تُمثل التطورات الأخيرة في ملف الصحراء الغربية مؤشرًا على تصاعد الخلاف بشأن مستقبل التسوية السياسية للنزاع، في ظل الجدل المثار حول المسودة الأمريكية المتعلقة بولاية بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية (المينورسو)، وما تطرحه من توجهات محتملة لإعادة تحديد دور البعثة والإطار الذي تُدار من خلاله العملية السياسية. وقد أثار هذا التطور اعتراض جبهة البوليساريو، التي هددت بالانسحاب من عملية السلام حال اعتماد المسودة دون إدخال تعديلات جوهرية عليها، بما يعكس اتساع الفجوة بين الأطراف بشأن الأسس التي ينبغي أن تقوم عليها التسوية، وحدود الدور الأممي في إدارة النزاع[1].
وتكتسب هذه التطورات أهميتها من تداخل الأبعاد القانونية والسياسية والاستراتيجية للقضية، إذ لا يقتصر الخلاف على تجديد ولاية المينورسو أو تعديل مهامها، بل يمتد إلى مستقبل مبدأ تقرير المصير، وموقع مقترح الحكم الذاتي المغربي في المفاوضات، وطبيعة الدور الذي تضطلع به القوى الدولية، وفي مقدمتها الولايات المتحدة، في توجيه مسار التسوية. كما تثير هذه التطورات تساؤلات بشأن قدرة الأمم المتحدة على الحفاظ على إطار تفاوضي مقبول لدى الأطراف، في ظل تباين مواقف القوى الإقليمية والدولية، وانعكاسات استمرار الخلاف على استقرار منطقة المغرب العربي. وفي هذا السياق، يسعى هذا المقال التحليلي إلى تحليل دلالات التصعيد الأخير في ملف الصحراء الغربية، وأبعاد المسودة الأمريكية المتعلقة بالمينورسو، وحسابات الأطراف المعنية، فضلًا عن استشراف السيناريوهات المحتملة لمستقبل التسوية السياسية وتداعياتها الإقليمية[2].
أولًا: الخلفية القانونية والسياسية للنزاع في الصحراء الغربية
تُعد قضية الصحراء الغربية من النزاعات الإقليمية الممتدة في شمال إفريقيا، إذ تتداخل فيها اعتبارات تصفية الاستعمار وتقرير المصير والسيادة الوطنية، إلى جانب حسابات التوازنات الإقليمية والدولية. وقد استمر النزاع منذ انسحاب إسبانيا من الإقليم عام 1976، دون التوصل إلى تسوية نهائية تحظى بقبول الأطراف المعنية. وتنبع أهمية هذه القضية من أن الخلاف لا يقتصر على تحديد الوضع القانوني والسياسي للإقليم، بل يمتد إلى طبيعة التسوية الممكنة، والجهة التي تمتلك حق تقرير مستقبله، والدور الذي ينبغي أن تضطلع به الأمم المتحدة في إدارة العملية السياسية. ومن ثم، فإن فهم التصعيد الراهن بشأن بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية (المينورسو) يتطلب العودة إلى الجذور التاريخية للنزاع، ومتابعة تطور الأطر الدولية التي حاولت احتواءه[3].
- الجذور التاريخية للنزاع وتباين المواقف بشأن مستقبل الإقليم
خضع إقليم الصحراء الغربية للإدارة الاستعمارية الإسبانية حتى منتصف سبعينيات القرن العشرين، ومع اقتراب إنهاء الوجود الإسباني تصاعد التنافس بشأن مستقبله بين المغرب وجبهة البوليساريو، التي تأسست عام 1973 وتتبنى مطلب استقلال الإقليم. وفي عام 1975، أصدرت محكمة العدل الدولية رأيًا استشاريًا بشأن الصحراء الغربية، أقرت فيه بوجود روابط تاريخية للولاء وبعض الروابط القانونية بين سلطان المغرب وبعض الجماعات في الإقليم، لكنها خلصت إلى أن المواد المعروضة عليها لا تثبت وجود روابط سيادة إقليمية من شأنها إلغاء تطبيق مبدأ تقرير المصير من خلال التعبير الحر والحقيقي عن إرادة سكان الإقليم. وقد مثل هذا الرأي مرجعية مهمة في استمرار الجدل القانوني حول طبيعة الروابط التاريخية وحدود تأثيرها على تحديد الوضع النهائي للإقليم[4].
وفي نوفمبر 1975، أُبرمت اتفاقات مدريد بين إسبانيا والمغرب وموريتانيا بشأن إنهاء الوجود الإسباني وترتيبات إدارة الإقليم، لكنها لم تُنهِ الخلاف حول السيادة أو تحدد الوضع النهائي للصحراء الغربية. ومع انسحاب إسبانيا عام 1976، تصاعد النزاع المسلح بين المغرب والبوليساريو، التي أعلنت قيام الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية، فيما تولى المغرب إدارة أجزاء واسعة من الإقليم. وانسحبت موريتانيا من مطالبتها بالجزء الذي كانت تسعى إلى ضمه عام 1979، بينما استمر النزاع بين المغرب والبوليساريو. وقد أسهم استمرار هذا الوضع في تحويل القضية من مسألة مرتبطة بإنهاء الاستعمار الإسباني إلى نزاع إقليمي ودولي طويل الأمد، تتباين فيه المواقف بشأن السيادة والتمثيل السياسي وآليات تقرير المصير[5].
