مقدمة
أصبح الانقسام الحزبي في الولايات المتحدة يتخذ أبعادًا تتجاوز الخلافات التقليدية بين الديمقراطيين والجمهوريين حول القضايا والسياسات العامة ليشمل طبيعة المشاعر المتبادلة بين أنصار الحزبين، وانعكاسات التنافس السياسي على حياتهم النفسية والاجتماعية. وفي هذا السياق، يتناول كتاب “الدولة القلقة” مظاهر التوتر السياسي والاستقطاب الوجداني في المجتمع الأمريكي، ويرصد كيف أصبح الانشغال بالشأن السياسي مرتبطًا بالضغط النفسي وتوتر العلاقات الاجتماعية. وينطلق المؤلفون من تصور يجمع بين العداء الحزبي والإنهاك الانفعالي وتراجع الروابط الاجتماعية باعتبارها مظاهر مترابطة تسهم في تشكيل المناخ السياسي الأمريكي المعاصر.
تكتسب الدراسة أهميتها من توقيتها، فقد تابع الباحثون الرأي العام في عام الانتخابات الرئاسية 2024 الذي شهد محاولة اغتيال “دونالد ترامب”، وانسحاب “جو بايدن” من السباق، وانتقال الترشيح الديمقراطي إلى “كامالا هاريس”. أتاحت هذه الوقائع اختبار سؤال مهم: “هل ترفع الأحداث الاستثنائية منسوب التوتر والاستقطاب، أم أن الناخبين يدخلون الموسم الانتخابي وقد استقرت لديهم بالفعل مستويات مرتفعة من القلق والعداء؟” ويتناول الكتاب تلك الأحداث في إطار قياس استجابة الناخبين لها.
شارك في تأليف هذا الكتاب أربعة باحثين أمريكيين هم: ” ستيفن نيلي” الأستاذ المشارك بجامعة جنوب فلوريدا، “وكيفن بي. سميث” أستاذ العلوم السياسية بجامعة نبراسكا–لينكولن، إلى جانب “سافانا هافيرد” و”ميغان كورن” الباحثتين في مرحلة الدكتوراه بجامعة جنوب فلوريدا. وتتنوع اهتمامات المؤلفين البحثية بين العلوم السياسية والإدارة العامة والسلوك السياسي والسياسات العامة، وهو ما انعكس على تناول الكتاب للأبعاد النفسية والاجتماعية للاستقطاب الحزبي في الولايات المتحدة.
تتمثل القيمة الأساسية للكتاب في نقل النقاش من آثار الاستقطاب في التصويت والحكم إلى تكلفته النفسية والاجتماعية. لكنه يطرح _في الوقت نفسه_ مسألة منهجية تحتاج إلى ضبط: إلى أي حد يمكن الاستدلال من تكرار مؤشرات مرتفعة خلال سنة واحدة على أن الظاهرة أصبحت مزمنة؟ ويناقش العرض هذه المسألة من خلال أطروحة الكتاب ومنهجه، ثم نتائجه بشأن التوتر والاستقطاب، وأخيرًا فكرة “الحلقة القلقة” ودلالاتها.
ينقسم الكتاب إلى ثلاثة أقسام رئيسية: التوتر السياسي في الفصول من الثاني إلى السادس، والاستقطاب الوجداني في الفصول من السابع إلى العاشر، ثم استخلاص النتائج العامة ومناقشة “الحلقة القلقة” في الفصلين الحادي عشر والثاني عشر. وتساعد هذه البنية على فصل قياس كل ظاهرة عن بحث الصلة بينهما، وإن كان الربط السببي بينهما يتجاوز ما تسمح به طبيعة البيانات المتاحة.
أولًا: إشكالية الكتاب وأطروحته ومنهجه
ينطلق المؤلفون من إشكالية تتعلق بمدى رسوخ التوتر السياسي والاستقطاب الوجداني في حياة الناخب الأمريكي، وبالعوامل التي تجعل بعض الفئات أشد تعرضًا لهما، ولا سيما أنماط استخدام وسائل الإعلام. وينصرف اهتمامهم إلى قياس حجم الظاهرتين واستقرارهما أكثر من انصرافه إلى تقديم تاريخ شامل لنشأتهما. وتقوم الأطروحة المركزية على أن السياسة تحولت إلى خبرة انفعالية متكررة يختلط فيها الخوف من انتصار الحزب المنافس بالشعور بالإرهاق من الأخبار والمنازعات السياسية.
أجرى الباحثون أربعة مسوح وطنية للناخبين المسجلين في 23_27 يناير، و3_9 مايو، و28 يوليو_3 أغسطس، و22_27 أكتوبر 2024. وبلغ حجم كل عينة 1500 مستجيب بإجمالي 6000 استجابة. واستخدموا عينة حصص طبقية مستمدة من لوحة استجابة إلكترونية مع مراعاة الأقاليم والسن والنوع والعرق والإثنية والتعليم والانتماء الحزبي. وقد سمح تكرار أدوات القياس بالمقارنة بين فترات مختلفة من الحملة، ومنها فترة تلت محاولة اغتيال ترامب وانسحاب بايدن مباشرة.
