شكلت العلاقة الأمنية بين الولايات المتحدة وقوات البيشمركة في إقليم كردستان العراق أحد المكونات الرئيسية للمعادلة الأمنية العراقية، خاصة منذ عام 2014، حين أصبحت البيشمركة شريكًا ميدانيًا رئيسيًا للتحالف الدولي في مواجهة تنظيم داعش، وحصلت على دعم أمريكي شمل التدريب والتسليح والمساعدات اللوجستية. ومع تراجع التهديد المباشر للتنظيم وتغير أولويات السياسة الأمريكية في العراق، بدأت واشنطن في إعادة تقييم بعض أشكال هذا الدعم، بما في ذلك التمويل المرتبط ببرامج مكافحة داعش، في تحول يعكس اتجاهًا نحو تقليص الاعتماد على الدعم الخارجي وتعزيز القدرات والمؤسسات الأمنية العراقية والكردية[1].
وتكتسب هذه التطورات أهمية خاصة في ظل استمرار الإشكالية المرتبطة بتوحيد قوات البيشمركة، التي لا تزال بعض تشكيلاتها مرتبطة تاريخيًا بالحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني، رغم جهود حكومة إقليم كردستان لتوحيدها تحت مظلة وزارة شؤون البيشمركة. ومن ثم، فإن إعادة النظر في المساعدات الأمريكية لا ترتبط فقط بمستوى الدعم العسكري، وإنما تتصل أيضًا بمسار إصلاح القطاع الأمني، وبمدى قدرة الإقليم على بناء قوة عسكرية موحدة ذات قيادة مؤسسية تتجاوز الانقسامات السياسية والحزبية[2].
وتتداخل هذه الإشكالية مع قضية أوسع على مستوى العراق تتمثل في دمج الفصائل المسلحة ضمن مؤسسات الدولة، وفي مقدمتها الحشد الشعبي، حيث لا يكفي الاعتراف القانوني بهذه التشكيلات لضمان اندماجها المؤسسي الكامل، ما لم يترافق ذلك مع توحيد سلسلة القيادة والقرار العسكري ومصادر التمويل والتسليح والولاء. ومن هنا تبرز قضية البيشمركة والحشد الشعبي باعتبارهما نموذجين مختلفين لمعضلة واحدة تتمثل في كيفية تحقيق احتكار الدولة المنظم لاستخدام القوة، مع اختلاف السياقات الدستورية والسياسية والأمنية لكل منهما[3].
يسعى هذا التقرير إلى تحليل دلالات التحول في المساعدات الأمريكية المقدمة لقوات البيشمركة، وارتباطه بمسار إصلاح وتوحيد المؤسسة الأمنية في إقليم كردستان، وربط ذلك بإشكالية دمج الفصائل المسلحة في العراق، مع مقارنة طبيعة التحديات التي تواجه بغداد وأربيل، واستشراف انعكاسات هذه التحولات على مستقبل القطاع الأمني العراقي، والعلاقة بين الحكومة الاتحادية وإقليم كردستان، ومستقبل الدور الأمريكي في العراق.
أولًا: خفض وإعادة هيكلة المساعدات الأمريكية لقوات البيشمركة: السياق والدوافع
مثل الدعم الأمريكي لقوات البيشمركة أحد المكونات الأساسية للشراكة الأمنية بين واشنطن وإقليم كردستان العراق، خصوصًا منذ عام 2014، عندما اضطلعت البيشمركة بدور رئيسي في العمليات ضد تنظيم داعش ضمن جهود التحالف الدولي. وتطور هذا الدعم ليشمل التدريب والتجهيز والمساندة اللوجستية، إلى جانب دعم مسار إصلاح المؤسسة العسكرية الكردية. وفي سبتمبر 2022، جددت الولايات المتحدة مذكرة تفاهم مع وزارة شؤون البيشمركة تهدف إلى إنشاء قوة عسكرية موحدة وغير حزبية تعمل تحت قيادة الوزارة، على أن يستمر إطار المذكرة حتى نهاية سبتمبر 2026، مع ربط استمرار الدعم بتوافر التمويل والتقدم في عملية الإصلاح[4].