- جهود الأمم المتحدة وخطة التسوية وإنشاء بعثة المينورسو
مع استمرار النزاع، كثفت الأمم المتحدة جهودها للتوصل إلى تسوية سياسية، بالتعاون مع منظمة الوحدة الإفريقية، وأسفرت هذه الجهود عن مقترحات للتسوية وافق عليها المغرب وجبهة البوليساريو عام 1988. وفي 29 أبريل 1991، أصدر مجلس الأمن القرار رقم 690، الذي أنشأ بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية، بهدف تنفيذ خطة التسوية التي تضمنت تنظيم استفتاء يتيح لسكان الإقليم التعبير عن إرادتهم بشأن مستقبله. وكان من المقرر إجراء الاستفتاء في يناير 1992، إلا أن الخلافات المتعلقة بتحديد الهيئة الناخبة وشروط المشاركة، إلى جانب التباينات السياسية بين الأطراف، حالت دون تنفيذه. وبذلك، انتقلت البعثة تدريجيًا من إطار يرتبط بتنفيذ خطة استفتاء محددة زمنيًا إلى دور ممتد في مراقبة الوضع الميداني ودعم جهود التسوية السياسية[6].
وعلى الرغم من استمرار وجود المينورسو، لم تنجح الجهود الأممية في تجاوز الخلافات الجوهرية بشأن الوضع النهائي للإقليم. ففي عام 2007، قدم المغرب مقترحًا للحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، بينما تمسكت جبهة البوليساريو بموقفها الداعي إلى تقرير المصير، بما يشمل خيار الاستقلال. ومنذ ذلك الحين، استمرت الجهود الدبلوماسية في محاولة تقريب وجهات النظر، دون التوصل إلى اتفاق نهائي. كما شهد الوضع الميداني تراجعًا في استقرار وقف إطلاق النار الذي استمر بصورة عامة منذ نشر البعثة عام 1991، وذلك بعد إعلان البوليساريو في نوفمبر 2020 إنهاء التزامها به واستئناف العمل المسلح. ويكشف هذا المسار عن محدودية قدرة آليات إدارة النزاع على تحقيق تسوية نهائية في ظل استمرار التباعد بين تصورات الأطراف بشأن مستقبل الإقليم[7].
- تطور الإطار الأممي وتحول مقاربة التسوية السياسية
شهد الإطار الأممي للتعامل مع النزاع تطورًا ملحوظًا خلال السنوات الأخيرة، مع تزايد الاهتمام بمقترح الحكم الذاتي المغربي بوصفه أساسًا للمفاوضات. وفي هذا السياق، اعتمد مجلس الأمن القرار رقم 2797 في 31 أكتوبر 2025، ومدد ولاية بعثة المينورسو حتى 31 أكتوبر 2026، كما دعم مواصلة المفاوضات على أساس مقترح الحكم الذاتي المغربي، مع التأكيد على ضرورة التوصل إلى حل سياسي عادل ودائم ومقبول من الأطراف، يتسق مع ميثاق الأمم المتحدة ومبدأ تقرير المصير. كذلك، طلب المجلس من الأمين العام تقديم مراجعة استراتيجية لمستقبل ولاية البعثة، مع مراعاة نتائج المفاوضات. ويعكس هذا القرار توجهًا نحو ربط مستقبل المينورسو بمسار العملية السياسية، بدلًا من التعامل مع تجديد ولايتها باعتباره إجراءً منفصلًا عن الجهود الرامية إلى إنهاء النزاع[8].
ومع اقتراب موعد تجديد ولاية البعثة في أكتوبر 2026، عاد الجدل بشأن طبيعة دورها المستقبلي إلى صدارة الاهتمام الدولي، خصوصًا في ظل المسودة الأمريكية المتداولة التي تتضمن مقترحات لتغيير اسم البعثة ومهامها، وتوسيع دور مقترح الحكم الذاتي في تحديد إطار المفاوضات. وتكتسب هذه التطورات أهميتها من أن تعديل ولاية المينورسو لا يتعلق بالترتيبات الإدارية أو الميدانية وحدها، بل قد يؤثر في طبيعة الدور الذي تؤديه الأمم المتحدة في إدارة النزاع، وفي العلاقة بين مهام البعثة الأصلية ومتطلبات أي تسوية سياسية مستقبلية. وفي المقابل، ترى جبهة البوليساريو أن الاتجاه نحو حصر المفاوضات في مقترح الحكم الذاتي قد يحد من الخيارات المتاحة أمام تقرير المصير، بينما يتمسك المغرب بمقترحه باعتباره أساسًا لتسوية النزاع في إطار سيادته على الإقليم. وبذلك، أصبحت المداولات المتعلقة بمستقبل البعثة مرتبطة بصورة مباشرة بالخلاف حول الأساس السياسي والقانوني للتسوية، وهو ما يفسر حدة الاعتراضات على المسودة الأمريكية والتهديد بالانسحاب من عملية السلام[9].
يتضح مما سبق أن التصعيد الراهن بشأن المينورسو يمثل امتدادًا لخلاف تاريخي لم تنجح الجهود الدولية في تسويته، رغم تعدد المبادرات والقرارات الأممية. فبينما يسعى المغرب إلى تثبيت الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية بوصفه أساسًا للتسوية، تتمسك جبهة البوليساريو بمطلب تقرير المصير، بما يشمل خيار الاستقلال، في ظل استمرار التباين بشأن طبيعة الحل المقبول ومضمونه. وقد أضافت التطورات المرتبطة بالمسودة الأمريكية بُعدًا جديدًا إلى هذا الخلاف، يتمثل في مستقبل الآلية الأممية التي تتولى إدارة الملف ومراقبة الوضع الميداني[10].
