Cairo

مفهوم الهوية العربية في الفكر العربي المعاصر: قراءة في فكر عبد الله العروي

قائمة المحتويات

باحث في النظرية السياسية بمركز ترو للدراسات

   يُعد مفهوم الهوية العربية من أكثر المفاهيم إشكاليةً وجدلًا التي شغلت اهتمامات الفكر العربي الحديث والمعاصر، وخاصة في ظل التحولات التاريخية والسياسية والاجتماعية التي شهدها العالم العربي، وما صاحبها من إعادة طرح أسئلة حول مفاهيم وموضوعات أخرى كالانتماء، والتراث، والحداثة، والعلاقة بالتاريخ، وغيرها. والهوية، في معناها البسيط، هي التصور الذي يكونه الإنسان عن خصائصه، ونقاط ضعفه، ومنشئه، وعلاقاته الاجتماعية، وقيمه، وأهدافه في الحياة، كما أنه مفهوم يعبر عن الذاتية الإنسانية وتكوين الفرد الاجتماعي.[1] وفي هذا السياق، يظهر مشروع المفكر والمؤرخ المغربي عبد الله العروي[2] بوصفه مشروعًا يكتسب أهميةً خاصة، لما يتيحه من أدوات مفاهيمية ونماذج تفسيرية تساعد على فهم كثير من الإشكالات المرتبطة بتطور الفكر العربي ومساراته التاريخية، والتعرف على الذات العربية وهويتها الملتبسة.

   غير أن مفهوم الهوية العربية لا يظهر في مشروع عبد الله العروي بوصفه مفهومًا محوريًا مستقلًا، بقدر ما يرد ضمن مشروعه الفكري العام وبنيته الفكرية والمفاهيمية الكلية، ومن خلال قراءته لقضايا التراث والإيديولوجيا والتاريخ، أو في علاقتها مع مفاهيم أخرى لديه كالأصالة والخصوصية. ومن هنا تنبع المشكلة البحثية لهذه الورقة من السعي إلى استخلاص رؤية من مشروع العروي لقراءة مفهوم الهوية العربية. عليه، يتركز سؤال هذه الورقة على الكيفية التي يمكن من خلالها قراءة مفهوم الهوية العربية من خلال مشروع عبدالله العروي، واستخلاص رؤية محدده للهوية العربية من مشروعه، وكيف يمكن لهذه الرؤية أن تساهم في حل أزمات الهوية العربية الحالية، ويُصاغ على النحو الآتي: ” كيف يمكن قراءة مفهوم الهوية العربية من خلال منظور عبد الله العروي التاريخاني، وكيف يمكن أن يسهم تعريفه في فهم أزمات الهوية العربية الراهنة؟“.

   كما تقوم فرضية هذه الورقة بشكل رئيسي على أن العروي يقدم، بصورة ضمنية ومن خلال كتاباته المتفرقة، وبخاصة في كتاب “الأيديولوجيا العربية المعاصرة”، تصورًا للهوية العربية لا يقوم على الثبات الجوهري، بل على التاريخانية، أي على فهم الهوية باعتبارها نتاجًا لمسار تاريخي متغير وغير ثابت، وهو ما يسمح بإعادة قراءتها في ضوء تحولات النهضة، والحداثة، والقومية العربية، والدولة الوطنية. وبمعنى آخر، فإن الهوية العربية عند عبد الله العروي ليست جوهرًا ثابتًا سابقًا على التاريخ، بل هي بناء تاريخي يتشكل ويتغير بتغير الشروط الاجتماعية والسياسية والثقافية. كما تتّبع هذه الورقة منهجًا تحليليًا يقوم على فحص اهم مرتكزات مشروع عبدالله العروي واستمداد منهجة التاريخاني في سبيل تفسير وفهم مفهوم الهوية العربية.

   وتنبع أهمية هذه الورقة من سعيها إلى تقديم تصور مغاير لفهم الهوية العربية، من خلال العودة إلى بعض المشاريع النهضوية العربية، وفي مقدمتها مشروع عبد الله العروي، واستلهام نماذجها التفسيرية وأدواتها المفاهيمية، بما قد يسهم في تقديم رؤى جديدة تساعد على فهم تحولات مفهوم الهوية العربية ومحاولة تقديم حلول لأزماته الراهنة.