وفي عام 2026، بدأت ملامح تحول في طبيعة هذا الدعم، مع تراجع الحاجة إلى بعض برامج المساعدة المرتبطة مباشرة بمكافحة تنظيم داعش، بالتزامن مع إعادة تقييم الولايات المتحدة لالتزاماتها العسكرية في العراق. ولذلك، فإن التطور الراهن لا يمكن وصفه بدقة بأنه وقف شامل للمساعدات الأمريكية للبيشمركة، وإنما باعتباره خفضًا وإعادة هيكلة لجزء من آليات الدعم، ولا سيما المساعدات المرتبطة ببرنامج التدريب والتجهيز لمكافحة تنظيم الدولة. وتؤكد تقارير رسمية أمريكية أن دعم البيشمركة واجه في الوقت نفسه تحديات تتعلق بقدرتها على الحفاظ على مستويات التدريب والجاهزية والرواتب دون الاعتماد على المساعدة الأمريكية، الأمر الذي يضع مسألة الاستدامة المالية والمؤسسية للقوة أمام اختبار أكثر وضوحًا[5].
وتتجاوز دلالة إعادة هيكلة المساعدات البعد المالي والعسكري لتتصل بمسألة إصلاح بنية قوات البيشمركة وتوحيدها، إذ ما زالت بعض الوحدات مرتبطة تاريخيًا بالقوى السياسية الكردية الرئيسية، وهو ما يحد من قدرة وزارة شؤون البيشمركة على ممارسة قيادة وسيطرة عملياتية موحدة. وقد أشار تقرير المفتش العام لعملية “العزم الصلب” وهي الاسم الذي أطلقته الولايات المتحدة على العملية العسكرية التي قادها التحالف الدولي ضد تنظيم داعش في العراق وسوريا منذ عام 2014. ولم تكن العملية مقتصرة على تنفيذ الضربات العسكرية، بل شملت أيضًا تدريب وتسليح وتقديم المشورة والمساعدة للقوات المحلية الشريكة، ومن بينها القوات الأمنية العراقية وقوات البيشمركة، بهدف تمكينها تدريجيًا من مواجهة التنظيم والاعتماد على قدراتها الذاتية. وتوضح تقارير المفتش العام الأمريكي أن مهمة العملية تطورت مع الوقت من دعم العمليات القتالية المباشرة إلى تقديم المشورة والمساعدة والتمكين وبناء قدرات الشركاء، إلى استمرار العقبات أمام إنشاء قيادات مناطق موحدة، رغم إحراز تقدم في إعادة تنظيم القوات. ومن ثم، يمكن قراءة السياسة الأمريكية الجديدة باعتبارها انتقالًا تدريجيًا من نموذج يركز على تقديم الموارد لمواجهة تهديد أمني محدد إلى نموذج يولي أهمية أكبر لبناء مؤسسة أمنية قادرة على الاعتماد على نفسها، وهو ما يفتح الباب أمام الربط بين إصلاح البيشمركة وبين الإشكالية الأوسع المتعلقة بتوحيد مراكز القوة المسلحة في العراق وإخضاعها لقيادة الدولة[6].
ثانيًا: البيشمركة بين القوة العسكرية والانقسام السياسي: معضلة التوحيد
تُعد إشكالية توحيد قوات البيشمركة من أكثر الملفات ارتباطًا بإعادة هيكلة القطاع الأمني في إقليم كردستان، إذ نشأت هذه القوات تاريخيًا في ظل المنافسة السياسية بين الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني، وهو ما أدى إلى استمرار وجود تشكيلات عسكرية ذات ارتباطات حزبية إلى جانب القوات التابعة لوزارة شؤون البيشمركة. وقد جعل ذلك عملية توحيد القوة العسكرية أكثر تعقيدًا من مجرد إعادة توزيع الوحدات أو تغيير هياكلها الإدارية، لأنها تتطلب نقل مركز الثقل في الولاء والقرار العسكري من التنظيمات السياسية إلى مؤسسات الإقليم. وفي هذا السياق، جاء التعاون مع الولايات المتحدة والتحالف الدولي لدعم عملية الإصلاح، بما يشمل تطوير هيكل القيادة والسيطرة، وإعادة تنظيم الوحدات، وتحسين التدريب واللوجستيات، بما يهدف إلى تشكيل قوة موحدة وغير حزبية تعمل تحت قيادة وزارة شؤون البيشمركة[7].