ثانيًا: المينورسو بين مهام حفظ السلام ومتطلبات إعادة الهيكلة
- الوظائف الميدانية والسياسية للبعثة وحدود فاعليتها
لا يقتصر دور بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية (المينورسو) على وجود عسكري دولي في منطقة النزاع، بل تمثل إحدى الآليات الأممية لمراقبة التطورات الميدانية، والحد من مخاطر التصعيد، وتوفير المعلومات التي تساعد الأمم المتحدة على متابعة الوضع الأمني. وتؤدي البعثة، وفقًا لمهامها الحالية، دورًا في مراقبة الأنشطة العسكرية والتحقق من الحوادث المرتبطة بالنزاع والإبلاغ عنها، فضلًا عن تنفيذ أنشطة للحد من مخاطر الألغام والذخائر المتفجرة، وتقديم الدعم اللوجستي لجهود المبعوث الشخصي للأمين العام المعني بالصحراء الغربية. وتكتسب هذه الوظائف أهمية خاصة في ظل استمرار التوترات الميدانية، إذ توفر البعثة قناة مؤسسية لمتابعة التطورات وتقليل احتمالات سوء التقدير بين الأطراف، حتى مع عدم التوصل إلى تسوية سياسية نهائية[11].
ومع ذلك، تواجه فاعلية البعثة قيودًا ترتبط بالفجوة بين نطاق مهامها المعتمدة والبيئة السياسية والأمنية التي تعمل فيها. فمن ناحية، لم يتحقق الهدف المرتبط بتنظيم الاستفتاء الذي أُنشئت البعثة في إطاره، بينما استمرت مهام المراقبة الميدانية والدعم السياسي في ظل غياب اتفاق نهائي. ومن ناحية أخرى، أدى انهيار وقف إطلاق النار عام 2020 إلى زيادة تعقيد الظروف التشغيلية للبعثة، التي واصلت الانتشار ومراقبة الأنشطة العسكرية والإبلاغ عن الحوادث على جانبي الإقليم المتنازع عليه. ويعني ذلك أن المينورسو تؤدي وظيفة مهمة في إدارة المخاطر الأمنية، لكنها لا تمتلك بمفردها الأدوات السياسية اللازمة لإجبار الأطراف على التوصل إلى اتفاق. ومن ثم، ينبغي التمييز بين محدودية قدرة البعثة على إنهاء النزاع، وبين قيمة استمرار وجودها بوصفها آلية أممية للرصد والاتصال ودعم جهود خفض التصعيد[12].
- المراجعة الاستراتيجية لمستقبل البعثة ودوافع إعادة هيكلتها
برزت مسألة إعادة تقييم المينورسو بصورة أكثر وضوحًا في القرار رقم 2797 الصادر عن مجلس الأمن في 31 أكتوبر 2025، إذ طلب المجلس من الأمين العام تقديم مراجعة استراتيجية بشأن مستقبل ولاية البعثة، مع مراعاة نتائج المفاوضات بين الأطراف. وقد فتح هذا التوجه المجال أمام بحث مدى ملاءمة هيكل البعثة ومهامها للمرحلة المقبلة، بدلًا من الاكتفاء بالتجديد الدوري لولايتها دون تغيير جوهري في طبيعة عملها. وتنبع أهمية المراجعة من ارتباطها بسؤال أساسي يتعلق بكيفية توظيف الموارد الأممية في ظل تعثر التسوية، وما إذا كان الإبقاء على المهام القائمة كافيًا للتعامل مع التحديات الميدانية والسياسية، أم أن الأمر يستدعي إعادة توزيع الأولويات بين المراقبة الأمنية ودعم العملية السياسية[13].
وفي هذا السياق، كشفت المسودة الأمريكية المتداولة في أكتوبر 2026 عن توجه أكثر شمولًا لإعادة هيكلة البعثة، إذ اقترحت إنهاء مهامها الحالية لحفظ السلام اعتبارًا من 30 أبريل 2027، وتحويلها ابتداءً من الأول من مايو 2027 إلى بعثة سياسية خاصة باسم جديد، مع ولاية مقترحة تمتد حتى 31 أكتوبر من العام نفسه. كما تضمنت المسودة مقترحات لخفض المكون العسكري وإعادة توجيه عمل البعثة نحو دعم المفاوضات السياسية. وتمثل هذه المقترحات، إذا اعتُمدت، تغييرًا في طبيعة الوجود الأممي في الإقليم، من نموذج يعتمد على المراقبة الميدانية ضمن إطار حفظ السلام إلى نموذج يركز بصورة أكبر على الوساطة والدعم السياسي. ومع ذلك، يجب التأكيد أن هذه الترتيبات وردت في مسودة متداولة، ولا يجوز التعامل معها باعتبارها تغييرات نافذة قبل اعتمادها رسميًا من مجلس الأمن[14].
وتعكس هذه المقاربة نقاشًا أوسع داخل الأمم المتحدة بشأن العلاقة بين استمرار عمليات حفظ السلام ووجود مسار سياسي قابل للتقدم. فحين يستمر النزاع دون اتفاق نهائي، تصبح كفاءة البعثة موضع مراجعة من حيث تكاليفها ومواردها ومدى قدرتها على تحقيق أهدافها الأصلية. لكن إعادة الهيكلة لا تعني بالضرورة أن الانتقال إلى بعثة سياسية سيؤدي إلى نتائج أكثر فاعلية، إذ يتوقف ذلك على طبيعة الصلاحيات الممنوحة للبعثة الجديدة، وقدرتها على الوصول إلى مناطق النزاع، واستمرار قنوات الاتصال مع الأطراف، ومدى توافر توافق دولي حول دورها. ولذلك، فإن تقييم المقترح الأمريكي ينبغي ألا يقتصر على حجم التخفيض في المكون العسكري أو تغيير اسم البعثة، بل يجب أن يشمل التداعيات المحتملة لهذه التغييرات على الرصد الميداني، وإدارة الحوادث الأمنية، وقدرة الأمم المتحدة على الحفاظ على دورها في العملية السياسية[15].