   وتنقسم هذه الورقة إلى ثلاثة محاور رئيسية، أولها المدخل النظري، الذي يركز على مفاهيم التاريخانية والتراث والحداثة في الجهاز المفاهيمي لدى عبد الله العروي. وثانيها بحث في مسألة تشكّل الهوية والذات العربية وعلاقتهما بالآخر الغربي. أما ثالثها، وهو محور التركيز الرئيس في الورقة، فيتمثل في إعادة بناء مفهوم الهوية العربية في مشروع عبد الله العروي، وبيان كيف يمكن قراءة هذا المفهوم داخل مشروعه.

أولًا: مدخل نظري: حول مفهوم التاريخانية والتراث والحداثة عند عبد الله العروي

   لا يمكن فهم بنية مشروع عبد الله العروي إلا بالعودة إلى بنيته المفاهيمية التي شكلت أطروحاته في مشروعه الفكري، وإلى الاتجاهات الفكرية التي تأثر بها، وفي مقدمتها الماركسية. فقد تأثر العروي بها تأثرًا واضحًا، شأنه في ذلك شأن العديد من المفكرين العرب، مثل حسين مروة وحمة الهمامي وغيرهما. فلا يمكن تصور القرن العشرين وأفكاره من دون استحضار أطياف ماركس، ذلك المفكر الذي لم يستطع كثير من المنظرين والمفكرين تجاوزه من غير أن يترك فيهم بصمة وأثرًا واضحًا.[3] وقد رأى العروي أن الماركسية هي الأقدر على تجاوز أزمات الواقع العربي، فعلى حد تعبيره “الواقع، لا يوجد نظام فكري يستجيب استجابة كاملة للشروط المذكورة سوى الماركسية، إذ تستوعب التاريخ كله، وتبرر خصائص كل أمة، وترسم للجميع صورة مستقبل ليست وقفًا على أحد”.[4]

   وعلى الرغم من تأثر العروي العميق بالماركسية، فإنه لم يكن ماركسيًا تقليديًا، بل تجاوز هذا الإطار وهذه النظرة وأعاد توظيف الماركسية ضمن مشروعه التاريخي الأوسع. ولعل ذلك يعود إلى أن العروي لم ينظر إلى ماركس على أنه نبي، كما فعل العديد من معتنقي الماركسية، وذلك لتأثره بأساتذته الفرنسيين شارل مورازي ورايمون آرون، الغير ماركسيين، اللذين كانا ينظران إلى ماركس بوصفه مؤرخًا ومنظرًا، لا بوصفه قائدًا سياسيًا أو نبيًا.[5] وعلى ضوء تأثر العروي بالماركسية وبأساتذته الفرنسيين الذين درسوا له التاريخ بوصفه تاريخًا اجتماعيًا، أي التاريخ بوصفه تطورًا للبنى الاجتماعية، لا مجرد وقائع متفرقة[6]، وعلى ضوء تأثره أيضًا بمفكرين ومؤرخين آخرين، أبرزهم ابن خلدون، اتخذ العروي من المنهج التاريخاني مرشدًا له في مختلف أطروحاته، وجعل منه الأداة الرئيسة لفهم التحولات التاريخية في المنطقة العربية ولسائر الظواهر المرتبطة بها.[7]