ورغم إحراز تقدم في عملية الدمج، فإنها لا تزال تواجه تحديات سياسية ومؤسسية، خصوصًا فيما يتعلق بالسيطرة الفعلية على الوحدات المرتبطة بالحزبين الرئيسيين. فقد أشار تقرير المفتش العام لعملية “العزم الصلب” إلى أن مفهوم العمليات الذي أقرته حكومة الإقليم منح وزارة شؤون البيشمركة مسؤولية التخطيط العملياتي وإصدار الأوامر للوحدات التابعة لها، إلا أن بعض القوات المرتبطة بالحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني ظلت خارج نطاق القيادة العملياتية الكاملة للوزارة، كما استمرت بعض التشكيلات الحزبية الخاصة، بما فيها وحدات مكافحة الإرهاب والشرطة، خارج عملية الدمج الكامل. ويكشف ذلك أن التحدي الأساسي لا يكمن في إعادة تنظيم القوات فحسب، وإنما في إعادة توزيع السلطة السياسية المرتبطة بالقوة المسلحة، وهو ما يجعل نجاح الإصلاح مرتبطًا بدرجة استعداد الحزبين للتنازل عن جزء من نفوذهما العسكري لصالح مؤسسة أمنية موحدة[8].
ومن ثم، فإن خفض وإعادة هيكلة المساعدات الأمريكية يكتسبان أهمية إضافية في ضوء هذه المعادلة، فالدعم الخارجي لم يكن بديلًا عن الإصلاح الداخلي، وإنما ارتبط بصورة متزايدة بتطوير مؤسسة عسكرية أكثر قدرة على العمل وفق قيادة موحدة. وقد أكدت رئاسة إقليم كردستان أن الهدف النهائي للإصلاح يتمثل في جعل البيشمركة مؤسسة وطنية بعيدة عن التأثيرات الحزبية، تعمل ضمن قيادة وسيطرة مركزية واتجاه موحد. وعليه، فإن مستقبل الدعم الأمريكي لا يرتبط فقط بمستوى التهديد الذي يمثله تنظيم داعش، وإنما أيضًا بمدى قدرة إقليم كردستان على تحويل عملية التوحيد من إعادة هيكلة إدارية للقوات إلى توحيد فعلي لمصادر القرار والقيادة والولاء العسكري، وهي نقطة ستصبح أكثر أهمية عند الانتقال إلى بحث قضية دمج الحشد الشعبي والفصائل المسلحة على المستوى الاتحادي[9].
ثالثًا: دمج الفصائل المسلحة في العراق: اختبار قدرة الدولة على توحيد القرار الأمني
يمثل ملف الفصائل المسلحة في العراق أحد أكثر تعقيدات عملية بناء الدولة بعد عام 2003، إذ لم تعد القضية تقتصر على وجود تشكيلات مسلحة خارج البنية الرسمية، وإنما أصبحت مرتبطة بكيفية إعادة تعريف موقع هذه القوى داخل النظام الأمني والسياسي للدولة. وقد اكتسب الحشد الشعبي وضعًا قانونيًا رسميًا منذ عام 2016، عندما أُقر قانون هيئة الحشد الشعبي بوصفها جزءًا من القوات المسلحة العراقية وترتبط بالقائد العام للقوات المسلحة، إلا أن الإشكالية العملية ظلت تتمثل في مدى ترجمة هذا الاعتراف القانوني إلى خضوع كامل للقيادة والسيطرة الحكومية. ولذلك، فإن جوهر عملية الدمج لا يتعلق بإدخال الفصائل في مؤسسات الدولة من الناحية القانونية فقط، وإنما بإخضاع قرارها العسكري لسلطة الدولة، وتوحيد سلسلة الأوامر، وضمان أن تكون عملياتها وتحركاتها العسكرية خاضعة للقرار الوطني العراقي. وقد أكدت واشنطن في سياق سياستها تجاه العراق أن على الحكومة العراقية امتلاك السيطرة والقيادة على جميع قوات الأمن، بما فيها الحشد الشعبي، وأن تكون هذه القوات مسؤولة أمام القائد العام للقوات المسلحة وليس أمام أي طرف خارجي[10].