- التداعيات المحتملة لإعادة الهيكلة على الدور الأممي وإدارة النزاع
تثير المقترحات الأمريكية بشأن إعادة هيكلة المينورسو تساؤلات حول مستقبل التوازن بين الدور الأمني والدور السياسي للأمم المتحدة في الصحراء الغربية. فمن منظور مؤيدي إعادة التوجيه، قد يتيح تقليص المهام العسكرية وتوسيع الدور السياسي تركيز الموارد على المفاوضات، ودعم الاتصالات بين الأطراف، وتطوير آليات أكثر ارتباطًا بمسار التسوية. غير أن هذا التصور يظل مرتبطًا بمدى استعداد الأطراف للدخول في مفاوضات جدية، وبقدرة البعثة المقترحة على العمل في بيئة لا تزال تشهد توترات ميدانية. ومن ثم، فإن تغيير الهيكل المؤسسي للبعثة لا يمثل في حد ذاته ضمانة لتحقيق تقدم سياسي، ما لم يصاحبه توافق بشأن أهداف العملية التفاوضية والضمانات اللازمة لاستمرارها[16].
في المقابل، قد يؤدي تقليص الوجود العسكري الأممي إلى إثارة مخاوف بشأن تراجع القدرة على مراقبة التطورات الميدانية والتحقق من الحوادث، خصوصًا في ظل غياب تسوية نهائية واستمرار التوترات بين الأطراف. كما أن الانتقال إلى بعثة سياسية قد يثير خلافات حول حدود صلاحياتها، ومدى قدرتها على أداء وظائف الرصد والاتصال، وطبيعة الضمانات التي ستوفرها لمنع تصاعد المواجهات[17]. وتزداد أهمية هذه المسألة في ضوء اعتراض البوليساريو على المسودة الأمريكية وتهديدها بالانسحاب من عملية السلام إذا اعتُمدت دون تعديلات جوهرية، إذ يشير موقف الجبهة إلى أن إعادة هيكلة البعثة ترتبط، من وجهة نظرها، بالخلاف حول إطار التسوية ذاته، وليس فقط بترتيبات إدارية أو تشغيلية. وفي المقابل، تظل المسودة بحاجة إلى موافقة مجلس الأمن، كما أن مواقف الأطراف الأخرى وتفاعلات أعضاء المجلس ستؤثر في شكل القرار النهائي ومضمونه[18].
وبناءً على ذلك، يمكن النظر إلى إعادة هيكلة المينورسو باعتبارها اختبارًا لقدرة الأمم المتحدة على التوفيق بين متطلبات إدارة الوضع الميداني والضغوط الرامية إلى تحريك العملية السياسية. فنجاح أي تعديل مستقبلي لن يتوقف على تغيير طبيعة البعثة وحده، وإنما على وضوح مهامها، واحتفاظها بالأدوات الضرورية لمراقبة التطورات، وتوافر حد أدنى من القبول والتعاون من الأطراف المعنية. أما إذا جرى تقليص الدور الميداني دون توفير بدائل عملية للرصد وخفض التصعيد، فقد تنشأ فجوة بين الطموح السياسي للمبادرة الجديدة والقدرة الفعلية على إدارة النزاع[19].
ثالثًا: المسودة الأمريكية وتحولات مقاربة واشنطن للتسوية السياسية
يمثل الموقف الأمريكي من قضية الصحراء الغربية أحد العوامل المؤثرة في مسار التسوية السياسية، بالنظر إلى مكانة واشنطن داخل مجلس الأمن وعلاقاتها الاستراتيجية بالمغرب. وقد شهد هذا الموقف تحولًا بارزًا في ديسمبر 2020، عندما أعلنت إدارة الرئيس دونالد ترامب الاعتراف بسيادة المغرب على الصحراء الغربية، بالتزامن مع الإعلان عن استئناف العلاقات الدبلوماسية بين المغرب وإسرائيل. واستمر دعم واشنطن لمقترح الحكم الذاتي المغربي في إطار جهودها الرامية إلى دفع الأطراف نحو تسوية سياسية، وهو ما انعكس في المفاوضات التي سبقت اعتماد قرار مجلس الأمن رقم 2797 لعام 2025، الذي جعل المقترح المغربي أساسًا للمفاوضات مع التأكيد على ضرورة التوصل إلى حل سياسي نهائي ومقبول من الأطراف يضمن تقرير المصير لشعب الصحراء الغربية. ويعكس هذا المسار سعي الولايات المتحدة إلى تعزيز موقع المقترح المغربي ضمن المرجعية الدولية للتفاوض، مع مراعاة التوازنات داخل مجلس الأمن ومتطلبات الحفاظ على الإطار الأممي للعملية السياسية[20].
وفي هذا السياق، تكتسب المسودة الأمريكية المتداولة في أكتوبر 2026 أهمية خاصة، إذ لا تقتصر على الترتيبات المتعلقة بمستقبل بعثة المينورسو، بل ترتبط أيضًا بتحديد الإطار السياسي الذي ستُدار من خلاله المفاوضات المقبلة. وتشير التقارير المنشورة بشأن المسودة إلى توجه نحو تعزيز مركزية مقترح الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، إلى جانب تغييرات مقترحة في اسم البعثة وطبيعة مهامها ومكونها العسكري. ويعكس ذلك محاولة أمريكية للانتقال من دعم المقترح المغربي ضمن عملية تفاوضية إلى إعادة صياغة شروط العملية السياسية بصورة أكثر تحديدًا، بما قد يحد من مساحة الخيارات التي تتمسك بها جبهة البوليساريو. ومع ذلك، فإن قدرة واشنطن على تمرير هذه التوجهات تظل مرتبطة بمواقف بقية أعضاء مجلس الأمن، فضلًا عن مدى قبول الأطراف المعنية بها، إذ إن النفوذ الأمريكي في صياغة القرارات لا يعني بالضرورة إمكانية فرض جميع بنود المسودة دون تعديلات أو تفاوض[21].