   والتاريخانية عند عبد الله العروي هي موقف منهجي وفلسفي يجعل التاريخ إطارًا حاكمًا لفهم الإنسان والمجتمع والفكر، ويؤكد نسبية الحقائق الإنسانية وارتباطها بالشروط التاريخية، مع اعتبار التاريخ مسارًا له منطقه وتطوره، لا مجرد وقائع متفرقة. وتمنح هذه المنهجية أولوية إبستمولوجية وأنطولوجية للتاريخ، فالتاريخ هو المعمل الواقعي الذي تتشكل من خلاله كافة المدركات المعرفية والحسية، وهو الذي يغيرها ضمن ظروف سياقية مختلفة في كل زمان ومكان. ومن ثم، فإن هذه المنهجية التاريخانية، المتشكلة سلفًا بالماركسية ومن خلال الأدبيات المدرسة الاستشراقية الألمانية أو التاريخانية الأكاديمية، كانت أساسًا في فهم العروي لمختلف القضايا في العالم العربي، وأصبحت المدخل إلى تفسير شتى المفاهيم الإشكالية التي طغت على عصره آنذاك.[8]

   ولقد رأى العروي أن المنهجية التاريخانية هي السبيل الوحيد لفهم واستيعاب كافة قضايا العالم العربي ومشكلاته، فالتاريخانية، بالنسبة إليه، لا تخص في تفسيرها عرقًا محددًا أو منطقةً محددة، كما أنها لا تتركز في ثقافةٍ محددة أو لغةٍ معينة، بل تخضع لقوانين التغير التي تعمل بصورة مستقلة عن الإرادة البشرية، فهي نظرية في التاريخ بصفة عامة، وفي السيرورة الموضوعية.[9]

   وللإجابة عن سؤال الحداثة وأسباب تخلف الواقع العربي الذي شغل بال الفكر العربي، ولا يزال إلى اليوم، رأى العروي أنه كان لا بد له من أن ينتقد الواقع من خلال هذا المنهج، وأن يتخذ موقفًا محددًا تجاه الموروثات الثقافية الحاضرة في واقعنا العربي المعاصر. فعند السؤال عن النهضة، يجب الابتعاد عن القراءة الأيديولوجية للتاريخ وللموروثات الثقافية، وذلك من أجل فهم محدداته الموضوعية والواقعية، وإكساب الوعي العربي بنيةً جديدة تقوم على التمحيص والنقد.

   وعليه، اتخذ العروي موقفًا نقديًا من التراث، ودعا إلى إحداث قطيعة وظيفية وإبستمولوجية معه، حيث انطلق من افتراض مفاده أن الإنسان لا يستطيع إحياء ما مات من ماضيه، أي إنه لا يمكن إعادة بث الحياة في الموروث الفولكلوري والثقافي الذي تغير بتغير الأحوال التاريخية والاجتماعية والسياسية. غير أن ذلك لا يعني، عنده، نسيان الماضي والتراث، إذ يرى أن الإنسان يستطيع توظيف تراثه وماضيه من أجل معرفة نفسه ومجتمعه، بما يتيح لأبناء المجتمع التعرف إلى ماضيهم وما ينطوي عليه من خبرات واسعة قد تفيدهم في حياتهم المستقبلية، فضلًا عن تعرفهم إلى حقيقة جذورهم. كما يمكنهم أيضًا استلهام عناصر ومواد ثقافية جديدة من تراثهم، تتلاءم مع واقعهم المعاصر، بشرط ألا تكون على هيئتها القديمة البالية.[10] فالعروي لا يريد شطب التراث بقدر ما يريد نزع صفة الاكتفاء الذاتي المغلق عنه. فالتراث، عند العروي، ليس خزانا جاهزا للأجوبة، ولا كتلة متجانسة فوق التاريخ، وإنما مجال يجب أن يعاد قراءته بوسائل حديثة وبحس تاريخي.

   وبذلك، يصبح التراث في منظومة العروي الفكرية أداةً للاستخدام في تشكيل وعي الفرد، لا للذوبان فيه واسترجاع ماضيه، بل ينبغي للفرد أن يتجاوزه من أجل فهم واقعه وإعادة بنائه بناءً على معطياته التاريخية. فالحداثة، من وجهة نظره، هي ليست مجرد تقليد للغرب، ولا شعارًا أيديولوجيًا، بل سيرورة تاريخية موضوعية يجب فهمها بمنهج تاريخاني؛ أي بوصفها تحولًا عميقًا في أنماط التفكير والمؤسسات والقيم، وفي البنية الثقافية والسياسية والاجتماعية.[11]