وتزداد صعوبة هذا المسار بسبب التداخل بين الوظيفة الأمنية والتمثيل السياسي والنفوذ الإقليمي الذي تتمتع به بعض الفصائل. فوجود قوى مسلحة تمتلك أذرعًا سياسية ونفوذًا داخل مؤسسات الدولة يخلق وضعًا تتداخل فيه قواعد القوة الرسمية وغير الرسمية، ويجعل عملية الدمج مرتبطة بإعادة توزيع النفوذ السياسي بقدر ارتباطها بإعادة تنظيم المؤسسة العسكرية. ولهذا فإن أي مشروع لإعادة هيكلة الحشد أو تنظيم علاقته بالقوات المسلحة يواجه معضلة تتمثل في كيفية الحفاظ على قدرته الدفاعية، خصوصًا في مواجهة التهديدات الإرهابية، مع منع تحوله إلى مركز قوة مستقل عن مؤسسات الدولة. وفي هذا السياق، برزت خلال 2025 و2026 مقترحات لإعادة تنظيم البنية الأمنية العراقية وتعزيز سيطرة الحكومة على الفصائل المسلحة، إلا أن تنفيذ مثل هذه الترتيبات يظل مرتبطًا بقدرة الحكومة على تحقيق توافق سياسي واسع، خصوصًا أن الفصائل المسلحة أصبحت جزءًا من المعادلة السياسية والبرلمانية العراقية[11].
وعلى المستوى الإقليمي، يرتبط ملف دمج الفصائل المسلحة أيضًا بموقع العراق داخل التنافس بين الولايات المتحدة وإيران، إذ تمثل بعض الفصائل المرتبطة بإيران إحدى القنوات التي مكنت طهران من الحفاظ على نفوذ سياسي وأمني داخل العراق. ومن ثم، فإن الدعوات الأمريكية إلى تعزيز سيطرة الحكومة العراقية على جميع التشكيلات المسلحة لا تنفصل عن محاولة أوسع للحد من قدرة الفاعلين المسلحين المرتبطين بقوى خارجية على التأثير في القرار الأمني العراقي. غير أن اختزال عملية الدمج في كونها أداة لمواجهة النفوذ الإيراني سيكون تبسيطًا للمشكلة، فالعراق نفسه يمتلك مصلحة مباشرة في تقليص تعدد مراكز القوة وتعزيز استقلال قراره الأمني، بصرف النظر عن التنافس الأمريكي الإيراني. ولذلك، فإن البعد الإقليمي يضيف طبقة أخرى من التعقيد إلى عملية الإصلاح، لأن إعادة تنظيم الفصائل المسلحة يمكن أن تؤثر في توازنات القوى الداخلية وفي طبيعة علاقات العراق مع القوى الإقليمية والدولية في الوقت نفسه.