وتتداخل هذه التحركات مع حسابات استراتيجية أوسع تتعلق بمستقبل العلاقات المغربية الجزائرية واستقرار منطقة المغرب العربي. فمن منظور واشنطن، قد يسهم التوصل إلى تسوية سياسية في الحد من التوتر الإقليمي وتهيئة المجال أمام مزيد من التعاون الأمني والاقتصادي، إلا أن دعم المقترح المغربي دون معالجة الاعتراضات الأساسية للبوليساريو والجزائر قد يؤدي إلى تعقيد المفاوضات بدلًا من تسهيلها. ومن ثم، يتمثل التحدي أمام الولايات المتحدة في الموازنة بين شراكتها الاستراتيجية مع المغرب والحفاظ على مسار تفاوضي قادر على تحقيق قدر من القبول لدى الأطراف المعنية. وبذلك، لا تتوقف دلالات المسودة الأمريكية على مستقبل المينورسو فحسب، بل تمتد إلى طبيعة الدور الذي ستؤديه واشنطن في تحديد مرجعيات التسوية وحدود الخيارات المطروحة، ومدى قدرة هذا التوجه على تحويل الدعم الدبلوماسي إلى اتفاق سياسي مستدام[22].
رابعًا: حسابات جبهة البوليساريو ودلالات التهديد بالانسحاب من عملية السلام
يعكس موقف جبهة البوليساريو من المسودة الأمريكية المتداولة في أكتوبر 2026 خلافًا جوهريًا حول الإطار الذي ينبغي أن تُدار من خلاله المفاوضات بشأن الصحراء الغربية. فقد حذرت الجبهة، في رسالة وجهها ممثلها لدى الأمم المتحدة، سيدي محمد عمار، في 22 أكتوبر 2026، من أن اعتماد المسودة دون تعديلات جوهرية قد يدفعها إلى الانسحاب من عملية السلام برمتها. ويتمثل جوهر اعتراضها في أن حصر المفاوضات في مقترح الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، وفقًا لما ورد في التقارير المتعلقة بالمسودة، قد يقيد الخيارات المطروحة أمام تقرير المصير، بما يشمل خيار الاستقلال الذي تتمسك به الجبهة. ومن هذا المنطلق، لا يرتبط رفض البوليساريو بالتغييرات المقترحة على بعثة المينورسو وحدها، بل يمتد إلى المرجعية السياسية التي يمكن أن تحكم المفاوضات مستقبلًا، وحدود الخيارات التي ستظل متاحة للأطراف عند البحث عن تسوية نهائية[23].
ومن الناحية السياسية، يمكن تفسير التهديد بالانسحاب باعتباره أداة ضغط تفاوضي تستهدف التأثير في صياغة القرار قبل اعتماده، والحفاظ على موقع الجبهة داخل العملية السياسية التي ترعاها الأمم المتحدة. فقبول إطار تفاوضي تعتبره البوليساريو مقيدًا لمطالبها قد يضعف قدرتها على التأثير في مسار التسوية، بينما يتيح التلويح بالانسحاب ممارسة ضغط على أعضاء مجلس الأمن لإعادة النظر في الصياغة المقترحة. غير أن هذا الخيار ينطوي أيضًا على مخاطر إذ إن الانسحاب الفعلي قد يقلص قنوات التواصل الدبلوماسي المتاحة أمام الجبهة، ويحد من قدرتها على المشاركة في تحديد ملامح التسوية، فضلًا عن احتمال تعميق الجمود السياسي. ولذلك، تظل فاعلية هذا التهديد مرتبطة بمدى استجابة أعضاء مجلس الأمن لمطالب التعديل، وقدرتهم على التوصل إلى صيغة تسمح باستمرار المفاوضات دون تجاهل الخلافات الأساسية بين الأطراف[24].
وفي هذا السياق، لا يعني التهديد بالانسحاب أن جبهة البوليساريو اتخذت قرارًا نهائيًا بإنهاء مشاركتها في عملية السلام، إذ ربطت موقفها باعتماد المسودة دون إدخال تعديلات جوهرية عليها. ويجعل ذلك من المداولات داخل مجلس الأمن عاملًا مؤثرًا في تحديد مسار الأزمة، سواء من خلال تعديل النص بما يسمح باستمرار العملية السياسية، أو اعتماد صيغة ترفضها الجبهة بما قد يؤدي إلى اتساع فجوة الثقة بين الأطراف. كما يكشف هذا التطور عن صعوبة الفصل بين الترتيبات المؤسسية الخاصة بمستقبل المينورسو والخلاف السياسي حول مضمون التسوية، فكلما ارتبطت إعادة هيكلة البعثة بتحديد الخيارات المتاحة أمام الأطراف، ازدادت احتمالات انتقال الخلاف من مجرد تفاوض على تفاصيل القرار إلى أزمة أوسع بشأن جدوى المسار الأممي وقدرته على توفير إطار مقبول للتفاوض. ومن ثم، فإن التحدي الأساسي أمام الأمم المتحدة يتمثل في الحفاظ على استمرارية العملية السياسية، مع إدارة التباينات المتعلقة بمستقبل البعثة والأساس الذي ستقوم عليه التسوية النهائية[25].
خامسًا: مواقف القوى الإقليمية والدولية وانعكاساتها على مجلس الأمن
تتحدد مواقف القوى الإقليمية والدولية من قضية الصحراء الغربية وفق تباين حساباتها الاستراتيجية وتصوراتها لطبيعة التسوية السياسية الممكنة، وهو ما يجعل التحرك الأمريكي بشأن مستقبل المينورسو جزءًا من تفاعلات دبلوماسية أوسع تتجاوز حدود النزاع ذاته. فعلى المستوى الأوروبي، تدعم فرنسا مقترح الحكم الذاتي المغربي باعتباره أساسًا للتسوية، كما أيدت المملكة المتحدة هذا التوجه، وهو ما يعزز الموقف المغربي داخل مجلس الأمن. في المقابل، تتمسك الجزائر بدعم حق تقرير المصير، وترفض حصر المفاوضات في مقترح الحكم الذاتي، انطلاقًا من موقفها الداعي إلى إتاحة المجال أمام الصحراويين لتحديد مستقبل الإقليم. أما موريتانيا، فتتبنى سياسة توصف عادة بالحياد الإيجابي، وتسعى إلى تجنب الانخراط في اصطفاف مباشر قد يؤثر في علاقاتها مع المغرب والجزائر، بالنظر إلى ارتباط استقرار المنطقة بأمنها ومصالحها الاقتصادية. وتكشف هذه المواقف عن صعوبة بناء توافق إقليمي شامل، في ظل استمرار التباين بين الدول المعنية بشأن الأساس السياسي والقانوني للتسوية[26].