   ولذلك، يرى العروي أن الفرد العربي يجب أن يصل إلى الحداثة والنهضة من دون أن ينغمس بشكل أعمى في أشكال الحداثة الغربية وتقليدها. ولكنه يؤيد في ذات الأمر تبني قيم الحداثة الغربية ومكتسباتها في طريقة الفكر والعمل حتى يساهم في تطوير الحضارة الإنسانية عمومًا، والحضارة العربية خصوصًا، وتحقيق حداثة تلائم الواقع العربي، مع تطور رؤى جديدة للتراث العربي، وذلك من أجل تشكيل ذات جديدة لا مجرد نسخة مستنسخة من الغرب. وبناءً على ذلك، يشتبك العروي في مؤلفاته العديدة مع مسألة تكوين الذات أو الهوية العربية، ويحاول أن يقدم تصورًا محددًا لهذه الذات التي تذبذبت بين الاقتداء بالغرب ومحاولة استرجاع الماضي. ولقد ركز العروي في هذه المسألة على وعي المثقف العربي، الذي يرى أنه قاصر عن إدراك واقعه كما هو، وعن إدراك أسس العالم الحديث، وعن تحديد هويته في ظل عالم تتناحر فيه الأشكال الهوياتية وتعريفات الذات.[12]

ثانيًا: في مسألة تشكل الهوية والذات العربية في فكر العروي

   تُعد مسألة تشكّل الهوية والذات العربية ووعيها من أهم القضايا التي تناولتها كتابات عبد الله العروي، فهذه المسألة كانت ساحةً ومعملًا لتطبيق أفكاره حول التاريخانية والتراث ومحاولة الوصول إلى الحداثة والنهضة المنشودة. فمعرفة الذات تُعد من أولى الخطوات التي ينبغي أن يخطوها أي مجتمع ليتجاوز واقعه المأزوم ويُذيب تناقضاته، لكي يصل إلى مرحلة جديدة يتحدد من خلالها معنى جديد للمجتمع يتلائم مع الشروط التاريخية القائمة. والهوية عند العروي هي هوية تاريخية متحركة، تُبنى في صيرورة الحداثة، لا هوية أصلية ثابتة تُستعاد من الماضي، فالهوية هي تعبير عن الذات التي تتشكل وفق شروط الواقع المتغيرـ[13]

   ويشير العروي إلى أن كل محاولة لفهم الهوية الذاتية أو صياغتها، بالنسبة إلى المفكرين العرب، لا بد أن تمر عبر الاحتكاك بالثقافة الغربية الحديثة، بما تتضمنه من فلسفة وعلم وتقنية وفن ومفاهيم جديدة. وهذه العناصر، من وجهة نظره، صارت جزءًا من الحياة الحديثة إلى درجة لا يمكن معها تجاهلها أو تفاديها. لكن هذا الاعتماد على ما هو غربي يخلق، عند كثير من المثقفين العرب، علاقة متوترة ومؤلمة، لأن الاعتراف بالحاجة إلى الخارج يبدو وكأنه اعتراف بالعجز السياسي والاقتصادي، بل وبفقدان السمات التاريخية والثقافية التي تميز الذات العربية.[14]

   وهو يرى أنه لكي نكتشف الذات العربية يجب قرائتها من منطق عقلاني تاريخاني، وذلك لأن التاريخانية هي الوحيدة القادرة على إذابة الفوارق بين التجربة العربية والغربية، كما يمكنها أن تتيح تصورًا واسعًا للسياسة والثقافة يسمح بوجود أساليب متميزة في التفكير وفي التعرف إلى الذات وفي اتخاذ القرار، كل ذلك داخل خبرة حديثة مشتركة على نطاق أوسع.[15] فالمشروع الثقافي الذي يقدمه العروي يقوم على أساس فكري تاريخاني يؤمن بقدرة الإنسان على الفعل والتطور الخالق الذي يخرج الذات من التخلف إلى التقدم. وبهذا، تتحقق الحداثة كما هي اليوم عند الغرب بعيد عن أمجاد الماضي، على حسب تعبيره، التي دائمًا ما تسحبها الذات العربية كلما أرادت الدفاع عن هويتها، متناسية تمامًا أن مسألة الهوية هو أمر متغير، وهي تتشكل وتتغير حسب مقتضيات الواقع، إلا أن الهوية تبقى في شكلها الإنساني المشترك على كل العصور في اجتماعها على خصائص محدده.[16]