وعليه، فإن نجاح مشروع دمج الفصائل المسلحة في العراق يتوقف على قدرة الدولة على تحقيق معادلة تجمع بين الحفاظ على القدرات الأمنية الموجودة وإعادة إخضاعها لمنظومة مؤسسية موحدة. فالمطلوب ليس بالضرورة إزالة جميع التشكيلات التي نشأت خارج البنية التقليدية للقوات المسلحة، وإنما إعادة تحديد وظائفها وحدود صلاحياتها ومصادر قرارها بما يمنع ازدواجية السلطة الأمنية. ومن هذه الزاوية، يصبح ملف الفصائل المسلحة جزءًا من عملية أوسع لإعادة بناء مفهوم الأمن الوطني العراقي، بحيث تنتقل الدولة من إدارة مراكز متعددة للقوة إلى امتلاك سلطة واضحة على استخدامها. كما أن هذه العملية ستظل مرتبطة بقدرة بغداد على تحقيق توافق سياسي داخلي، وبقدرتها على إدارة علاقاتها الإقليمية دون السماح بتحول الأراضي العراقية إلى ساحة لتنافس القوى الخارجية أو أداة لتنفيذ أجنداتها الأمنية[12].
رابعًا: البيشمركة والحشد الشعبي: مساران مختلفان لإعادة بناء منظومة القوة في العراق
لا يمكن التعامل مع البيشمركة والحشد الشعبي باعتبارهما حالتين متطابقتين من الناحية الدستورية والسياسية، فلكل منهما سياق قانوني ومؤسسي مختلف داخل الدولة العراقية. فقد أقر الدستور العراقي لإقليم كردستان وضعًا اتحاديًا ومنحه صلاحيات تتصل بتنظيم قوى الأمن الداخلي وحرس الإقليم، في حين جعل وضع سياسة الأمن الوطني وإنشاء وإدارة القوات المسلحة من الاختصاصات الحصرية للحكومة الاتحادية. وفي المقابل، اكتسب الحشد الشعبي إطارًا قانونيًا اتحاديًا بوصفه جزءًا من المنظومة الأمنية العراقية. لذلك، فإن جوهر المقارنة لا يكمن في المطالبة بإلغاء خصوصية أي من الطرفين، وإنما في البحث عن كيفية تنسيق مراكز القوة العسكرية المختلفة ضمن بنية دستورية ومؤسسية واضحة، بحيث لا يؤدي تعدد التشكيلات إلى تعدد القرارات الأمنية. ويؤكد الدستور في هذا السياق خضوع القوات المسلحة والأجهزة الأمنية للسلطة المدنية وحظر تشكيل الميليشيات العسكرية خارج إطار القوات المسلحة[13].
وتكشف المقارنة بين الحالتين عن اختلاف طبيعة التحدي، ففي حالة البيشمركة تتمحور المسألة بصورة أساسية حول العلاقة بين المؤسسة العسكرية في الإقليم والبنية السياسية الداخلية فيه، فضلًا عن موقع قوات الإقليم داخل النظام الاتحادي العراقي، بينما ترتبط قضية الحشد الشعبي بصورة أكبر بمسألة تحديد حدود الدور الذي يمكن أن تؤديه التشكيلات المسلحة داخل النظام الأمني الاتحادي، ومدى استقلال قرارها عن مؤسسات الدولة. ومن ثم، فإن توحيد منظومة القوة في العراق لا يمكن أن يقوم على نموذج واحد للدمج، وإنما يحتاج إلى ترتيبات مختلفة تراعي الوضع الدستوري للإقليم وطبيعة الحشد الشعبي ومكونات القوات الاتحادية. وقد سبق أن طرحت دراسات إصلاح القطاع الأمني في العراق ضرورة توضيح اختصاصات الجيش والشرطة وقوات مكافحة الإرهاب والبيشمركة والحشد، وتحديد سلاسل القيادة بينها، باعتبار ذلك شرطًا لتعزيز فعالية الدولة في إدارة الأمن[14].