وعلى المستوى الدولي، تبرز روسيا والصين بوصفهما طرفين مؤثرين في تحديد مآلات المداولات داخل مجلس الأمن، خصوصًا فيما يتعلق بأي تعديل جوهري في ولاية المينورسو أو في المرجعية السياسية للعملية التفاوضية. ففي التصويت على القرار رقم 2797 في 31 أكتوبر 2025، امتنعت الدولتان عن التصويت، إلى جانب باكستان، بينما صوتت 11 دولة لصالح القرار ولم تصوت أي دولة ضده، مع عدم مشاركة الجزائر في التصويت. ويعكس هذا التصويت وجود تأييد واسع للنص المعتمد، لكنه لا يعني إجماعًا كاملًا حول جميع أبعاده السياسية. وقد أبدت روسيا تحفظات على الصياغة الأمريكية، مؤكدة أهمية التوصل إلى حل عادل ودائم ومقبول من الأطراف، في حين يرتبط موقف الصين عمومًا بالحفاظ على دور الأمم المتحدة ومبادئ التسوية السياسية. وبناءً على ذلك، فإن مواقف موسكو وبكين تظل مهمة في أي مفاوضات بشأن المسودة الجديدة، وإن كان من الضروري التمييز بين امتناعهما عن التصويت عام 2025 وبين موقفيهما من أي نص مختلف يُطرح في أكتوبر 2026[27].
وتنعكس هذه التباينات على قدرة مجلس الأمن على صياغة قرار يحظى بقبول دولي واسع ويحافظ، في الوقت نفسه، على استمرارية العملية السياسية. فالمسألة لا تتعلق فقط بتجديد ولاية المينورسو، بل تمتد إلى مدى توافق الدول الأعضاء بشأن العلاقة بين دعم مقترح الحكم الذاتي، وضمان استمرار المفاوضات، والحفاظ على دور الأمم المتحدة في إدارة النزاع. وفي هذا الإطار، قد يؤدي التوصل إلى صيغة توافقية إلى احتواء التصعيد وتوفير الوقت لاستمرار المشاورات، بينما قد يسهم اعتماد تعديلات جوهرية دون قبول الأطراف المعنية في زيادة حدة الخلافات وإضعاف فرص التفاوض. ومن ثم، فإن التحدي أمام القوى الدولية لا يتمثل في تمرير قرار جديد فحسب، بل في صياغة إطار قابل للاستمرار سياسيًا وعمليًا، يراعي التوازنات داخل المجلس ويحد من مخاطر اتساع التوتر بين المغرب والجزائر، بما قد ينعكس على استقرار منطقة المغرب العربي والساحل[28].
سادسًا: السيناريوهات المستقبلية وتداعياتها على استقرار المنطقة
تتوقف المسارات المستقبلية لملف الصحراء الغربية على طبيعة القرار الذي سيعتمده مجلس الأمن بشأن المسودة الأمريكية، ومدى قدرة الأطراف المعنية على التوصل إلى صيغة تحافظ على استمرار العملية السياسية وتحد من احتمالات التصعيد. وفي هذا السياق، يبرز سيناريو أول يتمثل في إدخال تعديلات على المسودة الأمريكية تسمح بالتوصل إلى صيغة توافقية، سواء فيما يتعلق بمستقبل بعثة المينورسو أو بالمرجعية السياسية للمفاوضات. وقد يتيح هذا المسار استمرار الدور الأممي، مع منح الأطراف مساحة إضافية للتفاوض حول القضايا الخلافية، بما يقلل احتمالات انسحاب البوليساريو من العملية السياسية. غير أن تحقيق هذا السيناريو يتطلب التوفيق بين توجه واشنطن نحو جعل مقترح الحكم الذاتي المغربي أساسًا للمفاوضات، وتمسك البوليساريو بإبقاء خيارات تقرير المصير مفتوحة، إلى جانب مراعاة مواقف بقية أعضاء مجلس الأمن. وتظل هذه الإمكانية مرتبطة بنتائج المشاورات الدبلوماسية، إذ إن المسودة المتداولة لا تزال بحاجة إلى اعتماد رسمي حتى تتحول مقترحاتها إلى التزامات أممية نافذة[29].
أما السيناريو الثاني، فيتمثل في اعتماد المسودة بصيغة قريبة من الطرح الأمريكي، بما قد يؤدي إلى تحول جوهري في طبيعة الوجود الأممي، من خلال تقليص المكون العسكري للبعثة وإعادة توجيه مهامها نحو دعم العملية السياسية. وقد يمنح هذا المسار واشنطن والمغرب فرصة لتعزيز مقاربة الحكم الذاتي في المفاوضات، لكنه قد يفاقم الخلاف مع البوليساريو، التي هددت بالانسحاب إذا اعتُمد النص دون تعديلات جوهرية. وفي هذه الحالة، قد تواجه الأمم المتحدة صعوبة في الحفاظ على مشاركة جميع الأطراف في العملية السياسية، بما يضعف فرص التوصل إلى تسوية مقبولة بصورة متبادلة. كما أن تقليص الوجود الميداني للبعثة قد يثير تساؤلات حول القدرة على متابعة التطورات الأمنية والتحقق من الحوادث، خصوصًا في ظل استمرار التوترات بين المغرب والبوليساريو. ومع ذلك، فإن اعتماد المسودة، حتى لو حدث، لن يعني تلقائيًا انتهاء النزاع أو حسم الوضع القانوني للإقليم، إذ ستظل التسوية النهائية مرتبطة بالتطورات السياسية ومواقف الأطراف المعنية[30].
