادس انتقل الكاتب إلى “الحالة المجرية” في ظل حكومة ” فيكتور أوربان” موضحًا اختلافها عن النماذج الغربية بسبب محدودية الهجرة وضعف دولة الرفاه، وهو ما أدى إلى ظهور نموذج يقوم على القومية الاقتصادية ودعم الأسرة المحافظة عبر سياسات تشجع الزواج والإنجاب وتعزز رأس المال الوطني وتقليل الاعتماد على الخارج. ثم ينتقل الفصل السابع إلى “الحالة الأمريكية” من خلال تجربة ” دونالد ترامب” موضحًا أن غياب دولة رفاه قوية في الولايات المتحدة دفع اليمين الراديكالي إلى تبني أداة مختلفة تتمثل في الحماية التجارية عبر فرض الرسوم الجمركية ومهاجمة العولمة وربط تراجع الوظائف المحلية بالمنافسة الخارجية والهجرة بحيث تصبح الحماية التجارية بديلًا وظيفيًا للحماية الاجتماعية الموجودة في النماذج الأوروبية.
ويختتم الكتاب بالفصل الثامن الذي يجمع النتائج الأساسية مؤكدًا أن اليمين الراديكالي لم يعد تيارًا نيوليبراليًا خالصًا لكنه أيضًا لم يتحول إلى مشروع قائم على العدالة الاجتماعية بل أصبح نموذجًا سياسيًا جديدًا يعيد تشكيل العلاقة بين الاقتصاد والثقافة عبر ما يسميه المؤلف “الحماية الانتقائية” أي حماية فئات محددة مثل العمال المحليين وكبار السن والأسر التقليدية مقابل استبعاد المهاجرين والأقليات والفئات الهشة.
التحليل النقدي للكتاب
على الرغم من أن الكتاب يقدم تفسيرًا مهمًا لكيفية تأثير اليمين الراديكالي على سياسات الرأسمالية والرفاه إلا أن تركيز الكاتب انصب بشكل أساسي على السياسات التي انتهجتها هذه التيارات بعد وصولها إلى التأثير أو الحكم أكثر من اهتمامه بتفسير الظروف السياسية التي سمحت بصعودها من الأساس.
حيث وضح الكاتب كيف أعاد اليمين الراديكالي توجيه الدولة لخدمة فئات اجتماعية بعينها لكنه لا يناقش بالقدر الكافي كيف ساهم تراجع الأحزاب التقليدية، وضعف الثقة الشعبية في المؤسسات الديمقراطية، واتساع الفجوة بين المجتمع والنخب السياسية في خلق البيئة التي منحت هذه التيارات قوتها.
لذلك، يمكن النظر إلى الكتاب باعتباره تفسيرًا مهمًا لما فعله اليمين الراديكالي بعد صعوده لكنه يترك سؤالًا أكثر أهمية مفتوحًا وهو “كيف وصلت الديمقراطيات الغربية إلى مرحلة باتت فيها قوى ذات نزعة إقصائية قادرة على الوصول للسلطة وإعادة توجيه الدولة وفق تصوراتها الخاصة؟”.
باحث مساعد في النظم السياسية بمركز ترو للدراسات