وتبرز أهمية هذا المسار في أن العراق يقف أمام معادلة دقيقة بين الحفاظ على التعدد المؤسسي الذي أفرزته ظروف ما بعد 2003، وبين بناء منظومة أمنية متماسكة تمنع ازدواجية القرار العسكري. ولذلك فإن إصلاح العلاقة بين بغداد وأربيل، وتنظيم موقع الحشد الشعبي والفصائل المسلحة، لا ينبغي النظر إليهما كملفين منفصلين تمامًا، بل كجزء من عملية أوسع لإعادة تعريف مفهوم الأمن الوطني العراقي وتوزيع الاختصاصات بين المستوى الاتحادي والإقليمي. ويُظهر هذا المنظور أن القضية الأساسية ليست فقط “من يمتلك السلاح”، وإنما من يمتلك سلطة إصدار القرار باستخدامه، ومن يتحمل المسؤولية السياسية والقانونية عن نتائجه. ومن هنا تصبح إعادة هيكلة المساعدات الأمريكية للبيشمركة ذات دلالة تتجاوز البعد العسكري، لأنها تتزامن مع نقاش عراقي أوسع حول إعادة تنظيم القطاع الأمني وتحديد العلاقة بين القوى المسلحة المختلفة والدولة.[15]
خامسًا: مستقبل العلاقة الأمنية الأمريكية مع العراق: من الشراكة العسكرية إلى إعادة تعريف الدور
يمثل خفض وإعادة هيكلة الدعم الأمريكي للبيشمركة جزءًا من تحول أوسع في طبيعة العلاقة الأمنية بين واشنطن وبغداد، ينتقل تدريجيًا من نموذج يعتمد على الوجود العسكري المباشر ودعم عمليات مكافحة تنظيم داعش إلى نموذج يقوم بدرجة أكبر على الشراكة الأمنية الثنائية وبناء القدرات العراقية. وقد اتفقت الولايات المتحدة والعراق على إنهاء مهمة التحالف الدولي في العراق والانتقال إلى ترتيبات أمنية ثنائية، بينما تستمر واشنطن في تقديم أشكال مختلفة من التعاون العسكري والأمني، وهو ما تؤكده موافقة الولايات المتحدة في أغسطس 2026 على صفقة عسكرية للعراق بقيمة 800 مليون دولار لتوفير مروحيات، بما يعكس استمرار التعاون الدفاعي رغم التحول في طبيعة الوجود الأمريكي[16]. وفي هذا السياق لم يعد معيار العلاقة يتمثل فقط في حجم المساعدات أو عدد القوات الأمريكية، وإنما في قدرة المؤسسات العراقية على تولي مسؤوليات الأمن ومواجهة التهديدات بصورة أكثر استقلالية.
ويفرض هذا التحول على بغداد وأربيل اختبارًا مزدوجًا، فمن ناحية يتيح تراجع الاعتماد على الدعم الخارجي فرصة لتطوير قدرات أمنية عراقية أكثر استقلالًا واستدامة، ومن ناحية أخرى قد يكشف نقاط الضعف المؤسسية التي كانت المساعدات والتدريب الخارجي يساهمان في تعويضها. وتزداد أهمية هذا الأمر بالنسبة للبيشمركة تحديدًا، إذ يشير تقرير المفتش العام لعملية “العزم الصلب” إلى أن الولايات المتحدة تنفذ بالفعل خفضًا مخططًا لدعم البيشمركة مع اقتراب انتهاء مذكرة الإصلاح الحالية، في الوقت الذي لم تكتمل فيه عملية توحيد جميع القوات تحت وزارة شؤون البيشمركة. وبالتالي، فإن نجاح الانتقال لا يرتبط فقط باستمرار التمويل، وإنما بقدرة الإقليم على توفير موارد محلية مستقرة، واستكمال الإصلاح المؤسسي، والحفاظ على الجاهزية العسكرية في ظل انخفاض المساندة الخارجية[17].