وفي المقابل، يظل سيناريو تعثر التوافق داخل مجلس الأمن أو إدخال تعديلات واسعة على المسودة احتمالًا قائمًا، بما قد يدفع المجلس إلى اعتماد صيغة انتقالية أو الإبقاء على جانب كبير من المهام الحالية للبعثة لفترة إضافية. وقد يتيح هذا المسار تجنب اتخاذ قرارات يصعب تنفيذها في ظل استمرار الخلافات، لكنه لا يضمن إحراز تقدم جوهري في المفاوضات، خصوصًا إذا استمرت الفجوة بين الموقف المغربي المدعوم أمريكيًا وفرنسيًا، وموقف البوليساريو المدعوم من الجزائر. ومن شأن استمرار الجمود أن يبقي النزاع عرضة للتوترات المتقطعة، ويحد من فرص بناء الثقة بين الأطراف، فضلًا عن استمرار انعكاساته على العلاقات المغربية الجزائرية وعلى التعاون الإقليمي في منطقة المغرب العربي والساحل. لذلك، فإن تجنب التصعيد لا يرتبط فقط بصياغة قرار متوازن، بل يتطلب أيضًا توفير آلية تفاوضية مستدامة، وضمان استمرار قنوات الاتصال والرصد، وتحديد خطوات عملية تسمح بتحويل المشاورات الدبلوماسية إلى تقدم سياسي ملموس[31].
وبناءً على ذلك، فإن مستقبل الصحراء الغربية سيظل مرهونًا بالتفاعل بين ثلاثة عوامل رئيسية: اتجاه مجلس الأمن بشأن ولاية المينورسو، وقدرة الولايات المتحدة على بناء توافق دولي حول مقاربتها للتسوية، ومدى استعداد الأطراف المعنية للانخراط في مفاوضات دون التخلي عن مطالبها الأساسية. فإعادة تشكيل البعثة قد تفتح المجال أمام مقاربة جديدة لإدارة النزاع، لكنها قد تؤدي أيضًا إلى إضعاف أحد الأطر الأممية القائمة إذا لم تتوافر بدائل تحافظ على وظائف المراقبة والاتصال وتدعم العملية السياسية. ومن ثم، فإن الاختبار الحقيقي لا يتمثل في تغيير هيكل المينورسو أو مرجعيتها فحسب، بل في مدى قدرة هذه التغييرات على تهيئة الظروف لتسوية قابلة للاستمرار، تحد من احتمالات التصعيد وتراعي المتطلبات السياسية والقانونية للنزاع.
ختامًا، يعكس التصعيد الراهن في ملف الصحراء الغربية تحولًا مهمًا في طبيعة إدارة النزاع، إذ لم يعد الخلاف مقتصرًا على مستقبل الإقليم ومضمون التسوية السياسية، بل امتد ليشمل دور الأمم المتحدة وحدود ولاية بعثة المينورسو، ومدى قدرة مجلس الأمن على إعادة صياغة آليات التعامل مع القضية دون الإخلال بمبادئ التسوية التي استندت إليها الجهود الدولية على مدار عقود. وفي هذا السياق، تمثل مسودة القرار الأمريكية المطروحة في أكتوبر 2026 مؤشرًا على اتجاه نحو تعزيز المقاربة الداعمة لمقترح الحكم الذاتي المغربي، مع إعادة النظر في الدور التقليدي للبعثة الأممية. غير أن التهديد الذي أطلقته جبهة البوليساريو بالانسحاب من العملية السياسية يكشف عن اتساع الفجوة بين الأطراف بشأن الأساس الذي ينبغي أن تقوم عليه التسوية، خاصة فيما يتعلق بمفهوم تقرير المصير وحدود الخيارات المطروحة أمام سكان الإقليم.
وتتوقف التداعيات المستقبلية لهذا التصعيد على طبيعة الصيغة التي سيتوصل إليها مجلس الأمن، ومدى قدرته على تحقيق التوازن بين دعم المسار السياسي وتجنب الإجراءات التي قد تدفع أحد الأطراف إلى التخلي عن المشاركة فيه. فإعادة هيكلة المينورسو أو تقليص وجودها الميداني، إذا لم تقترن بضمانات واضحة لاستمرار العملية السياسية، قد تؤدي إلى إضعاف آليات المتابعة الدولية وتوسيع مساحة عدم اليقين بشأن مستقبل النزاع. كما أن استمرار التباين بين المواقف الأمريكية والفرنسية والبريطانية من جهة، والموقف الجزائري والاعتراضات التي تطرحها البوليساريو من جهة أخرى، يحد من فرص التوصل إلى توافق دولي واسع. ومن ثم، فإن اختبار المسار الراهن لا يتمثل فقط في تمرير قرار جديد أو تعديل ولاية البعثة، بل في مدى قدرة التحركات الدولية على إنتاج تسوية سياسية قابلة للاستمرار، تحد من احتمالات التصعيد، وتحافظ على دور الأمم المتحدة بوصفها إطارًا للتفاوض، بدلًا من أن تتحول إعادة تنظيم مهمتها إلى عامل إضافي لتعميق الانقسام.
[1] مسودة واشنطن تقوي موقف المغرب وتضيق هامش المناورة أمام البوليساريو، نُشر في 26 أكتوبر 2026، هسبريس.