ولا بد هنا من التمييز بين المسح المتكرر والدراسة الطولية: فالاستبيانات تستهدف الفئة السكانية نفسها لكنها لا تتتبع بالضرورة الأشخاص أنفسهم. وبذلك تصلح البيانات لرصد التغير في المتوسطات والاتجاهات العامة، لا لإثبات كيف تغيرت مشاعر ناخب بعينه بعد حدث محدد. ويعتمد التحليل على مقارنات وصفية واختبارات للعلاقات الإحصائية وتحليل انحدار إلى جانب الاستفادة من بحوث علم السياسة وعلم النفس.
ثانيًا: التوتر السياسي والاستقطاب الوجداني ووسائل الإعلام
يعرض القسم الأول التوتر السياسي باعتباره استجابة نفسية وجسدية قد تنشأ عن الإحساس الدائم بأن القضايا والنتائج الانتخابية تحمل تهديدًا شخصيًا. ويتناول المؤلفون ما يبلغ عنه الناخبون من قلق وغضب واضطراب في النوم وتأثر العلاقات الاجتماعية. وأبرز ما تكشفه المسوح هو استمرار المؤشرات عند مستويات مرتفعة عبر موجات 2024 من غير ارتفاعات حادة تتناسب مع استثنائية الأحداث السياسية. ولهذا يدعو المؤلفون إلى التعامل مع تبعات السياسة على الصحة والرفاه بوصفها مسألة تتجاوز الانزعاج العابر.
ومع ذلك لا يتساوى الناخبون في مقدار هذا العبء. فتظهر مستويات أعلى لدى الأصغر سنًا وبخاصة النساء من الجيل “زد”، كما يرتبط التعليم الجامعي بمزيد من الآثار السلبية المبلغ عنها. ولا يفسر الكتاب هذه الفروق بعامل واحد، إذ قد تتداخل درجة الاهتمام السياسي مع كثافة التعرض للأخبار وطبيعة استخدام المنصات الرقمية. وعلى مستوى العلاقات، تشير النتائج إلى انتشار الخلافات السياسية بين الأصدقاء وداخل الأسر مع بقاء معدلاتها مستقرة نسبيًا طوال سنة الدراسة.
أما القسم الثاني فيتناول الاستقطاب الوجداني، أي النفور من أنصار الحزب الآخر وعدم الثقة فيهم، وهو أمر يختلف عن مجرد التباعد بشأن البرامج والسياسات. واستنادًا إلى مقاربة الهوية الاجتماعية، يرى المؤلفون أن الانتماء الحزبي أصبح لدى كثيرين محددًا لهوية “نحن” في مقابل “هم”. وتظهر البيانات أحكامًا سلبية متبادلة بين الديمقراطيين والجمهوريين لا تتناسب دائمًا مع الفروق الفعلية في مواقفهم من بعض القضايا كما لم تتغير هذه الأحكام بصورة جوهرية بين بداية 2024 ونهايتها.
يصل الإعلام بين المحورين، فالإكثار من متابعة الأخبار والتعرض للمحتوى السياسي على وسائل التواصل يرتبط بمستويات أعلى من التوتر بينما يقترن الاعتماد على الأخبار الحزبية بمزيد من العداء تجاه الطرف الآخر لدى أنصار الحزبين. ووجد الباحثون علاقة أوضح بين استخدام البودكاست ووسائل التواصل والاستقطاب لدى الجمهوريين مقارنة بالديمقراطيين. لكن هذه علاقات رصدية، فقد يكون الأكثر توترًا أو استقطابًا هو أيضًا الأكثر إقبالًا على المصادر التي تعزز اهتمامه السياسي، ومن ثم لا يجوز اختزال المشكلة في وسيط إعلامي بعينه.
ثالثًا: “الحلقة القلقة” وآثارها في الحياة الديمقراطية
يجمع القسم الأخير بين نتائج التوتر والاستقطاب من خلال فكرة “الحلقة القلقة”. فحين يرى المواطن أن فوز الحزب المنافس تهديد لقيمه أو لمستقبله تزداد احتمالات معاناته من الضغط السياسي، وقد يسهم هذا الضغط بدوره في تعميق موقفه السلبي من الخصم. ويشير المؤلفون إلى أن العلاقة قد تكون متبادلة لكنهما لا يقدمانها كحقيقة سببية محسومة. ففي نموذج الانحدار المعروض في الفصل الثاني عشر، يرتفع المتوسط المتوقع لمؤشر التوتر من نحو 4.6 لدى من ينسبون 10% من الصفات السلبية المحتملة إلى أنصار الحزب الآخر، إلى نحو 6.7 لدى من ينسبون 90% منها. تثبت المقارنة اقتران الظاهرتين، ولا تثبت أيهما يسبق الأخرى أو يسببها.