أما على المستوى الاستراتيجي، فإن مستقبل الدور الأمريكي في العراق سيظل مرتبطًا بقدرة واشنطن على تحقيق توازن بين تقليص الانخراط العسكري المباشر والحفاظ على النفوذ الأمني والسياسي. فالتقليص لا يعني بالضرورة الانسحاب من المشهد العراقي، وإنما يمكن أن يتحول الدور الأمريكي من قوة عسكرية موجودة ميدانيًا إلى شريك يقدم التدريب والتسليح والاستخبارات والدعم الفني وفق ترتيبات ثنائية أكثر انتقائية. وتكشف هذه المرحلة عن معادلة جديدة سيكون محورها قدرة العراق على تحويل المساعدات السابقة إلى قدرات مؤسسية مستدامة، وقدرة بغداد وأربيل على إدارة خلافاتهما الأمنية ضمن الإطار الدستوري، بما يقلل الحاجة إلى الوساطة أو الضمانات الخارجية. وبذلك، فإن خفض الدعم الأمريكي للبيشمركة يمكن النظر إليه باعتباره اختبارًا أوسع لمدى نضج الدولة العراقية في إدارة منظومتها الأمنية، وليس مجرد تراجع في حجم المساعدة الأمريكية[18].
ختامًا، يكشف خفض وإعادة هيكلة المساعدات الأمريكية المقدمة لقوات البيشمركة عن تحول في طبيعة المقاربة الأمريكية تجاه الملف الأمني العراقي، من التركيز على الدعم المرتبط بالعمليات العسكرية ومكافحة تنظيم داعش إلى تشجيع قدر أكبر من الاعتماد على القدرات الوطنية والإصلاح المؤسسي. ولا يعني هذا التحول نهاية الشراكة الأمنية بين واشنطن وأربيل، إذ تشير التطورات الأخيرة إلى استمرار التعاون في مجالات التدريب والاستشارة والدعم اللوجستي وبناء القدرات، وإنما يعكس إعادة تعريف لأدوات هذه الشراكة في ضوء انتهاء المرحلة الأساسية من مهمة التحالف الدولي ضد داعش.
وفي المقابل، يوضح بحث ملف البيشمركة والحشد الشعبي أن العراق يواجه تحديًا أوسع يتعلق بإعادة تنظيم منظومة القوة المسلحة وتحديد العلاقة بين الدولة والتشكيلات العسكرية المختلفة. فالمسألة لا تتعلق فقط بمستوى تسليح هذه القوات أو مصادر تمويلها، وإنما بمدى وضوح سلسلة القيادة، ووحدة القرار الأمني، وحدود الاستقلال العسكري والسياسي للقوى المسلحة. وفي هذا السياق، تزداد الضغوط على بغداد لإيجاد صيغة أكثر فاعلية لإخضاع الفصائل المسلحة لسلطة الدولة، بالتوازي مع استمرار الجهود الرامية إلى توحيد قوات البيشمركة داخل إقليم كردستان.
ومن ثم، فإن مستقبل القطاع الأمني العراقي سيعتمد بدرجة كبيرة على قدرة بغداد وأربيل على الانتقال من إدارة التعدد العسكري إلى بناء منظومة أمنية أكثر تكاملًا ووضوحًا في توزيع الاختصاصات. ويتطلب ذلك استكمال إصلاح البيشمركة، وتحديد موقع الحشد الشعبي والفصائل المسلحة داخل الدولة، وتعزيز المؤسسات الأمنية الرسمية، مع مراعاة الخصوصية الدستورية لإقليم كردستان. كما أن انتهاء بعض آليات الدعم الأمريكي لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره فراغًا أمنيًا بالضرورة، بل باعتباره اختبارًا لقدرة المؤسسات العراقية والكردية على الحفاظ على الجاهزية الأمنية بصورة مستقلة ومستدامة وهي مسألة تكتسب أهمية أكبر مع اقتراب الانسحاب الأمريكي المقرر من العراق في سبتمبر 2026.