[2] رئيس الجمهورية يراسل الأمين العام للأمم المتحدة في أفق مشاورات مجلس الأمن حول المينورسو، نُشر في 23 أكتوبر 2026، وكالة الأنباء الصحراوية.
https://spsrasd.info/ar/2026/10/23/18483.html
[3] MINURSO United Nations Mission for the Referendum in Western Sahara, United Nations.
https://minurso.unmissions.org/en/node/520?utm
[4] Western Sahara, security council report, October 2026 Monthly Forecast.
https://www.securitycouncilreport.org/monthly-forecast/2026-10/western-sahara-17.php?print=true&utm
[5] بوليساريو: القرار الأممي خطوة إيجابية نحو تقرير مصير الصحراء، نُشر في 3 نوفمبر 2025، DW.
[6] البوليساريو والصحراء الغربية: حقائق عن أحد أطول النزاعات في القارة الأفريقية، نُشر في 18 نوفمبر 2020، بوابة الشروق.
https://www.shorouknews.com/news/view.aspx?cdate=18112020&id=04a0d8e1-c37b-4484-8110-1b28eb08227f
[7] من المسؤول عن التصعيد بين المغرب وجبهة البوليساريو؟ نُشر في 21 نوفمبر 2020، BBC News Arabic.
https://www.bbc.com/arabic/inthepress-55027313
[8] الأمم المتحدة تعتمد “تقرير الصحراء”، نُشر في 25 أكتوبر 2026، هسبريس.
[9] UNSC Draft Would Rename MINURSO, Drop Referendum from Western Sahara Mission, Oct, 22, 2026, morocco world news.
[10] خبراء: هجوم البوليساريو على السمارة يدفع بتصنيفها “إرهابية”، نُشر في 9 مايو 2026، سكاي نيوز عربية.
[11] القضية الصحراوية في مجلس الأمن.. هل ستدفع واشنطن جبهة البوليساريو إلى التصعيد؟ نُشر في 25 أكتوبر 2026.
[12] البوليساريو تهدد بالانسحاب من عملية السلام إذا اعتمد مجلس الأمن المسودة الأمريكية بشأن الصحراء الغربية، نُشر في 24 أكتوبر 2026، القدس العربي.
[13] البوليساريو في مأزق.. مسودة واشنطن تضيق خياراتها مع اقتراب الحسم في ملف الصحراء المغربية، نُشر في 26 أكتوبر 2026، الحدث.
[14] البوليساريو ترفض فرض الحكم الذاتي وتتمسك بحل تقرير المصير، نُشر في 24 أكتوبر 2026، الشروق.
[15] ما هي صلاحيات إقليم الصحراء الغربية في خطة الحكم الذاتي؟ نُشر في 1 نوفمبر 2025، DW.
[16] Autonomy as the Only Solution for the Sahara and the Restructuring of MINURSO: Key Elements of the UN Draft Resolution, 23 october 2026, atalayar.
[17] الصحراء الغربية… واشنطن تنكفئ وسيناريوهات مفتوحة أمام “المينورسو”، نُشر في 11 أكتوبر 2026، مجلة المجلة.
[18] خطة الرباط للحكم الذاتي للصحراء المغربية.. ماذا تتضمن؟ نُشر في 1 نوفمبر 2025، سكاي نيوز عربية.
[19] جبهة البوليساريو مستعدة للموافقة على مقترح الحكم الذاتي المغربي إذا قبله الصحراويون، نُشر في 24 أكتوبر 2025، France 24.
[20] أبرز مضامين مبادرة المغرب للحكم الذاتي في الصحراء، نُشر في 19 ديسمبر 2025، الجزيرة نت.
[21] بوليساريو مستعدة لقبول مقترح الحكم الذاتي المغربي إذا قبله الصحراويون (قيادي لفرنس برس)، نُشر في 23 أكتوبر 2025، مونت كارلو الدولية.
[22] مبادرة الحكم الذاتي في الصحراء الغربية: الأبعاد القانونية والسياسية وسيناريوهات تسوية النزاع، نُشر في 10 نوفمبر 2025، مركز ترو للدراسات.
[23] جبهة البوليساريو تؤكد أن المسودة الأمريكية لا يمكن أن تشكل أساساً لأي مداولات حول المينورسو وتحث مجلس الأمن على إنقاذ عملية السلام خدمةًً للسلم والأمن في المنطقة، نُشر في 22 أكتوبر 2026، وكالة الأنباء الصحراوية.
https://spsrasd.info/ar/2026/10/22/18456.html?utm_source
[24] Polisario’s Exit Threat Risks Deepening Its Isolation as US Draft Backs Morocco’s Plan, Researcher Says, October 23, 2026, assahifa.
[25] US Draft Backs Morocco’s Autonomy as Sole Solution to Sahara Dispute, Proposes MINURSO Overhaul, Angers Polisario, October 22, 2026, assahifa.
[26] Western Sahara: US goes on offensive at UN to defend autonomy under Moroccan sovereignty, october 30, 2026, le monde.
[27] Security Council resolution 2797 (2025) [on extension of the mandate of the UN Mission for the Referendum in Western Sahara (MINURSO) until 31 Oct. 2026], 31 Oct. 2026, United Nations.
https://digitallibrary.un.org/record/4093666?utm_source
[28] Moroccan Sahara: Focus turns to UN Security Council’s next vote, october 24, 2026, hespress.
[29] Western Sahara, october 1, 2026, security council report.
https://www.securitycouncilreport.org/monthly-forecast/2026-10/western-sahara-17.php?utm
[30] US Proposes Radical Changes for UN Mission in Western Sahara, october 23, 2026, passblue.
https://passblue.com/2026/10/23/us-proposes-radical-changes-for-un-mission-in-western-sahara
[31] MINURSO’s Future: What the Security Council’s Choice May Reveal, october 14, 2026, Middle East Institute.
باحث في العلاقات الدولية بمركز ترو للدراسات والتدريب