تكتسب هذه النتائج وزنًا سياسيًا يتجاوز المشاعر الفردية. فإذا جرى النظر إلى الحزب المنافس وأنصاره باعتبارهم غير جديرين بالثقة أو فاقدين للمشروعية الأخلاقية تصبح التسوية أصعب، ويضيق المجال أمام نقاش عام يعترف بالاختلاف بوصفه جزءًا طبيعيًا من المنافسة الديمقراطية. وفي المقابل، قد تتحول المتابعة السياسية المكثفة _التي يُفترض أنها تعزز المشاركة والمساءلة_ إلى سبب للإرهاق والانسحاب من التفاعل الاجتماعي. ولا يقدم الكتاب اختبارًا مباشرًا لكل هذه النتائج المؤسسية، وإنما تبرز هنا باعتبارها دلالات محتملة لما يكشفه عن المناخ الحزبي.
وفيما يتعلق بسبل الحد من هذه الحلقة، يركز المؤلفون على بعض الإجراءات الفردية، مثل: تنظيم متابعة الأخبار واختيار مصادر المعلومات بعناية، وتحسين التعامل مع أصحاب المواقف السياسية المختلفة. كما يؤكدون أهمية تحقيق التوازن بين متابعة الشأن العام والحد من التعرض المستمر للمحتوى السياسي المثير للتوتر. ومع ذلك، تظل فاعلية هذه الإجراءات مرتبطة بعوامل أوسع من بينها دور وسائل الإعلام والنخب الحزبية في زيادة حدة الاستقطاب السياسي.
رؤية نقدية
تتمثل أبرز نقاط القوة في الكتاب في الجمع بين دراسة الاستقطاب الوجداني ودراسة التوتر المرتبط بالسياسة ضمن مشروع ميداني واحد. كما أن إجراء أربعة مسوح أثناء انتخابات حافلة بالتحولات أتاح للباحثين اختبار افتراض شائع هو “أن كل صدمة سياسية كبيرة ترفع تلقائيًا مستويات القلق والعداء”. وكان لافتًا أن النتائج لم تُظهر تغيرات واسعة في المؤشرات العامة رغم حدة ما جرى. بالإضافة إلى التمييز بين ارتباط المتغيرات وإثبات العلاقة السببية.
لكن حدود الدراسة لا تقل أهمية عن نتائجها. فاعتماد عينات متعاقبة بدل تتبع الأفراد يمنع الجزم بأن الشخص نفسه ظل على المستوى ذاته من التوتر أو الاستقطاب. كما تعتمد مؤشرات الأثر الصحي واستهلاك الإعلام على إجابات المشاركين بما يفتح الباب لتحيزات التذكر والتقدير الذاتي. ويضاف إلى ذلك أن استقرار المتوسطات خلال عام انتخابي واحد لا يكفي منفردًا للحكم على استمرارية الظاهرة في المدى الطويل، وإن كانت نتائج الكتاب تتسق مع دراسات سابقة أوسع زمنًا.
ينجح الكتاب بصورة أكبر في توثيق مظاهر “الدولة القلقة” منه في تفسير الشروط التي أنتجتها. فهو لا يختبر بالتفصيل أثر النظام الحزبي الثنائي، أو الحوافز الانتخابية، أو سلوك القيادات السياسية، أو تراجع الثقة بالمؤسسات. وهذا ليس إخفاقًا في تحقيق الهدف الذي حدده المؤلفون لأنفسهم لكنه يضع حدًا لما يمكن استخلاصه من نتائجه. كذلك فإن بناء توصياته العملية حول ضبط الاستهلاك الإعلامي وإدارة الاختلاف يجعل الاستجابة أقرب إلى حماية الفرد منها إلى معالجة مصادر الأزمة على المستوى المؤسسي. وأخيرًا، فإن تعميم النتائج على نظم متعددة الأحزاب يحتاج إلى دراسات مقارنة تراعي اختلاف أنماط الهوية والتحالفات السياسية.
ختامًا، يقدم “الدولة القلقة” وصفًا تجريبيًا متماسكًا لكلفة الانقسام الحزبي على الحياة النفسية والاجتماعية للناخبين الأمريكيين. وتكمن إضافته في إظهار أن التوتر السياسي والعداء الوجداني قد يظلان مرتفعين حتى حين تتوالى الأحداث الانتخابية الاستثنائية، وفي إبراز الدور الذي تؤديه الهوية الحزبية والبيئة الإعلامية في هذا المناخ. غير أن الانتقال من رصد الظاهرة إلى تفسير أسبابها وتحديد وسائل الحد منها يقتضي بحوثًا طولية ومقارنة وتحليلًا أعمق للمؤسسات والحوافز السياسية. وعليه، تُقرأ نتائج الكتاب بوصفها دليلًا مهمًا على طبيعة الخبرة السياسية الأمريكية المعاصرة لا تفسيرًا نهائيًا لأزمة الاستقطاب في الديمقراطيات كافة.
باحث في النظم السياسية بمركز ترو للدراسات