   ومن هنا، يتطرق العروي في سياق تناوله لمسألة الهوية والذات إلى مفهومين أساسيين، ألا وهما الأصالة والخصوصية. ويشير مفهوم الأصالة عند العروي إلى الجمود، والبقاء أسير نموذج اجتماعي وسلوكي يُقدم بوصفه أصل مسارنا التاريخي، مع أنه لم يعد ملائمًا للظروف الراهنة، لأن التاريخ لا مكان فيه لما هو ثابت لا يتغير. أما الخصوصية، فهي تشير إلى بناء شخصية متميزة تستلهم معطيات الحاضر، وهذه المعطيات نفسها هي نتاج للماضي، ولا يمكن التنصل منها بإرادة مجردة.[17]

   والخصوصية عنده هي نقيض ومقابل نقدي للأصالة الجامدة، فهي ليست تمجيدًا لجوهر ثابت، ولا تعني الانغلاق على الذات، بل تعني استعادة إيجابية للتاريخ العربي، ولكن بشرط إعادة صياغته وفق أفقً متقدم. فالمثقف العربي، من وجهة نظره، مطالب بأن يرفع، في وجه ممثلي الثقافة الأصيلة والمؤسسات والبنيات الاجتماعية والسلوكات المترتبة عليها، راية ثقافة جديدة تفتح أبواب التقدم رغم ما قد تحمله من آثار سلبية. أما التمسك بخطاب الأصالة بدافع تحدي الغرب والتميز عنه، فليس إلا صورة من العمى عن الواقع والتنكر للمستقبل. ومن ثم فإن الخصوصية تعترف بوحدة التاريخ، وترفض إمكان الولاء الدائم لنموذج أصلي واحد، وتهدف إلى التمييز بين ما هو تاريخي وما يُتوهم أنه أبدي.[18]

   وبذلك، نجد أن العروي يربط بين مسألة الخصوصية والأصالة، وتشكّل الهوية والذات، وبين مسألة تشكّل الوعي العربي، إذ يرى أن النمط الذي يكون عليه الوعي في أي نسيج اجتماعي هو الذي يشكّل بنيته الذاتية. ومعظم الفكر العربي، والأيديولوجيات القائمة فيه، لا تعكس حركة الواقع التاريخي. وبالتالي، تصبح كل أشكال الوعي الحاضرة في الفكر العربي قاصرةً عن إدراك حقيقة التغيير التاريخي، ومن ثم تصبح الهوية العربية مجرد انعكاس وتقليد للآخر الغربي أو نقيضًا له عن طريق رفض كل ما هو غربي ومحاولة استعادة الماضي.[19]

   وبهذا، يكون العروي قد صرح بأن العديد من قطاعات الفكر العربي لا يستطيع أن يعكس حركة تطوره، لأنها صادرة عن إدراك غير واعٍ أو غير واقعي؛ إذ إنه يمر دائمًا عبر تحليل الحضارة الغربية ومحاكاتها، أو عبر تحليل واقعه الماضي والسعي إلى العودة إليه. وبذلك، نجد أن الفكر العربي بدا وكأنه لا يعود، في دراسة هويته، إلى اللحظة الراهنة، بل يعود إلى الماضي، أو إلى نموذج آخر يقلده، وهو ما يعبر عن ضعف المخيال العربي في الوصول إلى حقيقة هويته الراهنة. وبذلك، يكون العروي قد فصل في مسألة تشكّل الذات العربية، ورأى ضرورةَ استلهام المنهج التاريخاني لفهم حركة التطور التاريخي العربي وهويته، ومن ثم تحقيق نهضة تتلاءم في جوهرها مع الواقع العربي.