وبذلك، فإن القضية الأساسية التي يطرحها التطور الراهن تتجاوز مستقبل المساعدات الأمريكية للبيشمركة إلى مستقبل الدولة العراقية نفسها: هل ستنجح في بناء منظومة أمنية يكون فيها تعدد التشكيلات متوافقًا مع وحدة القرار السيادي، أم سيظل تعدد مراكز القوة عاملًا مؤثرًا في طبيعة النظام السياسي والأمني؟ وستظل الإجابة عن هذا السؤال مرتبطة بقدرة العراق على تحقيق توازن بين ضرورات الأمن، ومتطلبات السيادة، والخصوصية الاتحادية، ومصالح القوى السياسية والإقليمية، بما يسمح بانتقال تدريجي من الاعتماد على الشراكات الخارجية إلى مؤسسات أمنية وطنية أكثر قدرة على إدارة التهديدات وصياغة القرار الأمني بصورة مستقلة.
المصادر:
[1] Peshmerga Ministry Denies Halt of U.S. Support, Confirms Ongoing Cooperation, 3 May 2026, kurdistan24.
[2] What explains reduced US support for Peshmerga forces? 22 May 2026, the new region.
[3] Mina Aldroubi, Iraq’s Kurdistan Region says US military support not ending despite expiry of agreement, 29 August 2026, the national news.
[4] OPERATION INHERENT RESOLVE AND OTHER U.S. GOVERNMENT ACTIVITIES RELATED TO IRAQ and SYRIA, 30 June 2025, LEAD INSPECTOR GENERAL REPORT TO THE UNITED STATES CONGRESS.
https://media.defense.gov/2025/Jul/31/2003767903/-1/-1/1/OIR_Q3_JUN2025_FINAL_508.PDF
[5] OPERATION INHERENT RESOLVE AND OTHER U.S. GOVERNMENT ACTIVITIES RELATED TO IRAQ and SYRIA, 31 March 2026, LEAD INSPECTOR GENERAL REPORT TO THE UNITED STATES CONGRESS.
https://oig.usaid.gov/sites/default/files/2026-06/Lead_IG_OIR_Q2_Final_Report_Revised%205.28.pdf
[6] واشنطن تتراجع عن تجديد دعم البيشمركة.. وأربيل تترقب، نُشر في 29 أغسطس 2026، العربية.
[7] مصادر لبي بي سي: الولايات المتحدة تخطط لقطع المساعدات العسكرية عن حليف رئيسي لها في الشرق الأوسط، نُشر في 29 أغسطس 2026، بي بي سي عربية.
[8] نهاية زمن التمويل الأمريكي.. البيشمركة أمام اختبار الاستقلالية أو الاندماج الاتحادي، نُشر في 31 أغسطس 2026، ميدل ايست نيوز.
[9] واشنطن تستعد لوقف المساعدات العسكرية عن حليف رئيسي في الشرق الأوسط: فمن هو؟، نُشر في 29 أغسطس 2026، مونت كارلو الدولية.
[10] Reforming Iraq’s Popular Mobilization Forces: From Liability to National Asset, 8 May 2025, stimson center.
[11] Dr Renad Mansour, Can Iraq’s new prime minister finally rein in its armed factions, 10 June 2026, CHATHAM House.
[12] Ali Al-Mawlawi, 8 May 2025, Reforming Iraq’s Popular Mobilization Forces: From Liability to National Asset, stimson center.
[13] واشنطن تبلغ أربيل بعدم تمديد اتفاق مساعدات البيشمركة، نُشر في 29 أغسطس 2026، عاجل مدارات عالمية.
[14] Post-ISIS Iraq: A Gathering Storm, 26 OCTOBER 2017, crisis group.
[15] وزارة البيشمركة تنفي وقف المساعدات الأميركية وتؤكد استمرارها حتى أيلول، نُشر في 3 مايو 2026، موقع نبض.
[16] US approves military sale of helicopters to Iraq for $800 million, 1 September 2026, Reuters.
[17] مخاوف وقلق في كردستان العراق..أمريكا تقطع المساعدات العسكرية عن ميليشيا البيشمركة، نُشر في 30 أغسطس 2026، ABNA.
[18] A new president and prime minister for Iraq: What challenges face the country in 2026? 8 May 2026, UK Parliament.
باحث في العلاقات الدولية بمركز ترو للدراسات والتدريب