ثالثًا: إعادة بناء مفهوم الهوية العربية في مشروع عبدالله العروي

   من خلال ما تم عرضه، يمكن استخلاص رؤية محددة عن مفهوم الهوية العربية لدى عبد الله العروي، فهو مفهوم لا يظهر كقطعة مستقلة بذاتها من مشروعه الفكري، بل يظهر دائمًا على هيئة متداخلة مع العديد من المفاهيم الأخرى في بنائه الفكري وجهازه المفاهيمي، وهو ما ظهر جليًا في المحور السابق. ولذلك، فالغرض من هذه الورقة هو إعادة بناء وتركيب مفهوم الهوية العربية من داخل البناء الفكري العام للعروي، والتركيز على المفهوم بصورة أدق وأعمق من مجرد تعريفات عابرة.

   يمكن القول إن الهوية العربية عند عبد الله العروي ليست جوهرًا مطلقًا ثابتًا وسابقًا على التاريخ، ولا حقيقة مكتملة محفوظة وراسخة من الماضي أو في التراث، وإنما هي بناء تاريخي متحول ومتغير، يتشكل ضمن صيرورة اجتماعية وسياسية وثقافية مفتوحة، ويتحدد بقدر ما تملك الذات العربية وعيًا تاريخيًا نقديًا بذاتها وبعصرها وبعلاقتها بالآخر، المتمثلة في الغرب. وبذلك نجد أن الهوية العربية هي ليست أصلًا يُستعاد ويُعاد إحياءه من الماضي، أو وجه لهويةً أخرى تُسنتسخ منها، بل هي مسارًا يُفهم من خلال أُسس تاريخانية يُعاد بناؤه وفق شروط الواقع المحدد. وهذا المنطق يجعل من الهوية العربية غير جامدة في تمسكها بمظهر واحد أو في قالب مغلق، لأن منطق التاريخانية قائم على أن ما يدخل التاريخ لا يبقى ثابتًا على صورة أو هيئة واحدة. وبالتالي، فإن الهوية لديه مرتبطة بالزمن والصيرورة لا بالجوهر الساكن.

   إن الهوية العربية في هذه الحالة لا تُفهم إلا من خلال الوعي التاريخي النقدي الذي يميز بين الأصالة بوصفها جمودًا وارتهانًا لنموذج ماضوي وتراثي، والخصوصية بوصفها تشكلًا حيًا جديدًا للشخصية العربية انطلاقًا من معطيات الحاضر بوصفها أيضًا نتاجًا للماضي والتراث. كما أن الهوية العربية، في هذا المنظور، لا تتحدد بمعزل عن علاقتها بالغرب، إذ إن سؤال الهوية في الفكر العربي الحديث يتشكل ضمن السجال الفكري الواسع مع مفاهيم الحداثة الغربية، وبين محاكاة الغرب ورفضه، الأمر الذي جعل أزمة الهوية عند العروي متصلة بشكل واضح بأزمة الوعي العربي نفسه في إدراكه لذاته وللآخر. وعليه، فإن تجاوز هذه الأزمة، من وجهة نظر العروي، لا يتم بالعودة إلى الماضي ولا بالنسخ والتقليد عن الغرب، بل ببناء ذات عربية حديثة تستوعب شروط عصرها وتعيد توظيف تراثها وفق أفقٍ تاريخي جديد.

   يفتح هذا التعريف للهوية العربية المجال للبحث عن حلول لمعضلات هذا المفهوم في الوقت الراهن، فهو يحاول تقديم معالجة موضوعية لمسألة الهوية التي تنغلق أحيانًا في أطر إثنية وطائفية جامدة. إذ إن الهوية العربية عند العروي، حين تُفهم على أنها بناء تاريخي متحول لا بوصفها جوهرًا ثابتًا مغلقًا، فإن ذلك يضعف الأساس الفكري لكل خطاب يدعي امتلاك النموذج الصحيح الوحيد لتعريف الذات العربية. ولعل ذلك يسهم في حل العديد من معضلات تعريف الهوية، لأن كثيرًا من أزمات الهوية تنشأ حين تتحول الهوية إلى ماهية صلبة تُقصي غيرها، لا حين تُفهم بوصفها تشكلًا تاريخيًا مفتوحًا.

   ومن هنا، تكمن فائدة هذا التعريف في أنه يفكك الأطروحات الهوياتية الجامدة التي تغذي كثيرًا من النزاعات المرتبطة بمسائل الهوية والإثنية والطائفة. فإذا لم تعد الهوية العربية جوهرًا أزليًا محفوظًا، فلن يعود الاختلاف الإثني أو اللغوي أو الديني مشكلةً في حد ذاته، بل سيصبح جزءًا من نسيجها وتاريخها الاجتماعي نفسه. كما أن هذا التعريف يتيح المجال للجمع بين الهوية العربية الكلية الجامعة وبين الاعتراف بالتعدد الداخلي المنخرط في نسيج التكوين العربي. فالمشكلة في كثير من السياقات العربية ليست في وجود التنوع في ذاته، بل في التعامل معه كما لو أنه نفي للهوية الجامعة. أما إذا أصبحت الهوية العربية أفقًا تاريخيًا وثقافيًا وسياسيًا واسعًا، لا قالبًا عرقيًا مغلقًا، فإنها تستطيع أن تستوعب التعدد بدل أن تُفنيه بداخلها.

الخاتمة

   خلصت هذه الورقة إلى أن مفهوم الهوية العربية في فكر عبد الله العروي لا يظهر بوصفه مفهومًا مستقلًا ومنعزلًا داخل مشروعه الفكري، بل يتشكل من خلال شبكة مفاهيمية أوسع تتداخل فيها العديد من المفاهيم التي تشكل بنية مشروعه الكلي مثل التاريخانية، والتراث، والحداثة، والأصالة، والخصوصية، والعلاقة بالآخر الغربي. ومن خلال قراءة وإعادة بناء هذا المفهوم من داخل مشروعه، تبين أن الهوية العربية عند العروي ليست جوهرًا ثابتًا سابقًا على التاريخ، ولا معطًى مكتملًا محفوظًا في الماضي، بل هي بناء تاريخي متحول يتشكل وفق شروط الواقع الاجتماعي والسياسي والثقافي. كما أظهرت الورقة أن العروي ربط مسألة الهوية بمشكلة الوعي العربي نفسه، مبينًا أن أزمة الهوية لا تنفصل عن عجز الفكر العربي، في كثير من صوره، عن إدراك حركة التاريخ إدراكًا موضوعيًا، وتردده الدائم بين محاكاة وتقليد الغرب أو الاحتماء والرجوع إلى الماضي.

   بالإضافة إلى ما سبق، حاولت هذه الورقة إظهار أهمية تصور العروي للهوية العربية في أنه لا يقتصر على بعده التفسيري، بل يمتد إلى ما يتيحه من إمكانية لفهم أزمات الهوية العربية الراهنة وما يرتبط بها من إشكالات إثنية وطائفية وثقافية. فحين تُفهم الهوية على أنها بناء تاريخي متحول، لا ماهية جامدة مغلقة، يصبح من الممكن تجاوز كثير من الأطروحات الإقصائية التي تدعي امتلاكها للنموذج الصحيح لفهم الذات العربية، ويفتح المجال أمام تصور أوسع للهوية العربية بوصفها إطارًا جامعًا يستوعب التعدد الداخلي ولا ينفيه. ومن ثم، فإن إسهام العروي يُعد إسهامًا فكريًا متميزًا ومهمًا، لأنه يقدم مدخلًا نقديًا وتاريخيًا يمكن أن يساعد على إعادة التفكير في الهوية العربية بعيدًا عن الانغلاق الأيديولوجي، وفي اتجاه بناء ذات عربية حديثة قادرة على استيعاب شروط العصر وإعادة صياغة علاقتها بماضيها وحاضرها ومستقبلها.


[1] عبير عقون، “سؤال الهوية في الفكر العربي المعاصر“، مجلة الآداب واللغات والعلوم الإنسانية، مج 5، ع 1، 2022، ص185.

[2]عبد الله العروي مؤرخ ومفكر مغربي، عُرف بإسهاماته الكبيرة في الفكر العربي المعاصر، ولا سيما في قضايا التاريخ والحداثة والهوية والتراث، كما ارتبط اسمه بالمنهج التاريخاني في تحليل الواقع العربي. وُلد عام 1933 في مدينة أزمور بالمغرب، وتلقى تعليمه الابتدائي والإعدادي في أزمور ومراكش، ثم انتقل إلى الرباط، ومنها إلى الدار البيضاء، للحصول على البكالوريا. وبعد ذلك انتقل إلى باريس، حيث التحق بمعهد الدراسات السياسية، ودرس فيه العلوم السياسية والدراسات التاريخية، واهتم بالدراسات المتعلقة بالتاريخ الإسلامي. وقد حصل على دبلوم الدراسات العليا سنة 1958 عن بحث تناول العلاقات التجارية بين المغرب وأوروبا في العصور الوسطى، ثم نال شهادة التبريز في باريس عام 1963، وحصل على درجة الدكتوراه من جامعة السوربون سنة 1976 عن أطروحته حول الوطنية المغربية. وقد درّس العروي في جامعتين، أولهما جامعة كاليفورنيا بالولايات المتحدة الأمريكية، وثانيتهما جامعة محمد الخامس بالرباط، كما ألقى عدة محاضرات في عدد من الأوساط الأكاديمية في شمال أفريقيا والشرق الأوسط وأوروبا وأمريكا الشمالية.

[3] فاطمة الزهراء بن زردة، “العروي والماركسية“، مجلة العلوم الإنسانية والاجتماعية، مج 7، ع 2، 2021، ص346.

[4] عبدالله العروي، “الأيديولوجية العربية المعاصرة“، (الدار البيضاء، المركز الثقافي العربي، 1995)، ص175.

[5] عبدالله العروي، نانسي جلاجير، والحسين سحبان، “حياة عبدالله العروي وأزمنته“، يتفكرون، مؤسسة مؤمنون بلا حدود، ع 7، 2015، ص287.

[6] المرجع السابق، ص286.

[7] مركز دراسات الوحدة العربية، “في نقد الأيديولوجيا: حوار فكري مع عبد الله العروي“، 7 فبراير 2019.  

[8] محمد سبيلا، “مفهوم التاريخانية عند العروي“، دراسة منشورة ضمن أعمال الحلقة الدراسية: عبد الله العروي: الحداثة وأسئلة التاريخ (الدار البيضاء: كلية الآداب والعلوم الإنسانية بنمسيك – جامعة الحسن الثاني المحمدية، 2007)، ص45-50.

[9] عبدالله العروي، نانسي جلاجير، والحسين سحبان، مرجع سبق ذكره، ص288.

[10] عبير عقون، مرجع سبق ذكره، ص189-190.

[11] Navid Hassanzadeh, “Authenticity and its Discontents: Abdallah Laroui on the Moroccan and Arab Subject”, Modern Intellectual History, no. 21, (2024): p.1033-1034.

[12] كرطالي نور الدين، “الحداثة والوعي التاريخي في فكر العروي“، مجلة العبر للدراسات التاريخية والأثرية في شمال أفريقيا، مج 4، ع 2، 2021، ص801.

[13] Navid Hassanzadeh, op. cit, p. 1037.

[14] Navid Hassanzadeh, op. cit, p. 1037.

[15] Navid Hassanzadeh, op. cit, p. 1034–1035.

[16] كرطالي نور الدين، مرجع سبق ذكره، ص800.

[17] Navid Hassanzadeh, op. cit, p. 1034–1035.

[18] Navid Hassanzadeh, op. cit, p. 1034–1036.

[19] كرطالي نور الدين، مرجع سبق ذكره، ص786.

باحث في النظرية السياسية بمركز ترو للدراسات

المانيا
مقال حنان
صورة عاصم
صورة مقال محمد عبدالفتاح
صورة مقال عاصم
Scroll to Top